Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
فعمل على علمه بعد الذكر، وكذلك خبر عمر.
مسألة: [حكم قبول خبر القاضي لتنفيذ ما أمر به]
قال أبو جعفر: (وإذا قال القاضي لرجل: اقطع يد هذا، فإنه قد سرق ما يجب فيه القطع، وقد حكمت به عليه، أو قال: فارجمه؛ لأنه زنى، أو قال: قد قضيت عليه لهذا بألف ردهم: فإن قول القاضي مقبول في ذلك كله، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد بأخرة: لا يسعه حتى يشهد مع القاضي عدل آخر، ويكون القاضي عدلًا، وفي الزنى: يشهد معه ثلاثة).
وجه قول أبي حنيفة: أن القاضي مسلط على ذلك، أمين فيه، يملك القضاء به، فقبل قوله فيه، كما يقبل قول الوكيل بالبيع والطلاق، وسائر العقود التي تتعلق صحتها بفعله وحده إذا قال: قد أمضيته وعقدته.
والمعنى في جميع ذلك: أنه يملك إيقاعه في الحال، كذلك القاضي لما كان يملك القضاء بهذه الحقوق عليه في الحال، وجب أن يكون مصدقًا فيها.
ولذلك قالوا: إنه لو عزل، ثم أخبر بذلك: لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه لا يملك القضاء بها في الحال، كما أن الوكيل إذا عزل، ثم قال: قد كنت عقدت: لم يلتفت إلى قوله.
وكما أن المطلق لامرأته طلاقًا رجعيًا، إذا قال قبل مضي ثلاث حيض: قد كنت راجعتها أمس: كان مصدقًا؛ لأنه يملك الرجعة في
стр. 3502
الحال، ولو مضت ثلاث حيض، ثم قال: قد كنت راجعتها قبل انقضاء العدة: لم يصدق، إذ كان غير مالك لها في الحال.
ويدل عليه أيضًا: قول النبي ﵊: "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
ومعلوم أن الرجم لا يكون به وحده، بل به وبجماعة غيره، لقول الله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾، فقد تضمن الخبر جواز قبول قوله عليها في صحة إقرارها بما يوجب رجمها، إذ قد أجاز لهم أن يرجموها بقوله، لأنه لم يقل له: ارجمها إلا وقد أجاز له أن يجيز غيره بما يوجب عليها من الرجم، ليرجمها معه.
ويدل عليه أيضًا: قول علي ﵁: "الرجم رجمان: رجم سر، ورجم علانية".
فرجم السر هو الذي يبدأ الإمام، ثم الناس، فقد أجاز لهم رجمها بقوله.
* وقال محمد: لم يكن هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ ، في أن يصدق على غيره بغير بينة؛ لأنه ﵊ كان مأمون الغيب، وقد اتفقنا على أنه لا يقول إلا حقًا، ومن سواه جائز عليه السهو والغلط والكذب في إخباره.
стр. 3503
ويدلك على ذلك: حديث أبي برزة الأسلمي "أن أبا بكر غضب على رجل من المسلمين، واشتد غضبه. قلت: يا خليفة رسول الله! اضرب عنقه، فقال: أو كنت فاعلًا؟
قال: قلت: نعم، ولئن أمرتني لفعلت.
قال: ويحك! إن ذلك- والله- ما بقي لأحد بعد محمد ﵊".
* * * * * *
стр. 3504
كتاب الشهادات
مسألة: [الشهادة على الخبر المستفيض]
قال أبو جعفر: (وجائز للرجل أن يشهد على موت رجل ممن قد اشتهر موته، أو أخبره بذلك من يثق به، ممن ذكر له أنه قد عاينه، من رجل أو امرأة).
قال أحمد: الموت، والنكاح، والدخول، والنسب، لا خلاف بين أصحابنا في جواز إقامة الشهادة عليها بالخبر المستفيض، ذلك لأن طريق إثباتها الخبر والاشتهار، ألا ترى أنك تشهد على نسب أبي بكر وعمر وعامة السلف وموتهم، وتعلم أن عائشة كانت زوج رسول الله ﷺ ، وأنه كان دخل بها، فهذه أمور يصير الخبر المستفيض فيها كالمعاينة.
فإن لم تكن معاينة، وأخبره بذلك من يثق به، أنه عاينه ميتًا: جاز للشاهد أن يشهد بموته أيضًا؛ لأنه لما كان طريقه الخبر: سقط فيه اعتبار العدد، كسائر أخبار الآحاد.
[مسألة:]
قال: (ولا يجوز للرجل أن يشهد على الولاء المشهور في قول أبي
стр. 3505
حنيفة، وجائز له ذلك في قول أبي يوسف ومحمد).
لأبي حنيفة: في إثبات الولاء: إثبات العتق؛ لأنه من أحكامه، وبه تتعلق صحته، والعتق لا يثبت بالخبر المستفيض، فكذلك ما يتعلق به الولاء.
وليس كالنسب؛ لأن النسب يتعلق بالفراش، والفراش يصح ثبوته من جهة الاستفاضة.
وأيضًا: فالولادة قد تثبت بقول امرأة واحدة، فهي أولى بأن تثبت بالاستفاضة.
قال أحمد: وأما أبو يوسف: فإنه قد حكي عنه أنه كان لا يثبت الولاء في رجل أو امرأة بعينها بالخبر المشهور؛ لما فيه من إثبات عتقهما.
وإنما يقبل فيه خبر الاستفاضة إذا كان له أبوان أو ثلاثة في الإسلام في الولاء، ويكون مشهورًا، فيصير حينئذ بمنزلة النسب؛ لقول النبي ﵊: "مولى القوم من أنفسهم".
وقوله: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
стр. 3506
فإذا لم يحتج فيه إلى إثبات عتق شخص بعينه: صار كالنسب.
مسألة: [الشهادة على دار بأنها لفلان الميت]
قال أبو جعفر: (فإذا شهد شاهدان أن فلانًا مات، وهذه الدار في ملكه، وتركها ميراثًا لابنه هذا، لا يعلمان له وارثًا غيره: فهو جائز، ولا يكلفان أكثر من هذا).
قال أحمد: وذلك لأنهما قد أثبتا ملك الميت إلى وقت الموت، وأثبتا نقلها إلى الابن بالموت، وهو المستحق للميراث، ما لم يثبت من يزاحمه فيه.
وقولهما: إنهما لا يعلمان له وارثًا غيره: ليس بشهادة في الحقيقة لأنه نفي، والشهادة لا تصح على النفي.
وأيضًا: فإنما شهدا على نفي العلم، والشهادة إنما تصح على العلم، قال الله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾.
ولو لم يقولا: لا نعلم له وارثًا غيره: تلوم القاضي في ذلك، ثم دفع إليه المال، فإنما أسقط التلوم عن القاضي بقولهما: لا نعلم له وارثًا غيره؛ لأن القاضي إنما يرجع إلى مثلهما في المسألة عن عدد الورثة، فإذا قالا له: لا نعلم له وارثًا غيره دفع إليه.
وإنما دفع إليه الميراث بعد التلوم وإن لم يشهدا أنهما لا يعلمان له
стр. 3507
وارثًا غيره؛ لأن الابن يستحق جميع الميراث ما لم يكن له من يزاحمه فيه، فلما وجد سبب الاستحقاق، وهو النسب، وجب أن يستحق تسليمه إليه، إلا أن القاضي ينبغي له أن يحتاط للميت في المسألة عن عدد ورثته، لئلا يأخذ ماله غير مستحقه.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ويأخذ منه كفيلًا ثقة).
قال أحمد: وذلك لأن البينة لم تقم على عدد الورثة، ولا يأمن أن يكون هناك وارث غيره، فيحتاط فيه.
مسألة: [شهدا ألا وراث له غير من ذكرا]
قال أبو جعفر: (لو شهدا أنه لا وارث له غيره، فإن القياس في ذلك أن لا يقبل القاضي شهادتهما على ذلك؛ لأنهما شهدا على غيب، وعلى ما لا يجوز لهما الشهادة عليه، إلا أنه استحسن، فقبل الشهادة، وحمل ذلك على معنى العلم).
قال أبو جعفر: (وكذلك لو شهدوا أنه أبوه: كان هذا والأول سواء، وسواء في هذا شهدوا أنه وارث الميت، أو لم يشهدوا بذلك، وكذلك إذا قالوا: هي زوج فلان، أو هذا زوج فلانة).
وذلك لأن هؤلاء يستحقون الميراث بأنفسهم، ولايحجبون بغيرهم
стр. 3508
إذا كانوا من أهل الميراث، فوجب أن يستحقوه بثبوت النسب، الذي به يتعلق استحقاق الميراث.
فإن قيل: فقد يحرمون الميراث بالرق، والكفر، والقتل ونحوه، فلا ينبغي أن يستحقوه حتى يشهد الشهود مع النسب والزوجية بأنه وارث.
قيل له: ليس هذا بحجب، وإنما قلنا إنهم لا يحجبون بغيرهم، ويستحقونه بأنفسهم، ما لم يعرض ما يسقطه.
كما أن من استحق ملكًا في وقت، فهو ثابت له حتى يثبت ما يوجب زواله.
وأيضًا: فإنهم يستحقون الميراث بالنسب والسبب اللذين ذكرنا، حتى يوجد فيهم السبب الموجب لحرمانة، وهو الكفر والرق والقتل.
وليس هو كالأخ والأخت والعم ونحوهم؛ لأن هؤلاء لا يستحقون الميراث بأنفسهم، إذ قد يلحقون الحرمان مع كونهم من أهل الميراث، بحجب غيرهم إياهم، ولم يحرموا الميراث بمعنى فيهم، بل لأن غيرهم استحقه دونهم، فلم يثبت أنهم مستحقوه حتى يشهد الشهود به.
* قال: (والأم في جميع ما وصفنا كالأب).
لأنها لا تحجب عن الميراث بحال.
مسألة: [ثبوت الزوجية لشخص، وعدم ثبوت قصر الميراث عليه]
قال أبو جعفر: (ولو ثبت عند القاضي لرجل أنه زوج فلانة المتوفاة،
стр. 3509
ولم يثبت عنده أنه لا وارث لها سواه، فإن أبا حنيفة قال: يقضي له القاضي بأقل ما يكون له من الميراث من نصيب الزوج، ولم يفسر أكثر من هذا).
قال أحمد: وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: أبو حنيفة يجعل للزوج الربع، وللمرأة الثمن، وهو أقل ما تستحقه من غير عول، ولا مزاحمة نساء غيرها في الثمن.
ووجه ذلك: أن الزوج والزوجة لا يستحقان الميراث بأنفسهما، وإنما يستحقانه بسبب منقطع غير ثابت في الحال، فكل واحد منهما يستحق في حال فرضًا، وفي حال فرضًا آخر، لأجل الحجب، فصار كل واحد منهما فيما فضل عن الأقل بمنزلة الأخر والأخت ونحوهما.
ومن يجوز أن يحجب، فلا يستحقه، كما لا يستحق من يحجب بحال شيئًا حتى تقوم البينة أنه مستحقه.
وليس كذلك الأم والبنت؛ لأنهما تستحقان الميراث بأنفسهما، لقيام النسب الموجب لهما استحقاقه، تارة بالفرض، وتارة بالرد، فلما كان السبب الموجب لهما ذلك قائمًا، وجب أن يستحقا الجميع حتى يثبت أن هناك من يستحق عليه بعضه.
ويدلك على الفصل بينهما: اتفاق الجميع أن الزوجين لا يرد عليهما، لانقطاع سببهما، وأن سائر الورثة من ذوي السهام يرد عليهم.
ولم يعتبر أبو حنيفة العول، ولا جواز أن تكون معها من تزاحمها من
стр. 3510
الزوجات؛ لأن استحقاق ذلك عليها ليس من جهة الحجب، وإنما هو من جهة المزاحمة، فأشبها في هذا الوجه الأم والبنت، في أن ما يحطهما عن استحقاق الجميع: من جهة المزاحمة والشركة، فسقط اعتباره، إذ كانا يستحقان الجميع لقيام السبب الموجب، وينقصان عن ذلك بالشركة، ونحن لا نعلمها.
قال: (وقال محمد: يقضى له بالنصف من الميراث، وللمرأة بالربع).
وجه ذلك: أنه جعلهما بمنزلة الأم والبنت في أنهما تستحقان الجميع، إذ كانتا من أهل الميراث، ولم تحجبا عنه بمن لا نعلمه حجبهما.
كذلك الزوج يستحق النصف، والزوجة الربع، فلا نحطهما عن ذلك، حتى نعلم من يوجب حجبهما عن ذلك.
قال: (وقال أبو يوسف فيما رواه عنه أصحاب الإملاء: يقضى له بخمس الميراث؛ لأن أحسن أحواله في الميراث أن يكون معه للميتة ابنتان وأبوان، فيكون له الخمس).
لأن الفريضة من اثني عشر، للابنتين الثلثان: ثمانية، وللأبوين السدسان: أربعة، وللزوج الربع: ثلاثة، فهي عائلة بثلاثة، فتصير خمسة عشر، له ثلاثة من ذلك، وهو الخمس، وللمرأة جزء من ستة وثلاثين جزءًا؛ لأن أحسن أحوالها أن يكون معها بنتان، وأبوان، وثلاث زوجات، فيكون لها ربع التسع، وأقل مال له: تسع، ولتسعه: ربع ستة وثلاثون؛
стр. 3511
لأنا إذا ضربنا تسعة في أربعة، يكون ستة وثلاثين، للنسوة التسع، أربعة بينهن، لكل واحدة سهم، فلذلك كان لها جزء من ستة وثلاثين.
قال أحمد: وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أن لها ربع خمس ميراث الميت.
وقال أبو يوسف: أدفع إليها ربع الثمن.
فوجه قول أبي حنيفة في هذه الرواية: أنه لم يثبت أن هناك من يحجبها، فجعل لها الربع مع ثلاث نسوة، وجعل الفريضة عائلة، كأن الميت ترك أختين لأب، وأم، وأختين لأم، وأربع نسوة، فللأختين من الأب والأم الثلثان: ثمانية، وللأختين من الأم أربعة: الثلث، وللنسوة الربع: ثلاثة، فالفريضة من اثني عشر، عالت بثلاثة، فكان لهن الخمس، ولها الربع منه.
ووجه قول أبي يوسف في هذه الرواية: أنه لم يجعل الفريضة عائلة، ولم ينقصها بالحجب شيئًا، ونقصها بالمزاحمة.
مسألة: [شهدا أن الدار كانت في يد فلان]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد شاهدان عند القاضي أن هذه الدار كانت في يدي فلان، مات وهي في يده: أجاز ذلك، وقضى به).
قال أحمد: وذلك لأنهم قد شهدوا باليد، وجهة الملك؛ لأن الموت جهة ينتقل بها الأملاك، ومتى حصلت الشهادة على هذا الوجه: جاز إثبات الملك بها.
стр. 3512
والدليل على ذلك: أنهم لو شهدوا بالبيع والتسليم، كان ذلك شهادة بالملك وإن لم يصرحوا به في لفظ الشهادة؛ لأنهم شهدوا باليد، وجهة ملك، إذ لا سبيل إلى إثبات الأملاك من جهة الحقيقة، وإنما يرجع فيها إلى ظاهر اليد والتصرف.
[مسألة:]
قال: (ولو شهدوا أنها كانت في يده منذ شهر: لم يقبل ذلك، ولم يقض به).
وذلك لأن الشهادة باليد على الإطلاق، ليست شهادة بالملك، إذ كان ظاهر اليد لا يوجب الملك، ما لم ينضف إليها التصرف.
وقد كان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: فيما قال أبو حنيفة في الجامع الصغير: "إذا رأيت في يد إنسان شيئًا سوى العبد والأمة: وسعك أن تشهد أنه له": أن معناه: إذا رأيته في يده يتصرف فيه تصرف الملاك، فإن اليد من غير تصرف، لا توجب له جواز الشهادة بالملك.
قال: وقد بين ذلك أبو يوسف في غير هذا الموضع.
وإذا كان تحصيل المذهب في هذه المسألة على ما وصفنا، لم يكن في شهادة الشهود بيد كانت: شهادة بالملك، وإنما حصلت هناك شهادة بيد، لا ملك معها، ولا جائز لنا إبطال يد مشاهدة لمن هو في يده، بيد تريد إثباتها بالبينة؛ لأن اليد المشاهدة آكد وأثبت مما يريد إثباته بالبينة.
وليس ذلك مثل شهادتهم بأنها كانت منذ شهر؛ لأن الملك إذا ثبت في وقت، فهو ثابت في سائر الأوقات حتى يستحق.
واليد المشاهدة للذي هي في يده، لا تعارض شهادة الملك، ولا تنافيه، إذ ليس يمتنع صحة يده، مع ثبوت الملك فيها لغيره.
стр. 3513
وليست شهادتهم بأنها كانت في يده، كشهادتهم بأنه مات وهي في يده، لما ذكرنا من أن الموت لما كان جهة ينتقل بها الأملاك، صارت شهادتهم باليد من جهة الملك، شهادة بالملك.
وأما إذا أفردوا اليد عن جهة ملك، فلا سبيل إلى إثبات الملك بها، فكانت اليد المشاهدة أولى مما يريد إثباته بالبينة.
وليست الشهادة بيد كانت للمدعي ليست موجودة في الحال، كإقرار الذي في يده أنها كانت في يد المدعي أمس، فيؤمر بردها إليه؛ لأن إقراره جائز على نفسه في بطلان يده.
وليس كالبينة؛ لأن البينة لا يثبت حكمها إلا بقضاء القاضي بها، واليد المشاهدة مانع من القضاء بها، لأن اليد المشاهدة يقين، واستحقاقها بالبينة ليس بيقين، فلا يجوز الحكم بها، وأما الإقرار، فحكمه ثابت بنفسه، لا يحتاج في صحته إلى قضاء القاضي به، فجاز عليه، وفسخ بها يد المشاهدة.
وفصل آخر بين البينة والإقرار: وهو أن البينة لا تقبل على المجاهيل، والشهادة بيد كانت شهادة على مجهول؛ لأن الأيدي مختلفة، منها مضمونة، ومنها أمانة، وعلى وجوه كثيرة، فلم يجز قبول الشهادة عليه، والإقرار يصح بمجهول، ألا ترى أنه لو أقر له بشيء: جاز إقراره، وأجبر على البيان، ولو شهد له بشيء مجهول: لم تجز الشهادة.
وقد كان أبو الحسن يحتج بذلك لبطلان الشهادة على يد كانت، فألزمناه عليه إذا ادعى رجلان دارًا، وأقام كل واحد منهما البينة على اليد،
стр. 3514
وليست في يد غيرهما: أن البينة مقبولة وإن شهدا بيد مجهولة.
فكان يعتمد بعد ذلك على الوجه الأول، الذي قدمنا، وهو أن يدًا مشاهدة لا تبطلها يد يريد إثباتها بالبينة.
مسألة: [أقام المدعي البينة على الدار أنها لأبيه، مات عنه وعن أخيه]
قال أبو جعفر: (ومن أقام البينة على دار في يد رجل أنها كانت لأبيه، مات وتركها ميراثًا بينه وبين أخيه فلان الغائب، لا وارث له غيرهما: قضى القاضي له بنصفها، وترك النصف الباقي في يدي الذي هي في يديه وإن كان منكرًا لدعواه، في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يخرج نصيب الغائب من يده، ويضعه على يد عدل.
ولو كان الذي هي في يده مقرًا بأنها للميت: ترك نصيب الغائب في يده في قولهم جميعًا).
وجه قول أبي حنيفة: إذا كان الذي هي في يده منكرًا: أن القاضي لا يجوز تصرفه على الغائب، ولا أخذ أمواله التي لا يخشى عليه التوى، والدار محفوظة بنفسها، لا يخاف عليها التوى والهلاك، فلا ينزعها من يد من هي في يده، إذ ليس هناك وكيل للغائب يقبضه، ألا ترى أنه لو كان مقرًا، لم يخرج نصيب الغائب من يده، كذلك إذا كان منكرًا.
وقال أبو يوسف ومحمد: للقاضي أن يتصرف على الأموات، ويحفظ عليهم أموالهم، لكي إن حدث دين أو وصية صرفها فيها، ولا يؤمن إذا
стр. 3515
كان الذي في يده جاحدًا، أن يحضر الغائب وقد مات شهوده، فلا يصل إلى أخذ الدار منه، فيتوى حقه.
مسألة: [الأشياء التي يسع الشاهد أن يشهد عليها]
قال أبو جعفر: (ويسع الشاهد أن يشهد إذا رأى في يد رجل شيئًا مما يدعيه لنفسه، ومما يقع في قلبه تصديقه أنه له، إلا العبد والأمة، فإنه لا يسعه أن يشهد عليهما بالرق، حتى يقرا بذلك).
قال أحمد: تحصيل المذهب فيه على ما حكيناه عن شيخنا أبي الحسن الكرخي ﵀ قبل ذلك مما حكاه عن أصحابنا.
وأما العبد والأمة فلا يسع ذلك فيهما؛ لأنهما في أيدي أنفسهما، لأن ظاهر أحوال الناس الحرية، والرق طارئ، فلا يحكم به حتى يعلم حدوثه.
فإن قيل: ظاهر اليد، والتصرف أيضًا يوجب الملك، فقد اجتمع فيه ظاهران: أحدهما لإيجاب الملك، والآخر لنفسه، فلم غلبت جهة نفي الملك على جهة إثباته؟
قيل له: لأن الأصل هو الحرية، وهو في يد نفسه، وقد يستعمله غيره في حوائجه على جهة الاستئجار وغيره، وهذا ظاهر معلوم من حاله بدءًا قبل العلم بحدوث الرق.
وما ذكرت من التصرف: فظهور اليد للغير عليه، لا ينفي كون يده على نفسه؛ لأن ذلك يوجد في الحر، فقولك: إن هناك ظاهرًا يقتضي
стр. 3516
إيجاب الملك لمن هو في يده: خطأ.
* قال: (وسواء كانا صغيرين أو كبيرين بعد أن يكونا ممن يعبر عن نفسه).
وذلك لوجود العلة التي ذكرناها فيهما.
مسألة: [حكم من ادعى الرق على طفل صغير في يده]
قال أبو جعفر: (ومن كان في يده صبي، فقال: هو عبدي، ولا يعبر عن نفسه: فالقول قوله، فإن كبر، وأنكر الرق: لم يلتفت إلى جحوده).
وذلك لأن الصغير الذي لا يعبر عن نفسه بمنزلة الثوب، والدابة، وهو ممن تثبت عليه يد، فصدق الذي هو في يده على دعوى الرق، كما صدق في الدابة، والمعنى الجامع بينهما: أن كل واحد منهما لا قول له، وهو ممن تثبت عليه يد.
فإن قيل: لما كان ظاهر حال الصبي الحرية، وجب أن لا يصدق الذي في يده على دعوى الرق فيه، ويفارق من هذا الوجه الدابة، والعروض؛ لأنها أشياء مملوكة في الأصل، فكان أولى الملاك بها من هي في يده.
قيل له: وكثير من الأشياء مباحة في الأصل، مثل الصيد والكلأ والماء، غير ملك لأحد، ولم يمنع ذلك جواز تصديق من هي في يده إذا ادعاه لأجل ظهور يده، وأنه لا قول له في نفسه، فكذلك الصغير، فإذا حكمنا له بملك الصغير، لم يصدق بعد بلوغه على نفي ما وقع الحكم به من صحة ملكه.
стр. 3517
* وأما إذا كان الصبي يعبر عن نفسه، أو كان كبيرًا: فالقول قوله إنه حر، ولا يصدق الذي في يده على دعوى الرق؛ لأنه لما صار له قول، أشبه سائر الكبار في وجوب تصديقه على أنه حر في يد نفسه.
فإن قيل: الصغير لا قول له، فينبغي أن يكون بمنزلة الدابة على ما قدمت من الأصل.
قيل له: ليس كما ظننت، لأن الصغير الذي يعبر عن نفسه له قول صحيح في كثير من الأحكام: لو أسلم: صح إسلامه، ولو كان مسلمًا، فارتد: صحت ردته، وأجبر على الإسلام، ولم يرث مسلمًا، مادام مرتدًا.
فقد ثبت لقوله حكم من وجه، وفارق البهيمة والصغير الذي لا يعبر عن نفسه.
مسألة: [من ادعى عبودية فلان، وفلان ينكر ويزعم أنه عبد لغيره]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى أن فلانًا عبده، فقال: لست بعبد لك، ولكني عبد لزيد، وزيد يدعيه، وهو في يد الذي يدعيه: قضى به له).
قال أحمد: وذلك لأنه لما اعترف بالرق، فقد اعترف بثبوت اليد عليه للذي هو في يده، وأنه لا قول له في نفسه؛ لأن العبد لا قول له، فتضمن هذا القول معنيين:
أحدهما: ما اعترف به على نفسه من الرق.
والآخر: أنه إذا كان رقيقًا فلا قول له، فيصدق على نفسه أنه لا قول
стр. 3518
له، ولم يصدق في إزالة يد الذي هو في يده عنه.
فإن قيل: إذا كان الإقرار بالملك إنما صح من جهته، فينبغي أن يثبت الملك لمن أقر له به، كرجل في يده عبد، أقر أنه لغيره، وادعاه آخر، فيكون للمقر له.
قيل له: لأنه حين اعترف بالرق، فقد أقر بأنه لا يد له ولا قول، فلا يصدق على إزالة يد الذي في يده، وأما الحر إذا كان في يده شيء، فإن إقراره به لغيره لم ينف صحة يده، فكان القول قوله فيمن أقر له به.
فإن قيل: لما صح الإقرار بالرق من جهته، كان كالبائع إذا قال: بعته من زيد دون عمرو، فيكون القول قوله؛ لأن التمليك من جهته، وكذلك العبد لما كان الإقرار بالرق إنما صح من جهته، وجب أن يكون القول قوله.
قيل له: إنما كان القول قول البائع؛ لأن المشتريين جميعًا معترفان بصحة التمليك من جهة البائع، فكان القول قوله فيمن ملكه منهما، وليس إقرار العبد بالرق تمليكًا من جهته للمقر له، لأنه لا يملك ذلك، وإنما هو إقرار على الذي في يديه في إزالة ملكه، ولا يصدق عليه على ما بينا.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وإن قال: كنت عبدًا لزيد، فأعتقني، وادعاه الذي هو في يده لنفسه، فإن أبا حنيفة قال: أقضي به للذي هو في يده، وقال أبو يوسف: أستحسن أن أجعل القول قوله، ولا أقضي به للذي هو في يديه).
стр. 3519
قال أحمد: لم يقع إلينا قول أبي يوسف إلا من هذه الرواية.
وجه قول أبي حنيفة: أنه قد اعترف بالرق، واعترافه بذلك يوجب كونه عبدًا للذي هو في يده، ودعواه للعتق من جهة الغائب غير مقبولة، ألا ترى أنه لو كان حاضرًا فقال: كنت عبدًا لهذا، فأعتقني: كان عبدًا للذي هو في يده، ولم يصدق على أنه كان عبدًا، وأنه أعتقه.
ووجه قول أبي يوسف: أنه لم يعترف بالرق في الحال، ولا بثبوت يد غيره عليه، فهو بمنزلة قوله: أنا حر الأصل، فيكون القول قوله.
مسألة: [اعتراف الشاهدين ببطلان شهادتهما بعد قضاء القاضي بها]
قال أبو جعفر: (وإذا قال الشاهدان للقاضي بعد أن حكم بشهادتهما: إن الذي شهدنا به عندك باطل: لم يضربهما في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يعزرهما).
لأبي حنيفة: أن ظهور هذا القول منهما بين يدي القاضي، دليل التوبة والندم على ما سلف منهما في ذلك، وذلك فعل حسن ممدوح، لا يستحق عليه تعزير، وفي التعزير عليه ردع عن مثله، وهذا فعل لا ينبغي أن يردع عنه، بل حكمه أن يحث عليه، ويؤمر به.
فإن قيل: روي عن عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة من السلف تعزيره.
стр. 3520
قيل له: وقد روي عن عمر أنه لم يعزره.
وجائز أن يكون في حال ما عزره رأى منه إصرارًا عليها، ولم يكن اعترافه على جهة الإقلاع والندم عليها، ومن كان كذلك فحكمه أن يعزر.
* وقال أبو يوسف ومحمد: قد اعترف بأنه قد أتى منكرًا يستحق عليه العقوبة، فيعزر، ويشهر، ليتعظ به غيره.
مسألة: [اختلاف الشاهدين في مقدار الدين]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى على رجل ألفي درهم، فشهد له شاهدان: أحدهما بألف، والآخر بألفين: لم يحكم له بشيء عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم له بألف درهم).
وجه قول أبي حنيفة: أن اللفظ معتبر في الشهادة، والدليل عليه أنهما ما لم يأتيا بلفظ الشهادة: لم يكن لقولهما حكم، فلو قالا: نعلم، أو نتيقن، أو نحوه، لم يلتفت إلى ذلك.
فلما كان كذلك، كان من شرائط قبول شهادتهما: أن يتفقا على لفظ لا يوجب اختلاف المعنى، فلما كانا مختلفين في اللفظ الذي يوجب اختلاف المعنى: لم تجز شهادتهما؛ لأن الألف لا تكون عبارة عن ألفين، والألفين لا يكونان عبارة عن ألف، ألا ترى أن أحدهما لو شهد عليه بالغصب، وشهد الآخر عليه بالإقرار بالغصب: لم تجز شهادتهما؛ لاختلافهما في اللفظ الموجب لاختلاف المعنى.
стр. 3521
فإن قيل: من شهد بالألفين، فقد شهد بالألف؛ لأن الألف تدخل في الألفين.
قيل له: لو كان كذلك، لكان من قال: ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ - تعالى الله عن ذلك- قد قال بالتوحيد، فلما لم يجز أن يقال: إن النصراني موحد وإن قال بالثلاثة التي يدخل الواحد فيها، كذلك لا يجوز أن يقال: إن من شهد بألفين فقد شهد بألف.
وعلى هذا المعنى قال أبو حنيفة فيمن قال لامرأته: طلقي نفسك واحدة، فقالت: قد طلقت نفسي ثلاثًا: أنها به غير مجيبة له عما جعله إليها، وقد خرج الأمر عن يدها، لاشتغالها بغير ما جعل إليها، إذ لا جائز أن يعبر بالواحد عن الثلاثة.
* وقال أبو يوسف ومحمد: قد اتفقنا في المعنى على ألف، فيحكم بها.
مسألة:
وقال أبو جعفر: (وإن ادعى عليه ألفًا وخمسمائة درهم، فشهد له شاهد بألف، وشاهد بألف وخمسمائة: قضى القاضي له بألف درهم في قولهم جميعًا).
قال أحمد: وذلك لأنهما قد اتفقا على الشهادة بألف، ولفظا بها، واستأنف أحدهما بعد ذلك ذكر خمسمائة أخرى، فلا يقدح ذلك في
стр. 3522
الألف، كما لو شهد بألف درهم ومائة دينار وهو يدعيها: لم تبطل شهادته بالألف.
وهذا مخالف لشهادته بالألفين؛ لأن للألفين صيغة لا تصلح أن تكون عبارة عن الألف.
مسألة: [شهادة الشاهدين بأكثر من الحق المدعى]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى على رجل ألف درهم، فشهد له عليه شاهدان بألف وخمسمائة، فإن قال للقاضي: إنهما قد صدقا، كان لي عليه ذلك، فأبرأته من خمسمائة، أو قضانيها: فشهادتهما على الألف جائزة).
وذلك لأنه ممكن أن يكون كما قال، والشهادة محمولة على الصحة، حتى يظهر فيها ما يبطلها.
قال: (وإن قال: لم يكن لي عليه قط غير ألف: لم يقض له بشيء).
وذلك لأنه قد أكذب شهوده فيما شهدوا له، ولا تصح الشهادة له مع الإكذاب.
مسألة: [شهدا بقرض، ثم ادعى أحدهما قضاءه إياه]
قال: (ومن شهد له شاهدان على رجل بقرض ألف درهم، وشهد له أحدهما: أنه قد قضاه إياها: قبل شهادتهما على القرض، وقضى له
стр. 3523
بالمال على المدعى عليه).
قال أحمد: وذلك لأن شهادتهما على قرض الألف، شهادة صحيحة له، وشهادة أحدهما بالقضاء: شهادة عليه، ولا تثبت وحدها، وإكذاب المشهود له بالقرض له بالقضاء، لا يبطل شهادته بالقرض له بالقضاء؛ لأنه إنما أكذبه فيما شهد به عليه، ولم يكذبه فيما له.
وليس هذا كشهادتهما بألف وخمسمائة، وهو يقول: لم يكن لي عليه قط إلا ألف، فتبطل شهادتهما؛ لأن هذا إكذاب لهما فيما شهدا به له، ومسألتنا إكذاب فيما عليه، وإكذابه فيما عليه لا يبطل شهادته فيما له.
ألا ترى أن شاهدين لو شهدا لرجل على رجل بألف درهم، وشهدا على المدعي للألف بمائة دينار لآخر: كان مكذبًا لهما في المائة الدنانير، ولا يبطل ذل شهادتهما في الألف التي ادعى.
فإن قيل: ينبغي أن تبطل شهادتهما بإكذابه على أي وجه حصل الإكذاب، كما لو أقر المشهود له أن الشاهدين فاسقان: لم تقبل شهادتهما له.
قيل له: ليس كل إكذاب تفسقًا؛ لأنه يجوز أن يقول: لم تصح شهادتهما؛ لأنهما وهمًا، أو غلطًا، أو لأني قد قضيت المال، أو ما جرى مجرى ذلك.
قال أبو جعفر: (وقد روي عن أبي يوسف أنه قال: لا تقبل شهادة
стр. 3524
الشاهد الذي شهد على القضاء).
لأنه شهد أن لا شيء للمدعي على المدعى عليه مما يطالبه به.
مسألة: [اختلاف الشاهدين في قيمة شراء شخص لعبد]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى على رجل أنه باعه هذا العبد بألف وخمسمائة درهم، وأنكر ذلك المدعى عليه، فأقام عليه شاهدين: أحدهما بالبيع بألف درهم وخمسمائة درهم، والآخر بألف درهم: كان ذلك باطلًا، ولم يقض له بشيء.
وكذلك المكاتبة في هذا، إن ادعى العبد، وأنكر المولى.
وكذلك العتق على مال، إذ أنكره المولى، وادعاه العبد.
وكذلك الخلع، إذا ادعته المرأة، وأنكر الزوج).
قال أحمد: والأصل في ذلك: أنا نحتاج إلى إثبات هذه العقود بالتسمية المذكورة فيها؛ لأنه إن لم تثبت التسمية، لم يثبت العقد، وكل واحد من الشاهدين شهد بعقد، غير ما شهد به صاحبه، وكل واحد من العقدين، لا يثبت إلا بشاهدين.
والدليل على أنهما عقدان: أنه لو قال له: قد بعتك هذا العبد بألف درهم وخمسمائة، فقال: قد قبلته بألف: لم يكن بينهما بيع.
وليس هذا مثل الدين إذا شهد له أحدهما بألف، والآخر بألف وخمسمائة: فتجوز شهادتهما على الألف؛ لأنا لا نحتاج هاهنا إلى إثبات عقد، ولم يظهر منهما اختلاف في الشهادة بالألف، فلذلك تثبت الألف،
стр. 3525
وفي مسألتنا وجوب الدين تابع لثبوت العقد، فإذا لم يثبت العقد لاختلافهما فيه، لم يثبت الدين.
وهذا هو القياس في النكاح أيضًا، إذا شهد أحدهما بألف وخمسمائة، والآخر بألف؛ لأنها لو قالت له: قد تزوجتك على ألف وخمسمائة، فقبل العقد بألف: لم يكن بينهما نكاح، إلا أن أبا حنيفة استحسن فيه فقال: ثبت للمرأة ألف درهم، وجعله كالشهادة على الدين؛ لأن عقد النكاح لا يفتقر في صحته إلى تسمية مال.
* وجعل أبو يوسف ومحمد النكاح بمنزلة سائر العقود، ومنعًا قبول الشهادة فيه على هذا الوجه.
مسألة: [اختلاف الشاهدين في قدر المبلغ الذي أعتق عليه العبد]
قال أبو جعفر: (ولو كان المولى في مسألة العتق هو المدعي على عبد، أنه أعتقه على ألف وخمسمائة درهم، أو كان الزوج هو المدعي في مسألة الخلع، والعبد والمرأة ينكران، فأقام كل واحد من المولى والزوج البينة، فشهد أحدهما على ألف وخمسمائة، وشهد له الآخر بألف: قضى له بألف، وكان على دعواه في الخمسمائة الباقية في قولهم جميعًا).
قال أحمد: وذلك لأنا نحتاج إلى إثبات العقد في هذه المسألة؛ لأن الزوج مقر بالطلاق، والمولى مقر بالعتق، والطلاق والعتق لا يحتاج في صحة وقوعهما إلى قبول العبد والمرأة؛ لأنهما يصحان بغير قبولهما، فلما صح وقوع الطلاق والعتق بقولهما، لم يبق هناك إلا دعوى المال، فصارا كمن ادعى على رجل ألف درهم وخمسمائة، فشهد له شاهدان أحدهما بألف، والآخر بألف وخمسمائة: فتقبل شهادتهما بالألف.
стр. 3526
فإن قيل: إذا لم يثبت المال الذي ادعاه المولى، ينبغي أن لا يثبت العتق؛ لأنه لا يعتبر به إلا من جهة الذي أقر به، فإذا لم تثبت الجهة، لم يثبت العتق، كما لو ادعى أنه باعه عبده بألف درهم، وأنكر المشتري: لم يثبت له ملك العبد، لعدم ثبوت الثمن.
قيل له: لا تجب دعواه لمعنيين: أحدهما: العتق، والآخر: المال.
والعتق يصح من جهته، وهو معترف بأنه حر، وأن بطلان المال لا يرفع العتق؛ لأنه لا يلحقه الفسخ، قصدناه فيما اعترف به من ذلك على نفسه وإن لم يثبت المال.
وليس ذلك كدعواه البيع؛ لأن الثمن متى لم يثبت: انفسخ البيع؛ لأنه يلحقه الفسخ، ولأن البيع لا يصح من جهته وحده بحال دون قبول غيره له.
* * * * * *
стр. 3527
كتاب الرجوع عن الشهادات
مسألة: [رجوع شاهدي الطلاق عن شهادتهما بعد القضاء]
قال أبو جعفر: (إذا شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا، فقضى القاضي بشهادتهما، ثم رجع عن شهادتهما: فإنهما لا يصدقان على إبطال الطلاق).
قال أحمد: وذلك لوجوه:
أحدهما: أن الرجوع عن الشهادة ليس بشهادة، والدليل عليه: أنه لا يحتاج إلى اعتبار لفظ الشهادة في صحة الرجوع، ألا ترى أنه إذا قال: كذبت في شهادتي، أو رجعت عنها: صح الرجوع وإن لم يقل: أشهد بذلك، فإذا لم يكن الرجوع شهادة، لم يجز أن يفسخ به حكم الحاكم.
وأيضًا: فإنه مكذب نفسه في الرجوع عن الشهادة الأولى، فلا يثبت حكم الرجوع في إبطال الطلاق، مع حصول إكذاب نفسه به بدءًا.
وأيضًا: فقد اعترف على نفسه بشهادة زور، وذلك يمنعه قبول شهادة أخرى منه لو شهد بها، كذلك يمنع تصديقه على إبطال حق الغير برجوعه.
مسألة: [رجوع شاهدي الطلاق عن شهادتهما بعد دخول الزوج]
قال أبو جعفر: (وإن كان الزوج قد دخل بها: فلا ضمان له على الشاهدين).
стр. 3528
قال أحمد: وذلك لأن الزوج قد استوفى بدل ما غرم من المهر بالوطء، فلا يجوز أن يرجع ببدل ما قد استوفاه لنفسه على غيره، ولهذه العلة قالوا: إن المغرور لا يرجع بالعقر الذي غرمه للمستحق على البائع، لأنه قد استوفى بدله، وهو الوطء لنفسه، فلا يرجع به على غيره.
مسألة: [رجوع شاهدي الطلاق قبل الدخول لمن سمي لها الصداق]
قال أبو جعفر: (وإن كان لم يدخل بها، وكان قد سمى لها صداقًا في عقد نكاحها: كان له أن يرجع على الشاهدين بنصف الصداق).
قال أحمد: وذلك لوجهين:
أحدهما: أن الطلاق قبل الدخول يسقط المهر كله، كهلاك المبيع قبل القبض، يسقط جميع الثمن، والنصف من الصداق الواجب بعد الطلاق، يجب عندنا على جهة الابتداء، كما تجب المتعة، والشاهدان هما اللذان أثبتاه، فيجب غرمه عليهما، كشاهدين شهدا على رجل بمال، ثم رجعا، فيغرمان ما لزمه بشهادتهما، وذلك لأنهما صارا سببًا في لزومه على وجه التعدي، ومن كان متعديًا في السبب، ضمن ما تولد عنه، كمن حفر بئرًا في طريق المسلمين، فوقعت فيه دابة، فماتت، فيضمنها الحافر، لأنه متعد في السبب، فيضمن ما تولد منه.
стр. 3529
والوجه الآخر: أن استحقاق البضع على الزوج قبل الدخول بغير فعله يسقط عنه جميع المهر، والدليل عليه: أنها إذا ارتدت قبل الدخول: سقط المهر كله عن الزوج؛ لأن البضع استحق عليه قبل الدخول، فلما اعترف الشاهدان أنهما استحقا البضع على الزوج قبل الدخول، فقد تضمن اعترافهما بذلك أن الزوج سبيله أن لا يضمن شيئًا من المهر، وإنما هما اللذان ألزماه النصف بشهادتهما أن البضع استحق عليه قبل الدخول بفعله، وهو الطلاق، فوجب أن يرجع الزوج عليهما بذلك، إذ كانا هما اللذان ألزماه ذلك فيما تضمنه قولهما.
مسألة: [رجوع شاهدي الطلاق عن شهادتهما قبل الدخول لمن لم يسم لها صداقًا]
قال أبو جعفر: (وإن كان لم يسم لها صداقًا: رجع عليهما بالمتعة التي غرمها الزوج للمرأة).
قال أبو بكر: وذلك للوجهين اللذين ذكرناهما في ضمان نصف المهر.
مسألة: [رجوع أحد شاهدي الطلاق]
قال أبو جعفر: (ولو لم يرجع الشاهدان، ولكن رجع أحدهما عن شهادته: كان عليه نصف ما كان يجب عليها لو رجعا).
وذلك لأن الثابت على شهادته باق بنصف المال، فلا يجب ضمانة على أحد، والدليل على أن من بقي على شهادته لا يضمن: أن أربعة لو شهدوا على رجل بمال، فقضى به، ثم رجع اثنان: لم يكن عليهما ضمان؛ لأن الآخرين باقيان بجميع المال، فصار ذلك أصلًا فيما وصفنا.
стр. 3530
وأما النصف الذي لم يبق عليه شاهد، وقد رع عن الآخر، فضمناه على الراجع.
مسألة: [رجوع شاهدي المرأة في قدر صداقها على الزوج]
قال أبو جعفر: (إذا ادعت المرأة على رجل أنه تزوجها على ألف درهم، وهو ينكر، فشهد لها بذلك شاهدان، وقضى به القاضي، ثم رجعا، فإن كان مهر مثلها ألفًا: فلا ضمان عليهما، وإن كان مهر مثلها أقل من ألف ردهم: ضمنا ما فضل عن مهر المثل إلى تمام الألف).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أن الشاهدين متى أدخلا في ملك المشهود عليه مثل ما استحقاه عليه بشهادتهما: فلا ضمان عليهما، نحو أن يشهدا أنه باعه هذا العبد بألف ردهم، وذلك قيمته: فلا يضمنان بالروع شيئًا؛ لأنهما قد أدخلا في ملكه مثل ما استحقاه عليه، ألا ترى أن العبد لم يستحق عليه إلا وهو مستحق للألف بإزائه.
وأصل آخر في هذه المسألة: وهو أن دخول البضع في ملك الزوج له قيمته، والدليل عليه: أن للأب تزويج ابنه الصغير، وإلزامه المهر لامرأته، كما له أن يشتري له عبدًا بثمن يخرجه من ملكه، فلولا أن للبضع قيمة في دخوله في ملك الزوج، لما جاز للأب تزويج ابنه الصغير؛ لأنه حينئذ يكون مخرجًا للمال من ملكه بغير بدل، فيصير بمنزلة الهبة، وليس يملك الأب ذلك على ابنه بولايته عليه.
فمن أجل ذلك قالوا في المريض: يتزوج امرأة على مهر مثلها: أن
стр. 3531
ذلك جائز من جميع المال، ويكون بمنزلة ما لو اشترى عبدًا بمثل قيمته.
وإذا ثبت ذلك، فقد ملك الشاهدان الزوج بضعًا قيمته مثل الألف التي استحقها عليه، فلا ضمان عليهما عند الرجوع.
وإن كان مهر المثل أقل من ألف: ضمنا الفضل؛ لأنهما لم يملكها بإزاء هذه الزيادة شيئًا، كما أنهما لو شهدا أنه اشترى هذا العبد بألف، وقيمته خمسمائة: ضمنا عند الرجوع خمسمائة.
[مسألة:]
قال: (ولو كان الزوج هو المدعي للنكاح، والمسألة على حالها: لم يكن على الشاهدين ضمان شيء من صداق مثل المرأة لها، كان الذي شهدا به لها من الصداق مثله، أو دونه).
قال أحمد: وذلك لأن البضع وإن كان له قيمته في دخوله في ملك الزوج، فلا قيمة له في خروجه من ملك المرأة، والدليل على ذلك: أن امرأة مريضة لو زوجت نفسها في مرضها بأقل من مهر مثلها: لم يجب لها كمال مهر المثل، ولم يكن بمنزلتها لو باعت في مرضها شيئًا بأقل من قيمته.
مسألة: [رجوع شاهدي المؤجر في قدر الأجرة]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد شاهدان على رجل أنه استأجر هذه الدار من هذا الرجل سنة بألف درهم، فقضى القاضي بذلك، وسكن الدار السنة، ثم رجع الشاهدان، فإن كانت أجرة مثلها ألف درهم: لم يكن
стр. 3532
عليهما شيء، وإن كانت أقل من ألف: ضمنا الفضل).
قال أحمد: وهذا مثل النكاح إذا ادعته المرأة؛ لأن المنافع لها قيمة في دخولها في ملك المستأجر، بدلالة أن من استأجر دارًا في مرضه بأجرة مثلها: جاز، وكان بمنزلة من أخذ بدل ما ملك عليه.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ولو كان صاحب الدار هو المدعي، والمسألة على حالها: فلا ضمان على الشاهدين).
قال أحمد: ينبغي أن يكون السؤال: ولو كان المستأجر هو المدعي؟
لأن المسألة الأولى على أن صاحب الدار هو المدعي، ودعوى المستأجر هاهنا للأجرة مثل دعوى الزوج للنكاح في المسألة المتقدمة، فلا يعتبر فيه قلة الأجرة ولا كثرتها؛ لأن المنافع لا قيمة لها في خروجها من ملك صاحب الرقبة، بدلالة أن مريضًا لو أجر دارًا بأقل من أجرة المثل: لم يكن على المستأجر ضمان الفضل، ولم يكن بمنزلة الوصية والمحاباة، ألا ترى أنه لو أباح له المنافع وسكناها بغير أجر: جاز، ولم يكن عليه أجرة.
стр. 3533
مسألة: [رجوع شاهدي العفو عن القصاص]
قال أبو جعفر: (وإن كان لرجل قبل رجل قصاص في نفس، فشهد شاهدان على الولي بالعفو عن القاتل، وقضى القاضي به، ثم رجعا: لم يضمنا شيئًا).
وذلك لأن الدم لا قيمة له في خروجه من ملك الولي، ألا ترى أنه لو عفا عنه في مرضه: كان عفوه جائزًا من جميع المال، فصار بمنزلة شهادتهما على رجل أنه أباح لرجل سكنى داره، ثم رجعا: فلا ضمان عليهما.
* قال أبو جعفر: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال: عليهما ضمان الدية لولي المقتول).
قال أحمد: هذا القول لا يستمر على أصولهم.
مسألة: [رجوع شاهدي الصلح عن القصاص إلى مال]
قال أبو جعفر: (ولو شهدا على القاتل أنه صالح ولي المقتول من الدم على مال، فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما، فإن كان ما شهدا به مقدار الدية أو دونها: فلا ضمان عليهما، وإن كان أكثر من الدية: كان عليهما ضمان الفضل من الدية).
قال أحمد: وذلك لأن الدم لا قيمة في دخوله في ملك القاتل، وقيمته هي الدية، والدليل على ذلك: أن القاتل إذا كان مريضًا، فصالح ولي لمقتول على عشرة آلاف: جاز ذلك، وكان بمنزلة من اشترى عبدًا بمثل قيمته، ويضمنان الفضل على الدية؛ لأن قيمة النفس هي الدية،
стр. 3534
والفضل إنما ألزمناه بشهادتهما، ليس بإزائه شيء.
مسألة: [شهد رجل وعشرة نسوة بمال على رجل ثم رجعوا عنها]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد رجل وعشرة نسوة على رجل بمال، فقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجعوا جميعًا عنها، فإن أبا حنيفة قال: على الرجل سدس المال، وعلى النسوة خمسة أسداسه، وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل نصف المال، وعلى النسوة نصفه).
وجه قول أبي حنيفة: أن عدد النساء وإن كثر فلا حظ له في الشهادة دون الرجل، فإن انضاف إليهن رجل، صارت كل امرأتين بمنزلة رجل.
والدليل عليه: أن خمسين امرأة لو شهدن بحق، لم يكن لشهادتهن حكم، حتى إذا انضاف إليهن رجل: قبلت شهادتهن، فثبت أن عدد النساء لا حكم له في الشهادة إذا انفردن.
والدليل على أنه إذا انضاف إليهن رجل صارت كل امرأتين منهن بمنزلة رجل: قول الله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ إلى قوله: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾.
ودلالة هذه الآية على صحة ما ذكرنا من وجهين:
أحدهما: قوله: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾: ومعناه والله
стр. 3535
أعلم: فإن لم يكن الشهيدان رجلين، فالشهيدين رجلين، فالشهيدين رجل وامرأتان؛ لأنه معلوم أنه ليس المراد: فإن لم يوجد رجلان: فرجل وامرأتان؛ لأنه لا خلاف أن وجود الرجلين لا يمنع قبول شهادتهن معهما، فدل على أن المعنى فيه ما وصفنا.
فتضمن هذا اللفظ الدلالة على إطلاق اسم الشهيد على المرأتين، فثبت أن حكم كل اثنتين منهن حكم رجل، فوجب أن يكون الضمان عليهن على قدر ذلك.
والوجه الآخر من دلالة الآية على صحة ما ذكرنا: قوله: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾، فقرئ على وجهين: بالتخفيف والتشديد.
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو عبيد مؤمل الصيرفي قال: حدثنا أبو يعلى البصري قال: حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: من قرأت: ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾: مخففة: أراد أنه تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر، ومن قرأ: ﴿تذكر﴾: أراد من جهة الذكر.
فدلت قراءة التخفيف على أن كل امرأتين بمنزلة رجل، لما تضمنه معنى الآية على ما ذكرنا عن أبي عمرو.
ومن جهة السنة: ما روى ابن عمرو عن النبي ﷺ أنه
стр. 3536
قال: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن، قيل: وما نقصان عقولهن؟ قال: شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل".
وروى أبو هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: "نقص عقولهن: أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل".
فأثبت لكل امرأتين حكم رجل.
ومن جهة النظر: أنه لو شهد رجل وامرأتان، ثم رجعوا: كان على المرأتين ضمان النصف، وعلى الرجل النصف، فدل أن المرأتين بمنزلة الرجل إذا وجد معهما رجل، فحيثما وجدنا نسوة مع رجل، وجب أن يحكم لكل اثنتين بحكم رجل.
وقال أبو يوسف ومحمد: هن وإن كثرن، فإنما يقمن مقام رجل، بدلالة أنهن إذا انفردن كن بمنزلة رجل، ولا تقبل شهادتهن.
مسألة: [رجوع الشهود بمال، وهم رجلان وامرأة]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد رجلان وامرأة على رجل بمال، فقضى القاضي عليه بالمال، ثم رجعوا جميعًا: فالضمان في ذلك على الرجلين، دون المرأة).
قال أحمد: وذلك لأن المرأة الواحدة لا حظ لها في الشهادة؛ لأن المرأتين باجتماعهما تقومان مقام رجل مع الرجل، فأما المرأة الواحدة،
стр. 3537
فلا حظ لها في ذلك، فلم يحكم بشهادتهما، فلذلك لم يجب عليها ضمان.
مسألة: [رجوع الشاهدين بعتق المولى عبده]
قال أبو جعفر: (وإن شهد شاهدان على رجل بعتق عبده، فقضى القاضي به، ثم رجعا: ضمنا قيمة العبد لمولاه، وولاؤه لمولاه، دونهما).
وذلك لأنهما قد أتلفا عليه رقبة العبد بشهادتهما، وأزالا يد المولى عنها، فصارا كالغاصبين، يضمنان بإزالة اليد.
ولا يصير الولاء لهما بضمان القيمة؛ لأن العتق لا ينتقل إليهما بضمان القيمة، لأنه لا يلحقه الفسخ.
* ولو شهدا لجارية له بالاستيلاء منه: ضمنا عند الرجوع ما نقصها الاستيلاد؛ لأنهما أتلفا عليه ذلك القدر من ملكه، إذ كان ملكه قائمًا في الرقبة، وإنما حدث فيه نقص بالاستيلاد.
* قال: (فإن توفي المولى بعد ذلك، فعتقت: ضمنا بقية قيمة الأمة).
لأنها تلفت بشهادتهما المتقدمة.
стр. 3538
مسألة: [حكم الرجوع عن الشهادة في الإقرار بالاستيلاد]
قال أبو جعفر: (ولو كانا شهدا أن مولاهما أقر أنها ولدت منه ابنا لها في يده، والمسألة بحالها: كان عليهما لمولاها في الأم كما ذكرنا، وكان عليهما أيضًا ضمان قيمة ولدها).
قال أحمد: وذلك لأن الشهود إنما يضمنون ما حصل متلفًا بشهادتهما، والذي أتلفوه في هذه الحال من الجارية، ما حدث فيها من النقص بالاستيلاد، وأتلفوا عليه رقبة الولد كلها، لأنهم أخرجوه إلى الحرية.
مسألة:
قال: (فإن قبض ذلك الولي، ثم مات، فورثه هذا الابن: كان عليه أن يرد على الشاهدين مما ورث ما كان الميت أخذ من الشاهدين في حياته من قيمته، ومن قيمة أمه).
وذلك لأنه معترف أن الأب أخذ منهما ما لم يكن له أخذه؛ لإقراره بصحة نسبه، واستيلاد أمه، وأن ما قبضه الأب كان مضمونًا عليه دينًا في ذمته.
مسألة: قال: (يضمن الشاهدان بالتدبير النقصان الحادث في الجارية، فإذا مات المولى، وعتق من الثلث: ضمنا للورثة بقية قيمته).
стр. 3539
لأنها تلفت بالشهادة المتقدمة.
مسألة: [رجوع الشاهدين في المكاتبة]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد شاهدان على رجل أنه كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنة، وقيمته ألف درهم، فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما: فإن المولى بالخيار: إن شاء ضمن الشاهدين ألفًا حالة، ورجعا بالمكاتبة على المكاتب إلى أجلها، ويتصدقا بالفضل عما غرما.
وإن شاء المولى أتبع المكاتب بالمكاتبة، وترك الشاهدين.
وأيهما فعل، ثم أدى المكاتب المكاتبة: عتق، وكان ولاؤه لمولاه).
قال أحمد: الشهود يضمنون بإزالة يد المشهود عليه عما شهدوا به عليه وإن لم يزل ملكه، كما يضمن الغاصب بإزالة اليد وإن لم يزل الملك، فإذا شهدا بالكتابة ثم رجعا، فقد اعترفا بأنهما أزالا يد المولى عن عبده بشهادتهما؛ لأن المكاتب في يد نفسه، ولم يحصل في يده يدل ما أزالاه عنها، فله تضمينهما قيمة المكاتب ألف درهم.
وليس له أن يضمنهما الألفين؛ لأنهما أثبتا له الألفين، ولم يستحقاها عليه، فإذا ضمنا القيمة قاما مقام المولى في ملك مال المكاتبة الذي في ذمة المكاتب، كما يملك الغاصب الأول ما في ذمة الغاصب الثاني بتضمين المغصوب منه إياه القيمة، فرجعا على المكاتب به، ويتصدقان بالفضل عما غرما، كما يتصدق الغاصب الأول بفضل ما رع على الغاصب الثاني.
والمعنى فيه: أن ذلك حصل له من وجه محظور، وكل من حصل له ربح من وجه محظور: يتصدق به.
* وإن شاء المولى أتبع المكاتب بالكتابة؛ لأن الكتابة قد صحت عليه
стр. 3540
من جهة الحكم، بحيث لا يمكنه فسخها، فله أن يتبعه بها.
* وأيهما فعل، ثم أدى المكاتب الكتابة، فعتق: كان الولاء للمولى، وذلك لأن الشاهدين لم يملكا المكاتب بالضمان، لأن المكاتب مما لا يصح نقل الملك فيه، ألا ترى أن المولى لو مات، لم ينتقل ملك رقبة المكاتب إلى ورثته، ألا ترى أن رجلًا لو غصب مدبرًا، فأبق من يده، فضمن قيمته لمولاه، أن ملك رقبة المدبر لا ينتقل إليه، لأنه مما لا يصح نقل الملك فيه، كذلك المكاتب لم ينتقل ملكه إلى الشاهدين بالضمان، فكان عتقه واقعًا في ملك المولى.
مسألة: [رجوع شاهدي المكاتبة وقد عجز العبد عنها]
قال أبو جعفر: (ولو لم يعتق المكاتب، ولكنه عجز، فعاد رقيقًا: برئ الشاهدان من الضمان، ووجب على المولى رد ما قبضه منهما من قيمة العبد عليهما).
وذلك لأن ضمانهما كان متعلقًا بزوال يد المولى عن عبده بشهادتهما، لما بينا، فلما عاد إلى يده بالعجز، زال الضمان، كرجل غصب مدبرًا، فأبق فضمن القيمة، ثم رع المدبر من إباقة، فيرد المولى ما أخذ من الغاصب، لأنه ضمن بإزالة يده عن المدبر، فإذا عاد إلى يده، برئ من الضمان.
مسألة: [ادعاء المشهود عليه رجوع الشاهدين]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى المشهود عليه رجوع الشاهدين عن الشهادة: لم تقبل خصومته، ولا بينته في ذلك).
следующие страницы →