Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
قال: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن، قيل: وما نقصان عقولهن؟ قال: شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل".
وروى أبو هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: "نقص عقولهن: أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل".
فأثبت لكل امرأتين حكم رجل.
ومن جهة النظر: أنه لو شهد رجل وامرأتان، ثم رجعوا: كان على المرأتين ضمان النصف، وعلى الرجل النصف، فدل أن المرأتين بمنزلة الرجل إذا وجد معهما رجل، فحيثما وجدنا نسوة مع رجل، وجب أن يحكم لكل اثنتين بحكم رجل.
وقال أبو يوسف ومحمد: هن وإن كثرن، فإنما يقمن مقام رجل، بدلالة أنهن إذا انفردن كن بمنزلة رجل، ولا تقبل شهادتهن.
مسألة: [رجوع الشهود بمال، وهم رجلان وامرأة]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد رجلان وامرأة على رجل بمال، فقضى القاضي عليه بالمال، ثم رجعوا جميعًا: فالضمان في ذلك على الرجلين، دون المرأة).
قال أحمد: وذلك لأن المرأة الواحدة لا حظ لها في الشهادة؛ لأن المرأتين باجتماعهما تقومان مقام رجل مع الرجل، فأما المرأة الواحدة،
стр. 3537
فلا حظ لها في ذلك، فلم يحكم بشهادتهما، فلذلك لم يجب عليها ضمان.
مسألة: [رجوع الشاهدين بعتق المولى عبده]
قال أبو جعفر: (وإن شهد شاهدان على رجل بعتق عبده، فقضى القاضي به، ثم رجعا: ضمنا قيمة العبد لمولاه، وولاؤه لمولاه، دونهما).
وذلك لأنهما قد أتلفا عليه رقبة العبد بشهادتهما، وأزالا يد المولى عنها، فصارا كالغاصبين، يضمنان بإزالة اليد.
ولا يصير الولاء لهما بضمان القيمة؛ لأن العتق لا ينتقل إليهما بضمان القيمة، لأنه لا يلحقه الفسخ.
* ولو شهدا لجارية له بالاستيلاء منه: ضمنا عند الرجوع ما نقصها الاستيلاد؛ لأنهما أتلفا عليه ذلك القدر من ملكه، إذ كان ملكه قائمًا في الرقبة، وإنما حدث فيه نقص بالاستيلاد.
* قال: (فإن توفي المولى بعد ذلك، فعتقت: ضمنا بقية قيمة الأمة).
لأنها تلفت بشهادتهما المتقدمة.
стр. 3538
مسألة: [حكم الرجوع عن الشهادة في الإقرار بالاستيلاد]
قال أبو جعفر: (ولو كانا شهدا أن مولاهما أقر أنها ولدت منه ابنا لها في يده، والمسألة بحالها: كان عليهما لمولاها في الأم كما ذكرنا، وكان عليهما أيضًا ضمان قيمة ولدها).
قال أحمد: وذلك لأن الشهود إنما يضمنون ما حصل متلفًا بشهادتهما، والذي أتلفوه في هذه الحال من الجارية، ما حدث فيها من النقص بالاستيلاد، وأتلفوا عليه رقبة الولد كلها، لأنهم أخرجوه إلى الحرية.
مسألة:
قال: (فإن قبض ذلك الولي، ثم مات، فورثه هذا الابن: كان عليه أن يرد على الشاهدين مما ورث ما كان الميت أخذ من الشاهدين في حياته من قيمته، ومن قيمة أمه).
وذلك لأنه معترف أن الأب أخذ منهما ما لم يكن له أخذه؛ لإقراره بصحة نسبه، واستيلاد أمه، وأن ما قبضه الأب كان مضمونًا عليه دينًا في ذمته.
مسألة: قال: (يضمن الشاهدان بالتدبير النقصان الحادث في الجارية، فإذا مات المولى، وعتق من الثلث: ضمنا للورثة بقية قيمته).
стр. 3539
لأنها تلفت بالشهادة المتقدمة.
مسألة: [رجوع الشاهدين في المكاتبة]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد شاهدان على رجل أنه كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنة، وقيمته ألف درهم، فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما: فإن المولى بالخيار: إن شاء ضمن الشاهدين ألفًا حالة، ورجعا بالمكاتبة على المكاتب إلى أجلها، ويتصدقا بالفضل عما غرما.
وإن شاء المولى أتبع المكاتب بالمكاتبة، وترك الشاهدين.
وأيهما فعل، ثم أدى المكاتب المكاتبة: عتق، وكان ولاؤه لمولاه).
قال أحمد: الشهود يضمنون بإزالة يد المشهود عليه عما شهدوا به عليه وإن لم يزل ملكه، كما يضمن الغاصب بإزالة اليد وإن لم يزل الملك، فإذا شهدا بالكتابة ثم رجعا، فقد اعترفا بأنهما أزالا يد المولى عن عبده بشهادتهما؛ لأن المكاتب في يد نفسه، ولم يحصل في يده يدل ما أزالاه عنها، فله تضمينهما قيمة المكاتب ألف درهم.
وليس له أن يضمنهما الألفين؛ لأنهما أثبتا له الألفين، ولم يستحقاها عليه، فإذا ضمنا القيمة قاما مقام المولى في ملك مال المكاتبة الذي في ذمة المكاتب، كما يملك الغاصب الأول ما في ذمة الغاصب الثاني بتضمين المغصوب منه إياه القيمة، فرجعا على المكاتب به، ويتصدقان بالفضل عما غرما، كما يتصدق الغاصب الأول بفضل ما رع على الغاصب الثاني.
والمعنى فيه: أن ذلك حصل له من وجه محظور، وكل من حصل له ربح من وجه محظور: يتصدق به.
* وإن شاء المولى أتبع المكاتب بالكتابة؛ لأن الكتابة قد صحت عليه
стр. 3540
من جهة الحكم، بحيث لا يمكنه فسخها، فله أن يتبعه بها.
* وأيهما فعل، ثم أدى المكاتب الكتابة، فعتق: كان الولاء للمولى، وذلك لأن الشاهدين لم يملكا المكاتب بالضمان، لأن المكاتب مما لا يصح نقل الملك فيه، ألا ترى أن المولى لو مات، لم ينتقل ملك رقبة المكاتب إلى ورثته، ألا ترى أن رجلًا لو غصب مدبرًا، فأبق من يده، فضمن قيمته لمولاه، أن ملك رقبة المدبر لا ينتقل إليه، لأنه مما لا يصح نقل الملك فيه، كذلك المكاتب لم ينتقل ملكه إلى الشاهدين بالضمان، فكان عتقه واقعًا في ملك المولى.
مسألة: [رجوع شاهدي المكاتبة وقد عجز العبد عنها]
قال أبو جعفر: (ولو لم يعتق المكاتب، ولكنه عجز، فعاد رقيقًا: برئ الشاهدان من الضمان، ووجب على المولى رد ما قبضه منهما من قيمة العبد عليهما).
وذلك لأن ضمانهما كان متعلقًا بزوال يد المولى عن عبده بشهادتهما، لما بينا، فلما عاد إلى يده بالعجز، زال الضمان، كرجل غصب مدبرًا، فأبق فضمن القيمة، ثم رع المدبر من إباقة، فيرد المولى ما أخذ من الغاصب، لأنه ضمن بإزالة يده عن المدبر، فإذا عاد إلى يده، برئ من الضمان.
مسألة: [ادعاء المشهود عليه رجوع الشاهدين]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى المشهود عليه رجوع الشاهدين عن الشهادة: لم تقبل خصومته، ولا بينته في ذلك).
стр. 3541
قال أحمد: وذلك لأن نفس إثبات الشهادة لا يصح فيه خصومة، ألا ترى أنه لو قال لرجلين: لي عندكما شهادة فأقيماها، وأراد خصومتهما: لم يكن له ذلك، وكذلك لو أقام عليهما بينة، فكذلك الرجوع عنها.
وأيضًا: فلما لم يكن للشهادة حكم إلا عند القاضي، كذلك الرجوع عنها، لا يثبت له حكم إلا عند القاضي، وذلك لأنه لا فرق بين إثبات الشهادة، وبين ما يتعلق بالرجوع من فسخها وبطلانها في حكم الراجع، وما يلحقه من الضمان برجوعه.
وأيضًا: فإن تلك الشهادة بعينها هي الموجبة للضمان عليها عند الرجوع، كما توجب على المشهود عليه الضمان في ابتدائها، فلا يثبت للرجوع حكم الضمان بتلك الشهادة إلا عند القاضي.
مسألة: [رجوع الشاهدين الذين شهدا على شهادة غيرهما]
قال أبو جعفر: (إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين على رجل بمال، وقضى بها، ثم رجعا عنها: فالضمان عليهما).
لأنهما صارا سببًا لإزالة يده عن المال، على الوصف الذي قدمناه.
* قال: (ولو لم يرجعا هما، ولكن رجع الشاهدان المشهود على شهادتهما، وحضرا القاضي، فأقرا بإشهادهما، ورجعا عن ذلك، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: لا ضمان عليهما، وقال محمد: يضمنان).
وجه قولهما: إن قول الأولين لم يتعلق به حكم في استحقاق المال، وإنما شهادة الآخرين عند القاضي هي التي جعلت ذلك القول شهادة،
стр. 3542
فتعلق حكم الاستحقاق بشهادة الآخرين دون الأولين، فإذا لم يتعلق لزوم الحكم بقول الأولين: لم يلزمهما الضمان بالرجوع.
ألا ترى أن الشهود إذا وجدوا عبيدًا أو كفارًا، لم يجب عليهم الضمان؛ لأن قولهم لم يكن شهادة موجبة للحكم إلا بتزكية المزكين، ولهذه العلة أوجب أبو حنيفة الضمان على المزكين.
* وقال محمد: يضمنان؛ لأن الحكم بشهادتهما وقع عند شهادة الآخرين، ألا ترى أنهما شهدا على أصل الحق.
مسألة: [رجوع شاهدي الطلاق وشاهدي الدخول]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا، ولم يعلم أنه قد كان دخل بها، وقد كان تزوجها على ألف درهم، وشهد عليه شاهدان آخران أنه قد كان دخل بها، فقضى القاضي بشهادتهم جميعًا، ثم رجعوا عن شهادتهم: فإن الضمان عليهم أرباعًا، الربع على شاهدي الطلاق، والثلاثة الأرباع على شهود الدخول).
وذلك لأن شهود الدخول يضمنون بشهادتهم لزوم جميع المهر، مع استحقاق البضع على الزوج بغير فعله، ألا ترى أنه على أي وجه حصلت الفرقة بعد الدخول: لم يسقط عنه شيء من المهر، فصاروا موجبين لجميع المهر، وشهود الطلاق إنما أوجبوا نصف المهر على ما تقدم بيانًا له.
فانفرد شهود الدخول بإيجاب نصف المهر، فهو عليهم خاصة، واشتركوا هم وشهود الطلاق في إيجاب النصف الباقي، فهو على الفريقين
стр. 3543
نصفين، فحصل على شهود الدخول ضمان ثلاثة أرباع مهر، ولزم شهود الطلاق ضمان ربع المهر.
مسألة: [قضاء القاضي بشهادة الشهود هل ينفذ ظاهرًا وباطنًا؟]
قال أبو جعفر: (وكل عقد مما ذكرنا من طلاق، أو نكاح، أو بيع، فقضى القاضي بظاهر من شهد عنده على ذلك: كان ذلك القضاء في الباطن مثله في التحليل والتحريم).
قال أحمد: وهذا قول أبي حنيفة.
وأما في قول أبي يوسف ومحمد: فحكم الحاكم في الظاهر كهو في الباطن، ولا يقع العقد بحكم الحاكم به إذا لم يكن هناك عقد في الحقيقة قبل حكم الحاكم.
ولا تقع أيضًا الفرقة بحكم الحاكم إن لم يصادف حكمه حقيقة فرقة واقعة قلبه، إلا أن أبا يوسف قال مع ذلك: لا يحل لزوجها أن يطأها إذا حكم الحاكم بالفرقة؛ لأنه يكون زانيًا في الحكم، ولا يسع المرأة أن تتزوج؛ لأن النكاح قائم بينها وبين زوجها.
وقد روي نحو قول أبي حنيفة في وقوع العقد بحكم الحاكم عن علي ﵁.
وروى أبو يوسف عن عمرو بن المقدام عن أبيه أن رجلًا من الحي خطب امرأة، وهو دونها في الحسب، فأبت أن تزوجه، وادعى أنه تزوجها، وأقام شاهدين عند علي ﵁، فقالت: إني لم أتزوجه،
стр. 3544
فقال: قد زوجك الشاهدان، فأمضى عليها النكاح.
وقد روي عن الشعبي في رجلين شهدا على رجل أنه طلق امرأته بزور، ففرق القاضي بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين. قال الشعبي: ذلك جائز.
قال أحمد: قضاء القاضي في هذا الباب على وجهين:
أحدهما: بمال مطلق من غير جهة العقد، فهذا ما لا يحله حكم الحاكم، ولا خلاف فيه بين المسلمين، وبه نطق الكتاب، قال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾.
وقال تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾.
وبه وردت السنة عن رسول الله ﷺ حين قال: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأنا أقضي بما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فإنما أقطع
стр. 3545
له قطعة من النار".
فهذا هو الأصل في أن قضاء القاضي لا يوجب له ملك المقضي به إذا لم يقع على وجه العقد.
والوجه الثاني: أن يحكم بعقد، أو فسخ عقد، فيكون حكم الحاكم في الباطن، كهو في الظاهر في قول أبي حنيفة، ويصيران كأنهما تعاقدا فيما بينهما العقد الذي حكم به الحاكم، أو فسخاه.
وقد روي عن أبي حنيفة في حكمه بعقد الهبة روايتان:
إحداهما: أن العقد واقع كسائر ما يحكم به من العقود.
والثاني: أنه لا يملك الموهوب له ذلك بحكم الحاكم، ولا يقع العقد.
فأما الأصل في أن حكمه بالعقد أو فسخ العقد في الباطن كهو في الظاهر: فهو ما روي عن النبي ﵊، "حين فرق بين هلال بن أمية وامرأته قال: إن جاءت بالولد على صفة كيت وكيت، هو لشريك بن سحماء، وهو المقذوف بها.
فلما جاءت به على الصفة المكروهة، قال النبي ﷺ : لولا ما سبق من الأيمان، لكان لي ولها شأن".
وفي بعض الألفاظ: "لولا ما سبق من الحد"، و: "لولا ما سبق من
стр. 3546
كتاب الله".
فأخبر النبي ﵊ بصدق هلال بن أمية، وكذلها، ولم يرفع الفرقة التي أوقعها لأجل عدم علمه بدءًا بصدق الصادق منهما، ومعلوم أنه لو لم يكن قد أمضى الفرقة، لم يفرق بينهما، فصار ذلك أصلًا في فسخ العقد إذا وقع بحكم الحاكم، وأنه نافذ وإن كان في الباطن خلافه.
وإذا صح ذلك في فسخ العقد، كان كذلك حكم العقد؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما.
* وفي إيقاع الفرقة باللعان وجه آخر من الدلالة على ما وصفنا، وهو أنه معلوم أن أحدهما كاذب، فلذلك قال النبي ﷺ لهما: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ".
ولو علمنا الكاذب منهما بعينه، لما فرقنا بينهما، ثم لما اشتبه علينا أمرهما، وفرقنا بينهما، كانت الفرقة نافذة، مع العلم بكون كذب أحدهما، والذي أمضى ذلك وأنفذه: جهلنا بكذبه، وسقوط حكمه، كذلك جهلنا بكذب الشهود: يوجب إمضاء الفرقة التي شهدوا بها، وحكمنا بها.
ومن الدليل على أن لحكم الحاكم تأثيرًا في إمضاء العقد أو فسخه: أن حاكمًا لو رفع إليه عقد مما اختلف فيه، نحو الشفعة بالجوار ونظائرها،
стр. 3547
فأجازه: لم يكن لمن بعده من الحكام فسخ قضائه، وكان واسعًا للشفيع التصرف في الدار المأخوذة بالشفعة، لأجل حكم الحاكم به.
ولو لم يكن حكم الحاكم به، ثم رفع إلى حاكم لا يرى الشفعة بالجوار: لم يكن عليه الحكم بالشفعة، بل كان عليه إبطالها إذا كان ذلك من رأيه، فقد صار لحكم الحاكم تأثير في إيقاع العقد، أو فسخه، فصار ذلك أصلًا في نظائره من العقود.
* ودليل آخر: وهو أن الذي على الحاكم باتفاق المسلمين إذا شهد عنده شهود- ظاهرهم العدالة- بعقد، أو فسخ عقد: إمضاؤه والحكم به، فيصير ذلك عقدًا محكومًا بجوازه ونفاذه، من حيث أمر بإنفاذه، ولو تخلف الحاكم عن الحكم به، ليقف على حقيقة ما شهدوا به، لكان تاركًا لحكم الله ، عاصيًا في تخلفه عن أمر الله.
وإذا وقع الحكم بالعقد من حيث أمر الله تعالى بالحكم به، وجب أن يصح ويقع، إذ كان سائر العقود التي يتعاقد عليها المتعاقدان، إنما وجب إمضاؤهما عليها، ولزومهما أحكامها من حيث أمر الله تعالى بإمضائها، ولزوم أحكامها.
فلا فرق حينئذ بين أن يعقدا هما عقد نكاح بشهود حضروهما، وبين أن يأمر الله بالحكم بصحته إذا لزم الحاكم الحكم به بشهادة شهود شهدوا عنده به، فلا يجوز فسخ عقد هذا وصفه، إلا بما يصح به فسخ الحكومات، ويجوز ثبوته عند الحكام.
فإن قال قائل: فلو حكم بذلك بشهادة شهود، ثم تبين أنهم عبيد أو كفار: لم ينفذ حكمه، ولم يقع العقد بقضيته وإن كان مأمور بإمضائه والحكم به.
стр. 3548
قيل له: لا فرق بينهما في وقوع العقد بما وصفت، وإنما اختلفا من أجل أن هناك سببًا يوجب فسخ العقد الواقع بحكم الحاكم، وهو كون الشهود عبيدًا، أو كفارًا، أو محدودين في قذف، وهذه معان يصح ثبوتها عند الحكام، وتقوم عليها البينات، فجاز أن يفسخ به العقد الواقع، إذ لا يمتنع فسخ عقد صحيح بمعان توجبه وتقتضيه.
وليس كذلك حكم الشهود إذا كانوا شهود زور؛ لأن ذلك معنى لا يصح ثبوته عند الحكام من طريق الحكم، ولا تقوم عليه البينات، ولا يجوز فسخ حكم الحاكم إلا بحكم مثله، والرق، والكفر، والحد في القذف معان يصح ثبوتها من طريق الحكم، فلذلك جاز فسخ الحكم به.
* وعلى هذا المعنى قال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بنكاح امرأة بشهادة شهود شهدوا عنده، وقد كان المشهود عليه طلقها ثلاثًا قبل أن تتزوج زوجًا غيره: أنها لا تحل له، وكذلك لو حكم بنكاحها، وهي معتدة من غيره، وذلك لأن هذه معان يصح ثبوتها عند الحاكم من جهة الحكم، وتقوم عليها البينات، فإذا قارنت حكم الحاكم بالعقد منعت جوازه.
* ومن جهة أخرى في بطلان الحكم بعقد المعتدة والمطلقة ثلاثًا: وهي أن حكم الحاكم بالعقد، ليس بأكثر من ابتداء عقد منهما، فلا يصح حكمه بالعقد إلا في حال لو ابتدأ العقد فيه صح.
فإن قال قائل: يلزمك على هذه العلة إيجاب ملك المال للمحكوم له بقضاء القاضي به له، إذ هو مأمور بالحكم به، ولم يقارنه ما يوجب فسخه من طريق الحكم.
قيل له: لو كان حكم الحاكم له بالمال حكمًا له بملكه، للزم ما قلت، ولكنا نقول: إن الحاكم إنما يحكم عليه بتسليم المال إليه، ولا يحكم له
стр. 3549
بملك المال، وذلك لأنه لو وجب الحكم له بالملك، لما صح ذلك إلا مع بيان جهة الملك، فلما صح حكمه له به مع عدم بيان جهة الملك، ثبت أن حكم الحاكم، إنما تناول التسليم فحسب، لا ملك المال.
ألا ترى أن المحكوم له، لو كان اعترف بملك المال للمحكوم عليه، وادعى انتقاله إليه بجهة من جهات الملك، لما صح له الحكم بالمال بالبينة، إلا مع بيان جهة الملك، حين احتجا إلى أن نحكم له بالملك.
فلو قالوا: انتقل إليه ملك العبد، أو ملكه عليه: لم يحكم الحاكم بذلك حتى يشهدوا له بالجهة التي انتقل بها إليه، من بيع أو هبة أو نحو ذلك، فلو كان إطلاق الشهادة بالملك، يوجب له الحكم بالملك، لم صح الحكم به أو يشهدوا بجهة الملك، فصح بذلك أن الحاكم إنما يحكم له بالتسليم إليه، إذا لم يشهدوا بجهة الملك، واستحقاق التسليم إليه لا يوجب له الملك، وذلك لأنه قد يستحق تسليم ما لا يملكه، مثل عقد الرهن والإجارة.
وإنما ذكرنا حقيقة ما يقتضيه حكم الحاكم من التسليم أو الملك، لا من جهة أن سؤال السائل يقتضيه بحق الطر، لكن لأنا أردنا بيان وجه المسألة.
* فأما الذي يوجبه علينا النظر من الجواب، فهو أن نقول: إن حكم الحاكم بشهادة الشهود بمال مطلق، من غير جهة العقد، ليس يقتضي حكمًا منه بالملك، فإذا قلنا ذلك: سقط عنا سؤال السائل، ثم الكلام في تصحيح ما ذكرنا من المذهب خروج عن مسألتنا.
* وأما وجه ما روي عن أبي حنيفة ﵁ في الهبة من
стр. 3550
الروايتين، فإن وجه الجواز: أن حكم الحاكم تناول العقد، والانتقال به إليه، فكان كالبيع والنكاح ونحوه.
ووجه الرواية الأخرى: أن الحاكم لا ولاية له بحال في تمليك أموال الناس بعقد الهبة، وقد ثبت له ولاية في عقد النكاح والبيع والطلاق ونحوها.
مسألة: [رجوع الشاهدين على آخر بالهبة]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد شاهدان على رجل بالهبة والقبض، ثم رجعا: ضمنا قيمة ما شهدا به للواهب، ولم يكن للواهب أن يرجع في الهبة).
قال أحمد: إنما ضمنا القيمة؛ لاعترافهما باستهلاكه عليه بالشهادة، ولا يكون للواهب الرجوع في الهبة، لأنه قد أخذ بدلها من الشاهدين، ومتى حصل للواهب عوض الهبة: لم يصح له الرجوع فيها.
مسألة: [إذا تبين للقاضي عدم أهلية من حكم بشهادتهما]
قال أبو جعفر: (إذا قضى القاضي بشهادة شاهدين على رجل لرجل بمال، ثم وجد الشهود عبيدًا، أو محدودين في قذف: فإن على المحكوم له رد المال إن كان قبضه، ولا ضمان على الشاهدين).
وذلك لأنا قد بينا أنهما لم يكونا من أهل الشهادة، وكان ذلك خطأ من الحاكم حين حكم بشهادة من ليس من أهلها، ويرجع على القابض بما
стр. 3551
قبض، لحصول العلم ببطلان قضاءه من جهة الحكم.
مسألة: [إذا تبين عدم أهلية البيع شهود، الذين شهودا في قود]
قال أبو جعفر: (وإن كان الذي قضى به القاضي في ذلك بشهادتهما قودًا، والمسألة على حالها: فإن ضمان الدية في ذلك على المشهود له إن كان أخذ القود، وقد اختلف عن أبي حنيفة ﵀، فروي عنه أنها على عاقلته).
قال أحمد: وإنما وجب ضمانها على المشهود له؛ لأنه تناول القود على أنه حق له، وقد بينا أنه لم يكن حقه فيضمنه، ولا يكون عليه القود، لأنه أخذه بحكم القاضي، وجائز أن يكون المشهود له إنما عمل على قول الشاهدين في أخذ القود، ولم يكن له علم بحقيقة ذلك.
ووجه الرواية التي جعلها في ماله: أن المشهود له قد قتل المشهود عليه، وكان حكمه أن يكون عليه القود لولا شهادة الشاهدين، وحكم القاضي به، فصار ذلك شبهة في سقوطه، ووجبت الدية في ماله، لأنه عمد سقط فيه القود بشبهة، بمنزلة من قتل ابنه، فيكون عليه الدية في ماله.
ووجه الرواية الأخرى: أنه جعل بمنزلة قتل الخطأ، فتكون الدية فيه على العاقلة.
* * * * * * * *
стр. 3552
كتاب الدعاوى والبينات
مسألة: [بيان من تلزمه البينة ومن يلزمه اليمين]
قال أبو جعفر: (البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه).
وذلك لقول النبي ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
مسألة: [تنازع المدعيين في دار في يد أحدهما وإقامتهما البينة عليها]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى دارًا في يدي رجل أنها له، وادعاها الذي هي في يده، وأقام كل واحد منهما البينة أنها له: فإنه يقضى بها للخارج).
قال أحمد: الأصل فيه: قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي".
فاحتجنا أن نعرف المدعي من المدعى عليه، فلما اتفق الجميع على أن الذي يطالب بإقامة البينة بدءًا هو الخارج، وأن الذي يبدأ باليمين هو الذي الشيء في يده، ثبت أن المراد بالمدعي: هو الخارج، وأن المراد بالمدعى عليه: هو الذي الشيء في يده.
فقد انتظم هذا اللفظ إيجاب جميع البينات على الخارج، إذا كان هو المدعي.
стр. 3553
وقوله: "البينة": اسم يتناول الجنس، فلا يبقى شيء من الجنس إلا وقد انتظمه اللفظ، فلا يبقى هناك بينة تكون على المدعى عليه الذي الشيء في يده.
وكذلك لما قال: "اليمين على المدعى عليه": نفى به إيجاب يمين على المدعي؛ لاشتماله على جنس اليمين.
وليس يمتنع أن يقال: إن قوله: "البينة على المدعي": لا يتناول غير الخارج، وأنه لا يدخل تحته قط الذي الشيء في يده؛ لأن المدعي يقتضي مدعى عليه، والخارج معلوم أنه ليس بمدعى عليه، بدلالة أن الذي الشيء في يده لو رفعه إلى القاضي، وقال: أنا أدعي الدار التي في يدي لنفسي، وهو ينكر، فاقبل بينتي عليه: لم يلتفت له.
فصح أن الذي في يده ليس بمذاع، إذ كان إطلاقه لفظ المدعي يقتضي مدعى عليه، فلما لم يكن الخارج مدعى عليه، لم يكن الذي الشيء في يده مدعيًا.
فإذا قوله: "البينة على المدعي": إنما يتناول الخارج دون الذي في يديه، واستغرق سائر البينات بإيجابها عليه، فلم يبق هناك بينة تكون على المدعى عليه.
وأيضًا: من الدليل على أن الذي في يديه الشيء لا حكم لبينته على الملك المطلق: أنه لو جاء فأقام البينة على الخارج، ورام من القاضي الحكم ببينته، لأنه يجحده: لم يلتفت إلى بينته، وأن المدعي لو جاء بالبينة، قبلت بينته؛ فدل على أن المخصوص بقبول البينة هو الخارج،
стр. 3554
دون الذي في يديه.
وأيضًا: فإن ظاهر اليد والتصرف، يوجب الملك الذي هو في يديه، والبينة التي تشهد له إنما ترجع إلى ظاهر اليد، إذ لا سبيل لها إلى معرفة حقيقة الملك، وإذا كان هذا سبيل البينة فيما شهدت به، ولم يمنع ظهور اليد للذي في يديه من استحقاقها ببينة الخارج: كذلك ببينته.
وأيضًا: يدل على ما ذكرنا: قول النبي ﵊ في حديث الأشعث بن قيس، وحديث وائل بن حجر: "شاهداك، أو يمينه، ليس لك إلا ذلك"، فانتفى بذلك قبول بينة الذي في يديه.
فإن قيل: إنما أراد: ليس لك حق غيره، ولم ينف به قبول بينة الذي في يديه.
قيل له: إنه ليس كذلك، بل المراد أنه ليس لك إلا ذلك في قطع الخصومة بينك وبينه، ألا ترى أنه ذكر يمين المدعى عليه لقطع الخصومة، لا لاستحقاق ما يدعيه، فبان بذلك أن مراده قطع الخصومة، فاقتضى اللفظ نفي قبول المدعى عليه؛ لأن فيه قطع الخصومة بغير ما أوجبه النبي ﷺ .
قال أحمد: ولا يعترض على ذلك بما روي عن النبي ﷺ في النتاج، أنه قضى به للذي هو في يديه.
стр. 3555
وذلك لأن النتاج الذي قامت عليه البينة لهما، ليس أحدهما أولى بأن يكون مدعيًا فيه من الآخر؛ لأنه معنى مغيب عنا، ليس بظاهر في الحال، إذ لم يكن ظهور اليد علمًا للنتاج، وظهور اليد علم للملك، فلما لم يكن معنى النتاج ظاهرًا في الحال، لم يمتنع قبول بينة الذي في يديه عليه لدلالة أوجبته، إذ لم يتناوله لفظ النبي ﵊ في قوله: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
وأيضًا: لما كان النتاج معنى لا يستحلف عليه الذي هو في يديه، لم يمتنع قبول بينته عليه، إذ لم يكن فيه مدعى عليه في باب الاستحقاق عليه، وليس كذلك إذا أقام البينة على دعوى الملك المطلق من غير نتاج؛ لأن الملك المطلق يستحلف الذي في يديه على نفيه.
ألا ترى أنه لو لم تكن لهما بينة، استحلف في دعوى الملك على نفي الملك: بالله ما هو ملك للخارج، ولا يستحلف في النتاج: بالله ما ولد في ملك الخارج، فلذلك اختلف حكم النتاج، والملك المطلق في باب قبول بينة الذي في يديه.
وأيضًا: ما ذكرنا من خبر الأشعث بن قيس، وخبر وائل بن حجر لا يعترض عليه بخبر النتاج؛ لأن الخصومة كانت في أرض أو بيت، وليس في ذلك معنى النتاج، فقبلنا خبر النتاج على حياله، وخبر الأشعث ووائل على ما ورد فيه، ولم يعترض بأحدهما على الآخر.
وأيضًا: للنتاج معنى يفارق به دعوى الملك المطلق، ويوجب أن
стр. 3556
تكون بينة الذي في يده أولى، وهو أنه لما كان كل واحد منهما يدعي الملك من الجهة التي ادعاه صاحبه، كان الذي في يده أولى، كرجلين أقام كل واحد منهما البينة أنه اشترى هذا العبد من زيد، وهو في يدي أحدهما: أن الذي في يده أولى؛ لأنه ادعى الملك من الجهة التي ادعاها صاحبه، ومعه يد، وكذلك النتاج، وليس ذلك موجودًا في دعوى الملك المطلق.
مسألة: [إقامة المدعيين البينة على الدار المتنازع فيها]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى مدعيان دارًا في يدي رجل، فأقاما بينة: فإنه يقضى بها بينهما نصفين).
والأصل فيه: ما روى قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى: "أن رجلين ادعيا بعيرًا، فبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسمه رسول الله ﷺ بينهما".
وقد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث: "أنه كان في يد غيرهما، ولم يكن في يد واحد منهما".
وروى سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن النبي عليه الصلاة
стр. 3557
والسلام مثله.
وأيضًا: فلما تساويا في السبب الموجب للاستحقاق، وجب أن يتساويا في استحقاقه، فيكون بينهما نصفين، كما أن الغرماء لما تساووا في السبب الموجب لهم استحقاق مال الميت، تساووا في استحقاقه، وكما أن كل من الابنين مستحق جميع مال الأب إذا انفرد، ثم لما اجتمعا وتساويا في سبب الاستحقاق، وهو النسب الموجب لهما ذلك: تساويا في الاستحقاق.
فإن قيل: قد علمنا كذب إحدى البنتين، فلا يحكم بواحدة منهما، إذ كان في إيجاب الحكم بهما جميعًا، حكم بينة قد علمنا كذبها.
قيل له: هذا الاعتبار ساقط، من قبل أنه يؤدي إلى إسقاط جميع البينات؛ لأن رجلًا لو أقام البينة على عبد في يدي رجل أنه له: قبلت بينته، وقضي له به، فإن أقام آخر بينة على أنه له: قضي له به أيضًا على المستحق الأول، فقد حكمنا بصحة البينتين جميعًا، مع استحالة كون جميع العبد ملكًا لكل واحد منهما على الانفراد، فسقط بذلك قول من أوجب تعارض البينتين إذا قامتا على الملك.
وأيضًا: فإن كل واحدة من البينتين لا سبيل لها إلى الوصول إلى حقيقة
стр. 3558
الملك، وإنما تشهد بما يظهر من اليد والتصرف، وليس يمنع أن تكون كل واحدة منهما قد شهدت بظاهر اليد والتصرف ممن شهدت له به، فكانت صادقة في شهادتها، إذ لم تتناول شهادتها حقيقة الملك.
وإقامتهما البينة على النتاج والملك المطلق في هذا سواء على المعنى الذي قدمنا؛ لأن أحدهما لو استحقه بالنتاج على رجل، لم يمتنع أن يستحقه على المحكوم له بالنتاج إنسان آخر لو أقام البينة على النتاج، فيكون فيه حكم ببينتي النتاج، فانتفى بذلك قول من أوجب تعارض بينتي النتاج، من أجل استحالة كون النتاج من بينتين.
فصل:
قال أبو جعفر: (ولا يسمع القاضي بعد ذلك من الذي في يديه بينة على الخارجين، ولا بينة واحد منهما على صاحبه).
قال أحمد: وذلك لأن الذي في يديه، قد صار مستحقًا عليه ببينة الخارجين، ومن استحق عليه شيء ببينة، لا يجوز أن يستحقه هو على المستحق.
والأصل فيه: ما روى أبو بكرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقضى في الشيء الواحد بقضاءين".
وأيضًا: فلو اجتمعت بينة الخارج، والذي في يده: كانت بينة الخارج
стр. 3559
أولى، كذلك إذا افترقت البينتان؛ لأن كل بينتين لو اجتمعا: كانت إحداهما أولى، كذلك إذا افترقا؛ لأن هذه البينة قد صارت أولى بالاستحقاق بها مع حضور الأخرى، فتأخرها عنها لا يمنع ما قد ثبت من حكمها في كونها أولى.
وإنما لم تقبل بينة أحدهما بعد ذلك على الآخر؛ لأن كل واحد منهما قد صار مستحقًا عليه لصاحبه، والدليل على ذلك: أن بينة كل واحد منهما، قد كانت توجب له استحقاق الجميع لولا بينة الآخر، فصار الآخر مستحقًا عليه النصف الذي كان يستحق لولاه، فكان في هذا النصف بمنزلة الذي في يده إذا استحق عليه، فلا يلتفت بعد ذلك إلى بينته.
مسألة: [إقامة المدعيين البينة على الدار وإحداهما أسبق زمنًا تملكًا]
قال أبو جعفر: (ولو كان المدعيان أقام أحدهما البينة أنها له منذ سنة، وأقام الآخر البنية أنها له منذ سنتين: قضى بها لصاحب السنتين).
قال أحمد: وذلك لأن صاحب السنتين قد أقام البينة أنه لا يستحق في السنتين إلا من جهته، فأشبه صاحب النتاج إذا أقام البينة أنه لا يستحق ملكه بعد الولادة إلا من جهته، فيحتاج حينئذ مدعي الملك منذ سنة أنه استحق في السنتين من جهته.
* قال أحمد: ولو أقام كل واحد منهما البينة أنه له منذ سنة: قضى به بينهما نصفين؛ لأنهما قد تساويا في الوقت، فسقط حكمه، وصارا كأنهما أقاما البينة على ملك غير مؤقت، ولذلك قالوا: إن الخارج والذي في يده لو أقاما البينة على وقت واحد: كان الخارج أولى؛ لأنهما لما تساويا في
стр. 3560
الوقت، سقط حكمه، وصار كأنهما لم يوقتا وقتًا.
ولم يجعلوا ذلك بمنزلة الذي في يديه والخارج إذا أقاما البينة على النتاج، فيكون الذي في يديه أولى، لما ذكرنا من خبر النتاج، وأن الولادة ليست معنى ظاهرًا في الحال، فكان صاحب اليد أولى بها.
وأما التوقيت، فإنهما متى تساويا فيه: سقط حكمه، وصارا كأن لم يوقتا؛ لأن توقيت الملك، لا يوجب كونه أول مالك، والولادة توجب كونه أول مالك له، فلذلك اختلفا.
مسألة: [إقامة المدعيين البينة على الدار وإحداهما غير مؤقتة]
قال أبو جعفر: (ولو أقام أحدهما البينة أنها له منذ سنة، وأقام الآخر البينة أنها له ولم يوقت شهوده. فإن أبا يوسف قال: أقضي بها لصاحب الوقت، وقال محمد: أقضي بها للذي لم يوقت شهوده).
قال أحمد: قول أبي حنيفة في ذلك بأنه يقضي بها بينهما نصفين، رواه عنه محمد.
ووجه ذلك: أنه ليس في توقيته دلالة على تقدم ملكه على ملك الذي لم يوقت.
وليس هذا مثل أن يكون وقت أحدهما متقدمًا لوقت الآخر؛ لأن صاحب الوقت الآخر يدعي الملك في وقت قد استحقه قبل ذلك صاحب الوقت الأول، فأشبه النتاج، واحتاج الآخر في صحة الاستحقاق إلى أن يبين أنه استحقه من جهة صاحب الوقت الأول.
стр. 3561
وأما قول أبو يوسف: فإن الذي حكاه أبو جعفر هو قول أبي يوسف الأول، وقوله الآخر مثل قول أبي حنيفة.
وأما قول محمد الذي حكاه: فهو قوله الأخير الذي رجع إليه بعد رجوعه من الرقة.
وذهب محمد في ذلك إلى أن الذي لم يوقت شهوده يستحق ملك الأصل، بدلالة أنه متى استحقه على هذا الوجه من يدي مشتري غيره: يرجع الباعة بعضهم على بعض بالأثمان وإن كانوا قد تبايعوها منذ خمسين سنة، فدل ذلك على أن الاستحقاق: بإطلاق لفظ الملك، من غير توقيت استحقاق للأصل، والذي وقت شهوده إنما استحقه بالوقت المذكور، فصار ملك الذي لم يوقت شهوده متقدمًا في الحكم لملكه، فكان أولى.
قال أحمد: وهذا الاعتبار لا تستمر عليه المسائل، لا على أصله ولا على أصلهم، لاتفاقهم جميعًا على أن الذي في يديه لو أقام البينة على ملك مطلق، وأقام الخارج البينة على ملك مؤقت: أن الخارج أولى.
ولو كان صاحب الملك المطلق مستحقًا للأصل، لوجب أن يكون بمنزلة النتاج، فيكون صاحب اليد أولى، وكان يجب أن لو أقام أحدهما البينة أنه له منذ سنة، وأنه أعتقه، وأقام الذي في يده السنة أنه له: أن الذي في يديه أولى، وأن يبطل العتق، كما لو أقام البينة على أنه له منذ سنتين.
стр. 3562
ويلزم على ذلك أيضًا إن لم يوقت شهود الخارج، وشهود الذي في يديه: أن يكون الذي في يديه أولى، كالنتاج لأنه استحق ملك الأصل، فلما اتفق الجميع على صحة هذه المسائل مع وجود العلة التي اعتل بها في كون صاحب الملك المطلق أولى، ووجوب الحكم بخلافها، دل ذلك على فساد هذا الاعتبار.
ولكن تحصيل المعنى في الملك المطلق، هو ما كان يقوله أبو الحسن ﵀، إنه متى وقع الحكم به يكون حكمًا باستحقاق الأصل، فأما قبل وقوع الحكم به، فغير حائز أن يوجب ذلك بنفس الشهادة، إذ ليس في نفس الشهادة استحقاق الأصل، ولا معنى النتاج، فإذا وقع الحكم بالشهادة على الملك المطلق، تعلق به استحقاق الأصل من طريق الحكم، فلذلك رجعت الباعة بعضهم على بعض بالأثمان وأن تقادم وقت البياعات.
مسألة: [إقامة المدعيين البينة بشراء الدار ممن هي في يده]
قال أبو جعفر: (ولو ادعى كل واحد من المدعيين أنه اشتراها من الذي في يده بثمن مسمى، وأقام عليه البينة: قضى بالبينتين جميعًا، وكان كل واحد منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصف الدار بنصف الثمن، وإن شاء ترك).
قال أحمد: لما قامت البينة لكل واحد منهما، لم يكن أحدهما أولى
стр. 3563
به من الآخر، فتساويا في استحقاقه نصفين بالعقدين اللذين أقاما البينة عليه، ووجب لكل واحد منهما الخيار؛ لأن من حجته أن يقول: قد قامت بينتي على إقراره ببيع جميعها مني، وقد استحق علي نصف المشترى، فلي الخيار في فسخ الباقي، لأن الصفقة لم تسلم لي، ولأن الشركة عيب.
مسألة: [تميز إحدى البينتين بالقبض أو التوقيت]
قال أبو جعفر: (ولو شهدت بينة أحدهما بالقبض: كان صاحب القبض أولى).
وذلك لأن الذي معه القبض محكوم بعقده متقدمًا لعقد الآخر، من قبل أن العقدين حكمهما أن يقضي بهما في حال واحدة، لتساويهما، وعدم الدلالة على تقدم أحدهما، فإذا كان مع أحدهما قبض، فالقبض محكوم به لا محالة عن العقد، فهو متقدم له، وعقد الآخر محكوم به في الحال، فصار عقد صاحب القبض سابقًا لعقده في الحكم، فكان أولى به.
* قال أبو جعفر: (وكذلك لو وقتت إحدى البينتين، ولم توقت البينة الأخرى: كان صاحب الوقت أولى).
وذلك لما قلنا من أن قيام البينة على العقدين، يقتضي الحكم بهما معًا في حال القضاء، فإذا كان مع أحدهما وقت، وجب الحكم له بالعقد لوقته الذي شهدت به شهوده، فصار في التقدير عقده سابقًا لعقد الآخر؛
стр. 3564
لأن عقد الآخر لما لم يكن له تاريخ، وجب الحكم به في الحال، لا لوقت متقدم، إذ ليس شيء من الأوقات المتقدمة بأولى أن يحكم به فيه من وقت غيره، فصارا في هذا الوجه كأنهما وقتًا وقتين، أحدهما قبل الآخر، فيكون صاحب الوقت الأول أولى.
مسألة: [إذا تنازع شخصان على ثوب منسوج وأقاما بينة بذلك]
قال أبو جعفر: (من ادعى ثوبًا في يدي رجل أنه له، وأنه نسجه، وأقام عليه البينة، وأقام الذي هو في يديه البينة على مثل ذلك، فإن كان مما لا ينسج إلا مرة واحدة: فالذي في يديه أولى به، وإن كان مما ينسج مرتين كالخز والشعر: فالخارج أولى).
قال أحمد: قد ثبت عندنا أصلان.
أحدهما: أن يقيم الذي هو في يديه، والخارج جميعًا البينة على ملك مطلق: فيكون الخارج أولى؛ لسنة النبي ﷺ ، وحكمه بأن "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
فكان ما يجوز حدوثه في العين مرة بعد أخرى، مثل نسج الثوب الخز والشعر، فهو بمنزلة الملك المطلق؛ لأن الملك مما يجوز حدوثه مرة بعد أخرى، فكان الخارج أولى.
والأصل الآخر: ما لا يكون حدوثه في العين إلا مرة واحدة، وهو النتاج، وقد حكم النبي ﷺ به للذي هو في يديه، فقلنا: كل ما كان في معنى النتاج، متى قامت عليه البينة: فصاحب اليد أولى به؛
стр. 3565
قياسًا على النتاج.
فعلى هذين الحرفين تدور مسائل النتاج وما في معناه، والملك المطلق ونظائره.
مسألة: [إقامة المدعيين البينة على دار كل منهما بأنها لأبيه]
قال: (ومن ادعى دارًا في يدي رجل أنها كانت لأبيه، مات منذ سنة، وتركها ميراثًا له، لا وارث له غيره، وادعى آخر أنها كانت لأبيه، مات منذ شهر، وتركها ميراثًا له، لا وارث له غيره، وأقاما البينة، فإن أبا يوسف قال: أقضي بها لصاحب الوقت الأول، وقال محمد: أقضي بها بينهما نصفين).
قال أحمد: وقول أبي حنيفة في هذا القول كقول أبي يوسف.
ووجه ذلك: أن كل واحد من المدعيين قد أرخا ملكيهما، فصاحب التاريخ الأول أولى، كما لو أقاما البينة على الملك المطلق من غير جهة الميراث، ووقت أحدهما متقدم لوقت الآخر: كان صاحب الوقت الأول أولى، فكذلك ما وصفنا.
وقال محمد: إذا أقاما البينة على الميراث، فإنما أثبتا ملك الميتين، وملك الميتين غير مؤرخ، فصار كأن الميتين أقاما البينة على ملك من غير تاريخ، والدليل على أنهما يثبتان ملك الميتين: أنه إذا قضى به للوارث قضى منه ديون الميت، وأنفذت منه وصاياه، فدل ذلك على أن القضاء بالملك يقع للميت، فسقط اعتبار تاريخ ملك الوارث.
стр. 3566
والانفصال لأبي حنيفة في ذلك: أن الميت لا يثبت له ملك، وإنما يثبت الملك للحي، فوجب اعتبار تاريخ ملك الوارثين.
مسألة: [تنازع شخصان على دار يدعي كل منهما شراءها من الآخر، ولهما بينة]
قال أبو جعفر رحمه الله تعالى: (وإذا ادعى دارًا في يدي رجل أنه ابتاعها من الذي في يديه بألف درهم- وادعى قبضها، أو لم يدع-، وادعى الذي هو في يديه على المدعي مثل ذلك، وأقام كل واحد منهما البينة على دعواه، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: يبطل القاضي البينتين جميعًا، ويجعل الدار للذي هي في يديه.
وقال محمد: إن لم تشهد بينة الخارج على قبض الدار: قضى بها للخارج على الذي هي في يديه، وإن شهدت على قبض منه لها: قضى بالبينتين جميعًا، وقضى بالدار للذي هي في يديه).
قال أحمد: لم يختلفوا أن الخارج لو أقام البينة على إقرار الذي في يديه بها له، وأقام الذي في يديه البينة على إقرار الخارج بها: أن البينتين تسقطان، ويترك الدار في يدي الذي هي في يديه.
فرد أبو حنيفة مسألة إقامتهما البينة على الشراء إلى هذه، وذلك لأن دخوله معه في عقد الشراء، إقرار منه بأن الدار له، فلا فرق بين إقامتهما البينة على صريح الإقرار من كل واحد منهما لصاحبه بها، وبين إقامتهما
стр. 3567
البينة على شراء يتضمن الإقرار بها له.
وفرق محمد بينهما، بأن الإقرار إذا لم يكن من عقد تمليك، فإنه يوجب الملك له، لا على وجه ابتداء تمليك، بدليل جواز إقرار المريض بجميع ماله لآخر، وامتناع جواز تمليكه إلا من الثلث.
فلما لم يكن الإقرار تمليكًا من جهته، لم يقتض كونه مالكًا قبل الإقرار، لا على جهة الحدوث: استحال الحكم بصحة الإقرارين بصحة الملك، بأن كل واحد منهما مستحق للملك بالإقرار في الحال الذي يستحق فيها صاحبه فبطل الإقراران جميعًا، وبقيت الدار في يدي الذي هو في يديه.
وأما الشراء، فإنه عقد تمليك ينتقل به الشيء إلى المشتري، وقد يمكننا تصحيحهما جميعًا، بأن يحكم بأحدهما قبل الآخر، فمتى أمكننا تصحيح العقدين جميعًا صححناهما، لأن حكم البينات أنها محمولة على الصحة، ولا يجوز حملها على التنافي والتضاد ما وجدنا لها وجهًا في الصحة، فلذلك وجب ما ذكرنا.
والانفصال لأبي حنيفة من ذلك: أنه لا فرق بين الأمرين من الوجه الذي ذكره محمد؛ لأن كل واحد منهما مستحق للملك بالشراء في الحال التي يستحق صاحبه فيها الملك، كما يستحق الملك بالإقرار.
وما فصل به محمد بين الإقرار والشراء، فإنما يمكن إذا أثبتا تاريخًا للعقدين، ولا جائز إثبات تاريخ ليس في لفظ الشهود، كما لا يجوز إثبات قبض لم يشهد به الشهود، وليس بمشاهد معلوم.
ألا ترى أن خارجين لو ادعيا الشراء من جهة الذي هي في يديه: لم يجز لنا أن نثبت لأحدهما تاريخًا لعقده، ليس للآخر مثله، إذ ليس في
стр. 3568
لفظ الشهادة تاريخ، بل حكمنا بالعقدين لهما معا، فكذلك الخارج والذي في يديه، إذا أقاما البينة على الشراء، كل واحد منهما من صاحبه، ولا تاريخ مع واحد منهما.
ولمحمد: أنا لا نحتاج في الخارجين إذا ادعيا الشراء من جهة الذي في يديه، إلى إثبات تاريخ في تصحيح عقدهما، وقبول بينتهما؛ لأنه لا يمتنع الحكم بوقوع عقدهما معا، ويمتنع ذلك في الخارج، والذي في يديه، فاحتجنا إلى إثبات التاريخ في تصحيح البينتين، فصححناهما من الوجه الذي يمكن تصحيحهما.
*قال: (وليس التاريخ في ذلك كالقبض).
لأن العقد لابد من أن يكون له وقت يقع فيه، وقد علمنا استحالة وقوعهما معا، فحكمنا بتقدم أحدهما على الآخر، على حسب ما يقتضيه الحكم، وأما القبض فإن صحة العقد لا تفتقر إلى وجوده، فلذلك لم يلزم الحكم بالقبض، من حيث حكمنا بالتاريخ.
*وأما ما ذكره أبو جعفر من قول محمد: "إنها إذا لم تكن مقبوضة: قضى بها للخارج على الذي في يديه، وإن شهدت على القبض: قضى بالبيعين، وقضى بها للذي في يديه":
فإنه لا فرق عند محمد في قيام البينة على القبض أو عدمه، في أنه متى أمكنه تصحيح البيعين: صححهما، سواء كانت قد قبضت أو لم
стр. 3569
تقبض، إلا أنه يقول: إن لم تقم البينة على القبض: فإنه يقضي بشراء الذي في يديه أولا من الخارج، ويحكم له بالقبض؛ لأنها في يديه، فيحكم بأن هذا القبض هو قبض البيع، إذ قد قامت البينة على الشراء.
فلا جائز أن يحكم بأنها مقبوضة على غير الوجه المستحق، مع إمكان تصحيح القبض من الوجه الذي يجوز القبض فيه، فكأنه اشترى وقبض، ثم باعها من الخارج، ولم يسلم، فيؤمر بتسليمها إليه، ويصير الثمنان قصاصا بعضهما ببعض.
وإن قامت البينة عل القبض: جعل الخارج كأنه اشترى وقبض، ثم باعها من الذي هي في يديه، وسلمها؛ لأنه يجعل القبض المشاهد هو القبض الثاني، لأنه يحمله على الصحة، ولا يجعله قبض غصب.
مسألة: [تنازعا على دار، وأقام أحدهما بينة بالنصف والآخر بالكل]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى رجلان دارا في يدي رجل، فأقام أحدهما البينة على نصفها أنه له، والآخر عل جميعها، فإن أبا حنيفة قال: أقضي بها للمدعيين أرباعا: لصاحب النصف ربعها، وللآخر ثلاثة أرباعها، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي بها بينهما أثلاثا).
قال أحمد: لهذه المسألة نظائر على مذهب أبي حنيفة، ربما خالف بين أجوبتها مع اشتباهها في الظاهر، وأنا ذاكرها ومبين اختلاف معاني ما اشتبه منها في الظاهر، واختلف في الجواب، ليقف الناظر على طريق الاعتبار منها.
стр. 3570
فمن نظائر مسائل الدعوى: ما قال أبو حنيفة في رجل أوصى لرجل بجميع ماله، ولآخر بنصف ماله، وأجازت الورثة: فالنصف لصاحب الجميع، والنصف الباقي بينهما نصفان، فيحصل لصاحب الجميع ثلاثة أرباعه، ولصاحب النصف الربع، وقال أبو يوسف ومحمد: هو بينهما أثلاثا.
وقال أبو حنيفة: إذا أوصى بعبده لرجل، وبنصفه لآخر، وهو يخرج من الثلث: فالنصف يسلم لصاحب الجميع، والنصف الآخر بينهما نصفان، وقال أبو يوسف ومحمد: هو بينهما أثلاثا.
وقال أبو حنيفة في عبد قتل رجلا خطأ، وآخر عمدا، ولصاحب العمد وليان، فعفا أحدهما: أه إن دفعه، دفعه أثلاثا في قول أبي حنيفة، وفي قولهما أرباعا.
وكذلك قال أبو حنيفة: في أم ولد قتلت مولاها، وأجنبيا عمدا، ثم عفا أحد وليي المولى، وأحد وليي الأجنبي، أحدهما قبل صاحبه: أن الولي الذي لم يعف منهما أولا، قد ثبت له نصف القيمة في رقبتها، ثم عفا ولي الآخر، فثبت له أيضا نصف القيمة، نصفه في النصف الفارغ، وهو الربع، فيأخذه، ونصفه في النصف المشغول، وللأول فيه نصف القيمة، فيقتسمان ذلك من القيمة أثلاثا، وعند أبي يوسف ومحمد: والنصف المشغول بينهما أرباعا.
وقال أبو حنيفة في رجلين بينهما عبد أذنا له في التجارة، ثم أدانه أحدهما مائة درهم، وأدانه أجنبي مائة درهم، ثم بيع العبد بمائة: أن الثمن
стр. 3571
يقسم بينهما أثلاثا في قول أبي حنيفة، وفي قولهما أرباعا.
وقالوا جميعا: في رجل أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله، فلم يجز الورثة: أنهما يقسمان الثلث بينهما على ثلاثة.
وكذلك الوصية المرسلة، والعتق: يضرب كل واحد منهما بما سمي له بلا خلاف.
وقالوا جميعا: في عبد قتل رجلا خطأ، وفقأ عين الآخر، فاختار المولى دفعه إليهما: فإنه يدفعه أثلاثا.
قال أحمد: فهذه المسائل نظائر، قد خولف بينها في الجواب، واتفق الجميع على بعضها، واختلفوا في البعض، والمعنى الذي بنى عليه أبو حنيفة ﵀ هذه المسائل، ويستمر الجواب عليه: أن كل من أدلى بسبب صحيح ثابت في الحال: ضرب به في الجميع.
والأصل فيه: المواريث والعول فيها، والديون التي ستضارب بها الغرماء بعد الموت، والابن يستحق جميع المال، والبنت النصف، فإذا اجتمعا ضرب كل واحد منهما في المال بنصيبه، فكان بينهما أثلاثا، لصحة السبب الذي به أدلى كل واحد منهما، فاعتبر ذلك في نظائره من المسائل التي ذكرناها.
فقلنا على هذا: إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله: أن الميت يملك الوصية بالثلث، والوصية بالسدس، كل واحدة على حيالها،
стр. 3572
فذلك سبب يجوز أن يضرب به كل واحد من الموصى لهما، كما يضرب أصحاب الديون بديونهم، وكما يضرب أصحاب المواريث بأنصبائهم، إذا كان ذلك سببا صحيحا غير موقوف على معنى يصححه ويثبته.
وكذلك الوصية بالعتق، وبالدراهم المرسلة، إذ لم تكن وصية واقعة في غير ملك الوارث.
*وأما الوصية بالعتق، فليست بثابتة؛ لأنها موقوفة على خروج العبد من الثلث، وهي عين يستحقها الوارث، ما لم تخرج من الثلث، فلم يضرب بالجميع، لكنه يسلم له النصف الذي لا منازعة فيه، ومن الباقي نصفه.
وكذلك الوصية إذا زادت على الثلث، إذ كانت موقوفة على إجازة الورثة.
وكذلك مسألة الدعوى التي نحن فيها، حكم البينة فيها موقوف على صحة القضاء بها، فما لم يقض بها: لم يصح حكمها، فاستحال أن يضرب في الجميع، وهو لم يستحق الجميع ببينته، فلم يضرب به في الجميع بل في النصف.
*وأما مسألة أم الولد والعبد اللتان قدمنا: فإن لكل واحد من الوليين سببا صحيحا، فأشبهت ديون الغرماء والعول في المواريث.
وكذلك العبد إذا قتل رجلا، وفقأ عين آخر: فلولي القتيل الدية في رقبته، وللمفقوء عينه نصف الدية، فاقتسما الرقبة أثلاثا.
стр. 3573
*وأما مسألة العبد بين رجلين، إذا أدانه أحدهما مائة درهم، وأدانه أجنبي مائة درهم، ثم بيع بمائة، فإن أبا حنيفة قال: إن للمولى خمسين درهما في الثمن، وللأجنبي مائة درهم، فاقتسما أثلاثا.
*وقال أبو يوسف ومحمد: الثمن بدل من جميع العبد، فنصف الثمن بدل من النصف الذي للمولى الغريم، فلا شيء للمولى فيه، فيسلم للأجنبي، والنصف الآخر بدل من نصيب المولى الذي لم يدنه، وللمولى الغريم فيه خمسون درهما، وللأجنبي فيه مثل ذلك، فهو بينهما نصفان.
وكرهت الإطالة ببيان وجه قول أبي يوسف ومحمد في جميع هذه المسائل، إذ كان شأننا الاختصار في هذا الكتاب، والتنبيه على المعنى، فاقتصرت على ما نبهنا عليه من قول أبي حنيفة.
مسألة: [تنازع المدعيين دارا في أيديهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدار في يدي رجلين، فادعى أحدهما نصفها، والآخر جميعها، وأقاما البينة: فإنه يقضي لمدعي الجميع بالنصف الذي في يدي صاحبه منها، ولا يقضي لصاحبه بشيء مما في يديه).
قال أحمد: وذلك لأن في يد كل واحد منهما نصفها، فأقام صاحب الجميع البينة على النصف الذي في يديه، ولا يحتاج فيه إلى بينة؛ لأنه في يديه، وبينته غير مقبولة على ما في يده، فيترك ما في يده ما لم يرد عليه ما يوجب الاستحقاق.
وأما النصف الذي في يد صاحب النصف، فقد أقام الذي في يده
стр. 3574
البينة عليه، فلا تقبل بينته فيه، وقد أقام عليه صاحب الجميع البينة، فاستحقه عليه، فحصلت الدار لصاحب الجميع، نصفها باستحقاق منه على صاحب النصف، والنصف الآخر كان في يده، فلم يستحقه غيره، فيترك في يده على ما كان عليه.
مسألة: [إذا تنازع صاحبي دارين حائطا بينهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كان الحائط بين دارين، فادعاه كل واحد من صاحبي الدارين، فإن كان داخلا في ترابيع بناء إحدى الدارين: كان لصاحبها).
وذلك لأن جميعه حائط واحد، فإذا ثبت له بعضه، ثبت له جميعه، وكالأزج الواحد، أنه متى استحق شيئا منه استحق جميعه،
وجملة الأمر في هذه المسائل: أن اليد إنما هي التصرف، فمن كان أظهر تصرفا في الحائط: فهو أولى باليد، وقد ظهر لصاحب الاتصال ضرب من التصرف، فكان أولى.
стр. 3575
مسألة:
قال: (وإن لم يكن داخلا في ترابيع بناء واحدة منهما، وكان متصلا ببناء أحدهما، دون بناء الآخر: قضى به لصاحبها).
قال أحمد: اتصال الترابيع: أن يكون آجر الحائط مداخلا لآجر حائط صاحب الدار من وجهين، ثم يكون حائط الدار أيضا متصلا بحائط بيته، أو داره بالمداخلة من وجهين آخرين، وكذا كان يفسر أبو الحسن ﵀ معنى قولهم: تربيع دار أو بيت، فإذا كان كذلك، كان الحائط الواحد، وكالأزج الواحد.
وأما ما ذكر أبو جعفر من الاتصال بغير تربيع، وأن صاحب الاتصال أيضا أولى: فهو أن يكون آجره مداخلا لآجر حائط صاحب الدار من طرفيه، أو من أحدهما، فيكون صاحب الاتصال أولى؛ لأنه قد ثبت له في الحائط ضرب من التصرف، وليس للآخر فيه تصرف.
ألا ترى أنهما لو تنازعا عرصة، وقد حفر أحدهما فيها حفيرا أو بنى فيها بناء، كان صاحب البناء والحفر أولى باليد، لظهور تصرفه فيها دون الآخر.
مسألة:
قال: (فإن لم يكن كذلك، وكان عليه خشب لأحدهما: قضى به لصاحب الخشب).
لأنه متصرف فيه بحمله الخشب عليه، فهو أولى باليد، ألا ترى أنهما
следующие страницы →