Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
يقسم بينهما أثلاثا في قول أبي حنيفة، وفي قولهما أرباعا.
وقالوا جميعا: في رجل أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله، فلم يجز الورثة: أنهما يقسمان الثلث بينهما على ثلاثة.
وكذلك الوصية المرسلة، والعتق: يضرب كل واحد منهما بما سمي له بلا خلاف.
وقالوا جميعا: في عبد قتل رجلا خطأ، وفقأ عين الآخر، فاختار المولى دفعه إليهما: فإنه يدفعه أثلاثا.
قال أحمد: فهذه المسائل نظائر، قد خولف بينها في الجواب، واتفق الجميع على بعضها، واختلفوا في البعض، والمعنى الذي بنى عليه أبو حنيفة ﵀ هذه المسائل، ويستمر الجواب عليه: أن كل من أدلى بسبب صحيح ثابت في الحال: ضرب به في الجميع.
والأصل فيه: المواريث والعول فيها، والديون التي ستضارب بها الغرماء بعد الموت، والابن يستحق جميع المال، والبنت النصف، فإذا اجتمعا ضرب كل واحد منهما في المال بنصيبه، فكان بينهما أثلاثا، لصحة السبب الذي به أدلى كل واحد منهما، فاعتبر ذلك في نظائره من المسائل التي ذكرناها.
فقلنا على هذا: إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله: أن الميت يملك الوصية بالثلث، والوصية بالسدس، كل واحدة على حيالها،
стр. 3572
فذلك سبب يجوز أن يضرب به كل واحد من الموصى لهما، كما يضرب أصحاب الديون بديونهم، وكما يضرب أصحاب المواريث بأنصبائهم، إذا كان ذلك سببا صحيحا غير موقوف على معنى يصححه ويثبته.
وكذلك الوصية بالعتق، وبالدراهم المرسلة، إذ لم تكن وصية واقعة في غير ملك الوارث.
*وأما الوصية بالعتق، فليست بثابتة؛ لأنها موقوفة على خروج العبد من الثلث، وهي عين يستحقها الوارث، ما لم تخرج من الثلث، فلم يضرب بالجميع، لكنه يسلم له النصف الذي لا منازعة فيه، ومن الباقي نصفه.
وكذلك الوصية إذا زادت على الثلث، إذ كانت موقوفة على إجازة الورثة.
وكذلك مسألة الدعوى التي نحن فيها، حكم البينة فيها موقوف على صحة القضاء بها، فما لم يقض بها: لم يصح حكمها، فاستحال أن يضرب في الجميع، وهو لم يستحق الجميع ببينته، فلم يضرب به في الجميع بل في النصف.
*وأما مسألة أم الولد والعبد اللتان قدمنا: فإن لكل واحد من الوليين سببا صحيحا، فأشبهت ديون الغرماء والعول في المواريث.
وكذلك العبد إذا قتل رجلا، وفقأ عين آخر: فلولي القتيل الدية في رقبته، وللمفقوء عينه نصف الدية، فاقتسما الرقبة أثلاثا.
стр. 3573
*وأما مسألة العبد بين رجلين، إذا أدانه أحدهما مائة درهم، وأدانه أجنبي مائة درهم، ثم بيع بمائة، فإن أبا حنيفة قال: إن للمولى خمسين درهما في الثمن، وللأجنبي مائة درهم، فاقتسما أثلاثا.
*وقال أبو يوسف ومحمد: الثمن بدل من جميع العبد، فنصف الثمن بدل من النصف الذي للمولى الغريم، فلا شيء للمولى فيه، فيسلم للأجنبي، والنصف الآخر بدل من نصيب المولى الذي لم يدنه، وللمولى الغريم فيه خمسون درهما، وللأجنبي فيه مثل ذلك، فهو بينهما نصفان.
وكرهت الإطالة ببيان وجه قول أبي يوسف ومحمد في جميع هذه المسائل، إذ كان شأننا الاختصار في هذا الكتاب، والتنبيه على المعنى، فاقتصرت على ما نبهنا عليه من قول أبي حنيفة.
مسألة: [تنازع المدعيين دارا في أيديهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدار في يدي رجلين، فادعى أحدهما نصفها، والآخر جميعها، وأقاما البينة: فإنه يقضي لمدعي الجميع بالنصف الذي في يدي صاحبه منها، ولا يقضي لصاحبه بشيء مما في يديه).
قال أحمد: وذلك لأن في يد كل واحد منهما نصفها، فأقام صاحب الجميع البينة على النصف الذي في يديه، ولا يحتاج فيه إلى بينة؛ لأنه في يديه، وبينته غير مقبولة على ما في يده، فيترك ما في يده ما لم يرد عليه ما يوجب الاستحقاق.
وأما النصف الذي في يد صاحب النصف، فقد أقام الذي في يده
стр. 3574
البينة عليه، فلا تقبل بينته فيه، وقد أقام عليه صاحب الجميع البينة، فاستحقه عليه، فحصلت الدار لصاحب الجميع، نصفها باستحقاق منه على صاحب النصف، والنصف الآخر كان في يده، فلم يستحقه غيره، فيترك في يده على ما كان عليه.
مسألة: [إذا تنازع صاحبي دارين حائطا بينهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كان الحائط بين دارين، فادعاه كل واحد من صاحبي الدارين، فإن كان داخلا في ترابيع بناء إحدى الدارين: كان لصاحبها).
وذلك لأن جميعه حائط واحد، فإذا ثبت له بعضه، ثبت له جميعه، وكالأزج الواحد، أنه متى استحق شيئا منه استحق جميعه،
وجملة الأمر في هذه المسائل: أن اليد إنما هي التصرف، فمن كان أظهر تصرفا في الحائط: فهو أولى باليد، وقد ظهر لصاحب الاتصال ضرب من التصرف، فكان أولى.
стр. 3575
مسألة:
قال: (وإن لم يكن داخلا في ترابيع بناء واحدة منهما، وكان متصلا ببناء أحدهما، دون بناء الآخر: قضى به لصاحبها).
قال أحمد: اتصال الترابيع: أن يكون آجر الحائط مداخلا لآجر حائط صاحب الدار من وجهين، ثم يكون حائط الدار أيضا متصلا بحائط بيته، أو داره بالمداخلة من وجهين آخرين، وكذا كان يفسر أبو الحسن ﵀ معنى قولهم: تربيع دار أو بيت، فإذا كان كذلك، كان الحائط الواحد، وكالأزج الواحد.
وأما ما ذكر أبو جعفر من الاتصال بغير تربيع، وأن صاحب الاتصال أيضا أولى: فهو أن يكون آجره مداخلا لآجر حائط صاحب الدار من طرفيه، أو من أحدهما، فيكون صاحب الاتصال أولى؛ لأنه قد ثبت له في الحائط ضرب من التصرف، وليس للآخر فيه تصرف.
ألا ترى أنهما لو تنازعا عرصة، وقد حفر أحدهما فيها حفيرا أو بنى فيها بناء، كان صاحب البناء والحفر أولى باليد، لظهور تصرفه فيها دون الآخر.
مسألة:
قال: (فإن لم يكن كذلك، وكان عليه خشب لأحدهما: قضى به لصاحب الخشب).
لأنه متصرف فيه بحمله الخشب عليه، فهو أولى باليد، ألا ترى أنهما
стр. 3576
لو تنازعا دابة، وأحدهما راكبها، أ, أخذ بلجامها: أن الراكب والآخذ باللجام أولى باليد فيها من الآخر.
مسألة:
قال: (فإن لم يكن لأحدهما عليه خشب، وكان لأحدهما عليه هرادي: فإن صاحب الهرادي لا يستحق بها من الحائط شيئا).
وذلك أنه غير متصرف في الحائط بالهرادي؛ لأنها غير محمولة على الحائط، ألا ترى أن الحائط لو وقع: كانت الهرداي بحالها.
والهرداي هي أطنان القصب التي تطرح فوق البواري والخشب، فيماس رؤوسها الحائط من غير أن يحملها.
مسألة:
قال: (فإن كان لكل واحد منهما عليه خشب، وهو غير متصل ببناء أحدهما: فهو بينهما نصفين).
لأنهما جميعا متصرفان فيه، كراكبي بعير أو دابة، إذا تنازعاه: يكون بينهما نصفين.
*قال: (ولا ينظر في ذلك إلى كثرة الخشب، ولا إلى قلته، إلا أن يكون لأحدهما عليه خشبة واحدة، والآخر عدد من الخشب: فيكون
стр. 3577
لصاحب الخشبة الواحدة موضع خشبته، وبقيته للآخر).
قال أحمد: الخشبة الواحدة والخشبتان سواء، لا يستحق بذلك شيئا من الحائط، والحائط لصاحب الخشب الكثير، إلا أنه يترك للآخر خشبة إن كانت واحدة أو ثنتين.
وإن كان لأحدهما ثلاث خشبات، وللآخر أكثر منها: فهو بينهما نصفان، وذلك مروي عنهم على ما بينا في اعتبار عدد الخشب.
وإنما كان كذلك، لما بينا من أن التصرف هو علم اليد ودلالتها، فمن كان أظهر تصرفا: فهو أولى باليد والملك.
فإذا كان لأحدهما عليه جذع أو جذعان، وللآخر عليه أجذاع كثيرة: فصاحب الأجذاع أظهر تصرفا، فهو أولى بملك الحائط.
كما أن بعيرا لو كان لرجل عليه حمل، ولآخر عليه هراوة، أو سطيحة، أو حبل: كان البعير في يدي صاحب الحمل دون الآخر، إلا أن صاحب الجذع لا يؤمر بنزع جذعه؛ وذلك لأنه مثله، قد يجوز أن يثبت حقا في الحائط، بأن تقع القسمة في الابتداء على أن يترك جذعه، فيكون ذلك حقا له في الحائط.
وإذا كان كذلك، وكانت يده مشاهدة في موضع الجذع: لم يجز لنا أن نأمره بنزعه، إذ كنا إنما حكمنا للآخر باليد في الحائط من جهة ظهور
стр. 3578
تصرفه وظاهر يده، والظاهر لا يبطل به حق الغير.
وليس ذلك مثل أن يقيم أحدهما البينة على ملك الحائط، فيؤمر الآخر الذي لم يقم البينة بنزع جذوعه؛ لأن هذا قد استحق الحائط ببينته، والبينة يجوز أن يستحق بها على الغير، واليد لا يستحق بها على الغير، وإنما تدفع دعوى المدعي.
وليس الجذع المشاهد في الحائط بمنزلة الهراوة التي على البعير، الذي للآخر عليه حمل، فيؤمر برفعها، إذا حكمنا بالبعير لصاحب الحمل؛ لأن حمل الهراوة لا يجوز أن يثبت بها حق في البعير، ووضع الجذع يجوز أن يكون حقا في نفس الحائط.
والذي قلنا من أن صاحب الجذع لا ملك له في الحائط، وإنما ملكه للآخر، ولصاحب الجذع حق الموضع، قد كان أبو السحن ﵀ يقوله.
وقد قال محمد في الأصل: (إذا كان لأحدهما عليه عشر خشبات، وللآخر عليه خشبة واحدة: فلكل واحد منهما ما تحت خشبه، ولا يكون بينهما: قد كان أبو الحسن يتأوله أيضا على ما ذكرنا، ويقول: إن معناه: أن لصاحب الجذع الواحد حقا في وضعه، ولا يؤمر بنزعه، فأما ملك الحائط، فلصاحب العشرة.
مسألة: [التنازع على بناء، أ, خص له قمط]
قال أبو جعفر: (ولا يقضي بوجه البناء ولا بظهره، ولا يقضي
стр. 3579
بالخص لصاحب القمط في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي بالخص لصاحب القمط).
قال أحمد: ويعتبران أيضا وجه البناء، فيقضيان بالحائط لمن إليه وجبه البناء، وأنصاف اللبن.
وجه قول أبي حنيفة: أنه لا يجوز إثبات الأيدي بالدلالة إذا لم يكن هناك تصرف مشاهد من أحدهما، ألا ترى أن عطارا ودباغا لو تنازعا مسكا: لم يقض باليد للعطار دون الدباغ فيما ليس له فيه يد ظاهرة، ولا تصرف؛ لأجل الدلالة، كذلك وجه البناء والقمط أكثر ما فيهما: أن يجعلا دلالة على أنه هو الباني، واليد لا تثبت بالدلالة.
وأيضا: فإن وجه البناء قد يجعل إلى غير مالك، وكذلك القمط، ألا ترى أن الحائط الذي يلي الطريق يجعل وجه بنائه إلى الطريق، وكذلك القمط، فإذا ليس فيهما دلالة على يده فيه، دون يد الآخر.
*وذهب أبو يوسف ومحمد فيه إلى حديث يرويه أبو بكر بن عياش عن دهثم بن قران عن نمران بن جارية عن أبيه، "أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في خص، فبعث بحذيفة، فقضى به لمن إليه
стр. 3580
القمط، فأجازه النبي ﵊".
وهذا الحديث لو ثبت لم يدل على ما قالا؛ لأنه ليس فيه أنه قضى به، لأجل القمط، وعسى أن يكون قد شاهد من ظهور يده فيه من غير هذه الجهة ما أوجب الحكم له به.
على أن: دهثما: مجهول، وكذلك: نمران بن جارية.
مسألة: [تصرفات صاحب السفل في الحائط بينه وبين صاحب العلو]
قال أبو جعفر: (ومن كان له سفل، ولآخر علوه من حائط: فإنه ليس لصاحب السفل أن يوتد فيه وتدا، ولا ينقب فيه كوة إلا بإذن الآخر، في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن لصاحب العلو حق الحمل على الحائط، فقد ثبت له الحق في جميع الحائط، فليس للآخر أن يتلف منه شيئا له فيه حق.
وأيضا: فلما كان له في الحائط حق، لم يجز له أن ينقب فيه وإن كان مالكه، كما أن المرتهن لما كان له حق في الجارية الرهن، لم يكن للراهن وطؤها ولا استخدامها وإن كان مالكا، لتعلق حق المرتهن بها، كذلك ما وصفنا.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: له أن يفعل ما لا يضر بالعلو).
لأن حق صاحب العلو بقاء حمله بما لا يضر بحمله، فله فعله؛
стр. 3581
لأنه ملكه.
مسألة: [باع عبدا ولد في ملكه، ثم ادعاه، فكذبه المشتري]
قال أبو جعفر: (ومن باع عبدا قد ولد في يده من حمل كان في ملكه، ثم ادعاه، وكذبه المشتري: قبلت دعواه فيه، وفسخ البيع.
وكذلك إذا باعها حاملا، فولدت لأقل من ستة أشهر منذ يوم باع).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أن الدعوة على وجهين: دعوة استيلاد، ودعوة ملك.
ودعوة الاستيلاد: كأنها حق فيما يبطل بها من حق الغير، ودعوة الملك بمنزلة عتاق موقع.
فأما دعوة الاستيلاد، فهي أن يكون ابتداء العلوق في ملكه، ودعوة الملك أن يكون ابتداء العلوق في ملك غيره.
والدليل على أن دعوة الاستيلاد كأنها حق فيما يبطل بها من حق الغير: أن جارية بين رجلين، لو حملت في ملكهما، وولدت، فادعى أحدهما ولدها: ضمن نصف قيمتها، ونصف عقرها، ولم يضمن من قيمة ولدها شيئا؛ لأنه ضمن قيمة الأم بالعلوق، ولم يكن للولد حينئذ قيمة، فصدق في حرية الولد بغير ضمان، إذ كانت دعوته دعوة استيلاد.
ولو كانا اشترياها وهي حامل، ثم ادعى أحدهما ولدها: ضمن نصف
стр. 3582
قيمتها، ونصف قيمة الولد لشريكه إن كان موسرا؛ لأن دعوته دعوة ملك، إذ لم يكن أصل العلوق في ملكه، فصار الولد كعبد بين رجلين، أعتقه أحدهما.
وكذلك لو أن رجلا مريضا استولد جارية له في مرضه: كان ولدها حر الأصل، وكانت أم ولد له من جميع المال، ولو اشترى عبدا، فادعاه: كان عتقه وصية.
فبان بما وصفنا أن دعوة الاستيلاد، كأنها حق فيما يبطل بها من حق الغير، فقلنا على هذا الأصل في مسألتنا: إن أصل العلوق لما كان في ملكه، كانت دعوته دعوة استيلاد، فصدق على فسخ البيع بالدعوة.
وكذلك الأمة المبيعة إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر، لهذه العلة بعينها.
فإن قيل: هلا كان بيعه إياها نفيا منه لنسبه، فلا يصدق بعد ذلك على الدعوة.
قيل له: ليس لنفي النسب تأييد في منع الدعوة بعده؛ لأنه لو نفى نسب صبي في يده منه، ثم ادعاه: صدق على الدعوة، ألا ترى أن ولد الملاعنة منتفي النسب من الزوج، وإن ادعاه بعد ذلك: صدق عل الدعوة.
ووجه آخر للمسألة: وهو أن المشتري لما كان مأمورا بالاستبراء، دل لزوم ذلك له على أنه استبرأ من البائع، لئلا تكون حاملا منه، على أنه يصدق على الدعوة إذا ادعاه.
قال أحمد: وهذا ليس بمرضي، ولكنه قد قيل، والمعنى الأول
стр. 3583
صحيح، وعليه كان يعتمد شيخنا أبو الحسن الكرخي ﵀.
مسألة: [ادعاء البائع الولد بعد إعتاق المشتري الأم]
قال أبو جعفر: (فإن أعتق المشتري الأم، ثم ادعى البائع الولد: صدق على الدعوة، ورد إليه الولد حرا بحصته من الثمن، ولا ترد إليه الأم، وهي حرة).
قال أحمد: وذلك لأن ثبوت نسب الولد، ليس بشاهد على ثبوت الاستيلاد في الأم، لجواز انفراده عنه، ألا ترى أن ولد المغرور ثابت النسب من أبيه، وهو حر الأصل، ولا يثبت الاستيلاد في الأم، فكل شيئين جاز انفراد أحدهما على صاحبه: لم يكن ثبوت أحدهما شاهدا على ثبوت الآخر.
مسألة:
قال: (ولو كان المشتري قد أعتق الولد، ولم يعتق الأم، والمسألة على حالها: كانت دعوته باطلة، والبيع على حاله).
وذلك لأن العتق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه، وليس هناك شاهد يشهد على بطلانه، وإنما يريد فسخه بقوله، فلا يجوز.
وليس بمنزلة أحد التوأمين إذا أعتقه المشتري، ثم ادعى البائع الباقي، فيثبت نسبهما، ويفسخ عتق المشتري؛ لأن أحد التوءمين شاهد
стр. 3584
على صاحبه، لاستحالة ثبوت نسب أحدهما دون الآخر، مع كونهما حملا واحدا، فلما صار شاهدا عليه، أشبه من هذا الوجه البينة لو قامت بصحة نسبه من البائع، فيوجب ذلك فسخ عتق المشتري.
مسألة: [ادعاء كل من الزوجين صبيا في أيديهما، أنه ابنه من غير زوجه]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى صبيا في يده وفي يد امرأته، أنه ابنه من غيرها، وادعت المرأة أنه ابنها من غيره: فإنه يكون ابن هذين اللذين هو في أيديهما).
قال أحمد: المسألة مبنية على أن المرأة امرأة رجل، وليست أجنبية؛ لأنها لو كانت أجنبية لم تصدق على الولادة إلا بشهادة امرأة تشهد لها عليها.
ووجه المسألة: أن الصبي لما كان في أيديهما، وكان الرجل مصدقا على النسب، إذ لا يتوصل إلى ثبوته منه إلا من جهته، فصار قوله فيه كالبينة، ثم كان للمرأة فيه يد، وهي فراشه: لم يصدق على إزالة يدها، وثبت النسب منها، إذ ليس هناك فراش آخر يجوز إثبات النسب منه غيرها.
ولا تصدق هي أيضا على أنه من غيره؛ لأن له فيه يدا، ولأنها فراشه، فيلحق النسب به.
стр. 3585
مسألة: [تغيير دعوى شخص لعبد صغير في يده]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبد صغير في يده: هذا ابن عبدي الغائب، ثم قال: هو ابني: لم يصدق أبدا على دعوته، سواء ادعى الغائب النسب أو جحد، في قوله أبي حنيفة).
وذلك لأن تحت إقراره معنيين: أحدهما: صحة ثبوت النسب من العبد، والآخر: أن العبد لإقراره لا يوجب فسخه ولا بطلانه؛ لأن النسب لا يلحقه الفسخ بعد ثبوته، فأشبه الإقرار بعبد في يديه أنه لزيد أعتقه، فلا يبطل العتق الذي أقر به برد المقر له إقراره.
كذلك إقراره بصحة نسب الصبي من العبد، قد تضمن اعترافا منه، فإنه لا يلحقه الفسخ برده له، فلم يصدق هو على الدعوة؛ لأن إقراره بصحة نسبه من غيره لم يبطل.
وأيضا: فإن نفي العبد نسبه، لا يمنع صحة دعوته بعد ذلك، ألا ترى أن من نفى نسب صبي في يديه، لم يمنعه نفيه إياه من صحة دعوته، كذلك العبد المقر له بالنسب.
وإذا كان كذلك، فحكم إقرار المولى قائم فيما أقر به له، فلم يصدق على الدعوة، ألا ترى أنهم متفقون على أن العبد لو لم يعلم منه جحود ولا اعتراف بما أقر له به، أن المولى لا يصدق على الدعوة، كذلك ما وصفنا.
*وقال أبو يوسف ومحمد: إذا جحد العبد النسب: بطل إقرار المولى، فصدق على الدعوة.
стр. 3586
مسألة: [تنازع المسلم والذمي ابن جارية لهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الأمة بين مسلم وذمي، فأتت بولد، فادعياه جميعا معا: فإنه ابن المسلم منهما، ويضمن نصف قيمة الأمة لشريكه، ويكون نصف العقر بنصف العقر قصاصا).
قال أحمد: أقل أحوالهما أن يصدقا على الدعوة، فيكون مسلما بإسلام أبيه المسلم، وكان يكون حينئذ أولى به من الذمي؛ لأن الذمي لا ولاية له على ابنه الصغير المسلم، وإذا كان أولى به وبثبوت يده عليه، كان أولى بالدعوة، وبطلت دعوة الذمي.
مسألة: [تنازع مسلمين ابن جارية لهما، وإثبات بطلان قول القافة]
قال أبو جعفر: (وإن كانت بين مسلمين، فادعياه جميعا معا: جعل ابنهما، وجعلت الأمة أم ولد لهما).
قال أحمد: روي هذا القول عن علي وعمر ﵄ من غير مخالف لهما من الصحابة نعلمه في ذلك.
والدليل على صحته: قول النبي ﵊: "الولد للفراش"، فلا يخلو كل واحد منهما من أن يكون فراشا يلحق به
стр. 3587
النسب، أو ليس بفراش، فلما اتفق المسلمون على قبول دعوة كل واحد منهما لو انفرد بها، دل على أن الفراش لكل واحد منهما، فوجب أن يلحق النسب بهما لعموم اللفظ.
وأيضا: لما تساويا في السبب الموجب لثبوت النسب، وجب أن يتساويا في استحقاقه، والدليل عليه: ما روي عن النبي ﷺ ،:في رجلين تنازعا بعيرا، وأقاما البينة عليه، فقضى النبي ﵊ به بينهما نصفين"؛ لتساويهما في السبب الموجب لاستحقاقه، وهو البينة.
وكما أن أحد الابنين يستحق المال بالنسب الذي أدلى به، ثم لما اجتمعا وتساويا في النسب الموجب للاستحقاق، تساويا في استحقاق الميراث.
وأيضا: فليس يمتنع كون الولد من مائهما جميعا، ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري: "أنه رأى جارية مجحا، يعني مقربا، فقال: لمن هذه؟ قالوا: لفلان، فقال: أيطؤها؟ قالوا: نعم، قال: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟ أم كيف يسترقه وقد غداه في
стр. 3588
سمعه وبصره؟ ".
فأخبر النبي ﵊ بجواز كون الولد من مائه، ومن ماء غيره، ولذلك قال: "كيف يورثه وهو لا يحل له؟ ": يعني: أن لغيره فيه شركة، فلا يحل له أن يدعيه، فينفرج بالدعوة.
"أم كيف يسترقه؟ ": يعني: لا يدعيه وله فيه شركة، فإن وطئها وهي حبلى، فقد غداه في سمعه وبصره، فدل على أن الولد قد يكون من رجلين.
وأيضا: فليس يخلو القول في هذه المسألة من أحد معنيين: إما إثبات النسب منهما، أو قبول قول القافة في إلحاقه بأيهما ألحقوه به، فلما بطل اعتبار قول القائف بدلالة الكتاب والسنة واتفاق الأمة والنظر، ثبت قولنا الذي وصفنا.
[أدلة موسعة على بطلان قول القافة]
والدليل على بطلان قول القافة: أن القائف إنما يخبر عن ظن وحسبان، ولا يرجع من خبره إلى الحقيقة، وبذلك عرفت العرب القافة، يقو العرب: تقوف الرجل: إذا قال الباطل والظن الذي لا يفضي إلى حقيقة.
стр. 3589
قال جرير:
وقال حذاري خيفة البين في النوى وأحدوثة من كاشح يتقوف
قال أبو علي النحوي: قال أهل اللغة في قوله يتقوف: إنه يقول الباطل والظن الذي لا يفضي إلى حقيقة.
وإذا ثبت أن القائف إنما يرجع في خبره إلى ما وصفنا من الظن والحسبان، لم يجز قبول خبره؛ لقول الله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾.
وقال: ﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾.
وقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾.
فلم يجز قبول خبر القائف إذ كانت حقيقته ما وصفنا.
стр. 3590
*ويدل على بطلانه: قول الله تعالى: ﴿فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾.
فأخبر الله تعالى أنا إذا لم نعلم له أبا، لم يجز أن ننسبه إليه، وقول القائف لا يفضي إلى علم، فلا يجوز الحكم به في إثبات النسب منه.
*ويدل عليه: ما روي عن عائشة ﵂: أن نكاح الجاهلية كان على أربعة أنحاء: أحدها: أن يجتمع الرهط على امرأة في طهر واحد، ثم إذا ولدت: لحق الولد بمن ألحقه القائف منهم، فلما بعث الله نبيه ﷺ ، هدم نكاح الجاهلية، وأقر نكاح الإسلام اليوم".
فأخبرت أن قبول خبر القائف في إثبات الأنساب كان من أحكام الجاهلية، وأنه منسوخ.
*وأيضا: فإن القائف لا يخلو من أن يرجع في حقيقة ما يخبر منه من حكم النسب إلى الشبه، أو إلى الظن من غير شبه، فإن كان يرجع إلى الشبه، فقد أبطل النبي ﵊ حكم الشبه في ذلك، بما روي عنه ﵊:
"أن رجلا قال له: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال النبي ﷺ : هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟. قال: حمر. قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فمن أين جاءه ذلك؟ قال:
стр. 3591
لعل عرقا نزعه. قال: فلعل هذا نزعه عرق".
فأبطل ﵊ حكم الشبه في هذا الخبر.
وقال ﵊ في قصة عبد بن زمعة: "احتجبي منه يا سودة، لما رأى من شبهه بآل أبي وقاص".
فأبطل حكم الشبه، ولم يعتبره في إثبات النسب.
فالكتاب والسنة دالان معا على بطلان قول القائف.
*وأيضا: فقد أوجب الله تعالى اللعان بين الزوجين إذا قذفها، ولو قذفها بنفي ولدها: لاعنها، وأحلق الولد بأمه، لسنة رسول الله ﵊، ولو كان لقول القائف تأثيره في ذلك، لوجب أن يرى القائف، ليعلم صدق الصادق منهما من الكاذب، فلما حكم الله تعالى باللعان لأجل القذف، سواء كان هناك ولد أو لم يكن، فقد حكم ببطلان قول القائف؛ لأن اعتبار قول القافة يؤدي إلى بطلان اللعان، لأنه إن كان يوجب حكما، فينبغي أن يكون حكمه ثابتا في سائر الأحوال.
*وأيضا: قال النبي ﵊ في قصة هلال بن أمية وامرأته: "إن جاءت به على صفة كيت وكيت: فهو لشريك بن سحماء، فلما جاءت به على الصفة المكروهة، قال النبي ﷺ : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن.
стр. 3592
فدل ذلك على بطلان اعتبار حكم الشبه من وجهين:
أحدهما: إخباره بدءا بأن إحدى الصفتين توجب أن يكون للزوج، والصفة الأخرى توجبه للمقذوف به، فلو كان لاعتبار الشبه حكم، لما لاعن بينهما حتى تلد، فيعرف الصادق منهما.
والوجه الآخر: أنها لما جاءت به على الصفة المكروهة، لم يلحقه بالمقذوف به مع وجود الشبه.
*وأيضا: قول النبي ﵊: "الولد للفراش": قد انتظم ذلك جميع الوجوه التي يثبت من جهتها النسب؛ لأن قوله: "الولد": اسم للجنس، فلا شيء مما يدخل في الجنس منه إلا وقد اشتمل عليه اللفظ.
وكذلك قوله: "للفراش": فليس يخلو حينئذ مما اختلفنا فيه من دعوة الرجلين ولد جارية بينهما، من أن يكون دعوة على فراش، أو لغير فراش، فإن كان لفراش: فهو لهما، وإن كان لغير فراش: فقد نفاه النبي ﷺ بقصوره حكم جميع الأنساب على الفراش، فلا مدخل لقول القائف إذا في شيء من النسب.
*ويدل على بطلانه من طريق النظر: اتفاق الجميع على بطلان قول القائف في النكاح، وأنه لو قال في مسألتنا: هو من غير الموليين: لم يلتفت إلى قوله، فدل على أنه لا اعتبار بقوله في شيء من ذلك.
فإن قيل: فقد روي "عن عمر في رجلين وقعا على جارية في طهر
стр. 3593
واحد، فجاءت بولد، فادعياه: أنه دعا لهما القائف".
فلولا أن قول القائف كان مقبولا فيه، لما سأله.
قيل له: فإن كان قول القائف مقبولا، فينبغي أن يصح ثبوت النسب منهما؛ لأن القافة قالوا: إنه قد أخذ الشبه منهما، فألحقه بهما، وأنتم لا تقولون به.
وإنما وجه سؤاله القافة: أنه قد كان علم أن ذلك كان من أحكام الجاهلية، فأوجب أن يمتحن القافة في إقامتهم على الحكم بذلك، أو تركهم له، والدليل على ذلك: ما روي أنه قام إلى القائف، فضربه حتى أضجعه، ولو كان قوله حكما وعيارا في ذلك لما ضربه، وإنما ضربه لإقامته على الحكم بالقيافة على ما كان عليه أهل الجاهلية.
فإن احتجوا: بحديث الزهري عن عروة عن عائشة: "أن النبي ﷺ دخل علي مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: أما علمت أن مجززا المدلجي دخل آنفا، فرأى أسامة وزيدا في قطيفة قد بدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها ببعض".
فقالوا: سرور النبي ﷺ بذلك، يدل على أن قول القائف يوجب ضربا من العلم، لولا ذلك لما كان لسروره بذلك وجه.
قيل لهم: إن المحتج بهذا لعار من الحجاج والشبهة، وما في قولها:
стр. 3594
"إن النبي ﷺ دخل عليها مسرورا، وأخبر عن مجزز بما أخبرها به": ما يدل على أن سروره كان لأجل قول مجزز.
وليس يمتنع أن يكون النبي ﷺ سر لحال أخرى غير هذه، وأخبر مع ذلك عن مجزز بما أخبر به، إذ ليس في لفظ الخبر دليل على أن سروره كان لأجل قول مجزز على ما ادعاه خصمنا.
وعلى أنا لو سلمنا لهم أن سروره كان لأجل قول مجزز، لم يكن فيه دلالة على ما ادعاه، لأنه معلوم أن مجززا أخبر عن نسب ثابت لفراش النكاح، وكان صادقا فيه، ولا خلاف بين الأمة أنه لا مدخل لقول القائف في فراش النكاح، فكيف يحتج به في غيره، وهو غير مقبول فيما ورد فيه بعينه؟
وأيضا: فمن أين لهم أن مجززا لم يكن علم قبل ذلك ثبوت نسب أسامة بن زيد بالفراش المتقدم، حتى يستدلوا به على أنه قال ذلك من طريق الشبه والظن والحسبان، ومدعي ذلك لا تقبل دعواه إلا بدلالة، ولا سبيل له إلى إقامة دليل عليها، فإن من لجأ إلى مثل هذا الحجاج في إثبات الأحكام، لضعيف النظر، قريب العقر.
فإن قيل: فما وجه سرور النبي ﵊ بذلك؟
стр. 3595
قيل له: لا سبيل إلى ذلك، إلى أن يثبت أن سرور النبي ﷺ كان من أجل قول مجزز، فيلزمنا الجواب لك عنه.
وعلى أنه لو ثبت أن سروره كان من أجل ذلك، لما دل على اعتبار قول القافة، وإثبات النسب بخبره، إذ ليس يمتنع أن يتضمن القول معاني يقع السرور ببعضها، دون جميعها.
وإنما يلزمنا الجواب لك لو ثبت أولا أن سروره كان من أجل قول مجزز، ثم ثبت مع ذلك أنه لا وجه لسروره إلا إخباره بنسب أسامة من زيد، وهو ميئوس من وجوده.
على أنا نتبرع بالجواب، فنقول: لو ثبت أن سروره كان من أجل قول مجزز، فإن وجهه: أن المنافقين كانوا يطعنون في نسب أسامة من زيد، وذلك لأن أسامة كان أسود، وزيد أبيض، ولم يكن يردهم عن الخوض فيه إخبار النبي ﷺ بصحة نسبه، وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون الحكم بقول القافة، فلما أخبر مجزز بذلك، سر النبي ﵊، لما فيه من تكذيب المنافقين، من حيث يعتقدون به بطلان قولهم، وظهور كذبهم، لا وجه لسرور النبي ﷺ غير ذلك.
ولا جائز أن يكون سرور النبي ﵊ بقول مجزز من جهة أنه أفاده به علما لم يكن علمه قبله، ومن قال ذلك: فقد نسب رسول الله صلى الله ﷺ إلى ما لا يليق به، ولا يجوز عليه، وذلك لأنه معلوم أن أسامة كان مولى النبي ﷺ ، وابن مولاه، وأن النبي ﷺ كان عالما قبل قول مجزز بصحة نسبه وولائه، ولو لم يكن كذلك، لما استجاز النبي ﵊ أن
стр. 3596
ينسبه إلى أبيه بالنسب، وإليه بالولاء.
ويلزم خصمنا أن يقول: إن النبي ﵊ لم يكن عالما بأن أسامة ولد زيد إلا بعد قول مجزز، وهذا افتراء على رسول الله ﵊؛ لأنه ﷺ كان أتقى لله، وأشد اعتصاما بحدوده من أن ينسب أسامة إلى أنه ولد زيد، ومولاه وهو شاك فيه.
فقد بطل أن يكون قول مجزز قد أفاد النبي ﵊ علما لم يكن علمه قبله.
*وأيضا: فإن كان مجززا إنما أفاد النبي ﵊ ذلك من جهة ما رأى من الشبه، فاعتبار النبي وتشبيهه، ورده الشيء إلى شكله ونظيره، أولى من اعتبار مجزز؛ لأن النبي ﵊ قد قال في امرأة هلال بن أمية: "إن جاءت به على صفة كيت وكيت، فهو لهلال، وإن جاءت على صفة أخرى، فهو للمقذوف بها"، فأخبر النبي صليه الصلاة والسلام عن حال الشبه قبل الولادة، فكيف بمن رآه بعد الولادة ورباه، ونسبه إلى أبيه بالولادة، وإلى نفسه بالولاء.
وقول هذا القائل يوجب أن لا يكون النبي ﵊ عالما بكون أسامة مولودا من زيد إلا بعد قول مجزز، وإن قولا يؤدي إلى هذا، لظاهر الفساد، بين الاستحالة.
فإذا لا وجه لسرور النبي ﷺ بقول مجزز إن ثبت على ما ادعوه إلا ما وصفنا، من سقوط قول المنافقين على أصلهم بما يعتقدون صحته.
فإن قيل: على ما قدمنا من سقوط اعتبار قول القائف مع الفراش، ومع زواله، أنا إنما نعتبر قول القائف في تأكيد دعوة أحد المدعيين
стр. 3597
للولد، لا في إثبات الحكم به منفردا عما وصفنا، كما نقول جميعا في الذي في يديه الشيء والخارج، إذا أقاما البينة على النتاج: أن الذي هو في يديه أولى، فصار لليد مزية في تأكيد بينته، وإبطال بينة الخارج، ولو انفردت اليد عن البينة لم توجب بطلان بينة الخارج.
قيل له: سؤالك هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تجعل مزية اليد فيما اتفقنا عليه أصلا، وترد عليه مسألة القافة قياسا، فإن كان هذا مرادك، فإن القياس لا يصح إلا بعلة مستخرجة من الأصل، يرد بها إليه الفرع، بعد إقامة الدلالة عليها، وهذا ما لا سبيل لك إلى إيجاده، فسؤالك فيه ساقط.
والوجه الآخر: أن نقول: لما لم يمتنع تأكيد البينة باليد، لم يمتنع تأكيد الدعوة بقول القائف، فيكون هذا أشد إعلالا من الأول؛ لأنا نقول لك: وإذا لم يمتنع ذلك في اليد، لم يمتنع في القافة، وأي معنى أوجب تعلق أحدهما بالآخر؟
وعلى أنا لو سلمنا لك ما ادعيت، لم يحصل في يدك منه شيء؛ لأن كلا منا، إنما هو في الوجوب، لا في الجواز، وأنت فإنما أريتنا جواز ما قلت، وإذا جاز، فلم قلت: إنه واجب القضاء به؟.
فلم يقتض هذا السؤال منا جوابا ولا انفصالا مما ذكر، غير أنا نتبرع ببيان فساد ما قال على جهة قبول السؤال، فنقول:
إن اليد إنما جاز أن يكون لها مزية في تأكيد بينة النتاج؛ لأنها مما يتعلق به الحكم بانفرادها من غير بينة، لأن كل من وجدنا في يده شيئا،
стр. 3598
تركناه في يده، وجعلناه له بالظاهر، حتى يستحقه غيره، وقول القائف لو انفرد عن دعوة المدعيين للولد، مع وجود الفراش أو عدمه: لم يكن له حكم بتة، فلذلك جاز تأكيد البينة باليد، ولم يجز تأكيد الدعوة بقول القائف، إذ كان سبيله أن يتعلق به في نفسه حكم، حتى إذا انضاف إلى غيره أكده، فأما ما لا حكم له في حال انفراده، فكيف يجوز أن يؤكد به غيره؟
*قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف: لا يكون ابن ثلاثة لو ادعوه).
وذهب في ذلك الأثر الذي ورد عن الصحابة: عمر وعلي، وإنما ورد في الاثنين، ولم يرد في أكثر منهما.
* (وقال محمد: يكون ابن ثلاثة، كما يكون ابن اثنين، ولا يكون ابن أكثر منهم).
وذلك لأنا لو صدقنا في أكثر من ثلاثة، لوجب أن يصدقوا ولو كانوا مائة، وهذا تفحش، فجعل الثلاثة في حد القلة، والأكثر منها في حد الكثرة اجتهادا.
قال أحمد: ومذهب أبي حنيفة في هذا: أنهم مصدقون وإن كانوا أكثر من ثلاثة بالغا ما بلغ العدد، وذلك محفوظ عنه، وهو القياس على ما قدمنا من حجاج.
стр. 3599
مسألة: [تنازع امرأتين ورجل في ولد يدعيه كل منهم]
قال أبو جعفر: (وإذا كان الصبي في يدي رجل وامرأتين، فادعي الرجل أنه ابنه، وادعته كل واحدة من المرأتين أنه ابنها من ذلك الرجل، أو من غيره، فإن أبا حنيفة قال: أجعله ابن الرجل والمرأتين جميعا).
قال أحمد: ينبغي أن تكون المسألة على أنهما امرأتاه؛ لأنهما إن كانتا أجنبيتين لم تصدقا على النسب إلا بشهادة امرأة، وقد بينا ذلك فيما تقدم، ولكن لو أقاموا البينة: كان ابن المرأتين والرجل في قول أبي حنيفة.
* (وفي قولهما: يكون ابن الرجل، ولا يكون ابن المرأتين).
قال أحمد: أبو حنيفة لا ثبت الولادة من المرأتين؛ لأن ذلك مستحيل، ولكنه يثبت لهما الحقوق المتعلقة بالولادة، من نحو الحضانة والرضاع والنفقة، وهذه حقوق قد يجوز أن تستحق مع عدم الولادة؛ لأن الجدة تستحق ذلك وليس لها ولادة الصبي، وإذا كان كذلك، لم يمتنع الحكم لهما بهذه الحقوق، لأجل قيام البينة عليها وإن لم تثبت الولادة.
فإن قيل: قد علمنا أن إحدى البينتين كاذبة لا محالة، ونحن فمتى قبلناهما، فقد حكمنا بقبول بينة هي كاذبة في الحقيقة.
قيل له: لا يجوز أن نقول: إن إحدى البينتين كاذبة، وذلك لأن البينة تحتاج في الشهادة بالنسب إلى معاينة الولادة، وإنما يرجع فيها إلى الخبر، وليس يمتنع أن يقع الخبر إلى كل واحدة منهما بولادة المرأة التي شهدت له، على حسب ما يتفق من اليد، وظهور النسبة إليها.
فأشبهت في هذا الوجه، الشهادة على الملك لرجلين، لكل واحد بكماله، أن الشهادة على الملك، لما كانت من جهة ظاهر اليد والتصرف، لا من جهة الحقيقة، لم يمتنع أن يظهر لكل واحد من الفريقين في حال ما
стр. 3600
يسعه معه إقامة الشهادة بالملك، فلم تبطل الشهادة.
وأيضا: فإن أصحابنا جميعا قد أجازوا مثله في ولادة الشاة، إذا قالت إحدى البينتين أنها شاته، ولدت في ملكه من شاته هذه، وقالت الأخرى: إنها شاة هذا الآخر، ولدت في ملكه من شاته هذه لشاة أخرى، وليست الشاة المدعاة في يد واحد منهما: أنه يقضى بها بينهما نصفين، فلم تبطل الشهادة من أجل ما ذكر من بطلان قول إحدى البينتين.
وعلى أن شهادة كل واحد من الفريقين، إذا وقعت لصاحبها بالملك، فإنها تستحيل أن تكونا صحيحتين في الحقيقة، لاستحالة كون شيء ملكا لرجلين، لكل واحد جميعه في حال واحد، ثم لم يمتنع قبولهما، كذلك ما وصفنا.
وليس هذا عند أبي حنيفة ﵀ مثل البينتين إذا شهدت إحداهما أنه قتل عمرا بالكوفة يوم النحر، والأخرى أنه قتل زيدا بمكة يوم النحر: فلا تقبل واحدة منهما؛ لأن سبيل هذه الشهادة أن تقع على معاينة القتل، ومحال وقوع ذلك في وقت واحد في المكانين، فقد تيقنا أن إحدى البينتين قد قصدت الكذب فيما شهدت به، وليست إحداهما بأولى أن تكون كذلك من الأخرى، فبطلتا معا.
*وقال أبو يوسف ومحمد: لما استحال وجود الولادة من المرأتين لولد واحد، امتنع قبول البينة عليها، والحكم بها، كما قلنا جميعا في البينتين إذا قامت إحداهما على أنه قتله يوم النحر بالكوفة، والأخرى على أنه قتل آخر يوم النحر بمكة: أنهما باطلتان، لا تقبل واحدة منهما، كذلك
стр. 3601
الولادة من المرأتين.
مسألة: [تنازع الوالد وولده ابنا لجارية بينهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الجارية بين رجل وابنه، فجاءت بولد، فادعياه جميعا: كانت دعوة الأب أولى من دعوة الابن).
قال أحمد: وذلك لأن دعوة الأب تنفذ في ملك الابن، ودعوة الابن لا تنفذ في ملك الأب، فلما كانت للأب هذه المزية، كان أولاهما بصحة الدعوة.
مسألة: [إقامة شخص البينة بشراء عبد سبق إقراره به لغيره]
قال أبو جعفر: (ومن أقر بعبد في يديه أنه لرجل، فقضي له به عليه، ثم أقام البينة أنه كان اشتراه منه قبل ذلك: لم يلتفت إلى بينته).
قال أحمد: وذلك لأنه قد أكذبها بإقراره له في الوقت الذي شهدت له به الشهود، ألا ترى أن رجلا لو أقام البينة على عبد في يدي رجل أنه له، ثم أقر المدعي أنه للذي في يديه: أن ذلك يبطل بينته، ولم يجز أن
стр. 3602
يحكم له ببينته، وكذلك لو حكم له به، ثم أقر له به: رده إليه، وبطلت بينته، فكذلك مسألتنا.
مسألة: [إقامة البينة على ملكية عبد بعد نكوله عن اليمين به]
قال أبو جعفر: (ولو لم يكن قضي به للمدعي بما ذكرنا، ولكن قضي به للمدعي له بنكول من المدعى عليه عن اليمين له، ثم أقام البينة على ابتياعه إياه قبل ذلك من المدعي، فإن أبا حنيفة ومحمد قالا: هذا والأول سواء، وكذلك رواه محمد عن أبي يوسف.
وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن القاضي يسمع من بينته في هذا، ويقضي له بها).
وجه قول أبي حنيفة: أن النكول لا يخلو من أن يكون إقرارا، أو بذلا، فإن كان إقرارا أو بمنزلة الإقرار، فقد بينا وجهه، وإن كان بذلا، فقد لزمه حكمه من طريق الحكم، فلا سبيل له إلى فسخه، ولا تقبل بينته عليه؛ لأن كل من ألزم نفسه حقا، فلا سبيل له إلى فسخه، ولا يكون خصما في إبطاله، ألا ترى أن رجلا لو باع عبدا، ثم أقام البينة أنه لغيره، باعه بغير إذنه، لم يلتفت إلى ذلك منه؛ لأنه يريد فسخ ما ألزمه نفسه من العقد، فكذلك لو أراد استحلافه، لم يكن خصما له، لما وصفنا، فكذلك ما قلنا.
*وذهب أو يوسف في ذلك إلى أن النكول ليس بصريح الإقرار، فلا يكون فيه إكذاب للبينة، إذ جائز أن يكون إنما نكل تصونا عن اليمين، وإن كان صادقا فيها.
مسألة: [إذا قدر الدائن على مثل حقه المجحود في مال المدين]
قال أبو جعفر: (ومن كان له على رجل مال، فجحده إياه، ثم قدر له
стр. 3603
على مثله من جنسه: أخذه قصاصا به).
وذلك لأنه قد استحق أخذه، ولا يسع المدين منعه، والدليل عليه: أنهما لو ارتفعا إلى القاضي: أجبره القاضي على دفعه إليه، ولو امتنع من دفعه: أخذه القاضي منه، ودفعه إليه.
*قال: (ولا يأخذ أجود مما له).
كما لا يقضي القاضي بأجود من حقه، ويدل على صحة هذا الأصل: قول النبي ﷺ لهند: "خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف"، فدل ذلك على معنيين:
أحدهما: أن من كان له قبل إنسان حق: جاز له أخذه بغير أمره.
والثاني: أن الذي يجوز له أخذه منه: مقدار حقه، لا أكثر منه؛ لقوله:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
مسألة: [إذا مات من أقر بنسب أحد عبدين قبل البيان]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبدين له: أحد هذين ابني، ثم مات، ولم يبين: عتقت منهما رقبة، وسعى كل واحد منهما في نصف قيمته لورثته، ولم يثبت نسب واحد منهما).
قال أحمد: قوله:"أحد هذين ابني": تحته معنيان:
أحدهما: الحرية، والآخر: النسب، ويصح إثبات الحرية في مجهول؛ لأنه لو قال: أحدهما حر: وقعت الحرية، ولزمه البيان، وكما جاز ثبوت
стр. 3604
رقبة مجهولة في ذمته للظهار والقتل وغيره، ولزمه تعيين ما في الذمة، وفي واحد بعينه، جاز إيقاعه في مجهول، ثم يكون إليه بيانه.
وأما النسب، فليس بمعنى يوقع، فيثبت في الذمة، وإنما هو جزئية تثبت بينهما، ولا يصح ثبوت ذلك إلا في عين، إذ لم يكن ثابتا في الذمة، فإقراره بالنسب إخبار عن حق لغيره، فلذلك فلم يصح إثباته في مجهول، فسقط حكم النسب فيما وصفنا.
وتثبت الحرية منقسمة عليهما، فاستحق كل واحد منهما نصف رقبته، وسعى في النصف، كرجل قال لعبدين له: أحدكما حر، ثم مات قبل أن يبين: فيعتق من كل واحد نصفه، ويسعى في نصف قيمته؛ لأن كل واحد منهما في حال رقيق، وفي حال حر، فانقسمت الحرية نصفين، لتساويهما في استحقاقهما.
والأصل في وجوب استعمال الأحوال فيما ذكرنا حديث: جرير بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﵊، فأمر لهم بنصف العقل".
ووجه دلالته على ما ذكرنا: أنه لما احتمل أن كون سجود إظهارا للإسلام، وقبولا لما دعوا إليه، واحتمل أن يكون خوفا منهم على وجه التعظيم، كما يفعل أهل الشرك بعظمائهم، حكم النبي ﷺ بنصف العقل، وأسقط النصف؛ لأن دماءهم صارت محظورة في
стр. 3605
حال، ومباحة في أخرى.
وروي عن عمر أنه "قضى في رجل أوطأ دابته إصبع رجل، فمات نصف الدية".
ولا وجه له غيره اعتبار الأحوال فيه، كأنه لما احتمل عنده أن يكون موته حادثا من وطء الأصبع، واحتمل غيره: قضى فيه بنصف الدية، لوجوبها في حال، وسقوطها في أخرى.
ويدل عليه أيضا: ما روي عن النبي ﷺ "أنه قضى ببعير لرجلين بينهما نصفين، لما أقاما عليه البينة جميعا".
والمعنى فيه: أن كل واحد لو انفرد ببينته استحقه، فلما تساويا في جهة الاستحقاق، جعلهما النبي ﵊ متساويان في الاستحقاق، وكذلك العبدان لما تساويا في استحقاق الحرية، وجب أن يتساويا فيما يحصل لهما.
فإن قيل: فهلا اعتبرت الأحوال في إثبات النسب، كما اعتبرتها في الحرية.
قيل له: هذا سؤال مستحيل، من قبل أنك لا تخلو من أن تسومنا به إثبات نسبهما جميعا، أو إثبات النسب في نصف كل واحد، كما أعتقنا من كل واحد النصف، ولا جائز إثبات نسبهما جميعا، وإنما هو أقر بنسب أحدهما، ولا يجوز إثبات نسبه من نصف كل واحد منهما؛ لأن النسب لا يتبعض بحال، وثبوت بعضه يوجب ثبوت جميعه، وقد دللنا
стр. 3606
على فساد ذلك.
*قال أحمد: وقال ابن أبي ليلى في هذه المسألة: يثبت من كل واحد منهما نصف نسبه، وهو قول شنيع، لا نعلم أحدا سبقه إليه، ولو جاز ذلك لجاز أن يقول لعبده أو للقيط: نصفه ابني، فيعترف بثبوت نسب نصفه، فيثبت، وهذا لا خلاف في أنه لا يثبت، فكيف يجوز لنا إثبات نسب نصف كل واحد منهما، وهو لو ادعاه على هذا الوجه، ونص عليه، لم يثبت؟
فإن قيل: فيحب أن يكون العتق على قول من لا يبعض العتق كالنسب.
قيل له: لا خلاف في جواز تبعيض العتق، ألا ترى أن رجلين لو أعتقا عبدا بينهما: كان المعتق من جهة كل واحد منهما نصفه، وأن ولاءه بينهما.
ولو أن رجلين ادعيا ولد جارية بينهما: كان جميعه ولدا لهذا، وجميعه ولدا للآخر.
وكذا قال علي ﵁: "هو ابنكما يرثكما وترثانه، وهو للباقي منكما".
مسألة: [إذا استولد رجل جارية، ومات قبل بيان أمر أولادها]
قال أبو جعفر: (ومن كانت في يده جارية، وثلاثة أولاد لها قد
стр. 3607
ولدتهم في بطون مختلفة، فقال: أحد هؤلاء ابني، ثم مات، ولم يبين: فإن الجارية تعتق، ويعتق من كل واحد من الأولاد ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته).
قال أحمد: لما لم يثبت نسب واحد منهم، استعمل أبو حنيفة ﵀ فيهم حكم الإيقاع، كأنه قال لثلاثتهم: أحدكم حر، وأقر مع ذلك للأم بالاستيلاد، فتعتق بعد الموت على ما تضمنه إقراره.
ولم يستعمل الأحوال في إيجاب عتقهم بعتق أمهم، وذلك لأن من ثبت له حال حرية بنفسه، لم يجز استعمال حاله بعتق أمه، لاستحالة أن يستحق العتق بنفسه، وبأمه جميعا، فلما صح لكل واحد منهم اعتبار حال نفسه في عتقه، انتفى اعتبار حال أمه في عتقه.
*قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف: يعتق الأصغر كله، ومن كل واحد من الباقيين ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته).
قال أحمد: الذي ذكره أبو جعفر عن أبي يوسف في حكم الأوسط، هو إحدى الروايتين عنه.
وقد روي عنه أن الأوسط يعتق نصفه؛ لأن له حالتي حرية، إما أن يعتق بنفسه أو بأمه، ويرق في حال واحدة، وهي حال ثبوت نسب الأصغر، وحالتا الحرية حالة واحدة، فكأنه استحق الحرية في حال، ولم يستحقها في أخرى، فيعتق نصفه.
وأما الأول: فإنه إن أراده عتق، وإن أراد الثاني لم يعتق، وإن أراد
стр. 3608
الثالث لم يعتق، فله حالتا رق، وحال حرية، فيعتق ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته.
وأما الأصغر فهو حر كله؛ لأنه لا يخلو من أن يكون حرا بنفسه، أو بأمه، فهو حر في الحالين، وليس له حال رق.
قال أحمد: وهذا الذي ذكرنا من حكم الأوسط، هو قول أبي يوسف ومحمد جميعا، على ما في الجامع الكبير والأصول، في أن أحوال الحرية حال واحدة.
وجعل محمد في الزيادات أحوال الحرية أحوالا يعتد بها، فيجئ على قوله هذا: أن يعتق من الأوسط ثلثه، ويسعى في ثلث قيمته؛ لأنه يعتق في حالين ويرق في حال.
*وأما وجه قول من جعل أحوال الحرية حال واحدة، فهو أن العتق إذا وقع مرة، استحال وروده عليه في دار الإسلام مرة أخرى، وليس يمتنع ورود الملك عليه وعلى بعضه مرة أخرى، فلما كان كذلك، امتنع اعتبار أحوال العتق، إذ ليس له إلا حالة واحدة، ولم يمتنع اعتبار أحوال الرق.
وأيضا: فإن العتق نفي الملك، ومتى انتفى من وجه، فهو منتف من سائر الوجوه، فلا معنى لاعتباره ثانيا، وأما الرق فهو إثبات ملك، وليس يمتنع حصول الملك من جهات كثيرة.
*وأما وجه قول من اعتبر أحوال العتق: فهو اتفاقهم على اعتبار أحوال الرق وإن لم يكن رقا مبتدأ، كذلك العتق.
стр. 3609
*قال: (ولا يثبت نسب واحد من الثلاثة)؛ لما بيناه آنفا.
مسألة: [جارية بين اثنين ولدت بولدين فاختلفا في دعوتهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الجارية بين رجلين، فجاءت بولدين في بطنين، فادعى أحدهما الأكبر، والآخر الأصغر، وكانت الدعوة منهما معا: جعل كل واحد منهما ابن الذي ادعاه، والأم أم ولد لمدعي الأكبر، وعليه نصف قيمتها، ونصف عقرها يوم علقت به لشريكه، وعلى مدعي الأصغر قيمته لشريكه، وجميع العقر، فيكون نصفه قصاصا بما على الشريك من العقر، ويؤدي الباقي).
قال أحمد: القياس عندهم أن لا يصدق مدعي الأصغر، وذلك لأنا قد جعلناها أم ولد لصاحب الأكبر بالعلوق المتقدم، فكان مدعي الأصغر في الحكم كمن ادعى ولد أم ولد غيره، فلا يصدق، إلا أنهم تركوا القياس، وصدقوه على الدعوة؛ لأنها صادفتها وهي ملك لهما في الظاهر، ووقع الوطء وهي كذلك، فلا تكون أقل حالا من المغرور في تصديقه على الدعوة، إذ كان وطؤه ودعوته صادفا ملكه في الظاهر، فصدق على الدعوة، وكون الولد حر الأصل وإن لم يثبت الاستيلاد في الأم.
وعليه عقر الجارية كما يجب على المغرور؛ لأنا قد حكمنا أنها أم ولد لمدعي الأكبر يوم العلوق، ومن أجل ذلك لم يغرم من قيمة الولد شيئا.
стр. 3610
وعلى مدعي الأكبر نصف عقرها لأن وطأه صادفها وهي ملك لهما جميعا، وعليه نصف قيمتها؛ لأنا قد نقلنا نصيب شريكه إليه بالاستيلاد.
*وقد روي عنهم أن على مدعي الأصغر نصف العقر: وليس ذلك بمخالف للرواية التي توجب فيها جميع العقر؛ لأن من روى نصف العقر، فإنما ذكر ما يحصل عليه منه، ومن روى جميع العقر، أخبر عما وجب بالوطء، ثم سقط نصفه بالقصاص.
مسألة: [من اشترى جارية مستحقة، فأولدها]
قال أبو جعفر: (ومن اشترى جارية، فأولدها، ثم استحقت: كان للمستحق أن يأخذ منه عقرها، وقيمة ولدها يوم يختصمان، ويرجع المشتري على البائع بالثمن وبقيمة الولد، ولا يرجع عليه بالعقر).
قال أحمد: لا خلاف بين السلف والخلف في ثبوت نسب ولد المغرور من المشتري، ولا خلاف أيضا أنه حر الأصل، وأنه يغرم العقر للمستحق، وهذه المعاني لا خلاف فيها بين الفقهاء.
واتفق السلف أيضا على ضمان الولد، وأن له الرجوع بما حصل عليه من ضمان قيمة الولد على البائع.
واختلفوا فيما يضمن به الولد، فاقل عمر ﵁: "يفك الجارية بجارية، والغلام بغلام".
يعني أن الولد إن كان غلاما: يغرم المشتري للمستحق غلاما مثله،
следующие страницы →