Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
على فساد ذلك.
*قال أحمد: وقال ابن أبي ليلى في هذه المسألة: يثبت من كل واحد منهما نصف نسبه، وهو قول شنيع، لا نعلم أحدا سبقه إليه، ولو جاز ذلك لجاز أن يقول لعبده أو للقيط: نصفه ابني، فيعترف بثبوت نسب نصفه، فيثبت، وهذا لا خلاف في أنه لا يثبت، فكيف يجوز لنا إثبات نسب نصف كل واحد منهما، وهو لو ادعاه على هذا الوجه، ونص عليه، لم يثبت؟
فإن قيل: فيحب أن يكون العتق على قول من لا يبعض العتق كالنسب.
قيل له: لا خلاف في جواز تبعيض العتق، ألا ترى أن رجلين لو أعتقا عبدا بينهما: كان المعتق من جهة كل واحد منهما نصفه، وأن ولاءه بينهما.
ولو أن رجلين ادعيا ولد جارية بينهما: كان جميعه ولدا لهذا، وجميعه ولدا للآخر.
وكذا قال علي ﵁: "هو ابنكما يرثكما وترثانه، وهو للباقي منكما".
مسألة: [إذا استولد رجل جارية، ومات قبل بيان أمر أولادها]
قال أبو جعفر: (ومن كانت في يده جارية، وثلاثة أولاد لها قد
стр. 3607
ولدتهم في بطون مختلفة، فقال: أحد هؤلاء ابني، ثم مات، ولم يبين: فإن الجارية تعتق، ويعتق من كل واحد من الأولاد ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته).
قال أحمد: لما لم يثبت نسب واحد منهم، استعمل أبو حنيفة ﵀ فيهم حكم الإيقاع، كأنه قال لثلاثتهم: أحدكم حر، وأقر مع ذلك للأم بالاستيلاد، فتعتق بعد الموت على ما تضمنه إقراره.
ولم يستعمل الأحوال في إيجاب عتقهم بعتق أمهم، وذلك لأن من ثبت له حال حرية بنفسه، لم يجز استعمال حاله بعتق أمه، لاستحالة أن يستحق العتق بنفسه، وبأمه جميعا، فلما صح لكل واحد منهم اعتبار حال نفسه في عتقه، انتفى اعتبار حال أمه في عتقه.
*قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف: يعتق الأصغر كله، ومن كل واحد من الباقيين ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته).
قال أحمد: الذي ذكره أبو جعفر عن أبي يوسف في حكم الأوسط، هو إحدى الروايتين عنه.
وقد روي عنه أن الأوسط يعتق نصفه؛ لأن له حالتي حرية، إما أن يعتق بنفسه أو بأمه، ويرق في حال واحدة، وهي حال ثبوت نسب الأصغر، وحالتا الحرية حالة واحدة، فكأنه استحق الحرية في حال، ولم يستحقها في أخرى، فيعتق نصفه.
وأما الأول: فإنه إن أراده عتق، وإن أراد الثاني لم يعتق، وإن أراد
стр. 3608
الثالث لم يعتق، فله حالتا رق، وحال حرية، فيعتق ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته.
وأما الأصغر فهو حر كله؛ لأنه لا يخلو من أن يكون حرا بنفسه، أو بأمه، فهو حر في الحالين، وليس له حال رق.
قال أحمد: وهذا الذي ذكرنا من حكم الأوسط، هو قول أبي يوسف ومحمد جميعا، على ما في الجامع الكبير والأصول، في أن أحوال الحرية حال واحدة.
وجعل محمد في الزيادات أحوال الحرية أحوالا يعتد بها، فيجئ على قوله هذا: أن يعتق من الأوسط ثلثه، ويسعى في ثلث قيمته؛ لأنه يعتق في حالين ويرق في حال.
*وأما وجه قول من جعل أحوال الحرية حال واحدة، فهو أن العتق إذا وقع مرة، استحال وروده عليه في دار الإسلام مرة أخرى، وليس يمتنع ورود الملك عليه وعلى بعضه مرة أخرى، فلما كان كذلك، امتنع اعتبار أحوال العتق، إذ ليس له إلا حالة واحدة، ولم يمتنع اعتبار أحوال الرق.
وأيضا: فإن العتق نفي الملك، ومتى انتفى من وجه، فهو منتف من سائر الوجوه، فلا معنى لاعتباره ثانيا، وأما الرق فهو إثبات ملك، وليس يمتنع حصول الملك من جهات كثيرة.
*وأما وجه قول من اعتبر أحوال العتق: فهو اتفاقهم على اعتبار أحوال الرق وإن لم يكن رقا مبتدأ، كذلك العتق.
стр. 3609
*قال: (ولا يثبت نسب واحد من الثلاثة)؛ لما بيناه آنفا.
مسألة: [جارية بين اثنين ولدت بولدين فاختلفا في دعوتهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الجارية بين رجلين، فجاءت بولدين في بطنين، فادعى أحدهما الأكبر، والآخر الأصغر، وكانت الدعوة منهما معا: جعل كل واحد منهما ابن الذي ادعاه، والأم أم ولد لمدعي الأكبر، وعليه نصف قيمتها، ونصف عقرها يوم علقت به لشريكه، وعلى مدعي الأصغر قيمته لشريكه، وجميع العقر، فيكون نصفه قصاصا بما على الشريك من العقر، ويؤدي الباقي).
قال أحمد: القياس عندهم أن لا يصدق مدعي الأصغر، وذلك لأنا قد جعلناها أم ولد لصاحب الأكبر بالعلوق المتقدم، فكان مدعي الأصغر في الحكم كمن ادعى ولد أم ولد غيره، فلا يصدق، إلا أنهم تركوا القياس، وصدقوه على الدعوة؛ لأنها صادفتها وهي ملك لهما في الظاهر، ووقع الوطء وهي كذلك، فلا تكون أقل حالا من المغرور في تصديقه على الدعوة، إذ كان وطؤه ودعوته صادفا ملكه في الظاهر، فصدق على الدعوة، وكون الولد حر الأصل وإن لم يثبت الاستيلاد في الأم.
وعليه عقر الجارية كما يجب على المغرور؛ لأنا قد حكمنا أنها أم ولد لمدعي الأكبر يوم العلوق، ومن أجل ذلك لم يغرم من قيمة الولد شيئا.
стр. 3610
وعلى مدعي الأكبر نصف عقرها لأن وطأه صادفها وهي ملك لهما جميعا، وعليه نصف قيمتها؛ لأنا قد نقلنا نصيب شريكه إليه بالاستيلاد.
*وقد روي عنهم أن على مدعي الأصغر نصف العقر: وليس ذلك بمخالف للرواية التي توجب فيها جميع العقر؛ لأن من روى نصف العقر، فإنما ذكر ما يحصل عليه منه، ومن روى جميع العقر، أخبر عما وجب بالوطء، ثم سقط نصفه بالقصاص.
مسألة: [من اشترى جارية مستحقة، فأولدها]
قال أبو جعفر: (ومن اشترى جارية، فأولدها، ثم استحقت: كان للمستحق أن يأخذ منه عقرها، وقيمة ولدها يوم يختصمان، ويرجع المشتري على البائع بالثمن وبقيمة الولد، ولا يرجع عليه بالعقر).
قال أحمد: لا خلاف بين السلف والخلف في ثبوت نسب ولد المغرور من المشتري، ولا خلاف أيضا أنه حر الأصل، وأنه يغرم العقر للمستحق، وهذه المعاني لا خلاف فيها بين الفقهاء.
واتفق السلف أيضا على ضمان الولد، وأن له الرجوع بما حصل عليه من ضمان قيمة الولد على البائع.
واختلفوا فيما يضمن به الولد، فاقل عمر ﵁: "يفك الجارية بجارية، والغلام بغلام".
يعني أن الولد إن كان غلاما: يغرم المشتري للمستحق غلاما مثله،
стр. 3611
وإن كانت جارية: غرم جارية مثلها.
وقال علي ﵁: "عليه قيمة الولد".
فحصل من اختلافهم أن الولد مضمون، بمنزلة من استهلك لرجل عبدا، والعبد يضمن بقيمته، لا بمثله، لما روي عن النبي ﷺ : "أنه قضى على الشريك المعتق إذا كان موسرا بنصف القيمة"، فلم يلزمه ضمان نصف عبد مثله، فكان مذهب علي ﵁ أولى.
ثم رجع على البائع بما غرمه، وقد بينا أنه لا خلاف في الرجوع بما غرمه، وإنما غرم المشتري قيمته يوم يختصمان؛ لأنه بمنزلة ولد المغصوبة، وهو غير مضمون عندهم إلا بالمنع، والمنع حصل في ولد المغرور عند المطالبة؛ لأنه لا يجوز أن يتعلق حكمه بحصول الحرية، لأنه حر بالأصل، لا يصح تقويمه قبل الولادة، ولا بعدها، لأجل الحرية، فوجب اعتبار حال الخصومة، كذلك ولد المغصوبة، لا يصير مضمونا إلا بحصول المنع عند المطالبة بالرد.
من أجل ذلك قالوا: إن من مات من الأولاد قبل الخصومة: فلا ضمان على المشتري فيه؛ لأنه بمنزلة ولد المغصوبة إذا مات قبل مجيء المغصوب، فلا يضمنه عندهم.
ولا يرجع المشتري بما غرم من العقر على البائع؛ لأنه تناول بدله، وهو الوطء لنفسه، فلا يجوز أن يرجع ببدل ما حصل له على غيره.
وأيضا: فإن الوطء بمنزلة إتلاف جزء منها، ألا ترى أن من اشترى
стр. 3612
جارية فوطئها، لم يردها بعيب يجده بها إلا برضا البائع، كما لو أتلف جزءا منها، وعلى هذا المعنى أجراه السلف في الحكم: عمر وعلي ﵄.
وإذا كان كذلك، لم يرجع به على البائع، كما لو أتلف جزءا منها، فغرمه، لم يرجع به على البائع.
وليس ما غرمه عن الولد كالعقر؛ لأنه لم يحصل له بحرية الولد شيء استوفاه لنفسه، وقد لحقه ضمانه بالغرور، فيرجع به عليه، وصار البائع كضامن الدرك فيما لحق المشتري من ضمان الولد.
*قال أبو جعفر: (ويرجع البائع أيضا على بائعه بالثمن الذي كان ابتاعها به منه، ولا يرجع عليه بقيمة الولد التي غرمها في قول أبي حنيفة، ويرجع عليه بها في قول أبي يوسف ومحمد).
وجه قول أبي حنيفة: أن البائع الأول لم يوجب الملك للمشتري الثاني، وإنما أوجبه للأول، فلا يلزمه ضمان ما وقع من الغرور في ملك لم يوجبه هو، وإنما وجب بعقد المشتري الأول للثاني، فلذلك لم يرجع به.
وقال أبو يوسف ومحمد: لما لحق البائع الثاني ضمان الولد بالغرور، رجع به على بائعه، لأن ذلك ضمان لحقه بغرور الأول إياه، لأنه هو الذي أوجب له البيع، فما لحقه به من ضمان، رجع به عليه.
стр. 3613
مسألة: [اشترى دارا مستحقة فبناها]
قال: (ولو كان المشترى دارا، فبناها المشتري، ثم استحقت، وأمر برفع البناء: فإنه يرجع بقيمة البناء على البائع).
وذلك لأن البائع قد أوجب له البناء بغير ضمان يلحقه فيه، كما أوجب له الولد بغير ضمان إذا كان المشترى جارية، فلما كان له الرجوع بقيمة الولد، وجب أن يكون له الرجوع بقيمة البناء، لما لحقه من الضرر بالغرور، وذلك لأن هذا المعنى من مقتضى الملك، وموجبه بأن يتصرف في ملكه من غير ضرر يلحقه، والبائع غار له به حين أخذ البدل منه على أن لا يلحقه ضرر في تصرفه.
مسألة:
قال: (ولو وهب له جارية والمسألة بحالها: لم يرجع الموهوب له بما غرم من قيمة الولد على الواهب).
وذلك لأن عقد الهبة لا يوجب ضمانا على الواهب، كما لا يوجبه على الموهوب له، فلما لم يتعلق به ضمان الأصل، لم يضمن ما تولد منه بتصرف، وليس كالبيع، لأنه يقتضي ضمانا من الجنبين، فما يلحق به من الضرر من موجب الملك، رجع به على البائع.
مسألة:
قال: (ولو أن وارث المشتري استولد الجارية المشتراة، ثم استحقت: رجع بما غرم من قيمة الولد على بائع الميت).
стр. 3614
لأن الوارث يخلف الميت في ملكه، ويقوم فيه مقامه، لا على جهة استئناف ملك، ألا ترى أنه يردها على بائع الميت بالعيب، فصار البائع موجبا له هذا الملك، فرجع عليه بقيمة الولد التي غرم.
*قال أبو جعفر: (وحكى الحسن بن زياد عن أصحابه: أن الوارث لا يرجع على بائع الميت بما غرم من قيمة الولد).
قال أحمد: والصحيح هو القول الأول.
قال: (ومن أخذ من رجل دارا بشفعة بقضاء قاض، أو بغير قضاء قاض، ثم استحقت: لم يرجع على الذي أخذها منه بقيمة البناء).
وذلك لأنه هو الذي أدخل نفسه فيها، من غير أن أوجبها له الذي وجبت له الشفعة قبله.
وقد بينا أن إيجاب العقد بمنزلة ضمان الدرك فيما يلحق به من الغرور، والبائع والمشتري فلم يقصدا إلى إيجاب ذلك للشفيع، فلا يكونان غارين.
стр. 3615
مسألة: [نفى المدعى عليه دعوى الدراهم لسبق قضائه لها]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى على رجل ألف درهم، فقال المدعى عليه للقاضي: ما كان له علي شيء قط، فأقام المدعي البينة على ما ادعى، فقضى له به القاضي، فأقام المدعى عليه البينة: أنه قد كان قضى هذا المدعي هذه الألف: قبلت بينته، وبرئ مما كان قضي به عليه).
وذلك لأن قوله: "ما كان له علي شيء قط": لا يمنع صحة قضائه إياه على جهة قطع الخصومة، وافتداء اليمين، ونحو ذلك، والبينة أمرها محمول على الصحة حتى يظهر منه إكذاب.
*قال: (فلو كان قال: ما كان له علي شيء قط، ولا أعرفه، والمسألة بحالها: لم تقبل بينته على القضاء).
لأنه مستحيل أن يقضيه وهو لا يعرفه؛ لأنه إذا قضاه فقد عرفه، وليس يريد بالمعرفة هاهنا معرفة الاسم والنسب، وإنما يريد معرفة اللقاء.
مسألة: [ما يلزم المدعى عليه إن صدق المدعي بأنه وكيل بقبض ما عليه]
قال: (ومن قال لرجل: قد وكلني فلان بقبض ماله عليك، فصدقه: لم يكن له أن يمتنع من دفع المال إليه).
وذلك لأن إقراره جائز على نفسه، وقد اعترف أن عليه تسليم ما أقر به إليه، والذي يسلمه هو ماله، ولا ضرر فيه على الغائب،
стр. 3616
فلذلك صدق فيه.
وليس هذا كعبد أو غيره من الأعيان، إذا كان للغائب في يده، فيجيء رجل يدعي وكالة من الغائب بالقبض، فيصدقه الذي هو في يديه: فلا يؤمر بتسليمه إليه؛ لأن العين ملك الغائب، ولا يصدق الذي في يديه على الغائب بالوكالة.
[مسألة:]
قال: (وإن دفعه إليه، فضاع عنده، ثم خاصمه صاحب المال، فأنكر الوكالة: كان له أن يأخذ المال من الذي كان له عليه، ولا يرجع الذي عليه على القابض بشيء).
قال أحمد: هذه المسألة على أربعة أوجه:
إما أن يصدقه بالوكالة، ويدفعه إليه على ذلك: فلا يرجع به إذا ضمن.
أو يكذبه، ويدفع إليه: فيرجع به إذا ضمن.
أو لا يصدقه، ولا يكذبه: فيرجه به أيضا.
أو يصدقه ويضمنه: فيرجع به عليه في ثلاثة أوجه، ولا يرجع في وجه واحد، وهو أن يصدقه ولا يضمنه.
فأما إذا صدقه ولم يضمنه، فقد اعترف بأنه قبض ما كان له قبضه،
стр. 3617
وأنه غير مضمون عليه، وأن الغائب ظالم في أخذه ثانيا، فيصدق على نفسه، ولا يرجع.
وأما إذا كذبه، فلم يعترف بأنه غير مضمون، بل قال: هو ظالم في قبضه، آخذ ما ليس له: فهو مضمون عليه، فمتى استحق الغائب ماله قبلي، ولم يجز قبضه، فلي أن أرجع عليه.
وإذا لم يصدقه ولم يكذبه: فله أن يقول: أنا أكذبه الآن، وأرجع به.
وإذا صدقه وضمنه، فإنه وإن كان قد صدقه، فإنه ضمنه الدرك في المقبوض: فيرجع به إذا لحقه به ضمان، كما يرجع المشتري على البائع بالثمن عند الاستحقاق وإن صدقه بصحة ملكه.
مسألة: [من دفع مال شخص إلى آخر من غير وكالة]
قال أبو جعفر: (ومن قال لرجل: ادفع إلي ما عندك لفلان، وعلي ضمانه لك، ليس لأنه وكلني، ولكنه يستجيز قبضي، فدفعه إليه، فضاع عنده، ثم جاء فلان: كان له أن يضمن الذي كان عنده ماله، ولم يرجع الذي كان عنده المال على الذي كان دفعه إليه).
وذلك لأنه لم يدفعه إليه على ضمان، بل على جهة الرسالة والأمانة، فلا يضمنه له.
* * * * *
стр. 3618
باب كيفية الاستحلاف على الدعوى
مسألة: [كيفية الاستحلاف على الدعوى]
قال أبو جعفر: (روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أستحلف المدعى عليه إذا ذكر المدعي أن له بينة حاضرة).
قال: (ولم نجد هذه الرواية عند محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: أستحلفه، فإن نكل: لزمه الحق، وإن حلف: برئ).
وجه قول أبي حنيفة: أن اليمين لا حكم لها مع البينة، والدليل عليه أنه لو أحضر بينته، وأراد اليمين معها: لم يجب إلى ذلك، كذلك إذا قال: لي بينة حاضرة.
ويدل عليه: ما روي في حديث الأشعث بن قيس، ووائل بن حجر عن النبي ﷺ أنه قال: "شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك".
ووجه قول أبي يوسف: أن اليمين حق للمدعي إذا لم يحضر بينته، كما أن البينة حقه، فله أن يطالب بأيهما شاء.
والدليل على أن اليمين حقه، قوله ﵊: "واليمين
стр. 3619
على المدعى عليه"، فجعل اليمين حقا عليه، فله أن يطالبه به.
وأيضا: فإن القاضي يحضره، ويعدي عليه اليمين، فدل على أن اليمين حق عليه للمدعي.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ولا يستحلف بالله: ما أقرضك، ولا أودعك، وإنما يستحلفه في الديون بالله: ما لع عليك هذا المال الذي ادعاه، وهو كذا وكذا دينارا، ولا شيء منه).
وذلك لأنه يجوز أن يكون قد أقرضه وقضاه، أو أبرأه، ويجوز أن يكون أودعه، ورده إليه، ويكون فيه حيف على المدعى عليه؛ لأنك تستحلفه على ما لا يجب عليه فيه اليمين.
ويقول: "ولا شيء منه": لأنه جائز أن يكون قد برئ من بعضه، وبقي البعض، فيكون بارا في قوله: ما له علي هذا المال، يعني جميعه، فيكون قد بخسنا حق المدعي فيما استحقه من اليمين.
مسألة:
قال: (يستحلف في الوديعة: ما له قبلك هذا الكذا كذا الذي ادعاه، ولا شيء منه، ولا له قبلك حق منه؛ لأنه يجوز أن يكون قد استهلكه، فضمنه).
وجملة الأمر في ها الباب: أن يراعى ما كان فيه إبقاء حق الفريقين من غير بخس لحق واحد منهما.
стр. 3620
مسألة: [الاستحلاف لمن ادعى شراء أرض بعينها]
قال: (وإن ادعى شراء أرض بعينها، فإن أبا يوسف قال: إن قال المدعى عليه: ما بعته: استحلفه القاضي بالله: ما بعته هذه الأرض بهذا الثمن، لتكون يمين المدعى عليه مواطئة لدعوى المدعي، فإن عرض البائع، وقال: قد يبيع، ثم ينفسخ، استحلفه بالله: ما بينك وبينه هذا البيع قائما الساعة في هذه الأرض، ليوفي حق البائع أيضا فيما عرض به.
وقال محمد: يستحلفه: ما بينك وبينه هذا البيع قائما بالساعة، ولا يستحلفه على أصل البيع).
وهذا كما قالوا: جميعا في القرض والوديعة: أنه يستحلفه، ما له عليك هذا المال.
مسألة: [الاستحلاف في دعوى الطلاق]
(ويستحلف في دعوى الطلاق الثلاث بالله: ما طلقها ثلاثا في هذا النكاح الذي تدعي أنه مقيم معها عليه، وكذلك في عتق الأمة إذا ادعته).
стр. 3621
مسألة:
قال: (وإن كان المدعي لذلك غلاما مسلما: والمسألة على حالها استحلفه بالله: ما أعتقه هذا العتاق الذي ادعاه، وإن كان الغلام ذميا استحلفه بالله: ما أعتقه هذا الإعتاق في هذا الملك الذي يدعي أنه مقيم عليه).
وذلك أن الأمة والعبد والذمي: قد يجوز ورود الرق عليهما بعد العتق، فلذلك احتاج أن يشترط في اليمين هذا الملك، ولم يحتج إلى شرط ذلك في الغلام المسلم؛ لأنه لا يجوز ورود الرق عليه بعد العتق.
مسألة: [كيفية الاستحلاف في دعوى المرأة النكاح وإنكار الزوج]
قال أو جعفر: (وإذا ادعت عليه امرأة نكاحا، فأنكر ذلك، وطلبت استحلافه عليه.
في قول أبي يوسف ومحمد: فإنه يستحلف بالله: ما هي زوجتك بهذا النكاح الذي تدعيه عليك.
وكذلك إذا كانت هي الجاحدة، والزوج مدع: استحلفها بالله: ما هذا زوجك كما يدعي).
وذلك لأن فيه إيفاء حق المدعي من يمينه.
стр. 3622
مسألة: [الاستحلاف في دعوى القتل الخطأ]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى على رجل أنه قتل وليه خطأ، وأنكر ذلك المدعى عليه، وطلب يمينه على ذلك، فإنه قد روي عن أبي يوسف أنه يستحلف في ذلك على أصل الجناية بالله: ما قتلت فلانا هذا.
قال: لأني لا آمن أن يتأول أن الحق الواجب في قتله إياه، إنما هو على عاقلته، دونه).
فيكون بارا في يمينه، وإذا احتمل ذلك، لم يكن فيه إيفاء حق المدعي من اليمين.
قال: (أما في قياس قول محمد: فيستحلف بالله: ما له قبلك، ولا قبل عاقلتك الواجب بما يدعيه عليك من قتلك فلانا، فإن حلف: برئ، وإن نكل عن اليمين: لزمته الدية في ماله).
ووجهه أن القاتل مدعى عليه، إلا أن الذي يلزم به، هو على العاقلة إذا كانت ببينة، وإن كان بإقرار، فهو عليه في ماله، فيذكر ذلك في يمينه، لكن إن نكل عن اليمين: لزمه في ماله.
ولا يحلف على أصل القتل؛ لأن من أصله: أنه يستحلف على نفي الحق في الحال، لا على نفي السبب، على ما تقدم من قوله في دعوى البيع، ويكون بذلك مستوفيا لحق المجعي بلا تأويل.
стр. 3623
ولا يلزمه لما قال أبو يوسف في احتمال أن يكون نافيا للحق؛ لأنه على العاقلة؛ لأن محمدا يجمع عليه في يمينه الأمرين جميعا، فيسقط معه الاحتمال.
* * * * *
стр. 3624
كتاب العتق
مسألة: [تبعيض العتق]
قال أبو جعفر: (ومن أعتق من عبده جزءا، فإن أبا حنيفة كان يقول: يعتق منه ذلك الجزء، ويسعى له في بقية قيمته، وقال أبو يوسف ومحمد: هو حر كله، ولا سعاية عليه).
قال أحمد: الدليل على جواز تبعيض العتق: حديث ابن عمر عن النبي ﵊ "فيمن أعتق نصيبا له من عبد، كلف عتق ما بقي".
وفي لفظ آخر: "كلف أن يتم عتقه، وفي لفظ آخر: "فقد وجب
стр. 3625
عليه أن يعتق ما بقي".
وذكر علي بن المديني عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان العبد بين اثنين، فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان موسرا: قوم قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط، ثم يعطي صاحبه، ثم يعتق".
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وعن عروة عن عائشة عن النبي ﵊ نحوه، وقال فيه: "ثم يعتق العبد".
فهذه الألفاظ كلها توجب تبعيض العتق، ووقوعه في بعض الرقبة دون بعض؛ لأن قوله: كلف عتق ما بقي: فيه بيان أن العتق لم يقع في الجميع بالقول المتقدم، وكذلك قوله: كلف أن يتم عتقه، وكذلك قوله: فقد وجب عليه أن يعتق ما بقي، وقوله: ثم يعتق العبد؛ لأن: ثم: تقتضي الترتيب لا محالة، وذلك خلاف قول من يقول يعتق العبد كله بعتق البعض.
وأيضا: فلما قال النبي صلى لله عليه وسلم: "لا عتق فيما لا يملك ابن آدم".
стр. 3626
استفدنا بذلك أن عتق أحد الشريكين لنصيبه من العبد، لا يوجب عتق نصيب الآخر بحال، لنفيه عتق من لا يملك، وهو غير مالك لنصيب الشريك.
ويدل عليه: أنه لو قصده العتق، لم يعتق بالاتفاق، فعلمنا أنه غير مالك له، وعتقه لا ينفذ فيه لعموم نفيه العتق عما لا يملك، وأن نصيب شريكه غير تابع لنصيبه، فيعتق بعتقه، وإذا ثبت ذلك في أحد الشريكين، صح أن العتق مما يتبعض.
ويدل على ذلك أيضا: اتفاق الفقهاء على أن الشريكين إذا أعتقا جميعا نصيبهما من العبد معا: عتق منهما، وكان لكل واحد منهما نصف ولائه، فدل على أن عتق كل واحد منهما واقع في نصيبه، دون نصيب الشريك، فثبت بذلك جواز تجزئ العتق.
وإذا صح ذلك في الشريكين، ثبت مثله في المالك الواحد إذا اعتق بعض عبده، في أن عتقه يجب أن يكون مقصورا على الجزء الذي أوقعه؛ لأنه إذا ثبت أنه مما يتبعض، صار كإزالة الملك بسائر وجوه التمليكات، مثل البيع والهبة ونحوهما.
فإن قيل: على ما قلنا من نفي النبي ﵊ العتق إلا في ملك، وأنه لو قصد إلى نصيب شريكه بالعتق لم يعتق: هذا ينتقض عليك في قولك: إن رجلا لو أوصى لرجل بما في بطن جاريته، فأعتقها الوارث بعد موته، جاز عتقه فيها، وفي ولدها، وهو غير مالك للولد، وأنه لو قصده بالعتق دون الأم، لم يعتق، فقد أوجب ما وصفنا معنيين:
أحدهما: بطلان احتجاجك.
والثاني: أنه ليس يمتنع جواز عتق الرجل فيما لا يملكه إذا كان متعلقا
стр. 3627
بملكه، فيعتق بعتقه.
قيل له: هذا لا يلزم، من قبل أن عموم لفظ النبي ﵊ في نفي العتق عما لا يملكه المعتق، ينفي ذلك كله، فإذا قامت الدلالة على جوازه في موضع، لم تبطل دلالة اللفظ في نفيه عما لم تقم الدلالة عليه.
وعلى أنا إن قصدنا جهة الحجاج إلى ما ذكرنا على وجه الاعتلال، لم يلزم عليه ما ذكرت؛ لأنا نقول: إن المعنى في امتناع نفاذ عتقه في نصيب شريكه، أنه غير مالك له، ولا نصيب شريكه تبع لنصيبه، إذ غير جائز أن يكن أحد النصفين تبعا لصاحبه.
وأما الولد فهو تبع للأم مادام متصلا بها، كعضو بعينه منها، نحو اليد، والرجل، فيستحيل وقوع العتق في جميعها دون عضو منها بعينه، فلذلك وجب عتق الولد بعتق الأم من طريق السراية.
ودليل آخر للمسألة: وهو أن بقاء ملكه لما لم يكن موقوفا على بقاء ملك صاحبه، وجب أن لا يكون إسقاطه ملكه بالعتق موقوفا على إسقاط ملك صاحبه، ولما جاز أن يملك المولى بعضه، ويزول ملكه عن بعضه العتق.
وأيضا: كما جاز تمليك بعضه بالبيع والهبة والوصية، وجب أن يجوز إزالته بالعتق؛ لأن في الجميع إزالة الرق عن ملكه، فلا فرق بين إزالته بالعتق أو البيع.
فإن قيل: روى همام عن قتادة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه "أن
стр. 3628
رجلا أعتق شقصا له في مملوك، فأعتقه النبي ﷺ ، وقال: ليس لله شريك".
وفي بعض الألفاظ قال: "هو حر كله، ليس لله شريك".
وهذا يقتضي نفاذ العتق في جميعه.
قيل له: ليس في هذا الخبر بيان حال عتق النبي ﵊ إياه، وقد يجوز أن يكون أعتقه حين ضمن المعتق.
وأما لفظ من روى أنه قال: هو حر كله: فإنه يحتمل الإخبار عما يؤول إليه حاله من الحرية، وأنه قد وجب إخراجه إليها، فأطلق عليه لفظ الحرية في الحال، ومراده أنه قد استحقها وإن لم تكن واقعة في الحال، كما قال النبي ﵊: "إن إبراهيم أعتق أمه مارية".
стр. 3629
وإنما استحقت به حرية تحصل لها بعد الموت؛ لأنها إنما صارت له أم ولد.
وفي الخبر: "أن أم الولد أعتقها ولدها".
وإذا احتمل ذلك ما وصفنا، وجب حمل معناه على موافقة الأخبار الموجبة لتبعيض العتق.
فإن قيل: وما رويتموه من أخبار ابن عمر على اختلاف ألفاظه، يحتمل وقوع العتق في جميعه في الحال، كما قال ﵊: "لا يجزئ ولد والده، إلا أن يجده مملوكا فيشتريه، فيعتقه".
ولم يرد به معنى استئناف عتق، بل يقع العتق بنفس الشراء.
وكذلك قوله: "ثم يعتق العبد"، "وكلف عتق ما بقي": على معنى أن العتق قد نفذ فيه.
قيل له: لا يصح أن يقال: كلف عتقه، وعليه عتقه وهو قد عتق قبل ذلك.
وقوله: "فيشتريه فيعتقه": معناه: بالشراء، وذلك صحيح جائز.
فإن قيل: قوله في حديث أبي المليح: ليس لله شريك"، ينفي بقاء الرق فيه؛ لأن بقاءه فيه، يوجب الشركة مع وقوع العتق في البعض.
стр. 3630
قيل له: إنما نفى بقوله: ليس لله شريك: أن يبقى نصفه عبدا يتصرف فيه تصرف الملاك، ونصفه حرا، بل أفاد إخراج جميعه إلى الحرية.
على أنه ليس فيه إثبات الشركة بوجه؛ لأن النصف الذي قد خرج إلى الحرية هو لله، لا حق لأحد فيه، والنصف الباقي هو ملك لا شركة فيه لأحد، وإنما كان يكون فيه معنى الشركة أن لو كان العتق موقعا لله ولغيره، فأما إذا كان نصفه حرا خالصا لله، والنصف الباقي للذي لم يعتق، فأي شركة هاهنا؟
وأيضا: فإنما كان يثبت فيه معنى الشركة، لو كان الذي للآدمي منه على الوجه الذي هو لله، فأما إذا كان الذي لله: الحرية، والذي للآدمي: ملك، فكيف يكون بينهما شركة؟ والمعنى الذي لله، مضاد للمعنى الذي للآدمي.
فإن قيل: أليس لو جعل نصف داره مشاعا مسجدا: لم يصح، ولم يكن خروج نصفه لله خالصا، وبقاء نصفه على ملكه موجبا لجواز ذلك؟
قيل له: لا يشبه هذا العتق؛ لأن المسجد لم تصح فيه قربة بعد، فيعتبر فيه خروجه خالصا لله، ولم يصح الموضع مسجدا على هذا الوجه، فلذلك لم يصح، والعتق قد صح في نصيب المعتق لا محالة، فلذلك افترقا.
فإن قيل: روى حماد عن أيوب عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق نصيبا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق".
стр. 3631
فهذا اللفظ يقتضي كون جميعه حرا إن كان المعتق موسرا.
قيل له: معناه: فقد استحق أن يعتق، ليوافق معاني الألفاظ الأخر، ولا ينافيها.
فإن قيل: لما لم يجز أن يتبعض الاستيلاد في الأمة، واستحال ثبوته في أحد النصفين دون الآخر، وكان ذلك لأجل ما استحقته من الحرية، فالحرية نفسها أحرى بأن لا تتبعض.
قيل له: قد يتبعض الاستيلاد عندهم في بعض الأحوال، وهو أن مدبرة بين رجلين، لو استولدها أحدهما: كان نصيبه منها خاصة أم ولد له، دون نصيب شريكه، وقد لا يتبعض في حال، وهي الحال التي لا يمكن فيها نقل نصيب الشريك إليه.
وليس المعنى فيه: ثبوت حق الحرية لها، وإنما المعنى فيه: أن الاستيلاد ليس بمعنى موقع، وإنما هو حرية تحصل لها، متعلقة بالنسب، فإذا انتقل إليه نصيب الشريك، سرى فيه الاستيلاد، لاستحالة وقوع الاستيلاد في نصفها ابتداء، دون النصف الآخر إذا كان الجميع في ملك واحد.
وليس يمتنع إيقاع الحرية في بعضها دون بعض؛ لأنه يصح أن يقول له: نصفك حر، فيعتق ذلك النصف خاصة، ثم قال مخالفنا: يعتق النصف الباقي بعت هذا النصف، وقلنا نحن: لا يعتق، فليس يمتنع حصول العتق في النصف بالإيقاع.
فإن قيل: لما لم تتبعض حرية الأصل، وجب أن لا يتبعض العتق الموقع.
стр. 3632
قيل له: إنما لم تتبعض حرية الأصل؛ لأنها ليست موقعة، فهي كالاستيلاد والنسب، والعتق الموقع إنما يثبت من جهة الإيقاع، فيصح ثبوته في بعضه دون بعض.
وأيضا: فما يطرأ من الرق على حرية الأصل، إنما جهته القهر والغلبة، وذلك يمتنع وجوده في بعض الرقبة دون بعض، والعتق الموقع من جهة القول، قد يجوز أن يخص به البعض دون الكل.
فإن قيل: لما كان العتق موجبا للتحريم، كان مثل الطلاق في امتناع تبعيضه.
قيل له: ليست علة امتناع تبعيض الطلاق ما ذكرت؛ لأنها لو كانت كذلك، لما جاز بيع النصف، ولا هبته، لوجود العلة التي ذكرت، وإنما المعنى فيه: أن النكاح في الأصل لا يجوز وقوعه في بعض الشخص دون بعض، فكان كذلك حكمه في زواله، ولما جاز ثبوت الرق في بعض دون بعض، لم يمتنع مثله في الزوال.
وقد استقصينا القول في هذه المسألة في "شرح الجامع الكبير"، فاكتفينا به عن إعادته، واقتصرنا في هذا الموضع على الجملة التي ذكرنا، كراهة الإطالة.
*وأما الحجة في إيجاب السعاية في النصف الذي لم يعتق: فهي ما روى يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن زريع قالا: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: "من أعتق نصيبا في مملوك، فعليه خلاصه
стр. 3633
كله في ماله، فإن لم يكن له مال: استسعى العبد غير مشقوق عليه".
وقد رواه عن قتادة جماعة بهذا اللفظ.
فأفاد ﵊ امتناع بقائه على الرق بعد عتق بعضه، وأوجب إخراجه إلى الحرية بالسعاية، إذ لم يجب الضمان على الشريك، فدل ذلك على امتناع جواز بيع النصف الذي لم يعتق؛ لأنه قد أوجب إخراجه بالسعاية إلى الحرية، وذلك ينافي البيع.
وأيضا: لما أوجب السعاية، جعله بمنزلة المكاتب، فمنع ذلك من بيعه، كما امتنع بيع المكاتب.
مسألة: [عتق العبد على مال، وقبوله له في المجلس]
قال أبو جعفر: (ومن أعتق عبده على مال، فإن قبل ذلك منه في مجلسه الذي تكلم فيه قبل أن يقوم منه، أو يأخذ في عمل آخر: عتق، ولزمه المال، وإن لم يقبله في مجلسه: بطل ذلك القول).
قال أحمد: وذلك لأن قوله: أنت حر على ألف درهم: عقد معاوضة بمنزلة البيع، واقتضى ذلك من العبد قبولا في لمجلس، كما يقتضيه عقد البيع بقوله ﵊: "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا".
فعلق خيار القبول على المجلس، فصار ذلك أصلا في نظائره من
стр. 3634
العقود المقتضية للقبول في المجلس، في تعلقها بالمجلس دونما بعده.
مسألة: [أثر تعليق العتق بأداء مبلغ من المال]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده: إذا أديت إلي ألف درهم، فأنت حر: كان العبد بهذا القول مأذونا له في التجارة، وإن أدى إلى مولاه ألف درهم كما قال: عتق، وإن أحضر الألف إلى مولاه، فأبى مولاه قبول ذلك منه: أجبر على ذلك).
قال أحمد: قوله: إذا أديت إلي ألف درهم فأنت حر: فيه معنيان: أحدهما: معنى اليمين، والآخر: معنى الكتابة وإن لم يكن كتابة محضة، فهو من حيث كان يمينا، لم يتعلق على المجلس؛ لأن شرط الأيمان لا تختص بالمجلس إذا لم يكن في اللفظ دليل على اختصاصها بالمجلس، وذلك لأن: "إذا": للوقت، كأنه قال: أي وقت شئت.
ألا ترى أنه لو قال لامرأته: إذا شئت فأنت طالق: كان على المجلس، وعلى ما بعده؛ لأنه قد ملكها المشيئة في سائر الأوقات.
وتفارق من هذا الوجه البيع ونظائره من العقود التي لا تتعلق على الأخطار؛ لأن العتق معلق على الأخطار، لو قال: إذا دخلت الدار فأنت حر: صح، ولو قال: إذا دخلتها فقد بعتك: لم يصح.
ولما كان ذلك كذلك، لم يتعلق الأداء بالمجلس، فمتى جاء بالألف: أجبر على قبوله، ما لم يبعه أو يملكه غيره، وذلك لأن فيه معنى الكتابة؛ لأنه يستحق العتق بأداء المال، كما يستحقه المكاتب، فأشبه المكاتب
стр. 3635
من هذا الوجه، وفارقه أخرى، وهى أنه لا يصير به في يد نفسه، ولا يزول تصرف المولى عنه.
وقال أصحابنا: لو باعه: جاز بيعه.
فإن ملكه بعد ذلك، ثم أحضر المال: لم يجبر المولى على قبوله.
فإن قبله: عتق، وذلك لأنه لما صح بيعه: بطل ما كان ثبت له من حق الكتابة؛ لأن صحة البيع تنافي بقاء معنى الكتابة، إذ كان المكاتب لا يجوز بيعه، فحصل ذلك القول يمينا محضة، ليس فيها معنى الكتابة، كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، ونحوه من الأيمان.
*وإنما صار العبد مأذونا له في التجارة؛ لأنه لا يصل إلى أداء المال إلا بالتصرف في وجوه التكسب، وقد أوجب له حق الأداء، بدلالة ما ذكرنا من إجباره على القبول إذا جاء المال، فإذا أوجب له حقا لا يصل إليه إلا بالتصرف، صار ذلك إذنا منه له في التصرف في التجارة.
مسألة: [إعتاق العبد وقد كان له مال قبل ذلك]
قال أبو جعفر: (ومن أعتق عبده: فالمال الذي اكتسبه قبل العتق للمولى).
وذلك لأنه مال المولى؛ لأن العبد لا يملك.
وقال النبي ﵊: "من باع عبدا وله مال: فماله
стр. 3636
لمولاه، إلا أن يشترط المبتاع".
ولا فرق بين زوال ملكه بالبيع أو العتق في ذلك.
وأيضا: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا الأنصاري قال: حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن عمران بن عمير عن أبيه، وكان مملوكا لعبد الله بن مسعود، فقال له عبد الله: يا عمير! بين لي مالك، فإني أريد أن أعتقك، إني سمعت النبي ﵊ يقول: "من أعتق عبدا: فماله للذي أعتقه".
مسألة: [تقديم لفظ العتق على المال]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده: أنت حر، وعليك ألف درهم: كان حرا بغير شيء، في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: إن قبل ذلك العبد: كان حرا، وكان عليه المال).
وجه قول أبي حنيفة: أن قوله: أنت حر: يقتضي إيقاعا في الحال، ما لم يعلقه بشرط، أو يضفه إلى وقت.
وقوله: وعليك ألف درهم: كلام مستأنف غير متعلق بما قبله؛ لأن الواو في هذا الموضع للاستئناف، كقوله: أنت حر، وأنت قائم.
ولم يختلفوا أنه لو قال: أنت حر، وأنت تصلي، أو: وأنت مريض: أن فعل الصلاة، وحدوث المرض لا يصيران شرطا في الحرية، كذلك
стр. 3637
قوله: وعليك ألف درهم: ابتداء خبر، وهو كلام مستأنف غير مضمن بما قبله.
*وجعله أبو يوسف ومحمد بمنزلة قول الرجل لآخر: احمل هذا المتاع إلى بيتي، ولك درهم: أن ذلك أجرة مشروطة بحمل المتاع، كذلك ما وصفنا.
وفصل أبو حنيفة بينهما: بأن العادة جارية بمثله في الإجارة، ولم يجز مثله في العتق ونحوه.
مسألة: [تعليق العتق بالمشيئة]
قال: (ومن قال لعبده: أنت حر إن شاء الله تعالى: لم يعتق).
وذلك لأن الاستثناء يدخل في الكلام لرفع حكمه، وقد بينا فيما سلف.
مسألة: [تعليق العتق بمشيئة فلان]
قال: (ومن قال لعبده: أنت حر إن شاء فلان: فله المشيئة في المجلس خاصة).
وذلك لأن هذا كلام خرج مخرج التمليك، وألفاظ التمليك تتعلق على المجلس، والأصل فيه: قول النبي ﵊: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا".
فجعل خيار القبول مقصورا على المجلس؛ لأن قوله: بعتك هذا العبد
стр. 3638
بألف درهم: يقتضي تمليكا منه، كقبول العقد، وكان على المجلس، فعطفنا عليه نظائره من ألفاظ التمليك.
وأيضا: اتفق السلف من الصدر الأول على أن المخيرة خيارها مقصور على المجلس، والتخيير من ألفاظ التمليك، فاعتبرناه في نظائره من المشيئة ونحوها.
وكذلك قوله: أمرك بيدك، أو: أمر عبدي في العتق بيدك، وما جرى مجراه.
وكذلك قوله: إن هويت، أو: أحببت، أو: أردت؛ لأن معانيها تفويض العتق إلى رأيه واختياره.
مسألة: [تعليق العتق بالشرط]
قال: (ولو قال: أنت حر إن دخلت الدار: عتق بالدخول، ولا يعتق قبل ذلك).
وذلك لأن الإيقاع إذا كان متعلقا باللفظ، واللفظ أوجب عتقه بالدخول، لم يجز إيقاعه قبل ذلك.
فإن قيل: ما أنكرت أن لا يعتق رأسا، وقد روي نحوه عن عطاء.
قيل له: الدليل عليه: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﵊: "لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم".
وهذا عتق في الملك؛ لأنه مالك للعبد، فعموم لفظه يتضمن العتق الموقع في الحال، والمضمن بالشرط.
стр. 3639
وأيضا: قال النبي ﵊: "المسلمون عند شروطهم".
فإذا علقه بشرط، وجب أن يتعلق به.
وأيضا: قال الله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾، فاقتضى جواز طلاق السنة قبل وجود وقت السنة، بأن يقول لزوجته: أنت طالق للسنة، فيقع بعد مجيء وقت السنة، فيكون طلاقا معلقا بشرط.
*قال: (وللمولى أن يبيع العبد قبل وجود الشرط).
كما أن له أن يطأ المرأة إذا قال لها: أنت طالق للسنة قبل مجيء وقت الطلاق.
مسألة: [التدبير، وحكم بيع المدبر]
قال أبو جعفر: (وإذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي: لم يكن له بيعه بعد ذلك، ولا تمليكه).
قال أحمد: التدبير على وجهين:
أحدهما: يمنع البيع، والآخر: لا يمنعه.
стр. 3640
فالذي يمنع البيع: هو الذي يستحق فيه العتق بالموت على الإطلاق، من غير شرط آخر.
والذي لا يمنع البيع: هو الذي لا يستحقه بالموت دون وجود معنى غيره، مثل قوله: أنت حر إن مت من مرضي هذا، أو: من سفري هذا، وما جرى مجراه.
فأما الحجة في حظر بيع المدبر الذي ذكرنا وصفه فهي: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا عمرو بن عبد الجبار- ثقة- عن عمه عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵊: "المدبر لا يباع ولا يشترى، وهو حر من الثلث".
فعمومه ينفي جواز بيع جميع المدبر، إلا أن الفقهاء متفقون على جواز بيعه إذا لم يستحق العتق بالموت على الإطلاق، فخصصناه من اللفظ بدلالة الاتفاق، وبقي حكم اللفظ فيما عداه.
ومن جهة النظر: أنه يستحق العتق بموت مولاه على الإطلاق، فأشبه أم الولد لما كانت مستحقة للعتق بموت مولاها على الإطلاق: لم يجز
стр. 3641
بيعها، كذلك حكم المدبر قياسا عليها.
وليس هو بمنزلة قوله: إن مت من مرضي هذا فأنت حر؛ لأنه لا يستحق العتق بموته على الإطلاق، ألا ترى أنه لو برأ من مرضه، ثم مات: لم يعتق، فلذلك فارق ما وصفنا.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على وقوع العتق بالموت، فلا يخلو من أن يكون عتقه على معنى العتق المعلق بالشرط، مثل دخول الدار ونحوه، أو عتقا مستحقا قبل الموت، يوجب له حقا في رقبته، يمنع من بيعه.
فلما وجدنا ذلك نافذا بعد الموت، ووجدناه لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم مات، فدخل: لم يعتق: علمنا أن عتق المدبر مستحق قبل الموت، كعتق أم الولد، فمنع بيعه، وفارق العتق المعلق بشرط الدخول ونحوه، ألا ترى أنه قد نفذ مع زوال ملكه.
فإن قيل: إنما نفذ بعد الموت كما تنفذ الوصايا، وكما لو أوصى بعتق عبده بعد موته: نفذ.
قيل له: أما الوصايا، فإن صحة زوال الملك فيها لم يتعلق بالوصية؛ لأن الموت يوجب زوال الملك، كان هناك وصية أو لم يكن، ثم حينئذ يصرف ذلك الملك إلى الموصى له، فيكون أولى به من الوارث إذا خرج من الثلث، والموت لا يوجب عتقا غير مستحق قبله.
وأما الوصية بالعتق، فغنها تحتاج إلى استئناف عتق من الموصى له،
стр. 3642
وفي مسألتنا لا تحتاج إلى ذلك ولو كان نفاذه من طريق الوصية فحسب، لما وقع بالموت، قبل إنفاذ الوصي إياه.
فإن قيل: لما كان عتقه من الثلث، أشبه العبد الموصى به لرجل، فلا يمنع بيعه.
قيل له: لو كان كذلك، لوجب أن يجوز بيعه لو أعتقه في المرض؛ لأنه من الثلث.
وأيضا: روي عن عثمان وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله أن ولد المدبرة بمنزلة أمه، من غير خلاف نعلم عن أحد من الصحابة عليهم، وذلك عندنا يجري مجرى الإجماع.
وإذا ثبت أن ولدها بمنزلتها في التدبير، ثبت أن حق الحرية ثابت في رقبتها، لولا ذلك ما سرى في ولدها، كما لا يسري فيه قوله: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، فأشبه المكاتبة وأم الولد، في أن حق الحرية لما سرى في أولادهن، منع ذلك بيع الأمهات.
فإن قيل: روى جابر بن زيد "أن ولد المدبرة لا يكون بمنزلتها"،
стр. 3643
وهو أحد قولي الشافعي رحمة الله عليه.
قيل له: أما جابر بن زيد فهو تابعي، وليس بخلاف على الصحابة، وأما من دونه، فهو أبعد من أن يكون خلافا في ذلك.
فإن قيل: روى جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ باع مدبرا".
قيل له: ليس في هذا بيان موضع الخلاف؛ لأنه معلوم أن بيعه تناول عينا، فيحتاج أن نعلم العين على أي صف كانت؟ وقد اتفقنا على جواز بيع بعض المدبر، وهو الذي لا يستحق العتق بالموت على الإطلاق، بل به، ومعنى سواه، فجائز أن يكون الذي باعه النبي ﵊ هو ما كان بهذا الوصف، فيسقط الاحتجاج به؛ لأن ليس خصم يرده إلى ما اختلفنا فيه، أولى منا برده إلى ما وصفنا.
وأيضا: قد روى محمد بن المكندر عن عطاء عن جابر: "أن النبي ﵊ إنما باع خدمة المدبر".
وأيضا: لو ثبت أنه ﵊ باع المدبر الذي اختلفنا فيه،
стр. 3644
وسلمنا لهو ما ادعوه: احتمل أن يكون باعه في حال ما كان يجوز بيع الحر، كما روى سرق "أن النبي ﵊ باعه ف دين كان عليه وكان حرا".
وكما قال جابر: "كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﵊".
وإنما كان ذلك عندنا في حال ما كان يجوز بيع الحر.
وروي نحو قولنا في ذلك عن زيد بن ثابت.
وقد اتفق عامة فقهاء الأمصار على أن عتق المدبر من الثلث.
وقال عبد الله بن مسعود، ومسروق، وإبراهيم: هو من جميع المال.
стр. 3645
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ابن الأصبهاني قال: حدثنا علي بن ظبيان الكوفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "المدبر من الثلث".
فإن قيل: إنما رفعه على بن ظبيان وحده، ووقفه غيره.
قيل له: لا يمنعه ذلك من صحة الرفع، إذ ليس يمتنع أن يرويه عن النبي ﵊ تارة، ويفتي به تارة، فيصحان.
ومذهب عبد الله في ذلك إنما يرويه جابر الجعفي عن القاسم عن مسروق عن عبد الله، فقبلتموه، مع إكثار الناس في الطعن على جابر، فعلي بن ظبيان أولى بقبول خبره.
وحديث عبيدة بن حسان الذي قدمناه في صدر المسألة، يوجب ذلك أيضا.
*ومن جهة النظر: أن عتقه موقع بالقول بعد الموت من جهة الوصية، فوجب أن يكون معتبرا من الثلث كسائر الوصايا والفرق بينه وبين أم الولد: أن أم الولد لم تستحق العتق من جهة القول، وإنما استحقته من جهة الحكم، فخرجت به من أن تكون مالا، فلذلك اختلفا.
следующие страницы →