← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

بيعها، كذلك حكم المدبر قياسا عليها. وليس هو بمنزلة قوله: إن مت من مرضي هذا فأنت حر؛ لأنه لا يستحق العتق بموته على الإطلاق، ألا ترى أنه لو برأ من مرضه، ثم مات: لم يعتق، فلذلك فارق ما وصفنا. ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على وقوع العتق بالموت، فلا يخلو من أن يكون عتقه على معنى العتق المعلق بالشرط، مثل دخول الدار ونحوه، أو عتقا مستحقا قبل الموت، يوجب له حقا في رقبته، يمنع من بيعه. فلما وجدنا ذلك نافذا بعد الموت، ووجدناه لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم مات، فدخل: لم يعتق: علمنا أن عتق المدبر مستحق قبل الموت، كعتق أم الولد، فمنع بيعه، وفارق العتق المعلق بشرط الدخول ونحوه، ألا ترى أنه قد نفذ مع زوال ملكه. فإن قيل: إنما نفذ بعد الموت كما تنفذ الوصايا، وكما لو أوصى بعتق عبده بعد موته: نفذ. قيل له: أما الوصايا، فإن صحة زوال الملك فيها لم يتعلق بالوصية؛ لأن الموت يوجب زوال الملك، كان هناك وصية أو لم يكن، ثم حينئذ يصرف ذلك الملك إلى الموصى له، فيكون أولى به من الوارث إذا خرج من الثلث، والموت لا يوجب عتقا غير مستحق قبله. وأما الوصية بالعتق، فغنها تحتاج إلى استئناف عتق من الموصى له،

стр. 3642

وفي مسألتنا لا تحتاج إلى ذلك ولو كان نفاذه من طريق الوصية فحسب، لما وقع بالموت، قبل إنفاذ الوصي إياه. فإن قيل: لما كان عتقه من الثلث، أشبه العبد الموصى به لرجل، فلا يمنع بيعه. قيل له: لو كان كذلك، لوجب أن يجوز بيعه لو أعتقه في المرض؛ لأنه من الثلث. وأيضا: روي عن عثمان وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله أن ولد المدبرة بمنزلة أمه، من غير خلاف نعلم عن أحد من الصحابة عليهم، وذلك عندنا يجري مجرى الإجماع. وإذا ثبت أن ولدها بمنزلتها في التدبير، ثبت أن حق الحرية ثابت في رقبتها، لولا ذلك ما سرى في ولدها، كما لا يسري فيه قوله: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، فأشبه المكاتبة وأم الولد، في أن حق الحرية لما سرى في أولادهن، منع ذلك بيع الأمهات. فإن قيل: روى جابر بن زيد "أن ولد المدبرة لا يكون بمنزلتها"،

стр. 3643

وهو أحد قولي الشافعي رحمة الله عليه. قيل له: أما جابر بن زيد فهو تابعي، وليس بخلاف على الصحابة، وأما من دونه، فهو أبعد من أن يكون خلافا في ذلك. فإن قيل: روى جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ باع مدبرا". قيل له: ليس في هذا بيان موضع الخلاف؛ لأنه معلوم أن بيعه تناول عينا، فيحتاج أن نعلم العين على أي صف كانت؟ وقد اتفقنا على جواز بيع بعض المدبر، وهو الذي لا يستحق العتق بالموت على الإطلاق، بل به، ومعنى سواه، فجائز أن يكون الذي باعه النبي ﵊ هو ما كان بهذا الوصف، فيسقط الاحتجاج به؛ لأن ليس خصم يرده إلى ما اختلفنا فيه، أولى منا برده إلى ما وصفنا. وأيضا: قد روى محمد بن المكندر عن عطاء عن جابر: "أن النبي ﵊ إنما باع خدمة المدبر". وأيضا: لو ثبت أنه ﵊ باع المدبر الذي اختلفنا فيه،

стр. 3644

وسلمنا لهو ما ادعوه: احتمل أن يكون باعه في حال ما كان يجوز بيع الحر، كما روى سرق "أن النبي ﵊ باعه ف دين كان عليه وكان حرا". وكما قال جابر: "كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﵊". وإنما كان ذلك عندنا في حال ما كان يجوز بيع الحر. وروي نحو قولنا في ذلك عن زيد بن ثابت. وقد اتفق عامة فقهاء الأمصار على أن عتق المدبر من الثلث. وقال عبد الله بن مسعود، ومسروق، وإبراهيم: هو من جميع المال.

стр. 3645

وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ابن الأصبهاني قال: حدثنا علي بن ظبيان الكوفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "المدبر من الثلث". فإن قيل: إنما رفعه على بن ظبيان وحده، ووقفه غيره. قيل له: لا يمنعه ذلك من صحة الرفع، إذ ليس يمتنع أن يرويه عن النبي ﵊ تارة، ويفتي به تارة، فيصحان. ومذهب عبد الله في ذلك إنما يرويه جابر الجعفي عن القاسم عن مسروق عن عبد الله، فقبلتموه، مع إكثار الناس في الطعن على جابر، فعلي بن ظبيان أولى بقبول خبره. وحديث عبيدة بن حسان الذي قدمناه في صدر المسألة، يوجب ذلك أيضا. *ومن جهة النظر: أن عتقه موقع بالقول بعد الموت من جهة الوصية، فوجب أن يكون معتبرا من الثلث كسائر الوصايا والفرق بينه وبين أم الولد: أن أم الولد لم تستحق العتق من جهة القول، وإنما استحقته من جهة الحكم، فخرجت به من أن تكون مالا، فلذلك اختلفا.

стр. 3646

مسألة: [تقديم العتق على الشرط] قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده: أنت حر على أن تخدمني أربع سنين، فقبل: عتق، وكان عليه أن يخدم مولاه أربع سنين). وذلك لأنه عتق معقود بشرط العوض، وهو الخدمة، فتعلق قبوله على المجلس، كالعتق على المال ونحوه. *قال: (وإن مات العبد بعد ذلك، وقد كسب مالا، أو مات المولى قبل الخدمة: فعلى العبد قيمة نفسه إن كان حيا، وإن كان ميتا: ففي ماله في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: عليه قيمة خدمته أربع سنين). وجه قول أبي حنيفة: أن العبد في نفسه مال ذو قيمة، وقد حصلت رقبته له بالبدل المشروط، فلما امتنع تسليم البدل، وجب رد المبدل عنه، وهو الرقبة إن أمكن، فلما تعذر ردها: رد قيمتها. ألا ترى أنه لو باعه من رجل بجارية، وقبضه المشتري، فأعتقه، ثم ماتت الجارية قبل القبض: أن عليه قيمة العبد، لا قيمة الجارية؛ لأن بطلان البدل، وتعذر تسليمه، أوجب نقض العقد، ورد العبد بعينه، فلما تعذر رده، وجب رد قيمته. وليس ذلك كالخلع، والصلح من دم العمد، والنكاح إذا وقع على عبد، ثم هلك قبل القبض: فيكون عليه قيمة العبد دون قيمة البدل؛ لأن هذه الأشياء لا قيمة لها في أنفسها، فيرجع إلى قيمتها، وإنما قيمتها ما سمي في العقد، والعبد في نفسه ذو قيمة، فإذا بطل البدل المشروط، كان

стр. 3647

الرجوع إلى قيمته أولى. *وشبهه محمد بما ذكرنا من هذه المسائل، وجعل المعنى فيها: بقاء العقد مع تعذر تسليم البدل، ألا ترى أن العتق لم ينفسخ بموته، كما لا ينفسخ النكاح بموت العبد المهر قبل القبض، وكذلك الخلع، والصلح من دم العمد، فلما كان العقد الموجب لتسليم البدل قائما، ثم تعذر تسليم البدل: سلم قيمته. مسألة: [تعليق العتق بالموت مشروطا بالمال] قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده: أنت حر بعد موتي على ألف درهم: فالقبول بعد الموت. وكذلك إذا قال: إذا مت فأنت حر على ألف درهم. وروي عن أبي يوسف في هذه المسألة الأخيرة: أن القبول في حال علمه بذلك في ذلك المجلس). قال أحمد: قوله: أنت حر بعد موتي، وقوله: إذا مت فأنت حر: تدبير صحيح معلق بالموت، فلما شرط فيه المال: صار تدبيرا موصوفا معقودا بشرط المال، فوجب أن يكون القبول في حال وقوع الحرية، وهي بعد الموت. فإن قيل: فهلا كان القبول على الحال في إيقاع العتق المعقود على المال المضاف إلى حال الموت.

стр. 3648

قيل له: لأن المال لما كان شروطا في الحرية، والحرية موقعة بالموت، وجب أن يكون شرط المال بعد الموت، فيكون القبول مشروطا في تلك الحال، ولو كان القبول مشروطا في حال القول، لما استحق به المال، فيوجب ذلك بطلان القبول؛ لأنه مشروط للمال، والمال غير مستحق عليه في حال الحياة؛ لأنه عبده، والمولى لا يثبت له على عبده مال، ألا ترى أنه لو قال لعبده: أنت حر مدبر على ألف درهم: لم يصح ثبوت المال عليه بالقبول. مسألة: [عتق أحد الشريكين نصيبه دون الآخر وهو معسر] قال أبو جعفر: (ومن أعتق عبدا بينه وبين آخر وهو معسر: فشريكه بالخيار: إن شاء أعتق، وكان الولاء بينهما، وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، فإذا أدى، وعتق: كان الولاء بينهما نصفين. وإن شاء ضمن المعتق نصف قيمته، فإن ضمنه: رجع به المضمن على العبد، فاستسعاه فيه، فإذا أدى: عتق، وكان الولاء كله للمعتق الأول، وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا أعتقه أحدهما: كان حرا كله، والولاء كله للمعتق، فإن كان موسرا: ضمن لشريكه نصف قيمته، وإن كان معسرا: سعى العبد للذي لم يعتق في نصف قيمته، ولا يرجع العبد على المعتق، ولا المعتق على العبد بشيء). قال أحمد: قد بينا فيما سلف أن من مذهب أبي حنيفة جواز تبعيض

стр. 3649

العتق، فإذا أعتق أحدهما نصيبه: جاز العتق في نصيبه، ونصيب الآخر باق على ملكه، وله ثلاثة ضروب من الخيار في قوله: إن كان المعتق موسرا على ما ذكرنا: فله أن يضمنه إن شاء بالسنة. وإن شاء أبرأه من الضمان؛ لأن من وجب له حق قبل غيره، فله أن يبرئه منه، ألا ترى أن المغصوب منه، له أن يضمن الغاصب الأول، وله أن يبرئه من الضمان، ويعدل إلى تضمين الثاني، فإذا أبرأ الشريك: بقي نصيبه على ملكه، وفد امتنع عن جواز بيعه، وتصرفه فيه. والدليل على ذلك: اتفاق الفقهاء على أن له تضمين شريكه، فلولا أنه قد أفسده عليه، ومنعه التصرف فيه، لما كان له تضمينه، وبه وردت السنة. ويدل عليه ما حكم به النبي ﵊ في حديث أبي هريرة من وجوب السعاية على العبد في حال الإعسار، فدل ذلك من وجهين على امتناع جواز بيع المولى وتصرفه فيه: أحدهما: أن أمر النبي ﵊ على الوجوب، ولزوم السعاة ينفي جواز البيع. والثاني: أنه جعله بمنزلة المكاتب في باب وجوب السعاية، والمكاتب لا يجوز بيعه، وإذا كان كذلك، فله أن يعتق نصيبه؛ لأنه يملكه، وامتناع جواز البيع، لا ينفي العتق، كأم الولد والمكاتب.

стр. 3650

وله أن يستسعيه؛ لأنه قد أوجب إخراجه إلى الحرية، وله أن لا يخرجه إليها إلا ببدل، ألا ترى أنه ﵊ أوجب إخراجه إلى الحرية في حال الإعسار بالسعاية. فإن ضمن المعتق: انتقل نصيبه إليه بالضمان؛ لأن الضمان من موجب العتق، فتعلق به نقل ملك المضمون إليه، وليس يمتنع أن يملك بالضمان ما لا يصح تمليكه بالعقد، ألا ترى أن الغاصب الأول يملك ما في ذمة الغاصب الثاني بالضمان، ولا يصح أن يملكه بالعقد، ولا يجوز للذي لم يعتق أن يملكه غيره، لما بينا من أن حصول العتق في بعض الرقبة، يمنع جواز البيع في الباقي، ودللنا أيضا على أنه جائز أن يملك بالضمان ما لا يملك بالعقد. فهما أصلان لا يعترض بأحدهما على الآخر، فإذا انتقل نصيبه إلى المعتق: كان له أن يستسعيه في نصف قيمته، والدلالة على ذلك من وجهين: أحدهما: أنه في ملكه، وقد لزمه إخراجه إلى الحرية، فلا جائز أن يستحق عليه بغير بدل. والثاني: أن الذي لم يعتق، كان له أن يستسعيه، وكان ذلك من حق ملكه، فلما انتقل ذلك الملك إلى المعتق، انتقل إليه بحقوقه. كما أن المغصوب منه، لما كان له تضمين الغاصب الثاني، وكان ذلك من حق ملكه، ثم نقل الملك إلى الغاصب الأول بالضمان، انتقل

стр. 3651

إليه بحقوقه، فكان له من أجل ذلك تضمين الغاصب الثاني، وقام فيه مقام المغصوب منه، كذلك المعتق يقوم مقام الشريك فيما تعلق له من حق السعاية. وهذا نظير قولهم في شاهدين شهدا على رجل أنه كاتب عبده على ألف درهم إلى سنة، ثم رجعا عن الشهادة: أن للمولى تضمينها ألفا حالة، فإن ضمنهما إياها: رجعا على المكاتب بالألف إلى أجلها. وذلك لأن المولى لما كان مالكا للألف المحكوم بها على المكاتب، وكان له أخذها منه، ثم ضمنها الشاهدين: انتقل ملك الألف إليهما على الوجه الذي كان يملكه المولى من التأجيل، وقاما فيها مقام المولى، كذلك ما وصفنا. *فإذا استسعاه المعتق في ذلك النصف: عتق، وكان جميع الولاء له؛ لأنه عتق جميعه من جهته. فإن أعتق الشريك، أو استسعى: كان الولاء نصفين؛ لأن نصيب كل واحد منهما عتق على ملكه. *وأما أبو يوسف ومحمد: فمن أصلهما أن العتق لا يتبعض، فإذا عتق بعضه: عتق جميعه، كالطلاق، والعفو من دم العمد، ونظائر ذلك. فإذا عتق جميعه على المعتق: كان الولاء له، وضمن لشريكه إن كان موسرا بالسنة. ولأنه أتلف عليه ملكه. وكان القياس أن يضمنه أيضا في حال الإعسار، وأن لا يستسعى

стр. 3652

العبد، إلا أنهما تركا القياس للأثر، فأوجبوا السعاية، وأبرؤوا المعتق. ويحكى عن عثمان البتي أنه كان يوجب الضمان على المعتق في حال الإعسار واليسار، وهذا قول قد حكمت السنة ببطلانه، واتفق فقهاء الأمصار على خلافه. مسألة: [ما يترتب على عتق أحد الشريكين أم ولد بينهما] قال أبو جعفر: (ولو أن أم ولد بين رجلين، أعتقها أحدهما، وهو موسر أو معسر: لم يضمن شيئا، ولم تسع في شيء لشريكه، في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان موسرا: ضمن، وإن كان معسرا: سعت في نصيب الشريك). وجه قول أبي حنيفة: أن أم الولد لا تضمن باليد، والدليل على ذلك: أنها إذا حصلت بموت المولى في يد نفسها، لم نضمنها للغرماء، ولا للورثة، ولو كانت تضمن باليد، لكان ضمانها لغرماء المولى أولى.

стр. 3653

ولهذا المعنى قال أبو حنيفة: إنها لا تضمن بالغصب؛ لأن ضمان الغصب يتعلق باليد، وكذلك في الشراء، إذا قبضها المشتري فهلكت في يده. وليس يشبه ذلك القتل؛ لأنه قد يضمن بالقتل ما لا يضمن باليد، وهو الحر يضمن بالقتل، ولا يضمن باليد. ومن أجله قال في أم ولد بين رجلين مات أحدهما: أنها لا تسعى في شيء؛ لأنها حصلت في يد نفسها بعتق نصفها، فلا تكون مضمونة على نفسها، لأنها لا تضمن باليد. ووجه آجر: وهو أن أم الولد لم يبق لمولاها في رقبتها مال، وإنما له المنافع، والدليل عليه: أن مولاها لو مات وعليه دين، لم تسع للغرماء في شيء، وعتقت من جميع المال، ولو كانت مالا، أو كان للمولى في رقبتها مال، لثبت في رقبتها حق الغرماء، وحق الورثة، كالمدبر لما كان مالا، وكان للمولى في رقبته مال، لم يستحق رقبته بعد الموت مع الدين، ومع حق الورثة. وإذا ثبت أن الذي للمولى في رقبتها هو المنافع، لم تضمن تلك المنافع بالإتلاف، فمن غصب منافع دار أو عبد: فلا يضمنها. وكذلك المرأة لا تضمن للزوج قيمة بضعها وإن أتلفته عليه. وليس هذا كالقتل؛ لأن القتل فيه إتلاف النفس، وفي العتق إتلاف المنافع، ألا ترى أن رجلا لو قتل امرأة حرة: ضمنها، ولم يضمن ما أتلف من حق الزوج عن بضعها، وليست كالمدبر على العلتين جميعا: أما على العلة الأولى: فإن المدبر يضمن باليد، بدلالة أنه يصير

стр. 3654

مضمونا على نفسه بموت المولى للغرماء وللورثة، إذا لم يكن للمولى مال غيره. وعلى العلة الثانية: أن المدبر مال بهذه الدلالة؛ لأن الغرماء لا يثبت حقهم إلا في مال للمولى، فلما ثبت حقهم ف المدبر بعد الموت، دل على أنه مال، فضمنه الشريك بالعتق كالعبد. وإذا ثبت ما وصفنا، ثم أعتقها أحد الشريكين: عتق نصيبه منها، وحصلت بذلك في يد نفسها، كالعبد المعتق بعضه، يحصل بذلك في يد نفسه، وتكون بمنزلة المكاتب، ولما حصلت في يد نفسها، ولم يجب علها سعاية: عتق جميعها، كالمكاتب إذا أبرئ من الكتابة. ولعل بعض من لا يفقه معنى المسألة، يظن أن أبا حنيفة لم يبعض العتق في هذه المسألة، فيلزمه المناقضة على أصله في تبعيض العتق، وليس الأمر كذلك؛ لأن نصيب الشريك الذي لم يعتق، لم يحصل عتقه بعتق نصيب المعتق، وإنما عتق بعد حصولها في يد نفسها، وسقوط السعاية عنها، فصارت كعبد بين رجلين أعتقه أحدهما، واختار الآخر أن يبرئه من السعاية في نصيبه: فيعتق. فإن قال قائل: لو أسلمت أم ولد النصراني، قضى عليها بالسعاية في قيمتها، وهذا يدل على أنها مال. قيل له: ليس كذلك؛ لأنا إذا أردنا أن نملكها نفسها، لم يجز لنا أن نملكها إياها بغير بدل وإن لم يكن مالا. وليس ذلك كإتلافها بالعتق، ألا ترى أن رجلا لو غصب دارا ليتيم؛ وسكنها: لم يكن عليه أجرة منافعها، ولو أردنا نحن أن نملكه منافعها: لم

стр. 3655

نملكها إياه إلا بدل. *وفي قولهما: قد عتق جميعهما من المولى المعتق، كمدبر بين رجلين، أعتقه أحدهما. مسألة: [تدبير أحد الشريكين نصيب] قال أبو جعفر: (ومن دبر عبدا بينه وبين آخر). قال أحمد: أبو حنيفة يجعل له خمسة ضروب من الخيار: ١ - (إن شاء دبر كما دبر شريكه)؛ ليتساويا فيه، ولأن نصيبه على ملكه، فملك تدبيره، ولا ضرر فيه على شريكه، ثم يكون مدبرا لهما. ٢ - (وإن شاء أعتق)؛ لأن نصيبه باق على ملكه، فإن أعتق: كان لشريكه أن يضمنه؛ لأنه أفسد عليه نصيبه بالعتق، لأنه أخرجه عن يده، وجعله في يد نفسه، فيضمنه، كما لو غصبه، ضمنه. ٣ - (وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، فإذا أدى: عتق، وكان لشريكه أن يستسعي العبد في قيمة نصيبه منه، وليس له في هذا الوجه أن يضمن شريكه قيمة نصيبه من العبد). وإنما كان له أن يستسعي، من قبل أن الذي دبر، قد أفسد عليه نصيبه، فله أن يستوفي بدل نصيبه من السعاية، كما لو أعتق شريكه: كان

стр. 3656

له السعاية، لأجل إفساد شريكه لنصيبه بتدبيره، ومنعه من البيع، والتصرف فيه، فإذا أدى، وعتق: لم يكن للذي دبر تضمينه؛ لأن السعاية موجبة بتدبيره، فلم يجب له ضمان، إذ لا يجوز أن يرجع بضمان ما أوجبه هو له. والدليل عليه: أن عبدا بين رجلين، لو أذن أحدهما لشريكه أن يكاتبه، فكاتبه فأدى المكاتب، فأعتق: أنه لا يكون له تضمين الذي كاتب؛ لأنه كان أذن له فيه، فكذلك ما أوجبه من السعاية بالتدبير، لا يجوز أن يجب له به ضمان. فإن قيل: فقل في العتق مثله، أن التدبير هو الموجب له، فلا يوجب عليه ضمانه إذا أعتق. قيل له: إن العتق معنى لم يختص جوازه بالتدبير الواقع من الآخر؛ لأنه قد كان له أن يعتق قبل التدبير، والسعاية مختصة بالتدبير، موجبة به، ألا ترى أنه لم يكن يملك السعاية قبل التدبير. وأيضا: فإن العتق إتلاف للرقبة، واستهلاك لها، وفيه إبطال حق التدبير، وأما السعاية فليس في وجوبها إتلاف للرقبة، ألا ترى أنه لا يخرج نصيب المدبر عن يده بالسعاية قبل العتق، ويخرج بالعتق عن يده، ويصير في يد نفسه، فلذلك اختلفا. ٤ - (وإن شاء ترك العبد على ما هو عليه، فكان نصيب شريكه منه مدبرا، ونصيبه منه غير مدبر).

стр. 3657

وذلك لأن له أن يبرئ الشريك من الضمان الذي تعلق عليه التدبير، ويترك نصيبه على حاله؛ لأن التدبير لا يوجب للمدبر إخراجه إلى الحرية، فإذا لم يستحق نفسه بذلك، جاز أن يترك نصيبه عبدا غير مدبر، ونصيب الذي دبر مدبرا. فإن قيل: فهلا أجزت بيعه، إذ لم يجب إخراج نصيب الذي دبر إلى الحرية. قيل له: لا يجوز ذلك؛ لأن المعنى لمانع من بيعه إذا أعتق: موجود فيه، وهو أن العتق يمنع البيع في النصف المعتق، ولم يجز من أجله بيع النصف الآخر، وهذا المعنى بعينه موجود في تدبير النصف، إذ هو مانع من بيعه، لأجل ما استحق من حق الغير، فوجب أن يستوي حكم النصفين جميعا. فإن قيل: فلو شهد أحدهما بالعتق على صاحبه، وجبت السعاية على العبد في جميع قيمته، ولم يجز تبقية نصيب الشريك الذي لم يشهد على ملكه وإن لم يقر فيه بعتق، ولم يقر المقر أيضا في نصيب نفسه بالعتق، فهلا أوجبت لنصيب الذي لم يدبر السعاية، وإخراجه بها إلى الحرية. قيل له: لو دبراه جميعا لم تجب السعاية، فكيف يجوز إيجابها بتدبير أحدهما، مع بقاء نصيب الآخر عبدا غير مدبر؟ وأما الفصل بينه، وبين ما سألت عنه: فهو أن الشاهد على صاحبه معترف بوجوب إخراج نصيبه إلى الحرية، فلزم ذلك في نصيبه، فلما لزم ذلك في نصيبه، لزم في نصيب صاحبه، والمدبر لم يوجب إخراج نصيبه

стр. 3658

إلى الحرية بالتدبير، فلذلك اختلفا. ٥ - قال أحمد: ولم يذكر أبو جعفر الوجه الخامس: وهو: تضمين المدبر. وإنما كان له تضمينه؛ لأنه قد أفسد عليه نصيبه، ومنعه التصرف والبيع، كما كان له التضمين إذا أعتق. * (وقال أبو يوسف ومحمد: قد صار العبد كله مدبرا بتدبير أحدهما، وعلى الذي دبر لشريكه ضمان قيمة نصيبه، بالغا ما بلغ، موسرا كان أو معسرا). وذلك لأن من أصلهما: أن التدبير لا يتبعض كالعتق، فصار جميعه مدبرا له، وانتقل إليه نصيب شريكه، فلحقه الضمان في حال الإعسار واليسار؛ لأنه في ملكه، لم يحصل في يد نفسه. وليس هذا كالعتق؛ لأن العبد يحصل به في يد نفسه، فلذلك اختلف فيه حكم الإعسار واليسار. مسألة: [تعليق الشركاء الحرية بموتهم] قال أبو جعفر: (وإذا كان العبد بين رجلين، فقالا له: إذا متنا فأنت حر: لم يكن بذلك مدبرا، وكان لهما أن يبيعاه). وذلك لأن التدبير الذي يمنع البيع هو الذي يستحق به العتق بموت المولى على الإطلاق، على ما بيناه، وهذه المسألة لم يستحق فيها نصيب كل واحد منهما العتق بموت مولاه على الإطلاق؛ لأنه جعل موتهما

стр. 3659

جميعا شرطا في عتق نصيبه، فلا يمنع بيعه، كما لو قال: إن قدم زيد، ومت، فأنت حر: لم يكن مدبرا؛ لأن هناك شرطا آخر غير الموت في استحقاق العتق. *قال: (فإن مات أحدهما: صار مدبرا من قبل الباقي، كعبد بين رجلين، دبره أحدهما). وذلك لأنه لم يبق في استحقاق الحرية إلا موته، فلما صار عتق نصيبه مستحقا بموته: صار مدبرا، ألا ترى أنه لو قال: إن قدم فلان، ومت، فأنت حر: أنه غير مدبر؛ فإن قدم فلان صار مدبرا؛ لأنه لم يبق في شرط استحقاق العتق غير موته. *قال أبو جعفر: (ولو كان كل واحد من الموليين قال له: إذا مت، فأنت حر، وقالا ذلك معا: فقد صار مدبرا لهما، لا يجوز بيعه). لأن كل واحد منهما علق عتق نصيبه بموته خاصة. مسألة: [ادعاء أحد الشريكين في مدبرة ولدها] قال أبو جعفر: (وإذا كانت المدبرة بين رجلين، فجاءت بولد، فادعاه أحدهما: كان ابنه، وكان عليه لشريكه نصف قيمته منه مدبرا، ونصيب المدعي أم ولد، ونصيب الآخر مدبرة، والقياس عندهم أن لا يصدق على الدعوة، وهو قول زفر).

стр. 3660

وإنما صدق على الدعوة؛ لأنه مالك لنصفها، والدعوة متى صادفت الملك: نفذت، كالجارية بين رجلين إذا ادعى أحدهما ولدها. والقياس أن لا يصدق؛ لأن الشريك قد تعلق له حق الولاء في الولد، والولاء معنى لا يلحقه الفسخ، فلو صدقناه، كان الولاء ثابتا منهما مع التدبير، فلم يكن الولد حر الأصل، وحكم الولد المولود على ملكه، أن يكون حر الأصل، فلما لم يكن هاهنا حر الأصل، صار في معنى المعتق من قبلهما في باب ثبوت ولائه منهما، وذلك يمنع صحة الدعوة. وأيضا: فإن إثبات النسب لا يوجب نقل نصيب شريكه إليه، لثبوت نصف ولائه منه، فكان القياس أن لا يثبت النسب، إلا أنه استحسن في إثبات نسبه من المدعي، وجعله ابنه بالقيمة، وهو مولى لهما جميعا. ووجه ما قدمنا من أن دعوته لما صادفت ملكا، وجب أن يثبت في نصيبه، ولما ثبت في نصيبه، استحال أن لا يثبت في نصيب شريكه، وليس في ثبوت ولائه من غيره، ما يمنع ثبوت نسبه، إذ قد يجتمع مع ثبوت الولاء من غيره، ثبوت النسب منه. *ويضمن نصف قيمته؛ لأنه صار مستهلكا له بالدعوة، وليس هو في هذا الوجه بمنزلته لو ادعى ولدها، وهي غير مدبرة: فلا يضمن من قيمة الولد شيئا؛ لأنه في هذه المسألة يضمن نصف قيمتها بالعلوق، وينتقل ملكها إليه يوم العلوق، فيدخل ضمان الولد في ضمان الأم، لأن الولد يومئذ كان جزءا من أجزائها، لا قيمة له في نفسه. وأما في مسألة المدبرة، فإن نصيب شريكه من الأم لا ينتقل إليه، وقد

стр. 3661

صار مستهلكا للولد بالدعوة، ونصفه له ثابت الولاء منه، فيضمنه. *ويكون ولاء الولد بينهما؛ لأن ذلك قد ثبت منهما بالتدبير الذي لا يلحقه الفسخ، فلا ينفسخ بالدعوة. مسألة: [العتق في المجهول] قال أبو جعفر: (ومن قال لعبديه: أحدكما حر، لا ينوي واحدا منهما بعينه: عتق أحدهما، والخيار إليه في تعيين العتق في أحدهما). قال أحمد: الدليل على جواز العتق في المجهول: قول النبي ﵊: "لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم". رواه بهذا اللفظ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﵊. فأثبت العتق فيما يملكه، ولم يفرق بين المجهول والمعلوم، فهو عليهما. وأيضا: لو أعتق الرجل عبيدا له، لا يعرفهم بأعيانهم، ولا مبلغ عددهم: نفذ عتقه ولم يمنعه كونهم مجهولين عنده من نفاذ عتقه، فدل على صحة وقوعه في مجهول. وأيضا: قد يصح ثبوت رقبة مجهولة في ذمته بالظهار، وكفارة اليمين، والقتل، ثم يلزمه التعيين، كذلك يصح إيجابه في مجهول من جماعة عبيد، ثم يلزمه البيان.

стр. 3662

وأيضا: يصح البيع في قفيز من صبرة غير معلومة، ويكون الخيار إلى البائع في تعيينه، كذلك العتق، إذ كانت الجهالة في العتق أجوز منها في البيع، فما جاز في البيع من الجهالة، فهو في العتق أجوز، فيعتق أحدهما يغير عينه، ويلزمه البيان والتعيين، كما يلزمه تعيين القفيز إذا باعه من جملة الصبرة. وأيضا: فلما كان العتق يتعلق على الأخطار والشروط، وجب أن يصح في مجهول؛ لأن جهالته ليست بأكثر من تعليقه على الخطر، وقد بينا هذه المسألة بأكثر من هذا في "شرح الجامع". *قال: (فإذا أوقع المولى ذلك العتق على أحدهما بعينه: كان حرا، وبقي الآخر عبدا له على حاله). وذلك كما قلنا في بيع القفيز من الصبرة، إذا عينه في قفيز: سلمه إليه، وكان كأنه هو المبيع بعينه. *قال: (فإن باع أحدهما، أو وهبه، أو دبره، أو كاتبه: عتق الآخر). وذلك لأن إليه البيان، وبيعه لأحدهما بيان للعتق في الباقي؛ لأنه قد فعل ما لا يصح معه تعيين الحرية الموقعة فيه، ألا ترى أن من اشترى عبدا على أنه بالخيار ثلاثا، ثم باعه: كان بيعه إبطالا للخيار؛ لأنه قد فعل ما لا يصح بقاء الخيار معه. وأيضا: فهو بمنزلة بائع القفيز من الصبرة، إذا باع الصبرة إلا مقدار قفيز منها: فيتعين البيع في الباقي، والكتابة بهذه المنزلة، لأنه لا يصح كتابته مع استحقاق للحرية، وفي صحة الكتابة نفي للحرية الموقعة،

стр. 3663

وكذلك التدبير؛ لأن الحر لا يصح تدبيره. *قال: (وكذلك لو مات أحدهما: عتق الآخر). كما أن الصبرة لو هلكت إلا مقدار قفيز: تعين البيع في الباقي. وأيضا: لم يبق من يستحق الحرية غيره؛ لأن الميت لا يصح عتقه، فتعين العتق في الباقي، إذ ليس هناك مستحق له غيره. مسألة: [موت المولى قبل أن يعين واحدا ممن أبهم عتقهم] قال: (فلو مات المولى، ولم يمت واحد من العبدين: عتق من كل واحد منهما نصفه، وسعى في تصف قيمته). وذلك لأن كل واحد منهما مستحق للحرية في حال، غير مستحق لها في أخرى، فانقسمت الحرية عليهما، على ما بينا في اعتبار الأحوال، وقد تقدم ذكر الحجاج له. *قال: (ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته)؛ لأنه إنما استحق حرية نصفه، ويكون كالمكاتب ما دام يسعى (في قول أبي حنيفة). لأن من أصله: جواز اجتماع الرق والحرية في شخص واحد، وما دام عليه سعاية، فهو كالمكاتب؛ لأن سعايته إنما هي للخلاص من الرق. وفي قولهما: هو بمنزلة حر عليه دين؛ لأن من أصلهما: امتناع جواز اجتماع الرق والحرية في شخص واحد، وكل من وجبت عليه سعاية للخلاص من الرق، فحكمه ما وصفنا في قول أبي حنيفة قياسا على المكاتب. وقال أبو حنيفة في العبد الرهن إذا أعتقه الراهن وهو معسر: أنه يسعى في قيمته إذا كان مثل الدين، ويكون بمنزلة الحر في سائر أحكامه.

стр. 3664

وكذلك إذا أعتقت امرأة عبدا على أن يتزوجها، أو أعتق رجل أمته على أن تتزوجه، فأبيا التزويج بعد العتق: أن كل واحد منهما يسعى في قيمته. وهو بمنزلة الحر في حال السعاية؛ لأن سعاية هؤلاء ليست للخلاص من الرق، أما الرهن فإنما يقضي دينا على غيره بمنزلة الكفيل، وقد صح له العتق، وأما المعتق على شرط التزويج، فقد صح له العتق، وإنما سعى لترك الوفاء بما شرط عليه من المنفعة، وهي التزويج. وليس كذلك المعتق في المرض، والمعتق بعضه، والمدبر إذا لم يخرج من الثلث؛ لأن كل هؤلاء يسعون، لأن العتق لم يحصل لهم بما استحقوه من بعضه، فبقي بعض الرقبة على حكم الرق، فلذلك كان سعيه بمنزلة الكتابة. مسألة: [عتق المدبر يكون من الثلث] قال أبو جعفر: (وعتق المدبر من الثلث). قال أحمد: وقد بينا ذلك فيما سلف، وأنه وصية فإن مات ولا مال له غيره: سعى في ثلثي قيمته؛ لأن ثلثه قد حصل له بالوصية، ولابد من إخراج الثلثين إلى الحرية، لما بينا. *قال أبو جعفر: (إلا أن يجيز ذلك الورثة بعد موت المولى). وذلك لأن الوصية بجميع المال موقوفة على إجازة الورثة؛ لأن الميت

стр. 3665

لا يملك أكثر من الثلث بعد الموت. *قال: (فإن أجاز الورثة: برئ من السعاية، وكان الولاء كله لمولاه). وذلك لأنهم لم يملكوا رقبته بعد الموت؛ لأنه لا يجوز انتقال الملك في عبد قد عتق بعضه، وإنما ملكوا السعاية كما يملكون مال الكتابة بموت المولى دون رقبة المكاتب، فإذا أبرؤوه من السعاية: عتق، وكان الولاء للمولى. مسألة: [موت السيد عن دين أكثر من قيمة عبده المدبر] قال: (وإن مات مولاه، وعليه دين أكثر من قيمته: سعى في قيمته، ويقضي بها دين مولاه، فيعتق). وذلك لأن الدين مقدم على الوصية، فلا يجوز أن يسلم له شيء من رقبته بالوصية مع وجود الدين، فيغرم قيمة نفسه، لأن الرقبة مال للمولى، سبيلها أن يستحقها الغرماء، فلما حصلت له بالعتق: غرمها، كما لو وهب عبده في مرضه، وعليه دين، فاستهلكه الموهوب له: غرم قيمته للغرماء. مسألة: [ما يلزم قاتل عبدين أبهم المولى العتق في أحدهما] قال أبو جعفر: (ومن قال لعبديه: أحدكما حر، ثم قتلهما رجل واحد بضربة واحدة: كان عليه دية، ونصف قيمة كل واحد منهما، فيكون ما

стр. 3666

يغرمه من دية كل واحد منهما لورثته، وما يغرمه من قيمة كل واحد منهما لمولاه). وذلك لأن القتل يوجب تحصيل العتق في أحدهما لا محالة، ألا ترى أنه لو قتل أحدهما: حصل العتق في الباقي، وإذا كان كذلك، فقد قتل عبدا وحرا، فيلزمه قيمة ودية، ثم لم نعلم الواجب عنه الدية بعينه، فقسمناها بين ورثتهما؛ لأن المولى لا يجوز أن يستحق الدية إذا كان لهما وارث غيره. وأما القيمة، فإنما تجب عن العبد، فيستحقه المولى، وقسمة الدية بين ورثتهما، على ما ذكرنا من الأصل في اعتبار الأحوال. مسألة: قال: (ولو لم يقتلهما رجل واحد، ولكن قتل كل واحد منهما رجل على حدة، إلا أن ذلك كان من القاتلين معا: كان على كل واحد منهما قيمة الذي قتله، لا شيء عليه غير ذلك). وذلك لأن أحدهما قد حصلت فيه الحرية لا محالة، ولا نعلم قاتل الحر من قاتل العبد، فقد تيقنا لزوم كل واحد منهما القيمة، وشككنا في الفضل، فلم نلزمه إياه. ألا ترى أنا لو علمنا أن أحد رجلين عليه ألف درهم لزيد، ولم نعرفه بعينه: لم نلزمه إياه. ولو قالا: لك على أحدنا ألف درهم: لم نلزم واحدا منهما بهذا القول شيئا. وكذلك لو علمنا أن أحد رجلين أعتق عبده، أو طلق امرأته، ولم نعرفه بعينه: لم نلزم واحدا منهما ذلك؛ لأنا لا ندري من الخصم منهما،

стр. 3667

ولا يجوز أن نلزم الحق من ليس بخصم، ألا ترى أنه لو جاء القاضي فقال له: لي على أحد هذين ألف درهم: لم يسمع القاضي دعواه، ولا خصومته. وليس ذلك مثل أن يموت المولى، وقد أعتق أحد عبديه، فيعتق من كل واحد نصفه، على اعتبار الأحوال؛ لأن الذي لزمه ذلك معلوم، وهو المولى، ألا ترى أنهما لو رفعاه إلى الحاكم، وادعيا ذلك العتق: قبل القاضي خصومتهما فيه، وأجبره على البيان، فلذلك صح اعتبار الأحوال فيه. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو قطع قاطع أيديهما: كان عليه نصف قيمة كل واحد منهما لمولاهما، أوقع المولى بعد ذلك العتق على أحدهما، أو لم يوقعه حتى مات). وذلك لأن قطع اليد لا يوجب تحصيل العتق في أحدهما، ألا ترى أن رجلا لو قطع يد أحدهما: لم يتعين العتق في الباقي، ويكون الأرش كله للمولى؛ لأن يدا بائنة لا يجوز أن يلحقها عتاق بحال، فلذلك كان الأرش للمولى، ولم يستحقه أحد العبدين. مسألة: قال: (ولو كان مكان العبدين أمتان، فجاءت كل واحدة منهما بولد، ثم أوقع المولى العتق على إحداهما: عتقت، وعتق ولدها معها). وذلك لأنه لما عين العتق فيها: صارت حرة بالقول المتقدم، والولد مما يجوز أن يلحقه عتق بذلك القول، فيعتق، وليس الولد كاليد، لأن اليد البائنة لا يلحقها حكم الحرية بحال، ونحن فإنما نحكم الآن لها بالحرية بالقول المتقدم، ولا نقول: إنها عتقت الساعة مطلقا، ولا أنها

стр. 3668

عتقت وقت القول، إلا على الوصف الذي قلنا. ويدل على الفصل بينهما: أن حق العتاق يسري في الولد، بدلالة أن أم الولد يسري حق الاستيلاد في ولدها، ولا يسري في الأرش لو قطعت يدها، فكذلك ما وصفناه. مسألة: [لو جامع المولى إحدى الجاريتين اللتين أبهم العتق فيهما] قال أبو جعفر: (ومن قال لأمتيه: إحداكما حرة، ثم جامع إحداهما: لم يكن بذلك مختارا لها في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: هو مختار لهما). وجه قول أبي حنيفة: أن حق العتق لا يمنع الجماع، بدلالة أن الاستيلاد والتدبير يثبت بهما حق العتق، ولا يمنعان الوطء. وأيضا: فليس ملك اليمين مختصا بإباحة الوطء، فيستدل بالوطء على تبقيته، ألا ترى أنه قد يصح ملك اليمين على من لا يحل وطؤها. وليس ذلك كقوله لامرأتين له: إحداكما طالق ثلاثا، ثم يجامع إحداهما، فيحصل الطلاق في الأخرى، من قبل أن الزوجية مختصة بإباحة الوطء، فيدل استباحته لوطئها على تبقية الزوجية. وأيضا: فإن الزوجية لا توجب له شيئا غير استباحة الوطء، فالوطء يدل عل تبقيتها على النكاح، وأما ملك اليمين، ففيه معنى غير الوطء، وهو ملك الرق، فلا يدل الوطء على تبقية الملك، لأن الرق باق في كل

стр. 3669

واحد منهما في الحكم، ألا ترى أن رجلا لو قطع أيديهما جميعا، كان الأرش للمولى دونهما. وليس كذلك الطلاق؛ لأنه لو طلق إحداهما، ولم يدخل بهما: كان له أن يتزوج ثلاثا سواهما، فملك الزوجية زائل عن إحداهما لا محالة، فلذلك كان وطؤه دلالة على أنها هي المبقاة على الزوجية. وأيضا: فلو وطئت إحداهما بشبهة، فأخذ المولى العقر: لم يكن في حصول العقر- الذي هو بدل الوطء- له دلالة على تعيين الحرية في الأخرى، فكذلك ينبغي أن يكون حكمه في الوطء. وهذا يدل على صحة ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: أن حكم الوطء ينبغي أن يكون حكم بدله؛ لأن حكم البدل حكم المبدل عنه. والوجه الثاني: أنه يدل عل أن الوطء في ملكه، لولا ذلك لم يستحق بدله، وإذا كان في ملكه لم يكن مختارا بتناول ما يملكه، وأما في الطلاق، فليس وطء إحداهما في ملكه، بدلالة ما ذكرنا: أن له أن يتزوج ثلاثا سواهما إن لم يكن دخل بهما، ومعلوم أنه لا يصح له حصول الملك في وطء خمس نسوة. وليس الوطء في هذا الموضع، بمنزلة وطء الأمة المشتراة على أنه بالخيار ثلاثا: في كونه مختارا للشراء، مبطلا للخيار، من قبل أن عقد الشراء لم يوجب له ملك الوطء؛ لأنها موقوفة لم تدخل في ملكه على مذهب أبي حنيفة، ففي استباحة وطئها: دليل على أنه مختار لأن يصير الوطء في ملكه بملك الأصل، فلذلك صار مختارا، وهو سديد على أصله.

стр. 3670

وأما إذا كان الخيار للبائع، فوطئها: وطأه إياها صار فسخا للبيع؛ لأن ثبوت حق الغير في رقبتها، يمنع وطأها، مثل الرهن، والإجازة، وثبوت حق العتق يحظر الوطء، كالمدبرة، وأم الولد، فكان في استباحة الوطء إبطال لما تعلق بها للمشتري من الحق. وأما البيع والكتابة والتدبير، فإنها معان تتعلق بها حقوق، ولابد من إثباتها، وفي إثباتها نفي للعتق الموقع عنها. وأما الوطء، فلا يتعلق به لها حق، كما لا يثبت لها حق في العقد إذا وطئها غيره بشبهة، مع ثبوت حق الحرية الواقعة في غير عين. *وجعل أبو يوسف ومحمد وطأه لإحداهما: اختيارا لتعيين العتق في الأخرى، كالبيع والكتابة ونحوهما، وكوطء إحدى المرأتين بعد طلاق إحداهما؛ لأنه قد فعل ما لا يصح به بقاء الحرية معه. مسألة: [وطء المولى إحدى الجاريتين المبهم فيهما التدبير] قال أبو جعفر: (ومن قال لأمتيه: إحداكما مدبرة، ثم جامع إحداهما: كان خياره باقيا في التدبير في قولهم جميعا). قال أحمد: وذلك لأن التدبير لو حصل في عين: لم يمنع وطأها، فلا يكون في وطئه إحداهما دلالة على صرفه التدبير عنها إلى غيرها.

стр. 3671

مسألة: [تعليق عتق الجارية بنوع المولود] قال أبو جعفر: (وإذا قال لأمته: إن كان أول ولد تلدينه غلاما، فأنت حرة، فولدت غلاما وجارية، وتصادقوا على أنهم لا يدرون أيهما أول فإنه يعتق نصف الأم، ونصف البنت، وتسعى كل واحدة منهما في نصف قيمتها، والغلام عبد على كل حال). وذلك لأن شرط حريتها: ولادة الغلام أولا، ثم لا يخلو من ّأن يكون أولا أو آخرا، فإن كان أولا: فقد عتقت الأم وما في بطنها، وهي البنت، فهما حرتان في هذه، والغلام عبد. وإن كانت البنت أولا: لم يعتق واحد منهما؛ لعدم شرط الحرية. فالغلام عبد في الأحوال كلها، والأم والبنت تعتقان جميعا في حال، ولا تعتقان في أخرى، فيعتق كل واحدة نصفها، وتسعى في نصف قيمتها. *قال أبو جعفر: (وإن قال مولى لجارية: ولدت الجارية أولا: فالقول قوله مع يمينه). لأنه زعم أن شرط اليمين لم يوجد: فالقول قوله؛ لأن الأصل أن ملكه باق في الجميع، حتى تثبت الحرية، ويحلف المولى في ذلك على علمه، لأنها يمين على غير فعله، فإن نكل عن اليمين: عتقت الأم والبنت، كأنه أقر بذلك. *قال أبو جعفر: (وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقول محمد الأول، ثم قال محمد بعد ذلك: إذا تصادقوا على أنهم لا يعلمون أي الولدين أول: لم يعتق من الجارية، ولا من ولدها شيء؛ لأنا لم نتيقن

стр. 3672

حصول العتق، فتستعمل فيه الأحوال)، ولا يجوز إيقاع العتق بالشك. مسألة: [شهادة الشاهدين بالعتق وإنكار العبد والمولى ذلك] قال أبو جعفر: (ومن شهد عليه شاهدان أنه أعتق عبده، والعبد منكر، والمولى منكر، لم تقبل شهادتهما في ذلك في قول أبي حنيفة، وقبلت في قول أبي يوسف ومحمد، وفي الأمة تقبل في قولهم جميعا). وجه قول أبي حنيفة في العبد: أن الذي يستحقه المولى من عبده في الحال هو الاستخدام، والتصرف في منافعه، وليس الشهود خصماء في المنع من ذلك، فلا يكونون خصماء في العتق، وصاروا فيه بمنزلة شهود الهبة والبيع ونحوه، والمشتري والواهب جاحدان، فلا يلتفت إلى شهادتهم. فإن قيل: المنع من استخدامه والتصرف فيه على وجه الاسترقاق حق لله تعالى، فواجب أن يكون الشهود خصماء فيه. قيل له: ليس كل ما كان حقا لله، فالشهود خصماء في إثباته، ألا ترى أن المنع من استلحقاق نسب لا حقيقة له حق لله تعالى، وكذلك المنع من دعوى ولائه لا حقيقة له، لقول النبي ﵊: "من ادعى إلى غير أبيه، وانتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

стр. 3673

فجعل ذلك حقا لله، لا يجوز بذله، والتراضي عليه، ومع ذلك لا يكون الشهود خصماء في نفيه أو إثباته، إذا لم يكن هناك خصم آدمي يدعيه، فكذلك استرقاق العبد. وأما الأمة، فإنما كان الشهود خصماء في إثبات عتقها، من قبل أنهم خصماء في المنع من وطئها بعد العتق؛ لأنه يكون واقعا على وجه الزنى، والشهود خصم في المنع منه، ألا ترى أنهم خصم في إثبات الحد، وفي الحد ردع عن الزنى، ومنع منه. فلما كان هناك معنى يكون الشهود خصماء فيه في الحال، قبلت شهادتهم. *وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن المنع من استرقاق الحر حق لله تعالى، فيكون الشهود خصماء فيه. مسألة: [عتق أمهات الأولاد يكون من جميع المال] قال أبو جعفر: (وأمهات الأولاد يعتقن من جميع المال، ولا يبعن). قال أحمد: الدليل على ذلك: ما روى الثوري عن الإفريقي عن مسلم بن يسار عن سعيد بن المسيب قال عمر: "أمهات الأولاد لا يبعن في الدين، ولا يجعلن من الثلث، قضى بذلك النبي عليه الصلاة

стр. 3674

والسلام". فإن قيل: روي عن عبيدة السلماني عن علي ﵁ أنه قال: "أجمع رأيي ورأي عمر في جماعة من المسلمين على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت أن أرقهن". فأخبر أن عمر أعتقهن بالرأي، ولو كان عنده نص عن النبي ﵊، لأخبره به، ولما أفتقر معه إلى الرأي. قيل له: ليس يمتنع أن يكون استشار فيهن الصحابة، فأجمعوا عليه، ثم وقف على نص النبي ﵊ فيهن، فأخبر به ليصح الخبران جميعا. ويدل عليه: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو الحصين محمد بن الحسين بن حبيب قال: حدثنا يونس بن عبد الرحيم قال: حدثنا رشدين بن سعد قال: حدثنا طلحة بن أبي سعيد وابن لهيعة عن عبيد الله بن ّأبي جعفر عن يعقوب بن الأشج عن بسر بن سعيد عن خوات بن جبير "أن النبي ﵊ أمر أن لا تباع أم الولد، وأعتقها".

стр. 3675

وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني قال: حدثنا شريك عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما أمة ولدت من سيدها، فهي حرة بعد موته". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا محمد بن الحصيب عن ابن لهيعة عن ابن عجلان عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما ولدت أم إبراهيم قال النبي ﵊: "أعتقها ولدها". وأيضا: قول علي ﵁: "أجمع رأيي ورأي عمر في جماعة من المسلمين على عتق أمهات الأولاد"، فأخبر بإجماع الصحابة عليه، ومثلهم لا يجوز عندنا إجماعهم على خطأ في حال. فإن قيل: فقد روي عن علي ﵁ أنه قال: "ثم رأيت أن أرقهن". قيل له: ليس في قوله: "رأيت أن أرقهن": دلالة على أنه رأى بيعهم؛ لأنه ليس كل رقيق يجوز بيعه، ألا ترى أن العبد الرهن، والإجارة، لا

стр. 3676

يجوز بيعه وهو رقيق. فإن قيل: فما وجه قوله:"رأيت أن أرقهن"؟ قيل له: لئلا يشتبه على السامع، فيظن إنما رأى عتقهن بعد الموت، أزال بذلك عنهن أحكام الرقيق في حال الحياة، من الوطء والاستخدام ونحوهما. فإن قيل: روي عن عبيدة أنه قال: فقلت لعلي: رأيك مع عمر في الجماعة، أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. قيل له: هذا اللفظ لا يصح؛ لأن عليا ﵁ كان أعظم في صدورهم، وأجل مرتبة عندهم من أن يقابله بمثل هذا الكلام، ثم ينسبه إلى الفرقة، وعسى أن يكون عبيدة إن قاله، فإنما قاله في نفسه حين ظن أن عليا رأى بيعهن، وقد بينا أنه لا دلالة في اللفظ على أنه رأى بيعهن. فإن قيل: فقد روي عنه أنه قال: ثم رأيت أن أبيعهن. قيل له: الصحيح هو الأول، وهذا تأويل الراوي لما كان عنده، أنه أراد بقوله: رأيت أن أرقهن: بيعهن. فإن قيل: كيف تدعي فيه إجماع الصدر الأول، مع قول عمر في أم الولد: "إذا أسلمت، وأحصنت: عتقت وإن كفرت وفجرت وغدرت رقت".

стр. 3677

وقول ابن مسعود:"إن أم الولد تعتق من نصيب ولدها". وما روي عن ابن الزبير: أنه كان يبيع أمهات الأولاد. وقال جابر: "كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ ". قيل له: أما قول عمر، فمعناه، إذا ارتدت، ولحقت بدار الحرب بعد الحرية: استرقت. وأما قول ابن مسعود فمعناه: أنها تعتق لأجل ولدها. وأما ابن الزبير فجائز أن يكون مراده: فيمن يكون استيلادها في ملك الغير، ثم ملكت. وأما قول جابر: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ : فلا حجة فيه للمخالف، من قبل أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا وكذا على عهد رسول الله: لا تثبت به حجة؛ لأنهم قد يفعلون في عهد النبي ﵊ ما لا يعلم ﵊، وإنما تثبت حجته لو قال: فعلناه بحضرة النبي ﵊، فلم ينكره.

стр. 3678

ألا ترى "أن أبي بن كعب لما قال لعمر: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، فلا نغتسل حتى ننزل، يعني: في الماء من الماء. فقال عمر: فأخبرتم بذلك رسول الله، فرضيه من الحكم؟ قال: لا". فأخبره أن ما يفعل في عهد النبي ﵊ لا حجة فيه حتى يعلم به النبي ﷺ ، فيقر فاعله عليه. *ويدل على حظر بيع أم الولد: حديث أبي سعيد الخدري "أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله! إنا نصيب سبايا، فنحب الأثمان، فكيف ترى في العزل؟ فقال النبي ﵊: لا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم، فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي خارجة". فلو جاز بيعهن بعد الاستيلاد، لقال: وما يمنعك استيلادها من ثمنها، فإن شئت فاعزل أو لا، فإن ثمنها قائم في الحالين، فدل ذلك على حظر

стр. 3679

بيعهن مع الاستيلاد، وقد دللنا هذه المسألة بأكثر من هذا في "شرح الجامع". مسألة: [ما تكون به الأمة أم الولد] قال أبو جعفر: (ولا تكون الجارية بما ولدت من مولاها أم ولد حتى تلد ما يستبين خلقه، أو بعض خلقه). وذلك أنه إذا لم يستبن خلقه، فجائز أن يكون دما مجتمعا، أو داء، فلا نجعلها أم ولد به، فإذا استبان شيء من خلقه، علمنا أنه كان ولدا. مسألة: قال أبو جعفر: (ومن تزوج مملوكة، فأولدها، ثم ملكها: صارت أم ولد، لا يجوز بيعها). وذلك لأن ما يستحق بالاستيلاد من العتق ليس بموقع، وإنما هو حرية متعلقة بثبوت النسب، تثبت بثبوته، فهي كحرمة النسب، لتعلقها به، وحصولها من غير إيقاع، فوجب أن لا يختلف حكمه في وجوده في ملكه، أو في غير ملكه، ثم حصل له ملكه، كما لم يختلف حكم النسب فيما يتعلق به من العتق، بأن تكون الولادة في ملكه، أو قبله، ثم ملكه.

стр. 3680

مسألة: [ثبوت نسب ولد أم الولد من مولاها] قال أبو جعفر: (وإذا جاءت أم الولد بولد: كان ابنا لمولاها، ما لم ينفه). قال أحمد: الفراش عندنا على ثلاثة أوجه: ١. فراش النكاح: ولا ينتفي ولده إلا باللعان. ٢. وفراش أم الولد: ونسبه ثابت ما لم يحرم الوطء، إلا أن ينفيه، فإن نفاه المولى انتفى بقوله. ٣. وفراش الأمة: ولا يلحق نسب ولدها إلا بالدعوة، سواء وطئها أو لم يطأها، وهو قول ابن عباس، وزيد بن ثابت في فراش الأمة. والدليل على أن ولد الأمة لا يلزمه إلا بالدعوة وإن وطئها: اتفاق الجميع على أن لا عدة عليها بزوال الفراش بالعتق والبيع، وموت المولى، ولا نجد في الأصول فراش ملك يلزم به النسب إلا وهو يوجب العدة، كفراش أم الولد لما كان يلزمه به النسب من غير دعوة، وجبت العدة عند زواله بالعتق، وموت المولى. وأيضا: فالفراش الصحيح الذي يستباح به الوطء، إنما يتعلق حكم ثبوت النسب فيه بوجود الفراش دون الوطء، مثل فراش النكاح، لما كان فراشا صحيحا، تعلق ثبوت النسب به، دون وجود الوطء. فلما كان وجود الملك مع استباحة الوطء، لم يلزمه نسب ولدها إلا
следующие страницы →