Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
يجوز بيعه وهو رقيق.
فإن قيل: فما وجه قوله:"رأيت أن أرقهن"؟
قيل له: لئلا يشتبه على السامع، فيظن إنما رأى عتقهن بعد الموت، أزال بذلك عنهن أحكام الرقيق في حال الحياة، من الوطء والاستخدام ونحوهما.
فإن قيل: روي عن عبيدة أنه قال: فقلت لعلي: رأيك مع عمر في الجماعة، أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة.
قيل له: هذا اللفظ لا يصح؛ لأن عليا ﵁ كان أعظم في صدورهم، وأجل مرتبة عندهم من أن يقابله بمثل هذا الكلام، ثم ينسبه إلى الفرقة، وعسى أن يكون عبيدة إن قاله، فإنما قاله في نفسه حين ظن أن عليا رأى بيعهن، وقد بينا أنه لا دلالة في اللفظ على أنه رأى بيعهن.
فإن قيل: فقد روي عنه أنه قال: ثم رأيت أن أبيعهن.
قيل له: الصحيح هو الأول، وهذا تأويل الراوي لما كان عنده، أنه أراد بقوله: رأيت أن أرقهن: بيعهن. فإن قيل: كيف تدعي فيه إجماع الصدر الأول، مع قول عمر في أم الولد: "إذا أسلمت، وأحصنت: عتقت وإن كفرت وفجرت وغدرت رقت".
стр. 3677
وقول ابن مسعود:"إن أم الولد تعتق من نصيب ولدها".
وما روي عن ابن الزبير: أنه كان يبيع أمهات الأولاد.
وقال جابر: "كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ ".
قيل له: أما قول عمر، فمعناه، إذا ارتدت، ولحقت بدار الحرب بعد الحرية: استرقت.
وأما قول ابن مسعود فمعناه: أنها تعتق لأجل ولدها.
وأما ابن الزبير فجائز أن يكون مراده: فيمن يكون استيلادها في ملك الغير، ثم ملكت.
وأما قول جابر: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ : فلا حجة فيه للمخالف، من قبل أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا وكذا على عهد رسول الله: لا تثبت به حجة؛ لأنهم قد يفعلون في عهد النبي ﵊ ما لا يعلم ﵊، وإنما تثبت حجته لو قال: فعلناه بحضرة النبي ﵊، فلم ينكره.
стр. 3678
ألا ترى "أن أبي بن كعب لما قال لعمر: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، فلا نغتسل حتى ننزل، يعني: في الماء من الماء.
فقال عمر: فأخبرتم بذلك رسول الله، فرضيه من الحكم؟ قال: لا".
فأخبره أن ما يفعل في عهد النبي ﵊ لا حجة فيه حتى يعلم به النبي ﷺ ، فيقر فاعله عليه.
*ويدل على حظر بيع أم الولد: حديث أبي سعيد الخدري "أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله! إنا نصيب سبايا، فنحب الأثمان، فكيف ترى في العزل؟
فقال النبي ﵊: لا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم، فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي خارجة".
فلو جاز بيعهن بعد الاستيلاد، لقال: وما يمنعك استيلادها من ثمنها، فإن شئت فاعزل أو لا، فإن ثمنها قائم في الحالين، فدل ذلك على حظر
стр. 3679
بيعهن مع الاستيلاد، وقد دللنا هذه المسألة بأكثر من هذا في "شرح الجامع".
مسألة: [ما تكون به الأمة أم الولد]
قال أبو جعفر: (ولا تكون الجارية بما ولدت من مولاها أم ولد حتى تلد ما يستبين خلقه، أو بعض خلقه).
وذلك أنه إذا لم يستبن خلقه، فجائز أن يكون دما مجتمعا، أو داء، فلا نجعلها أم ولد به، فإذا استبان شيء من خلقه، علمنا أنه كان ولدا.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ومن تزوج مملوكة، فأولدها، ثم ملكها: صارت أم ولد، لا يجوز بيعها).
وذلك لأن ما يستحق بالاستيلاد من العتق ليس بموقع، وإنما هو حرية متعلقة بثبوت النسب، تثبت بثبوته، فهي كحرمة النسب، لتعلقها به، وحصولها من غير إيقاع، فوجب أن لا يختلف حكمه في وجوده في ملكه، أو في غير ملكه، ثم حصل له ملكه، كما لم يختلف حكم النسب فيما يتعلق به من العتق، بأن تكون الولادة في ملكه، أو قبله، ثم ملكه.
стр. 3680
مسألة: [ثبوت نسب ولد أم الولد من مولاها]
قال أبو جعفر: (وإذا جاءت أم الولد بولد: كان ابنا لمولاها، ما لم ينفه).
قال أحمد: الفراش عندنا على ثلاثة أوجه:
١. فراش النكاح: ولا ينتفي ولده إلا باللعان.
٢. وفراش أم الولد: ونسبه ثابت ما لم يحرم الوطء، إلا أن ينفيه، فإن نفاه المولى انتفى بقوله.
٣. وفراش الأمة: ولا يلحق نسب ولدها إلا بالدعوة، سواء وطئها أو لم يطأها، وهو قول ابن عباس، وزيد بن ثابت في فراش الأمة.
والدليل على أن ولد الأمة لا يلزمه إلا بالدعوة وإن وطئها: اتفاق الجميع على أن لا عدة عليها بزوال الفراش بالعتق والبيع، وموت المولى، ولا نجد في الأصول فراش ملك يلزم به النسب إلا وهو يوجب العدة، كفراش أم الولد لما كان يلزمه به النسب من غير دعوة، وجبت العدة عند زواله بالعتق، وموت المولى.
وأيضا: فالفراش الصحيح الذي يستباح به الوطء، إنما يتعلق حكم ثبوت النسب فيه بوجود الفراش دون الوطء، مثل فراش النكاح، لما كان فراشا صحيحا، تعلق ثبوت النسب به، دون وجود الوطء.
فلما كان وجود الملك مع استباحة الوطء، لم يلزمه نسب ولدها إلا
стр. 3681
بالدعوة، وجب أن لا يكون للوطء تأثير في لزومه، قياسا على حاله قبل الوطء، والمعنى الجامع بينهما: أنها ملك يمين، لم يثبت لها حرمة الاستيلاد.
وأيضا: لو صارت فراشا يلزم النسب بالوطء، لما جاز بيعها، كما لم يجز بيع أم الولد، فلما جاز بيعها مع وجود الوطء، دل على أنها ليست بفراش يوجب ثبوت النسب بغير دعوة.
فإن قيل: قول النبي ﵊: "الولد للفراش": يوجب ثبوت النسب منها، سواء واطئ أو لم يطأ؛ لأنها فراش يصدق فيه على الدعوة. إلا أنهم لما اتفقوا على أنه لا يثبت قبل الوطء إلا بالدعوة، خصصناه بالاتفاق، وحكم العموم قائم فيما اختلفنا فيه.
قيل له: ما لا يثبت النسب فيه إلا بالدعوة، ولا يسمى فراشا على الإطلاق عندنا، لا يثبت النسب في ذلك إلا بالدعوة، فعليك أن تدل أولا على أنها فراش، حتى يصح لك الاحتجاج بالعموم.
وأيضا: فلو ثبت لك العموم في موضع الخلاف، لكان ما ذكرناه من الدلائل يخصه.
فإن قيل: روى الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك.
قالت: فلما كان عام الفتح، أخذه سعد، وقال: ابن أخي، قد كان
стр. 3682
عهد إلي فيه، فقام إليه عبد بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه.
فتشاجرا إلى النبي ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله! ابن أخي، عهد إلي فيه، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه.
فقال رسول الله ﷺ : هو لك يا عبد بن زمعة".
وقال النبي ﵊: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
ثم قال النبي ﵊ لسودة بنت زمعة: "احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة".
وقد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث "أن النبي ﷺ قال لعبد بن زمعة: هو أخوك".
قيل له: قد اختلف في لفظ هذا الحديث فقال: بعضهم قال: "هو لك"، وقال بعضهم: "هو أخوك"، وليس يمتنع أن يكون الذي قال: "هو أخوك": حمله على المعنى عنده، وأصل الحديث: "هو لك"، فظن الراوي أنه يريد: "هو أخوك"، فنقله على هذا الوجه، فلم تثبت هذه اللفظة من قول النبي ﵊.
*ومعنى قوله: "هو لك": يعني: أنك أحق باليد والإمساك.
стр. 3683
ويدل عليه قوله لسودة: "احتجبي منه"، ولو كان أخاها، ما أمرها بالاحتجاب منه؛ لأن فيه قطع الرحم، والنبي ﵊ لا يأمر بذلك.
*وقوله: "الولد للفراش": لا يدل على إلحاقه بزمعة، إنما فيه بيان لسعد، أن أخاه لما لم يكن له فراش، لم يلحق النسب به.
*وعلى أنه لو ثبت الخبر على الوجه الذي رووه، وسلمنا لهم جميع ما ادعوه فيه، لم يكن فيه بيان موضع الخلاف من وجوده:
أحدهما: أنه قضية في شيء بعينه، وليس خصمنا بأولى برده إلى ما يدعيه، منا بحمله على ما نقوله، وذلك لأنه ليس فيه: أنه كان يطؤها.
ثانيها: ولا خلاف بيننا أن نسب ولد الأمة قبل الوطء، لا يلحق به إلا بالدعوة، فقد علمنا أنه قد كان هناك معنى غير ظاهر الحال، كان الحكم محمولا عليه.
فإن ادعى خصمنا أنه ألحقه به؛ لأنه كان علم الوطء.
قلنا: وإنما ألحقه لأن زمعة قد كان ادعاه قبل الموت، أو لأن ورثته بعد موته اتفقوا على الدعوة، وما كان هذا سبيله: فإنا نلحق به النسب، كان وطئ الميت أو لم يطأ، فقد سقط الاحتجاج به في موضع الخلاف.
ثالثها: وعلى أنه قد روي في قصة زمعة خلاف هذا:
روى الثوري وجرير عن منصور عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: "كانت لزمعة جارية يطؤها، وكان يظن برجل آخر أنه يقع عليها، فمات زمعة وهي حبلى، فولدت غلاما، كان يشبه الرجل الذي كان يظن بها، فذكرته سودة لرسول الله ﷺ ، فقال: أما الميراث
стр. 3684
فله، وأما أنت فاحتجبي منه، فإنه ليس لك بأخ".
فأخبر في هذا الحديث أنه كان يطؤها، وأن النبي ﵊ لم يلحقه به.
وأما وجه إعطائه الميراث: فجائز أن تكون سودة أقرت أنه أخوها، فأعطاه الميراث بإقرارها.
فهذا الذي ذكرنا حكم فراش ملك اليمين، ما لم يثبت لها استيلاد، فإذا ثبت الاستيلاد، فلا خلاف أن نسب ولدها يلحقه وإن لم يدعه.
فإن نفاه: انتفى بقوله، وذلك لأنه يملك نفي نسبه عنه بقوله، بنقل فراشها عنه إلى غيره بالتزويج، فثبت أن له أن ينفي بقوله.
وأما فراش النكاح، فلا خلاف أن النسب لا ينتفي منه إلا باللعان، فإن نفى ولد أم الولد: انتفى نسبه منه، وكان بمنزلة أمة تعتق بموت المولى من جميع المال، لأن حق الاستيلاد ثابت لها في رقبتها، فيسري في ولدها، كان يسري حق الكتابة الثابتة للأم في الولد.
*قال أبو جعفر: (وإن لم ينفه عند الولادة، ونفاه بعد ذلك: فهو مثل ما تقدم في باب اللعان من نفي ولد الزوجة).
стр. 3685
مسألة: [تزويج أم الولد]
قال أبو جعفر: (وللرجل تزويج أم ولده).
وذلك لأنه يملك بعضها، فلما كان مالكها لبعضها، فهي كالأمة غير أم الولد، ويدلك على أنه مالك لبعضها: أنها إذا وطئت بشبهة: كان المهر لمولاها، وليست كالزوجة؛ لأن الزوج لا يملك بضعها بعقد النكاح، وإنما يملك الاستباحة، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة: كان المهر لها دون الزوج.
مسألة: [بيان لمن يكون مال أم الولد إذا عتقت]
قال أبو جعفر: (وإذا عتقت أم الولد بموت مولاها، أو بتعجيله عتقها في حياته: كان مالها لمولاها، لا شيء لها منه).
لأنها أمة لا تملك، ألا ترى أن المولى كان يطؤها بملك اليمين.
مسألة: [الوصية لأم الولد]
قال: (وجائز للرجل الوصية لأم ولده).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وعمومه يقتضي جواز الوصية لكل أحد، إلا ما قام دليله.
وأيضا: ليست بوارث، ولا قاتل، فصارت كسائر الناس.
стр. 3686
مسألة: [العتق المعلق بقيد]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده: أنت حر قبل موتي بشهر: كان كما قال، فإن مات المولى بعد هذا القول بأقل من شهر: بطل هذا القول، فلم يعمل شيئا).
قال أحمد: هذا عتق موقع بصفة، وهو أن يقع عند الموت قبل ذلك بشهر بعد اليمين، وذلك لأن وجود شهر بعد اليمين شرط في العتق، لأن الأيمان إنما تنعقد على شروط مستقبلة، ولا تنعقد على شروط ماضية، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار: كان ذلك على دخول مستقبل.
فإذا وجد شهر بعد اليمين يليه الموت، فقد وجد شرط العتق، فيعتق عند أبي حنيفة قبل ذلك بشهر، كقوله: أنت طالق قبل رمضان بشهر، فيقع في أول شعبان، ويفترقان من جهة أن الشهر الذي يليه الموت لا يحصل معلوما إلا بوجود الموت، فإن وجد حصل الشهر معلوما، فحكم بوقوع العتق قبله، وقد بينا ذلك في مسائل من هذا الكتاب، واستقصينا شرحه في "الجامع الكبير".
*وأبو يوسف ومحمد يجعلانه حرا بعد الموت؛ ويكون عتقه من الثلث.
وإنما لم يكن مدبرا؛ لأن عتقه لم يكن مستحقا بالموت على الإطلاق قبل مضي الشهر، فإذا مضى الشهر صار مدبرا، لأن عتقه قد صار مستحقا
стр. 3687
بالموت على الإطلاق.
*قال أبو جعفر: (وأما أبو حنيفة فإنه يقول: يعتق قبل موته بشهر، كما قال إذا مضى شهر ثم مات، فإن كان المولى صحيحا يوم القول: كان العبد حرا من جميع المال، وإن كان مريضا مرضا مات منه: كان حرا من الثلث).
قال أحمد: وذلك لأن وجود الموت بعد الشهر الذي هو شرط يمينه، يوجب عتقه أبي حنيفة قبل ذلك بشهر، كأنه أعتقه في وقت القول.
مسألة: [تعليق العتق قبل قدوم فلان بزمن]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده: أنت حر قبل قدوم فلان بشهر، فقدم فلان قبل شهر: كان عبدا، وبطل هذا القول، وإن مضى شهر، ثم قدم: فإنه يكون حرا بعد القدوم في قولهم جميعا).
قال أحمد: وجود شهر بعد اليمين، يليه القدوم: شرط في يمينه، فإذا وجد: وقع حينئذ، ولا يقع قبله؛ لأن القدوم مما يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون، فلا يجب الحكم بعتقه قبل الوجود.
مسألة: [حكم قول العبد لغيره: اشتر لي نفسي]
قال أبو جعفر: (ومن قال له عبد رجل: اشتر لي نفسي من مولاي
стр. 3688
بألف درهم، فاشتراه منه بذلك، فإن كان قال له: إني أشتريه لنفسه، فباعه إياه مولاه على ذلك: فالعبد حر، وولاؤه للمولى).
وذلك لأنه لما باعه على هذا الوجه، فقد أجاز توكيل العبد إياه بالشراء لنفسه، فصار ذلك كخطاب العبد له ببيع نفسه منه، فيعتق، لأن بيع المولى عبده من نفسه: عتق على مال، وذلك لأن البيع يتضمن إزالة ملك البائع بالبدل المشروط، وإزالة ملكه إلى العبد يوجب عتقه، لأنه لا يصح أن يملك نفسه، إذ لا يجوز أن ينتقل إليه الرق الذي يملكه المولى، لأنه لو انتقل إليه، لقام فيه مقامه، فثبت أن تمليكه نفسه، إنما هو عتق موقع من جهة المولى.
*قال: (وإن لم يتبين لمولاه أنه يشتريه لنفسه: كان عبدا للمشتري، ولم يعتق).
وذلك لأنه لا يصح توكيل العبد؛ لأن توكيله بذلك لا يجوز إلا بإذن مولاه.
وأيضا: فظاهر بيعه منه، يقتضي نقل ملكه إليه دون عتقه، فلا يجوز أن نجعله عتقا على مال، وهو إنما قصد إلى عقد البيع، دون العتق.
مسألة: [إبهام المولى العتق بين عبده وعبد غيره]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده وعبد غيره: أحدكما حر، ولم يعن بذلك عبده: لم يعتق عبده، وكذلك لو قال لعبد وحر: أحدكما حر).
وذلك لأن قوله: أحدكما حر: يوجب حرية أحدهما بغير عينه.
стр. 3689
ويقتضي تخييرا للمولى في مصرفه إلى أيهما شاء، فلا يخلو إذا كان هذا هكذا، من أن يوقع العتق على عبده، فيكون ذلك خلاف موجب القول؛ لأن قوله لم يقتض عتق واحد بعينه، فلا يجوز إيقاع ما لم يوقعه، فقد بطل هذا لقسم.
أو يوقع عتقا، ويكون له الخيار في صرفه إلى عبده أو عبد غيره، فإن أوجبنا ذلك له، كان له إلى عبد غيره، وإلى الحر، فلا يلزمه به عتق عبده، فإذا لم يقتض هذا القول منه إيقاع عتق عبده: لم يلزمه به شيء.
مسألة: [إضافة عتق أحد عبديه إلى مال، وإبهام المعتق منهما]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبديه: أحدكما حر على ألف درهم، فقبلا: فله أن يوقع العتق على أحدهما، ويلزمه المال).
وذلك لأن المال تبع للحرية في هذا الموضع، وله الخيار في صرف الحرية إلى أيهما شاء، فمن صرف إليه الحرية: لزمه المال.
وإنما كان المال تابعا للحرية؛ لأن الحرية لم تقع إلا بقبولها على المال المشروط.
مسألة: [إضافة العتق إلى قدر من المال، قم إضافته إلى قدر آخر]
قال: (ولو قال: أحدكما حر على ألف درهم، فقبلا، ثم قال: أحدكما حر بمائة دينار، فقبلا: كان قوله الثاني باطلا).
وذلك لأن أحدكما قد عتق بقوله الأول، فلم يعمل القول الثاني؛ لأنه صادف حرا وعبدا، كمن قال لعبد وحر: أحدكما حر: فهو لغو.
стр. 3690
مسألة:
قال: (ولو قال لهما القولين جميعا قبل القبول، ثم قبلا: كان للمولى أن يلزم المالين جميعا أحدهما، فيجعله حرا بذلك، وكان له أن يجعل أحدهما حرا على أحد المالين، والآخر حرا على المال الآخر).
وذلك لأن قوله: أحدكما: يتناول واحدا بغير عينه، وكذلك قوله ثانيا: يتناول واحدا بغير عينه، يجوز أن يكون الأول؛ لأنه لم يعتق بعد، ويجوز أن يكون غيره، فلما قبلا ذلك بالمالين، فقد رضي كل واحد منهما بلزوم أحد المالين، وبلزوم المالين جميعا، إذ كان مقتضى قول المولى يوجب له الخيار في صرف الحريتين إلى أحدهما، أو إليهما جميعا.
فكان للمولى أن يجعل الحريتين بالمالين لأحدهما، وله أن يجعل إحداهما بأحد المالين لأحدهما، والأخرى بالمال الآخر للآخر، لأن المال تابع للحرية، والخيار للمولى في الحرية.
ألا ترى أنه لو قال لأحدهما: أنت حر بألف درهم، فلم يقبله، حتى قال: أنت حر بمائة دينار، ثم قبل: عتق، ولزمه المالان، كذلك ما وصفنا.
*قال أبو جعفر: (وإن مات المولى، ولم يوقع من ذلك شيئا: فإنه يعتق من العبدين رقبة ونصف على المالين جميعا، ويسعيان جميعا في نصف رقبة، يسعى كل واحد في ربع قيمته لورثة مولاه).
وذلك لأن أحدهما حر لا محالة، والآخر يعتق في حال، ولا يعتق في أخرى، فيعتق منهما رقبة ونصف بالمالين جميعا؛ لأن المال لازم في جميع الأحوال، إما لهما، أو لأحدهما، فهو عليهما جميعا لتساويهما في لزومه.
стр. 3691
ويسعى كل واحد في ربع قيمته، لأنه قد عتق منه ثلاثة أرباعه بنصف المالين.
مسألة: [إضافة عتق العبدين إلى مال يختلف قدره بينهما]
قال: (ولو قال: أحدكما حر بألف درهم، والآخر بخمسمائة درهم، فقبلا، عتقا، وكان على كل واحد منهما خمسمائة درهم، لا شيء عليه غيرهما).
وذلك لأن قوله: أحدكما: يتناول واحدا منهما بغير عينه، وقوله والآخر حر: يتناول واحدا غير الأول، فلما قبلا: عتقا جميعا، وقد لزم أحدهما خمسمائة، والآخر ألف، ولا يجوز أن يلزمهما جميعا ألف؛ لأن المعتق بالألف، غير المعتق بالخمسمائة، فلزوم الخمسمائة لكل واحد منهما متيقن، والخمسمائة الفاضلة مشكوك فيها لمن لزمت، فلم يجز أن نلزمها أحدهما بالشك.
كرجلين علمنا أن لرجل على أحدهما خمسمائة، وعلى الآخر ألف، ولا يعرف صاحب الخمسمئة من صاحب الألف: فلم يلزم كل واحد منهما إلا خمسمائة.
ألا ترى أن رجلين لو قالا لرجل: لك على أحدنا ألف درهم: لم يلزم واحدا منهما بذلك شيء، كما لو قال ذلك لعشرة رجال، أو مائة رجل.
وكما لو علمنا أن لرجل على رجل ببغداد ألف درهم: لم نلزمه أحدا إلا بعد أن يعرفه بعينه.
وليس هذه كالمسألة الأولى، لأن في تلك المسألة يجوز للمولى أن يصرف الحرية إلى أحدهما بالمالين جميعا، وإلى كل واحد منهما بأحد المالين، فلما كان له الخيار في الحرية، وكان المال تابعا لها، فمن
стр. 3692
حصلت له الحرية استحق عليه المال، وفي مسألتنا لا خيار للمولى؛ لأنهما قد عتقا جميعا، وبقى حكم المال فيمن يلزمه.
مسألة: [إضافة المولى العتق إلى مال لأكثر من عبد وقبولهم قبل التعيين]
قال: (ولو قال: أحدكما حر بألف درهم، والآخر حر بمائة دينار، فقبلا: عتقا، ولم يكن له على واحد منهما شيء).
وذلك لأن الحرية قد حصلت لهما بالقبول، بحيث لا خيار للمولى فيهما، وبقى أحد المالين على أحدهما، والآخر على الآخر، ولا يعرفه بعينه، فلا يلزمه شيء، ألا ترى أنا لو علمنا أن لرجل على أحد رجلين ألف درهم، وعلى الآخر مائة دينار، ولا نعرف صاحب المالين بعينه: لم نلزمهما شيئا حتى نتيقن.
مسألة: [اختلط عبده حر فلم يعرفا]
قال: (ومن اختلط عبده بحر، فلم يعرفا: قضى القاضي بالاحتياط في ذلك، وجعل على كل منهما أن يسعى في نصف قيمته لمولى العبد، وأعتق أنصافهما).
وذلك لأن المولى ممنوع من التصرف فيهما، ما لم يتبين الحر من العبد، وهما أيضا ممنوعان من التصرف لأنفسهما، ما لم يعرف الحر بعينه، ولا خيار للمولى في ذلك؛ لأن الحرية ليست موقعة من جهته، فيكون تعيينها موقوفا على بيانه.
стр. 3693
فالاحتياط للفريقين أن يسعى كل واحد في نصف قيمته، ويحكم بحرية نصفه، كما أن المولى لو قال لعبديه: أحدكما حر، ثم مات قبل البيان: عتق من كل واحد منهما نصفه عند بطلان الخيار؛ لأن كل واحد منهما حر في حال، وعبد في أخرى.
مسألة: [العتق في حال مرض الموت]
قال أبو جعفر: (ومن أعتق عبديه وهو مريض مرض موت، ولا مال له غيرهما: عتق من كل واحد منهما ثلثه، وسعى لورثة مولاه في ثلثي قيمته).
قال أحمد: الدليل على نفاذ عتقه في ثلث كل واحد منهما: قول النبي ﷺ : "لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم"، وهو مالك لا محالة لثلث كل واحد منهما، بحيث لا حق لغيره فيه.
والدليل عليه: قول النبي ﷺ : "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماكم، زيادة في أعمالكم".
وفي حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "يقول تعالى: ابن آدم! اثنتان ليست لك واحدة منهما، جعلت لك نصيبا في
стр. 3694
مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك، وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك".
فأخبر ﵊ أن له نصيبا في ماله، فثبت أنه مالك لعتق الثلث من جميع العبيد، فوجب أن ينفذ في ثلث الجميع، إذ كان مالكا، لعموم لفظ النبي ﷺ .
وأيضا: لا خلاف بين المسلمين أنه لو وهبهم، أو أوصى بهم: أن ذلك جائز في ثلث جميعهم، لا يختص به بعضهم دون بعض، إذ كان مالكا لذلك منهم، من حيث لا حق للغير فيه، فكذلك العتق.
وأيضا: لما تساويا في السبب الموجب لاستحقاقه، وجب أن يتساويا في استحقاقه، اعتبارا بما روي عن النبي ﵊ "في رجلين أقاما بينة عل بعير، فقضى به بينهما نصفين".
فلما تساويا في السبب الموجب للاستحقاق، ساوى لنبي ﵊ بينهما فيه.
وكما أن أصحاب الديون إذا تساووا في دينهم: تساووا فيما يستحقونه من مال الميت، كذلك العبيد، لما تساووا في استحقاق العتق؛
стр. 3695
لتساويهم في اللفظ الموجب ذلك لهم من المولى، وجب أن يتساووا في استحقاقه.
ومما يدل على نفاذ العتق في جميعهم: اتفاق الجميع على أنه لو برئ من مرضه: عتق جميعهم، كما لو وهب، ثم برئ: صحت هبته في جميعهم، فمعلوم أن البرء لا يوجب عتقا لم يقع، فصح أن ذلك العتق قد كان واقعا في حال المرض في جميعهم، فانتفى رفع شيء منه بالقرعة، لاتفاق المسلمين على أن عتقا واقعا لا يجوز ارتفاعه بالقرعة.
فإن احتج مخالفنا في ذلك بخبر عمران بن حصين: "أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته، لا مال له غيرهم، فأقرع رسول الله ﷺ بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة".
قيل له: ليس في هذا الخبر بيان موضع الخلاف بيننا، وذلك لأن تلك كانت قضية من النبي ﵊ في شيء بعينه، وليس بعموم اسم يتناول ما تحته.
وقول الراوي: "فأعتق اثنين": يحتمل أن يريد به شائعين في الجميع، لا بأعيانهما، كما قال: "في أربعين شاة: شاة"، وهي شاة شائعة في الجميع.
ويدل عليه ما حدثنا محمد بن يعقوب الأصم في كتاب محمد بن
стр. 3696
عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين وأبي قلابة عن عمران بن حصين "أن رجلا في زمن النبي ﷺ أعتق أعبدا له ستة عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فأثبتهم النبي ﵊، فأعتق ثلث ذلك الرقيق".
وقوله: "ثلث ذلك الرقيق"، يقتضي حقيقته ثلثا شائعا في الجميع، كما لو أقر فقال: له ثلث هذا الرقيق: كان شائعا في الكل، ولم يصدق على أنه أراد واحدا بعينه.
وحدثنا ابن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن منهال عن يزيد بن زريع عن يونس عن الحسن عن عمران بن حصين: "أن رسول الله ﷺ قضى في رجل أعتق عند موته ستة أعبد، جزأهم رسول الله ﷺ ، وأعتق الثلث".
وهو مثل الخبر الأول في دلالته على ما دل عليه.
وقد روى الحسن عن عمران بن حصين: "أن النبي ﵊ قال: لو أدركته، ما صليت عليه".
وكذلك روى أبو زيد الأنصاري عن النبي ﵊.
فدل على أنه إنما تغيظ عليه؛ لأنه أضر بالورثة في عتقه لجميعهم، لأنه جعل حقهم في السعي، وتعجل لنفسه عتق الثلث.
стр. 3697
ويدل على أن الثلث الذي اعتقه النبي ﵊ منهم كان شائعا في الجميع: أنه لو أراد اثنين بأعيانهما، لما كاد أن يتفق أن يكونا ثلث مال الميت، سواء لا يزيد ولا ينقص؛ لأن ذلك غير موجود في العادة، فعلمنا أن المراد ثلث شائع في الجميع، وهو الذي تجوز وصيته فيه.
وأيضا: فلو ورد لفظ الخبر غير محتمل لما قلنا، لما جاز الاعتراض به على الأصول التي قدمنا؛ لأن أخبار الآحاد لا يعترض بها على الأصول.
وجهه اعتراضه على الأصول: أنه لا خلاف بين الأمة أن نقل الحرية عمن وقعت عليه غير جائز بالقرعة، وإذا حمل الخبر على ما ادعوه، كان فيه نقل الحرية ممن وقعت عليه، لأنه لا خلاف أيضا أنه مالك لثلث كل واحد منهم، جائز التصرف فيه، فأوجب ذلك نفاذ عتقه في ثلث كل واحد منهم، والقرعة تنقله عمن استحقه، وتجعله لمن لا يستحقه.
ومن جهة أخرى: أن هذا من جنس القمار والميسر اللذين حرمهما الله تعالى، وحقيقته: أن يستحق بالقرعة ما لم يستحقه لولاها من الحرية، التي استحقها غيره.
ومن جهة أخرى: اعتراضه على إيجاب النبي ﵊ العتق فيما يملكه المعتق، وما روي من قوله ﵊: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم"، وما كان هذا وصفه من أخبار الآحاد، فهو محمول عندنا على ما لا يخالف الأصول.
стр. 3698
فإن قيل: فما وجه القرعة إن كان عتق ثلث الرقيق شائعا في الجميع؟
قيل له: القرعة إنما هي الضرب، ومعناه أنه ضرب لكل واحد منهم بقيمته في الثلث، وقسم الثلث بينهم على ذلك.
وأيضا: يحتمل أن يكون خبر القرعة إن صح على الوجه الذي ادعوه، في حال ما كان يجوز استرقاق الحر، كما روي عن سرق "أن النبي ﵊ باعه في الدين وكان حرا".
ويجوز أن يكون قبل تحريم القمار والميسر، فصار منسوخا بالتحريم.
فإن قيل: فقد جازت القرعة في قسمة الغنائم وغيرها، وقال النبي ﵊ لرجلين: "استهما، وتوخيا العتق".
"وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه".
قيل له: ليست هذه القرعة مما اختلفنا فيه في شيء، من قبل أن القرعة في هذه المواضع على جهة تطييب النفوس، ولو اقتسموا بغير قرعة: جاز، وكذلك إخراج النساء في السفر؛ لأنه لم يكن لهم حق في السفر، إذ كان له أن لا يخرج واحدة منهن، وإنما كان يقرع ﵊ بينهن، لئلا يسبق إلى ظن بعضهن أنه قصد إيثارها على غيرها، فيورثها ذلك وحشة.
وليس في إيجاب القرعة في شيء من ذلك إسقاط حق واحد، ونقله إلى غيره، وفي إيجاب القرعة بين العبيد إسقاط حق واحد، وإخراجه منه
стр. 3699
رأسا، ونقله إلى من لا يستحق.
ونظيرها في القسمة، أن يقترعا على أن من خرجت قرعته، فله جميع المال، لا حق للآخر فيه، وهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو ضرب من الميسر والقمار، فكذلك القرعة في العبيد، هي بهذه المنزلة سواء، لا فرق بينهما.
وقد تكلمنا في هذه المسألة بأكثر من هذا في "شرح الجامع"، واكتفينا به عن الإعادة في هذا الموضع.
مسألة: [موت أحد العبدين الموصى بعتقهما قبل سعايتهما]
قال أبو جعفر: (فإن مات أحدهما بعد ذلك، قبل أن يسعى في شيء، ولم يترك شيئا: سعى الباقي للورثة في أربعة أخماس قيمته).
وذلك لأن الورثة أربعة أسهم، وللعبيد سهمان ثلث مال الميت، فكان المال مقسوما بينهم على ستة، فلما مات أحدهما من غير سعي، مات مستوفيا لوصيته، ولم يخرج من سعايته بشيء، فصار ذلك شيئا تالفا من جملة مال الميت، فيدخل ضرورة على الورثة، وعلى الموصى له الباقي، فيكون باقي المال بينهما على ما كان استحقاه في الأصل: للورثة أربعة، وله سهم، فلذلك سعى في أربعة أخماس قيمته.
مسألة: [تعليق العتق بأحد الوقتين أو الفعلين]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده: أنت حر اليوم، أو غدا: لم يعتق
стр. 3700
حتى يجيء غد).
قال أحمد: إذا علق العتق بأحد وقتين: وقع بآخرهما، وإذا علقه بأحد فعلين: وقع بأولهما، وإذا علقه بفعل، أو وقت: وقع بالفعل.
وحكى أبو جعفر عن أبي يوسف في هذا: أنه يقع بالوقت قبل وجود الفعل.
أما إذا أدخل حرف التخيير بين الوقتين، فإنما يقع بآخرهما، من قبل أنا لو أوقعناه بالوقت الأول، كنا قد جعلنا حرا في الوقتين جميعا، وهو فإنما جعله حرا بأحدهما، لأنا إذا أعتقناه اليوم، فهو عتيق غدا أيضا، وذلك خلاف موجب اللفظ.
وأيضا: فإن تعليقه العتق بالوقت، يوجب أن يكون عتقا موقعا بصفة، فلا يوقعه أو يتيقن وجود الصفة، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق بائنا، أو رجعيا: أنا نوقعه رجعيا؛ لعدم اليقين بحصول البينونة.
وأما إذا أدخل حرف التخيير بين الفعلين، فإن إيقاعه بأحد فعلين: لا يقتضي كونه حرا مع الفعل الآخر؛ لأنه إذا قال: إن دخلت الدار، أو كلمت فلانا، فأنت حر، فأوقعناه بالدخول، لا نكون موقعين له بالكلام، إذ جائز أن لا يوجد الكلام أبدا، ووقوعه اليوم يقتضي كونه حرا غدا؛ لأن غدا لا محالة موجود بعد اليوم.
وأما إذا دخلت الدار، فإنه يقع بالفعل، إن تقدم أو تأخر؛ لأنه إن تقدم صار كالفعلين إذا دخل عليها حرف التخيير، فيقع بأولهما، وإن
стр. 3701
تأخر صار الوقت معه كهو مع وقت غيره، فلا يقع إلا بآخرهما.
مسألة: [موت المولى دون بيان مراده في عبده من العتق أو التدبير]
قال أبو جعفر: (ومن قال لعبده: أنت حر، أو مدبر، ثم مات المولى، وقد قال ذلك في صحته: عتق نصفه من جميع المال، ونصفه من الثلثّ).
وذلك لأنه حر في حال، ومدبر في حال، فله نصف كل واحد منهما، فيعتق نصفه بالحرية البتات، والنصف الباقي بالتدبير.
مسألة: [إبهام الحرية ممن له ثلاثة أعبد والتعليق بأو]
قال: (ومن كان له ثلاثة أعبد، فقال لأحدهم بعينه: أنت حر، أو هذا لأحد الآخرين منهما، وهذا للباقي منهما: عتق الأخير، وقيل له: أوقع العتق على أي الباقين شئت).
قال أحمد: وذلك لأن حرف التخيير، وهو: "أو": دخل بين الأوليين، والثالث معطوف على الحر منهما.
وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يحكي عن الفراء: أنه يجب أن يكون له الخيار بين الأول، وبين الآخرين جميعا، فيقال له: إن اخترت
стр. 3702
اللفظ الأول: عتق الأول، وإن اخترت اللفظ الآخر: عتق الآخران جميعا.
قال: وذلك لأن الواو للجمع، فكأنه قال: هذا حر أو هذان، كما أنه لو قال: والله لا أكلم هذا، أو هذا وهذا، أنه إن كلم الأول: حنث، وإن لم يكلم الأول، وكلم أحد الآخرين: لم يحنث حتى يكلمهما جميعا، كأنه قال: والله لا أكلم هذا أو هذين.
وكان أبو الحسن ﵀ يجيب عن ذلك بأن قوله في مسألة الإيقاع: "أو هذا"، وهذا لا يجوز أن يكون للجمع؛ لأن الخبر الأول لا يصح أن يكون لهما جميعا مجموعين، إذ لا يجوز أن يقال: "أو هذان حر"، ويحتاج إلى استئناف حرية أخرى في حال الجمع؛ لأنه يحتاج أن يقول: أو هذان حران، فلما لم يصح أن يكون الخبر الأول خبرا عنهما مجموعين: لم يجز لنا حمله على ذلك، وجعلنا قوله: "وهذا": عطفا على الحر منهما، كأنه قال: وهذا حر.
وأما قوله: والله لا أكلم فلانا، أو: فلانا وفلانا: فإنه ليس يمتنع أن يكون الخبر الأول خبرا عنهما جميعا، فينفي به كلامهما مجموعين في اللفظ، ألا ترى أنه يصح أن يقول: والله لا أكلم هذين: فلذلك حملنا الواو على الجمع في هذا الموضع.
стр. 3703
كتاب المكاتبة
مسألة: [استحباب مكاتبة العبد]
قال أبو جعفر: (وإذا أراد الرجل أن يكاتب عبده، وقد علم منه الخير الذي أمر الله بمكاتبة أهله من العبيد: فإنه جائز له أن يكاتب على ما يتراضيان عليه من قليل الأموال وكثيرها، وعاجلها وآجلها).
قال أحمد: قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾، وهو على الندب عند عامة الفقهاء.
وقد روي فيه عن عمر ﵁: "أنه رفع الدرة على أنس بن مالك، وقد طلب منه سيرين عبده الكتابة، وقال له: كاتبه".
وليس في هذا دلالة على أنه كان يراها واجبة على المولى؛ لأنه قد
стр. 3704
يأمر على جهة الإرشاد والحض، دون الإيجاب والحتم.
والدليل على أنه على الندب دون الإيجاب: اتفاق الجميع على جواز بيعه وعتقه.
وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، يقتضي جواز بيعه، وصحة البيع تنفي الكتابة.
ويدل عليه قوله ﵊: "من باع عبدا وله مال": وظاهره يقتضي جواز بيعه مع طلبه الكتابة.
ومن الدليل على ذلك أيضا: أنا لم نر في الأصول من استحق عليه العقد على ملكه، كالبيع والهبة وسائر العقود، فلما كان في سائر الأصول أن الإنسان غير مستحق عليه العقد على ملكه، وأنه مخير بين فعله وتركه، رددنا حكم الكتابة إلى ما اتفقنا عليه، واستدللنا به على أن عقد الكتابة على الندب.
فإن قيل: قد يجبر الإنسان على بيع ملكه، لأجل دين يلحقه.
قيل له: ليس الإجبار واقعا على البيع، وإنما يقع على قضاء الدين، إذ كان يمكنه، ثم إن شاء باع، وإن شاء لم يبع.
[أدلة جواز المكاتبة الحالة]:
وإنما جازت الكتابة الحالة، لقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾، واسم
стр. 3705
الكتابة يتناول الحال والمؤجل، كالبيع والنكاح وسائر العقود، إذ ليس في اللفظ ما يقتضي التأجيل، إلا أن يقول قائل: إن لفظ الكتابة يختص بالأجل، وأن هذا العقد لا يسمى كتابة إلا أن يكون مؤجلا، فيكون متحكما قائلا بما لا يمكنه إقامة الدليل عليه من جهة لغة، ولا شرع، ولا يقدر خصمه أن يقابله بمثله، فيقول: والبيع يختص بالأجل، وكذلك النكاح، وسائر عقود المداينات، أو يقول له: بل لفظ الكتابة يختص بالحال، دون المؤجل، وأنه متى كان مؤجلا لم يسم كتابة، فيقوم مقامه في الدعوى، ولا يمكنه الانفصال منه بمعنى يوجب أن يكون أولى به منه.
ويدل عليه أيضا: ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا همام عن العبد الحوري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "وإيما عبد كوتب على مائة دينار، فأداها إلا عشرة دنانير: فهو عبد، وأيما عبد كوتب على مائة أوقية، فأداها إلا عشرة أوراق: فهو عبد".
فهذا الحديث يدل على معنيين: على الكتابة الحالة، وعلى أن الإيتاء غير واجب على المولى.
وأيضا: فلما كان عقد الكتابة يتناول رقبة العبد بمال يثبت في ذمته
стр. 3706
على وجه الثمن عن رقبته، وجب أن يجوز عاجلا ومؤجلا، فالبيع نفسه لما كان هذا معناه: جاز عاجلا وآجلا.
فإن قيل: يلزمك في السلم أن تجيزه حالا، كما أجزته مؤجلا.
قيل له: بأية علة يلزمنا عليه السلم ونحن فإنما عللنا في الكتابة بأن العقد تناول بدلين: أحدهما رقبة العبد، والآخر ثمن يثبت في ذمته بدلا له من رقبته.
وبهذا المعنى جازت عقود البياعات عاجلة وآجلة، وهذه العلة غير موجودة في السلم، لأن السلم مبيع في الذمة، فلا يجوز إلا مؤجلا؛ لأن لفظ السلم يقتضي التأجيل، وهو مخصوص من جملة بيع ما ليس عند الإنسان، فمتى أسقطنا منه الأجل، حصل بيع ما ليس عنده في غير السلم، فلا يجوز لعموم نهي النبي ﵊.
وليست الدراهم التي في ذمة العبد مبيعة، بل هي ثمن كأثمان البياعات، فوجب أن تكون حالة كسائر أثمان البياعات.
فإن قيل: لما قال تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وءاتوهم﴾: اقتضى اللفظ حالين:
إحداهما: حال العقد، والثانية: حال الإيتاء، فوجب أن يكون مؤجلا.
قيل له: ومن أين وجب التأجيل إذا كان هناك حالان؟
هذا على تسليم أن على المولى إيتاءه، وما أنكرت أن يكون الإيتاء
стр. 3707
سقوط بعضها عقيب العقد بلا فضل، فلا مدخل للتأجيل فيه.
وعلى أنه لو كان الإيتاء على معنى: أن يعطيه المولى شيئا يستعين به على أداء الكتابة، مع أنه لا يقول به أحد: لم يقتض التأجيل؛ لأنه يؤتيه ذلك عقيب العقد في المجلس، فالتأجيل ساقط، كما قال تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن﴾، ولم يقتض تأجيلا لأجل ذكره العقد والإيتاء، كذلك الكتابة.
فإن قيل: لما كان العبد ممن لا يملك، وجب أن يكون هناك حال يتوصل بها إلى الكسب، حتى يصح له الأداء، وإلا رده في الرق في الحال للعجز، فلا يكون للكتابة معنى.
قيل له: مال الكتابة يثبت في ذمته بالعقد، ويصير به المكاتب في يد نفسه بعقد الكتابة، وتصير له ذمة كالحر، فيصل إلى الكسب، ويؤديه، ويوهب له، ويستقرض، ويكون بمنزلة رجل معسر اشترى عبدا، فيثبت المال في ذمته بالعقد من غير تأجيل، فكونه فقيرا لا يقتضي التأجيل في ثمن ما يشتريه.
وعلى أن من قول المخالف: أنه إذا كان مفلسا، كان البائع أحق بمتاعه، فينبغي أن لا يصح البيع من المعسر إلا مؤجلا، للعلة التي ذكرناها في الكتابة.
فإن قيل: لأنه يبيع ما يحصل لهم من المتاع، ويقضي به دينه،
стр. 3708
والمكاتب لا يمكنه بيع رقبته.
قيل له: والمكاتب يستقرض، ويوهب له، ويتصدق عليه، وهذه كلها وجوه قد يصل بها إلى أداء الكتابة، كما يصل المشتري إلى أداء الثمن من وجوه.
وعلى أنه على قولك: ينبغي أن لا تجوز كفالة المعسر بالمال، إلا مؤجلة؛ لأنه لا يحصل له بها بدل يستعين به في أداء ضمان الكفالة، كما قلت في الكتابة، ويجب أيضا أن لا يجوز نكاح المعسر، إلا بمهر مؤجل لهذه العلة.
مسألة: بحط بعض بدل الكتابة ليس على الوجوب]
قال: (وليس عليه أن يضع من مكاتبته شيئا).
وذلك لأن الله تعالى لما أمر بعقد الكتابة، وهي تقتضي بدلا يثبت على العبد، فقد اقتضت الآية لزوم البدل؛ لأن عقد الكتابة يتضمنه، كما يتضمن عقد البيع ثمنا يثبت على المشتري، وما أوجبت الآية ثبوته على المكاتب بالعقد، فلا جائز لأحد إسقاطه، إلا بدلالة تدل عليه.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم﴾: يتضمن وجوب الإيتاء.
قيل له: وما في هذا من الدلالة على أن المخاطب به المولى في إيتاء بعض مال الكتابة، وحطه عن العبد؟
فإن قيل: لأن الخطاب به توجه إلى المولى المخاطبين بالكتابة.
стр. 3709
قيل له: وما الدليل على ذلك؟
وما أنكرت أن يكون ذلك خطابا لجميع الناس، بأن يتصدقوا على المكاتب، ويعينوه على أداء كتابته، كما قال تعالى في شأن الصدقات: ﴿وفي الرقاب﴾، وقال: ﴿وما أدراك ما العقبة*فك رقبة﴾.
ولم اقتصرت بالخطاب على المولى، دون سائر الناس بغير دلالة؟
وأيضا: ما أنكرت أن يكون في مضمون الآية ما ينفي ما قلت من خطاب المولى دون غيره من الناس؛ لأنه قال: ﴿وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم﴾، وما أطلق عليه اسم: مال الله: فهو الذي سبيله أن يكون صدقة، كما قال النبي ﵊ في شأن اللقطة: "فإن جاء صاحبها، وإلا فهو مال يؤتيه من يشاء": يعني أن سبيله الصدقة.
وكما روي في الخبر: "إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا، اتخذوا مال الله دولا": يعني ما سبيله الصدقة، وصرفه في جهات القربة إلى الله تعالى.
стр. 3710
فلما أمر بالإيتاء من مال الله، والأشياء كلها –وإن كانت لله وملكا له- فإن إطلاق لفظ مال الله، إنما هو فيما سبيله أن يصرف في جهة القربة: علمنا أنه أراد إعلامنا جواز دفع صدقاتنا إليه وإن كان عبدا لغني، وماله موقوف على مولاه، ومعلوم أن المولى لا يجوز له أن يعطي مكاتبه من صدقاته الواجبة عليه، فاقتضى مضمون اللفظ: نفي تأويل المخالف لنا في معنى الإيتاء.
ويدل لفظ الآية على نفي قول المخالف من وجوه أخر:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم﴾: فأمرنا بإيتائهم مما آتانا، وحط الكتابة لا يسمى إيتاء؛ لأن الإيتاء في الحقيقة هو الإعطاء، ومن أبرأ إنسانا من مال عليه: لا يقال إنه أعطاه شيئا.
والثاني: أن أمرنا بأن نؤتيهم مما آتانا الله، وما في ذمة المكاتب من مال الكتابة: لم يؤته بعد؛ لأن الإيتاء هو الإعطاء، وهو ويقتضي القبض، وذلك غير مقبوض، فلا يقع عليه الاسم.
ومن جهة أخرى: أنه ليس بدين صحيح؛ لأنه على عبده، ويمكن العبد إسقاطه عن نفسه بالعجز، فلم يملكه بعد ملكا صحيحا، فلا يصح إطلاق اللفظ فيه بأنه مما آتانا الله.
وّأيضا: فلو كان الإيتاء واجبا، لوجب أن يستحق المكاتب إسقاطه عن ذمته بالعقد الموجب له، ومحال أن يكون العقد هو الموجب له، وهو المسقط له بعينه؛ لأن شيئا واحدا لا يصح أن يكون سببا لإيجاب شيء،
стр. 3711
وإسقاطه في حال واحد.
وعلى أنه لو سقط عقيب العقد، لما كان ذلك القدر مما آتانا الله؛ لأنا لم نستحقه قط على المكاتب.
فكيف ما تصرفت الحال فتأويل المخالف لنا ساقط لا يحتمله لفظ الآية.
وقد يصح هذا التأويل لمن قال: هو على الندب؛ لأنه لا يسقط بنفس العقد، ولأنا نقبضه، ثم نعطيه بعضه، فيكون هذا التأويل مطابقا للفظ الآية.
*ويدل عليه من جهة السنة: حديث عمرو بن شعيب الذي قدمنا عن النبي ﵊، أنه قال: " أيما رجل كاتب غلاما له على مائة أوقية، فأداها إلا عشر أوراق: فهو عبد".
فجعله عبدا مع أداء تسعة أعشار الكتابة، وليس أحد من القائلين بوجوب حط بعض الكتابة، إلا وهو يوجب حط العشر وأكثر، وهذا الحديث يوجب بطلان قولهم.
ويدل عليه حديث الزهري وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت: إن أحب أهلك أن أعدها عدة واحدة، ويكون ولاؤك لي، فعلت، فذهبت إلى أهلها، فأبوا، وقالوا: على أن يكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﵊".
стр. 3712
فأخبرته أنهم كاتبوها على تسع أواق، وذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﵊، فلم يقل: إن الذي عليها أقل من ذلك؛ لأن عليهم أن يحطوا عنها بعضها، فدل ذلك على أن حط بعض الكتابة ليس على الوجوب.
ويدل عليه أيضا حديث عائشة: "أن جويرية جاءت النبي ﵊ تستعين به في كتابتها، فقال لها ﵊: فهل لك في خير من ذلك؟ أقضي عنك كتابتك، وأتزوجك، قالت: نعم. قال: قد فعلت".
فبذل النبي ﵊ لجويرية أداء جميع كتابتها عنها إلى مولاها، ولو كان الحط واجبا، لكان الذي يقصد إليه رسول الله ﷺ بالأداء عنها باقي كتابتها.
وأيضا: قد روي عن عمر وعثمان والزبير أنهم لم يكونوا يرون الحط واجبا، ولا يروي عن أحد من نظرائهم خلافه، فصار إجماعا.
فإن قيل: قد روي عن علي ﵁ في قوله: ﴿وءاتوهم من مال الله﴾: أنه الربع.
стр. 3713
قيل له: ليس فيه دلالة على أنه كان يراه واجبا، ويجوز أن يكون قدر المندوب إليه.
وعن بريدة: ﴿وءاتوهم من مال الله﴾: حث الناس على ذلك.
وعن إبراهيم مثله.
والمولى وغيره سواء، وهذا موافق للتأويل الذي قدمناه في صدر المسألة.
*ومن طريق النظر: أن سائر عقود المعارضات لا تقتضي وجوب حط بعض البدل، كذلك الكتابة قياسا عليها.
مسألة: [مكاتبة المميز غير البالغ]
قال أبو جعفر: (وجائز للرجل أن يكاتب عبده وإن كان لم يبلغ، إذا كان يعقل الشراء والبيع).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾.
وهذا يدل من وجهين على ما ذكرنا:
стр. 3714
أحدهما: قوله: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم﴾: يتضمن الكبير والصغير ممن يصح منه ابتغاء الكتابة إذا كان يعقلها، فانتظمه لفظ العموم.
والثاني: قوله: ﴿إن علمتم فيهم خيرا﴾، ويروى عن إبراهيم والحسن في قوله: ﴿وإن علمتم فيهم خيرا﴾: صدقا ووفاء.
وعن مجاهد وعطاء: مالا.
وقد توجد هذه الأوصاف في بعض الصغار، فصح دخولهم في حكم اللفظ.
وأيضا: فكلما جاز أن يأذن له في الشراء والبيع، ويستحق المولى كسبه، جاز أن يملكه كسبه، ويشرط له العتاق بأدائه؛ لأن فيه نفعا له، ولا ضرر عليه فيه، كما أن الصبي إذا وهب له هبة: جاز له قبولها، وقبضها، لما له فيه من النفع، من غير ضرر يلحقه.
مسألة: [لا يشترط في عقد الكتابة النص على أنه يكون حرا]
قال أبو جعفر: (ولا يضر المكاتب بأن لا يقول له مولاه في مكاتبته: إذا أديت إلي جميع ما كاتبتك عليه، فأنت حر، ويعتق إذا أدى ذلك إليه).
стр. 3715
وذلك لأن لفظ الكتابة يتضمن ذلك ويقتضيه، كما يتضمن لفظ البيع تمليك البدلين من كل واحد من المتبايعين، وكما يقتضي لفظ النكاح تمليك البضع ببدل يستحقه، ويكتفي في جميع ذلك بإطلاق لفظ العقد، دون تفسير ما يتضمنه.
مسألة: [حكم المكاتب إذا عجز عن الأداء]
قال أبو جعفر: (ولا يعتق المكاتب حتى يبرأ من جميع الكتابة، من غير عجز يلحقه قبل ذلك).
قال أحمد: روي نحو ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة وأم سلمة، وهو إحدى الروايتين عن عمر.
وروي عن عمر أنه قال: إذا أدى النصف: فهو غريم، ولا رق عليه.
وقال ابن مسعود في إحدى الروايتين: إذا أدى ثلثا، أو ربعا: فهو غريم.
وهو قول شريح.
следующие страницы →