← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وإسقاطه في حال واحد. وعلى أنه لو سقط عقيب العقد، لما كان ذلك القدر مما آتانا الله؛ لأنا لم نستحقه قط على المكاتب. فكيف ما تصرفت الحال فتأويل المخالف لنا ساقط لا يحتمله لفظ الآية. وقد يصح هذا التأويل لمن قال: هو على الندب؛ لأنه لا يسقط بنفس العقد، ولأنا نقبضه، ثم نعطيه بعضه، فيكون هذا التأويل مطابقا للفظ الآية. *ويدل عليه من جهة السنة: حديث عمرو بن شعيب الذي قدمنا عن النبي ﵊، أنه قال: " أيما رجل كاتب غلاما له على مائة أوقية، فأداها إلا عشر أوراق: فهو عبد". فجعله عبدا مع أداء تسعة أعشار الكتابة، وليس أحد من القائلين بوجوب حط بعض الكتابة، إلا وهو يوجب حط العشر وأكثر، وهذا الحديث يوجب بطلان قولهم. ويدل عليه حديث الزهري وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت: إن أحب أهلك أن أعدها عدة واحدة، ويكون ولاؤك لي، فعلت، فذهبت إلى أهلها، فأبوا، وقالوا: على أن يكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﵊".

стр. 3712

فأخبرته أنهم كاتبوها على تسع أواق، وذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﵊، فلم يقل: إن الذي عليها أقل من ذلك؛ لأن عليهم أن يحطوا عنها بعضها، فدل ذلك على أن حط بعض الكتابة ليس على الوجوب. ويدل عليه أيضا حديث عائشة: "أن جويرية جاءت النبي ﵊ تستعين به في كتابتها، فقال لها ﵊: فهل لك في خير من ذلك؟ أقضي عنك كتابتك، وأتزوجك، قالت: نعم. قال: قد فعلت". فبذل النبي ﵊ لجويرية أداء جميع كتابتها عنها إلى مولاها، ولو كان الحط واجبا، لكان الذي يقصد إليه رسول الله ﷺ بالأداء عنها باقي كتابتها. وأيضا: قد روي عن عمر وعثمان والزبير أنهم لم يكونوا يرون الحط واجبا، ولا يروي عن أحد من نظرائهم خلافه، فصار إجماعا. فإن قيل: قد روي عن علي ﵁ في قوله: ﴿وءاتوهم من مال الله﴾: أنه الربع.

стр. 3713

قيل له: ليس فيه دلالة على أنه كان يراه واجبا، ويجوز أن يكون قدر المندوب إليه. وعن بريدة: ﴿وءاتوهم من مال الله﴾: حث الناس على ذلك. وعن إبراهيم مثله. والمولى وغيره سواء، وهذا موافق للتأويل الذي قدمناه في صدر المسألة. *ومن طريق النظر: أن سائر عقود المعارضات لا تقتضي وجوب حط بعض البدل، كذلك الكتابة قياسا عليها. مسألة: [مكاتبة المميز غير البالغ] قال أبو جعفر: (وجائز للرجل أن يكاتب عبده وإن كان لم يبلغ، إذا كان يعقل الشراء والبيع). وذلك لقول الله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾. وهذا يدل من وجهين على ما ذكرنا:

стр. 3714

أحدهما: قوله: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم﴾: يتضمن الكبير والصغير ممن يصح منه ابتغاء الكتابة إذا كان يعقلها، فانتظمه لفظ العموم. والثاني: قوله: ﴿إن علمتم فيهم خيرا﴾، ويروى عن إبراهيم والحسن في قوله: ﴿وإن علمتم فيهم خيرا﴾: صدقا ووفاء. وعن مجاهد وعطاء: مالا. وقد توجد هذه الأوصاف في بعض الصغار، فصح دخولهم في حكم اللفظ. وأيضا: فكلما جاز أن يأذن له في الشراء والبيع، ويستحق المولى كسبه، جاز أن يملكه كسبه، ويشرط له العتاق بأدائه؛ لأن فيه نفعا له، ولا ضرر عليه فيه، كما أن الصبي إذا وهب له هبة: جاز له قبولها، وقبضها، لما له فيه من النفع، من غير ضرر يلحقه. مسألة: [لا يشترط في عقد الكتابة النص على أنه يكون حرا] قال أبو جعفر: (ولا يضر المكاتب بأن لا يقول له مولاه في مكاتبته: إذا أديت إلي جميع ما كاتبتك عليه، فأنت حر، ويعتق إذا أدى ذلك إليه).

стр. 3715

وذلك لأن لفظ الكتابة يتضمن ذلك ويقتضيه، كما يتضمن لفظ البيع تمليك البدلين من كل واحد من المتبايعين، وكما يقتضي لفظ النكاح تمليك البضع ببدل يستحقه، ويكتفي في جميع ذلك بإطلاق لفظ العقد، دون تفسير ما يتضمنه. مسألة: [حكم المكاتب إذا عجز عن الأداء] قال أبو جعفر: (ولا يعتق المكاتب حتى يبرأ من جميع الكتابة، من غير عجز يلحقه قبل ذلك). قال أحمد: روي نحو ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة وأم سلمة، وهو إحدى الروايتين عن عمر. وروي عن عمر أنه قال: إذا أدى النصف: فهو غريم، ولا رق عليه. وقال ابن مسعود في إحدى الروايتين: إذا أدى ثلثا، أو ربعا: فهو غريم. وهو قول شريح.

стр. 3716

وروى إبراهيم عن عبد الله قال: إذا أدى قيمة رقبته: فهو غريم. وقد روي عن ابن عباس: أن المكاتب يعتق بعقد الكتابة، ويكون مال الكتابة دينا عليه. وليس يوجد لهذه الرواية مخرج صحيح، ولا يعرف له سند، وهو مع ذلك قول شاذ، ولا نعلم أحدا قال به. *والحجة لقولنا: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "أيما عبد كوتب على مائة دينار، فأداها إلا عشرة دنانير: فهو عبد". ومن رواية عمرو بن شعيب أيضا عن أبيه عن جده عن النبي ﵊ قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا موسى بن زكريا قال: حدثنا عباس قال: حدثنا محمد قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا هشيم عن أبي بشر جعفر بن إياس عند نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم".

стр. 3717

*ومن جهة النظر: إن المشتري لا يستحق قبض شيء من المبيع إلا بأداء جميع الثمن، فوجب أن تكون الكتابة مثله؛ لأنهما جميعا عقد معاوضة. فإن قيل: ينبغي أن يعتق بنفس العقد، كما يملك المشتري المبيع بنفس العقد. قيل له: لو كان كذلك، لم يكن عقد الكتابة، وكان يكون عتقا على قبول مال في الحال، فقد عقلنا الفصل بين الكتابة وبين العتق الموقع في الحال. وأيضا: فإن المكاتب قد صار في يد نفسه بعقد الكتابة، فهو نظير ملك رقبة المبيع للمشتري، والعتق بمنزلة قبض المبيع، فلا يجوز أن يستحقه إلا بالأداء. مسألة: [زواج المكاتب والمكاتبة دون إذن المولى] قال أبو جعفر: (وليس للمكاتب ولا المكاتبة أن يتزوجا في مكاتبتهما بغير إذن مولاهما). وذلك لأن رق المولى باق عليهما بما قدمنا، ولا يجوز لهما أن يتصرفا في ملك الغير بغير إذنه. ويدل عليه قول النبي ﵊: "المكاتب عبد ما بقى

стр. 3718

عليه درهم". وقال: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه: فهو عاهر". وليس التزويج مما تقتضيه الكتابة؛ لأنه إن كان رجلا فعقد النكاح يلزمه دينا لا يثبت حق المولى في بدله، وهو البضع، فلا يجوز له ذلك؛ لأن الذمة التي يثبت ذلك فيها، هي حق للمولى، وليس ذلك كالإجارة؛ لأن تلك المنافع مما يصح ثبوت حق المولى فيه. وأيضا: فإنه تلزمه النفقة للمرأة في كسبه، والنفقة ليست بدلا عن شيء، وإنما هي على وجه الصلة، وليس للمكاتب أن يتصرف في ماله بالصلة والهبة ونحوها. وأما إذا كانت مكاتبة، فإن المولى مالك لبضعها، وإنما منع من وطئها بعقد الكتابة، وكذلك إذا وطئت بشبهة، فإنما تستحق مهرها دون المولى؛ لأن المولى قد ملكها كسبها بعقد الكتابة، فأما البضع فلم يخرج عن ملكه، فلم يجز لها أن تتصرف فيه بغير إذنه. ولها أن تزوج أمتها، وليس تزويجها الأمة كتزويجها نفسها؛ لأن المولى لا يملك أمتها، ويملك رقبتها، وبضعها، فكان لها أن تتصرف في مالها، بما يوصلها إلى أداء الكتابة.

стр. 3719

مسألة: [زواج المكاتب والمكاتبة بإذن المولى] قال أبو جعفر: (ولهما أن يتزوجا بإذنه). وذلك لأن المنع كان من أجله، ولحقه، فإذا رضي به: جاز. فإن قيل: فهلا كان ذلك كهبته وكفالته في أنهما لا يجوزان وإن أذن لهما المولى. قيل له: لأن المولى لا يملك كسبه، ولا معتبر فيه بإذنه، ويملك رقبته، فجاز تصرفه فيها بالتزويج بإذنه. مسألة: قال: (وللمكاتبة الخيار إذا عتقت في رد ذلك النكاح). وذلك لأن بدل البضع لم تستحقه بعقد النكاح، وإنما استحقته بالكتابة، كأنه حصل للمولى، فجعله لها، وكل من لم يستحق بدل البضع بعقد النكاح، فلها الخيار إذا ملكت بضعها كالأمة، غير المكاتبة. قال أحمد: وقال زفر: لا خيار لها؛ لأن بدل البضع حصل لها. مسألة: [حق المكاتب في الخروج للتجارة والكسب] قال: (وللمكاتب وللمكاتبة أن يخرجا إلى حيث أحبا، وليس لمولاهما منعهما). وذلك لأنهما في أيدي أنفسهما كالحر، ويد المولى زائلة عنهما.

стр. 3720

*قال: (وإن كان اشترط ذلك عليهما: كان شرطه باطلا). قال أحمد: الأصل في ذلك: أن الشروط التي لا يوجبها عقد الكتابة على وجهين: الأول: شرط راجع إلى نفس البدل، أو المبدل عنه، وشرط خارج عنهما، فالأول يفسدها، مصل أن يكاتبها وهي حامل، واستثنى ما في بطنها، فهذا الشرط يفسد الكتابة؛ لن عقد الكتابة عليها يقتضي دخول الولد فيه، وهو لم يرض بأن يكون المال المسمى فيه بدلا عنهما جميعا، ففسدت الكتابة به، لأنها مما يلحقها الفسخ، ولا يصح إلا بتسمية صحيحة في العقد. وأما الشرط الأخر: فإنه لا يفسدها؛ لأنه لم يتعلق بالبدل، ولا بالمبدل عنه، فصار لغوا، ولا يفسد الكتابة، لأنها قد تصح على ضروب من المجاهيل، ألا ترى أنه يصح على عبد وسط. وهي تفارق البيع من هذا الوجه، فكل ما جاز على المجهول: لم تفسده الشروط التي قدمنا وصفها. فإن قيل: هلا كان كالنكاح في امتناع فساده بالشروط، سواء كانت في البدل أو في غيره. قيل له: هي تفارقه من جهة أن عقد النكاح لا يفتقر في صحته إلى تسمية البدل، وعقد الكتابة لا يصح إلا ببدل مسمى في العقد.

стр. 3721

مسألة: [صحة مكاتبة العبد نفسه وماله] قال أبو جعفر: (وجائز للرجل مكاتبة عبده على نفسه، وعلى ماله وإن كان ماله أكثر مما كاتبه عليه). وذلك لأنه كسبه، ويدخل كتابته سائر أكسابه التي كان حكمها أن تكون للمولى لولا الكتابة، فلما جازت الكتابة على أكسابه التي يستفيدها في المستأنف، جازت أيضا على أكسابه الموجودة في حال العقد، ولا تعتبر زيادته على مال الكتابة، كما لا يعتبر ذلك فيما يستفيده بعد العقد. مسألة: [مكاتبة الرجل عبده على الخدمة] قال: (وجائز للرجل أن يكاتب عبده على أن يخدمه شهرا، أو على أن يبني له دارا؛ استحسانا، وليس بقياس). قال أحمد: وجه القياس: أن الخدمة مستوفاة من ملك المولى؛ لأن الرقبة في ملكه، فلا يصح شرطها بدلا من الرقبة، إذ كانت الرقبة التي الخدمة من منافعها في ملكه، ألا ترى أنه لو كاتبه على ثوب في يده للمولى: لم يصح؛ لأنه في ملك المولى، فلا يصح أن يجعله بدلا عن ملكه، إذ يمتنع أن يكون البدلان جميعا من ملك واحد في عقود المعاوضات. ألا ترى أن المؤاجر لا يجوز له أن يستأجر العبد الذي أجره من المستأجر؛ لأن المنافع حادثة على ملكه، وليس كذلك المال المطلق؛ من قبل أنه يثبت في ذمة العبد بعقد الكتابة، ثم يستوفى من كسبه الذي لا ملك للمولى فيه بعد الكتابة. وجهة الاستحسان: أن المنافع الحادثة التي ليست موجودة في حال

стр. 3722

العقد: ليست ملكا لأحد، فجاز أن يشترطها بدلا من الرقبة، كما يشترط مالا مطلقا، فتصح الكتابة به؛ لأنها حادثة على ملك المكاتب، وملك المكاتب لا يملكه المولى. وأيضا: فإن المنافع لما كان لها قيمة بالعقد، صارت بمنزلة سائر الأموال؛ ألا ترى أنه لو كاتبه على مال، ثم استأجر المكاتب للخدمة شهرا: صحت الإجارة؛ لأن المنافع الحادثة في هذه الحال ليست ملكا للمولى وإن كانت الرقبة في ملكه، فكذلك يجوز أن تجعل هذه المنافع بدلا من الرقبة في عقد الكتابة. مسألة: [حكم مصالحة المكاتب على تعجيل بعض مال الكتابة والبراءة من بقيته] قال أبو جعفر: (وإذا كاتب عبدا له على مال مؤجل، ثم صالحه قبل حلول الأجل على أن يعجل له بعض ذلك المال، ويبرأ من بقيته: لم يجز ذلك فيما روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف من قوله، وأما محمد فروى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه جائز، ولم يحك خلافا). قال أحمد: كان القياس عندهم أنه لا يجوز كسائر الديون المؤجلة، إذا وقع الصلح فيها على تعجيل بعضها، والبراءة من بقيتها، وذلك لأن الأصل الذي تعتبر به هذه المسائل ونظائرها: أن يراعى ما وقع عليه الصلح، فإن كان مما أوجبه له عقد المداينة: لم يكن له حكم العقد، وكان آخذا لبعض حقه، أو لحقه. وإن كان مما لم يوجبه له عقد المداينة: فهو إنما يريد استحقاقه بعقد

стр. 3723

مستقبل، وهو عقد الصلح، فأحمله على ما تجوز عليه عقود البياعات، فما جاز فيها: جاز في ذلك، وما لم يجز فيها: لم يجز فيه. ومعلوم أن من كان له على آخر ألف مؤجلة، فهو غير مستحق لخمسمائة حالة إلا بعقد، فكأنه باع الألف بالخمسمائة: فلا يجوز. وهذا هو القياس في مسألة صلح المكاتب، إلا أنهم تركوا القياس، وجعلوه كأنه حط البعض، وعجل له العبد البقية، لا على وجه العقد؛ لأن ما على المكاتب ليس بدين صحيح؛ لأنه على عبده، والمولى لا يثبت له على عبده دين صحيح، ولأنه يمكنه إسقاطه عن نفسه بالعجز، فلما وجدوا له وجها في الصحة، حمل عليه. وقالوا: لو كاتبه على حنطة موصوفة، فصالحه منها على شعير موصوف إلى أجل: لم يجز، وكان ودين الحر في هذا الوجه سواء؛ لأنه ليس له وجه في الصحة يحمل عليه. مسألة: [دفع الزكاة للمكاتب] قال: (وجائز للمكاتب قبول الزكوات وغيرها). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾، وقال تعالى: ﴿وما أدراك ما العقبة*فك رقبة﴾.

стр. 3724

*قال: (وجائز للمولى أخذ ذلك منه قضاء من الكتابة). وذلك لأنه لا يأخذها صدقة، وإنما يأخذها من مال الكتابة. وقد روي أن بريرة كان يتصدق عليها، فتهديه للنبي ﵊، فقال النبي ﷺ : "هو لها صدقة، وله هدية". مسألة: قال أبو جعفر: (ولا تجوز المكاتبة على القيمة). وذلك لأنها مجهولة كثيرة الجهالة، ألا ترى أن مثلها لا يكون تسمية في النكاح، لو تزوج امرأة على مهر مثلها: كان ذلك كلا تسمية، وكان لها إن طلقها قبل الدخول المتعة. ويفارق هذا الكتابة على وصيف؛ لأن القيمة لا يتحصل لنا مقدارها إلا بالحرز والظن، فلا تحصل معلومة بيقين، والوصيف معلوم على الحقيقة، متيقن أنه وصيف، واختلاف المقومين في قيمته لا يسلبه اسم الوصيف، ويكون ذلك كالاختلاف في الصفة، لا في عين المسمى، وأما القيمة نفسها فمختلفة المقدار، وليس يوقف منها على حد معلوم. وأيضا: فإن الذي يجب عند أداء الكتابة الفاسدة هو القيمة، وما لا يثبت إلا مع الفساد: لا يصح أن يكون بدلا في العقد، ألا ترى أن القيمة

стр. 3725

لما لم تجب في البياعات إلا عند الفساد: لم يصح أن تكون بدلا في العقد. مسألة: [حرمة المكاتبة على مولاها] قال: (والمكاتبة حرام على مولاها ما دامت مكاتبة). وذلك لأنها قد صارت في يد نفسها، خارجة عن مولاها، فكان أقل أحوالها أن تكون بمنزلة الجارية المرهونة، لا يجوز للراهن وطؤها. وأيضا: فإن المولى في هذه الحال لا يملك منافعها، والوطء من منافعها، ولا يجوز له تناوله منها. وأيضا: فإن الوطء بمنزلة إتلاف جزء منها في الحكم، للدلائل التي قد ذكرت في غير هذا الموضع، ولا سبيل له إلى تناول شيء من أجزائها. فإن قيل: لما لم يجز تزويجها إلا إذن المولى، دل على أنه يملك وطأها. قيل له: هذا فاسد؛ لأن الصغيرة لا تتزوج إلا بإذن وليها، ولا يدل ذلك على أن وليها يملك وطأها. وأيضا: فإن الوطء قد صار في ملكها، بدلالة أنها إذا وطئت بشبهة، كان المهر لها دون المولى. مسألة: [حكم المكاتبة الفاسدة] قال أبو جعفر: (ومن كاتب عبده مكاتبة فاسدة، فأدى إليه ما كاتبه

стр. 3726

عليه: عتق، وكان عليه أن يسعى في بقية الكتابة إن كانت في قيمته لمولاه). قال أحمد: من الكتابة ما إذا أدى ما سمى فيها: لم يعتق، نحو أن يكاتبه على ثوب، أو على ميتة، أو على حلة، أو نحو ذلك من الأشياء التي لا يصح أن تكون بدلا بحال، أو لا يوقف له على مقدار. وقالوا: إذا كاتبه على قيمته: فالكتابة فاسدة، فإن أدى القيمة: عتق، والفرق بينهما: أن لأعلى القيمة مقدارا معلوما، وهي جنس واحد، فإذا أدى ذلك: عتق من جهة الشرط، وكذلك لو كاتبه على خمر أو خنزير، فأدى: عتق، وكان عليه القيمة؛ لأن العقد على الخمر قد يصح بحال فيما بين الذميين، فهو عقد فيما بين المسلمين وإن كان فاسدا، ويعتق بالأداء لوجود الشرط. ألا ترى أن مثله يملك به في البيع إذا اتصل به القبض، وأما ذكر الثوب في العقد، فليس بتسمية، ولا يوقف على الثوب المعقود عليه، فيتعلق العتق بأدائه، لأجل وجود الشرط، فلذلك لم يعتق بأداء الثوب، وصار بمنزلة الكتابة على حلة. وأما الميتة، فليست ببدل بحال، ألا ترى أن مثله إذا وجد في البيع: لم نجعله عقدا، ولم يتعلق به الملك بحال، فصار كقوله: قد كاتبتك: ولم يسم شيئا. فإن قيل: فهلا أعتقته بقوله: قد كاتبتك: إذا أدى، كما لو قال: بعتك، فقبل ملكه إذا قبض. قيل له: الفصل بينهما: أن الكتابة يتعلق العتق فيها بأداء المسمى في العقد، مما يصح أن يكون بدلا بحال، إذ غير جائز وقوع العتق فيها بنفس

стр. 3727

العقد، فيجب حينئذ أن يحصل الأداء على الوجه المشروط. وقوله: كاتبتك: لم يتعلق العتق فيه بأداء مسمى مشروط، فبطل. وقوله على حلة: فإنه لا يصح أن يكون تسمية في شيء من العقود بحال، فصار وجوده وعدمه سواء، وكذلك تسميته ثوبا، أو دابة، لاختلاف أجناسها وتعذر الوقوف على حدها. مسألة: [اختلاف المولى ومكاتبه فيما كاتبه عليه] قال أبو جعفر: (ومن اختلف هو ومكاتبه فيما كاتبه عليه، فإن أبا حنيفة كان يقول: يتحالفان ويتردان المكاتبة، ثم رجع عن هذا القول فقال: القول قول المكاتب، ولا يتحالفان، وقال أبو يوسف ومحمد: يتحالفان، ويترادان). وجه قول أبي حنيفة: أن حصول الكتابة وصحتها باتفاقهم، يمنع فسخها بالاختلاف، والدليل عليه: أن المشتري لو كاتب العبد، ثم اختلف، لم يتحالفا، وكان القول قول المشتري مع كونه في ملكه، لأجل حصول الكتابة، كذلك حكم اختلافهما في عقد الكتابة بعد وقوعه. فإن قيل: لو باعه المشتري، ثم اختلفا في الثمن: لم يكن بينهما تحالف، ولا يمنع ذلك وجوب التحالف عند اختلافهما في البيع إذا لم يبعه، وهذا نظير اختلافهما في عقد الكتابة. قيل له: ليس الأمر كذلك؛ لأن المانع من التحالف بعد بيع المشترى إياه تعذر الفسخ فيه، لأجل كونه في ملك غيره، وإذا كاتبه، فهو

стр. 3728

ملكه، وكان وقوع الكتابة مانعا من التحالف مع بقاء الملك، كذلك إن اختلفا في نفس الكتابة، وجب أن يكون بهذه المنزلة. مسألة: [مكاتبة المولى عبده على عبد غيره] قال أبو جعفر: (ومن كاتب عبده على عبد لغيره: كانت المكاتبة فاسدة، وإن أجازها رب العبد أيضا: لم تجز). قال أحمد: ذكر محمد هذه المسألة في كتاب: المكاتب، فقال: إذ كاتبه على عبد بعينه لرجل: لم تجز الكتابة، ولم يذكر حكمه إذا أجازه صاحب العبد. وقال في كتاب: الشرب: إذا كاتبه على أرض في يده: فالكتابة جائزة، وهذا يدل على أن الإجازة تلحقه من مالك الأرض. وقد روى ابن سماعة عن محمد: أن الكتابة موقوفة، فإن أجازها صاحب العبد: جازت، وإن لم يجز: فسدت، يعني إذا كاتبه على عبد غيره. وقد روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف: أن الكتابة فاسدة، فإن أدى: عتق، وهو قول أبي حنيفة. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إذا أدى: لا يعتق.

стр. 3729

والصحيح من ذلك: أن الكتابة موقوفة، فإن أجازها مالك العبد: جاز، وكان على المكاتب قيمة العبد للمجيز، كمن اشترى جارية بعبد غيره، فيوقف الشراء على إجازته، فإن أجازها: جاز، ولزم المشتري قيمة العبد للمجيز. مسألة: [عجز المكاتب عن سداد نجم الكاتبة] قال أبو جعفر: (وإذا حل على المكاتب نجم من نجوم مكاتبته، فعجز عنه، فرده مولاه في الرق برضاه دون السلطان: جاز ذلك). لأن الكتابة مما يلحقه الفسخ، فيجوز لهما التراضي على فسخها، كما يجوز تراضيهما على فسخ البيع والهبة، وغيرهما من العقود التي يلحقها الفسخ بغير سلطان. وأيضا: كما جاز إيقاع العقد بغير سلطان، جاز فسخه أيضا. *قال: (فإن رفعه إلى السلطان، وقد أخل بنجم، فإن وجد له مالا حاضرا، أو مالا غائبا يرجى قدومه: أخره يوما أو يومين، فإن جاء: قضى منه كتابته). ووجه التأخير: أن هناك مالا يمكن قضاء الكتابة منه، فليس إذا بعاجز، فتأخيره هذا المقدار لا يوجب الحكم بعجزه، كما أن الغريم إذا أقر بالدين عند القاضي، وقال له: لا تحبسني حتى أحضر الدراهم، وأقضيه، أمهله هذا القدر، وكذلك لو قال: أبيع عبدي هذا الآن، وأقضي الدين من ثمنه: لم يأمر بحبسه.

стр. 3730

*قال: (فإن لم يكن شيء مما ذكرنا: رده في الرق، في قول أبي حنيفة ومحمد). لأنه قد تبين عجزه عن القيام بشرط الكتابة، وأداء المال حسبما لزمه بالعقد، ولو جاز أن لا يرد في الرق مع عجزه عن نجم من نجوم الكتابة، جاز أن لا يحكم به وإن عجز عن جميع نجومها، وهذا لا يقوله أحد، فدل أن العجز واقع بأول نجم. *قال: (وقال أبو يوسف: لا يرده إلى الرق حتى يتوالى عليه نجمان). مسألة: [موت المولى لا يبطل عقد الكتابة] قال أبو جعفر: (ومن مات وله مكاتب: كانت الكتابة على حالها موروثة عن المولى، كما يورث سائر ماله، وكان ولاء المكاتب إذا أدى لمولاه، لا لورثته). وذلك لأنهم ورثوا مالا، ولم يرثوا رقبة المكاتب؛ لأنها لا يصح تمليكها، ومن أجل ذلك قالوا: إنه لو كان ذا رحم محرم لبعض الورثة: لم يعتق عليه، ولو كان زوجا لابنة الميت: لم يفسد نكاحها؛ لأنها لم تملكه. ومما يدل على أن الورثة لا يملكونه: أنهم لو ملكوه، لبطلت الكتابة؛ لأن العقد تضمن عتقا موقعا من جهة الميت، فلا جائز انتقال ذلك العتق

стр. 3731

إلى غيره؛ لأن كل عتق وقف على مالك، ثم انتقل ملكه إلى غيره: بطل العتق الموقوف عليه، ولا خلاف أن موت المولى لا يبطل الكتابة، فدل على أن الورثة لم يملكوا رقبته، وإنما ورثوا ما عليه من مال الكتابة، فإذا أدى: كان العتق واقعا على حكم ملك المولى، فكان ولاؤه له. مسألة: [موت المكاتب دون أن يترك وفاء لكتابته] قال أبو جعفر: (وإذا مات المكاتب في حياة المولى، أو بعد وفاته، ولم يترك وفاء: فهو عاجز ميت من حال مولاه). وذلك لفوات شرط العتق، وهو الأداء. مسألة: [لو مات المكاتب وترك مالا للوفاء] قال: (ولو ترك مالا فيه وفاء بمكاتبته: أديت عنه كتابته، وجعل كأنه قد مات حرا). قال أحمد: وروي نحوه عن علي ﵁، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وابن الزبير. *وروي عن ابن عمر أنه يموت عبدا. الدليل على صحة قولنا: أن أداء الكتابة وصحة ما يتعلق به من العتق، ليس مقصورا على أدائها بنفسه، ولا على مباشرة قبض من المولى لها. والدليل على ذلك: أن غيره لو أدى عنه في حياته، أو وكل المولى

стр. 3732

غيره بقبضها: عتق به، فلما لم تكن صحة الأداء موقوفة على مباشرته إياه، لم يكن تعذر الأداء من جهته بالموت، مانعا من جواز الأداء من ماله، وحصول عتقه في الحكم قبل موته بلا فصل. فإن قيل: إنما عتق بأداء غيره عنه في حياته؛ لأنه ممن يلحقه العتق، ولا يلحقه العتق بعد الموت، فلا معنى للأداء؛ لأنه لا يعتق به، لاستحالة عتق الميت. قيل له: لا نعتقه بعد الموت، وإنما نقول: إذا صح الأداء، حكم بأنه كان حرا قبل الموت بلا فصل، وليس يمتنع حصول العتق قبل الموت بلا فصل بأداء يحصل بعد الموت. كما لو حفر رجل بئرا في طريق المسلمين، ثم مات، وترك عبدا: فأعتقه الوارث، ثم وقعت فيها دابة، فماتت: أن الوارث يضمن القيمة، ويحكم عند الوقوع بأنه كان جانيا يوم الحفر، في باب ما يضمنه الوارث من قيمة العبد. وكما لو أن رجلا جرح رجلا، ثم مات الجارح، ثم مات المجروح: أنا نحكم عند موت المجروح بأن الجارح كان جانيا قبل الموت؛ لاستحالة كونه جانيا بعد الموت. فإن قيل: موته يوجب فسخ الكتابة؛ لأنه لا يصح ابتداؤها بعد الموت. قيل له: ليس سبيل الابتداء في ذلك سبيل البقاء، ألا ترى أن العبد الآبق لا يجوز بيعه، ولو اشتراه، ثم أبق من يد البائع: لم يبطل البيع. ولو ابتدأ عقد نكاح امرأة وهي معتدة من غيره: لم يصح، ولو طرأت عليها عدة من وطء شبهة وهي تحت زوج: لم ينفسخ نطاحه.

стр. 3733

وأيضا: فإن هذا اعتلال منتقض؛ لاتفاق الجميع على أن المولى لا يصح منه ابتداء كتابة، ولو عقدها في الحياة، ثم مات: لم يبطل. فإن قيل: لما كان شرط الكتابة حصول العتق عند الأداء، ويستحيل أن يصير حرا في هذه الحال: لم يصح أداؤها، إذ لم يحصل به العتق المستحق بعقد الكتابة. قيل له: من قولك: إن حكم الأداء أن يقع العتق معه في جميع الأحوال، هو موضع المنازعة بيننا وبينكم، لأنا نقول: إن الأداء يوجب العتق، ولا نقول: إنه يوجبه في وقت وجوده لا محالة، بل يوجبه تارة عقيب الأداء، وتارة قبله، بالدلائل التي ذكرناها. وكما جاز أن يكون المولى معتقا تارة في حال الأداء، وتارة قبل الموت بلا فصل، كذلك حكم العبد. ودليل آخر: وهو قول الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾. فحكم ببقاء دين الميت بعد موته، وأوجب قضاءه من ماله، والمكاتبة دين على الميت، فوجب أداؤه من ماله، وأن يجعل الباقي لورثته، ومن ادعى سقوطه بالموت، فهو تارك لحكم الآية بلا دلالة، فإذا وجب الأداء بعد الموت، تعلق به حكم المعتق، لأن الناس فيه على قولين: منهم من يجعله عاجزا، ويسقط الأداء، ومنهم من يثبت الأداء، ويجعله حرا قبل الموت، فلما بطل بظاهر الآية قول من أسقط الأداء: ثبت قولنا.

стр. 3734

فإن قيل: هذا في الأحرار. قيل له: بل هو في الأحرار والمكاتبين إذا تركوا وفاء؛ لعموم اللفظ إلا ما قام بدليله. وأيضا: فلم نجد دينا يبطله الموت، فوجب أن لا تبطل الكتابة بالموت. فإن قيل: فأنت تبطله إذا مات عاجزا. قيل له: ليس الموت يبطله، وإنما يبطله العجز. وأيضا: لما كان عتق المكاتب مضمنا بأداء الدين، أشبه استحقاق الميراث الذي صحته مضمنة بأداء الدين الذي على الميت، فلو مات رجل، وترك دينا عليه يحيط بماله، لمنع ذلك الورثة من ملك ماله. ولو أبرأ الغريم من الدين، فسقط حقه: ملك الورثة المال بالموت. ولو كان بعضهم قد مات قبل إبراء الغريم: ورث عنه نصيبه ورثته، فكذلك المكاتب، لما مات وعتقه مضمن بأداء المال، وجب أن يكون حكمه موقوفا على الأداء على ما وصفنا. وأيضا: لما اتفق الجميع على أن موت المولى لا يبطل الكتابة، لأجل إمكان الأداء بوجود المال، وجب أن يكون ذلك حكمه بعد موت المكاتب، لوجود المال الذي يصح به الأداء، ولم يمتنع أن يحصل في الحكم معتقا بعد الموت، كما جاز أن يصير المولى معتقا بعد الموت. فإن قيل: إنما جاز أن يكون المولى معتقا بعد الموت بأداء المكاتب؛ لأن الميت يجوز أن يلحقه حكم عتق يبتدأ بعد موته، بأن يوصي بعتق عبده، فيبتدأ عتقه، ويلحق الميت ولاؤه، ولما لم يصح إيقاع عتق على ميت بعد موته، لم يجز أن يلحقه حكم العتاق بوجه بعد موته.

стр. 3735

قيل له: كل ما استشهدت به من تأكيد جواز وقوع العتق منه بعد الموت، لتقدم السبب الموجب له من جهته في حال حياته، فهو مؤكد لجواز حول عتق المكاتب بعد موته بالأداء، ألا ترى أن موت المولى: لم يجعل المكاتب في معنى من قال له المولى: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم مات، فدخل: فلا يعتق، بل فل بين الكتابة واليمين بعد موت المولى، فدل على أن الموت لا تأثير له في بطلان الكتابة أيهما مات. وقولك: إنه يصح من المولى عتق بعد موته بالوصية، فإنما تعلق ذلك بتقدم سببه في حال الحياة، ولولا تقدم الوصية، لما صح أن يلحقه حكم العتق، فإنما تعلق جوازه بسبب موجود قبل الموت، فكذلك المكاتب يجوز أن يلحقه العتق بالسبب المتقدم وإن لم يجز ابتداء عتقه بعد موته. فإن قالوا: الكتابة فيها معنى اليمين، واليمين يبطلها الموت. قيل لهم: فينبغي أن يبطلها موت المولى، كما تبطل اليمين بموته. مسألة: [ثبوت الخيار للمكاتبة إذا حبلت من مولاها] قال: (وإذا علقت المكاتبة من مولاها: كانت بالخيار، إن شاءت عجزت، فصارت أم ولد لمولاها، وإن شاءت مضت على مكاتبتها، وأخذت عقرها من مولاها، فاستعانت به على المكاتبة). وذلك لأنها قد استحقت العتق من غير جهة الكتابة، فكان لها أن تعجز لتحصيل ما استحقته من عتق الاستيلاد، وإن شاءت مضت على

стр. 3736

كتابتها؛ لأنها مستحقة للعتق بها، فلا يجوز فسخ شرطها إلا برضاها. مسألة: [حكم المكاتبة على نصف العبد] قال: (ومن كاتب نصف عبده على مال، فإن أبا حنيفة كان يقول: نصفه مكاتب على ذلك المال، فإذا أدى إليه: عتق، ويسعى له في بقية قيمته، وقال أبو يوسف ومحمد: يكون العبد كله مكاتبا على ذلك المال). قال أحمد: من أصل أبي حنيفة: أن العتق يتبعض، وقد بيناه فيما سلف، فكذلك الكتابة. ومن أصلهما: أن العتق لا يتبعض، فكذلك الكتابة؛ لأنها عقد على العتق، فعقده على بعضه: عقد على جميعه، كما أن عتق بعضه: عتق لجميعه. *وقول أبي جعفر: إنه إذا أدى: عتق، وسعى في بقية القيمة، في قول أبي حنيفة: معناه: عتق ذلك النصف المكاتب، وأما النصف الباقي، فهو رقيق في قوله، ولا يعتق إلا بالسعي. مسألة: [مكاتبة أحد الشركاء في حصته دون إذن لشريك] قال: (ومن كاتب عبدا بينه وبين أخر، أو كاتب نصفه بغير أذن شريكه: فلشريكه إبطال ذلك، ما لم يود العبد الكتابة). وإنما كان للشريك فسخه من وجهين:

стр. 3737

أحدهما: أن كتابة البعض تمنع تصرف المولى في بيعه، وسائر وجوه التمليك في نصيبه، فكان له أن يبطله، ليصل به إلى حقه في التصرف. والوجه الآخر: أنه يؤدي إلى العتق، وفي العتق استهلاك نصيبه، وإخراجه من يده. *قال أبو جعفر: (فإن لم يبطل المولى الذي لم يكاتبه المكاتبة، حتى أداها العبد إلى الذي كاتبه عليها: فإنه قد عتق نصيبه بذلك). *قال: (وكان أبو حنيفة يقول: إن وقعت المكاتبة على العبد كله: كان للذي لم يكاتبه أن يرجع على الذي كاتبه بنصف ما قبض من العبد، ثم يكون العبد كعبد بين رجلين أعتقه أحدهما). وذلك لأن نصيب الذي كاتب: مكاتب، كسبه له دون المولى، ونصيب الآخر: عبد غير مكاتب، وكسب لمولاه، فإذا أخذ الكتابة من مال: نصفه لشريكه: كان له أن يأخذه منه، وكان بمنزلة المكاتب إذا أدى كتابته، ثم استحق نصف المؤدى، فلا يبطل العتق، ولا يرجع الذي كاتب على العبد بشيء؛ لأنه جعل المال بدلا ن النصفين، فاستحق نصف المال، ولم يسلم أيضا للعبد إلا نصف الرقبة. *قال أبو جعفر: (فإن كانت المكاتبة وقعت على نصيبه من العبد: كان الجواب كذلك، غير أنه يكون للمكاتب أن يرجع على العبد بما أخذ منه شريكه، فيستسعيه فيه). وذلك لأنه شرط جميع المسمى بدلا نمن نصف الرقبة، وقد يسلم للعبد ما شرط له، ولم يسلم للمولى من المال إلا نصفه، ويرجع به عليه. *قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف ومحمد: سواء وقعت المكاتبة

стр. 3738

على كل العبد، أو على نصيبه منه، وهو كما قال أبو حنيفة: إذا كاتب جميعه. وإن كانت المكاتبة من المولى وقعت على نصيبه من العبد بإذن شريكه: كانت جائزة، وللذي لم يكاتب أن يرجع على الذي كاتب بنصف ما قبض، ويرجع الذي كاتب به على العبد). قال أحمد: وذلك لأن إذنه له في الكتابة، ليس بإذن له في قبض نصيبه من الكسب، فله أن يرجع عليه بنصف المقبوض. مسألة: [إذن الشريك بقبض بدل المكاتبة] قال: (وإن كان الشريك أذن له في قبض المكاتبة: كان كذلك أيضا، إلا أنه ليس للشريك أن يرجع عليه بشيء مما قبض، ويعتق نصيبه، ويكون كعبد بين رجلين أعتقه أحدهما). وذلك لأنه إذا أذن له في قبض المكاتبة، كان بمنزلة رجل أذن لرجل في قضاء دينه من ماله، فلا يكون له بعد القضاء أن يرجع فيه. *قال: (وإن نهى الشريك شريكه عن قبض المكاتبة، أو مات قبل قبض شريكه: انقطع إذنه). وذلك لأنه بمنزلة من أذن لرجل في قضاء دينه من ماله، ثم نهاه قبل أن يقبضه، فيبطل إذنه بالنهي، وكذلك ينقطع بالموت، وذلك لأن ملكه انتقل إلى الوارث، ولم يكن من الوارث إذن فيه. * (وقال أبو يوسف ومحمد: هذه مكاتبة لجميع العبد، وهو مكاتب للموليين، فإن أذن أحدهما لصاحبه في قبض الكتابة، فقبضها: عتق العبد منهما، وإن كان لم يأذن له في قبضها: لم يعتق بقبض الذي كاتبه إياها، حتى يقبض المولى الآخر حصته منها).

стр. 3739

وذلك لأن الذي كاتب عاقد على نصيب نفسه، ووكيل للشريك في العقد على نصيبه، والوكيل في الكتابة لا يستحق القبض بعقد الكتابة، وشرط الكتابة حصول العتق بأدائها إلى مستحقها، ولم يحصل ذلك، فلم يعتق حتى يقبض الآخر نصيبه منها. مسألة: [حكم ما يعتقه المكاتب من عبيده وسائر تبرعاته] قال أبو جعفر: (ولا يجوز عتق المكاتب لعبده، ولا هبته شيئا من ماله، عتق أو لم يعتق). وذلك لأن مال المكاتب موقوف، ولا ينعقد العتق إلا في ملك صحيح، فلا يجوز عتقه ولا هبته، لأن الهبة تبرع، ولا يجوز تبرع الإنسان في غير ملكه. وأيضا: فإن عقد الكتابة إنما تضمن جواز تصرف المكاتب فيما يعينه على أداء الكتابة، والعتق والهبة ليس فيهما ذلك، بل فيهما ضرر عليه، ومنع من الأداء. وأيضا: فإن حق المولى هو المانع من وقوع ملك المكاتب في ماله، فصار من هذا الوجه كالوارث إذا كان على الميت دين يحيط بماله، فيمنع حق الغرماء من وقوع ملكه في مال الميت، فكما لم يجز عتق الوارث وهبته، لأجل حق الغرماء المانع من وقوع ملكه، وجب أن لا يجوز عتق المكاتب وهبته، لوجود هذه العلة. قال أحمد: وكذلك قالوا في كفالته بمال ليس عليه، إنها غير جائزة،

стр. 3740

لأنها تبرع بمنزلة القرض، وقرضه لا يجوز لهذه العلة. وقالوا: إن أجاز المولى تصرفه على هذه الوجوه، لم يجز أيضا، لأنه لا ملك له فيه، كما أن الغرماء لو أجازوا عتق الوارث وهبته لمال الميت، لم يجز بإجازته. مسألة: [حصول العتق للمكاتبين مكاتبة واحدة بأداء واحد منهما] قال أبو جعفر: (ومن كاتب عبدين له على ألف درهم مكاتبة واحدة، إن أديا عتقا، وإن عجزا ردا في الرق: كانا بذلك مكاتبين جميعا، وللمولى أن يأخذ كل واحد منهما بالمكاتبة كلها، فأيهما أداها: عتق، وعتق صاحبه، وكان له أن يرجع على صاحبه بحصته منها). وذلك لأن هذه لما كانت كتابة واحدة، تعلق عتقهما بأداء جميعها، فصار جميع المال على كل واحد منهما؛ لأنه لا يستحق العتق إلا بأداء جميعه، فصار كل واحد منهما ضامنا عن صاحبه. وإنما جاز الضمان في ذلك على هذا الوجه؛ لأن عتقه مستحق بأداء جميع الكتابة، فكان جميع الكتابة عليه، وشرط معه عتق الآخر. ولو كاتبه وحده على جميع المال: جاز، فلا يبطله شرط عتق الآخر معه، وإنما صار في معنى من كوتب على جميع المال، لأن عتقه معلق بأدائه. وليس هذا بمنزلة ضمان المكاتب مالا ليس عليه عن غيره: فلا يجوز؛ لأن الكفالة تبرع، والمكاتب لا يملك ذلك، ولا يتعلق بكفالته عن غيره

стр. 3741

على غير الوجه الذي ذكرنا عتاقه، فلذلك اختلفا. قال: (فإن أداها أحدهما: عتقا جميعا، ورجع على صاحبه بالنصف). وإنما عتقا؛ لأنه قد جعل أداءه شرطا في عتقهما، وإنما رجع على صاحبه بنصفه؛ لأن المال عليهما، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بما عليه بأمره، فرجع عليه بما يؤديه عنه. *قال أبو جعفر: (وكذلك ما أداه أحدهما من شيء: كان له أن يرجع على صاحبه بنصفه). قال أحمد: وذلك لأنهما يتساويان في ضمان المال، كأن جميعه على كل واحد منهما، وكل واحد مع ذلك كفيل عن الآخر، فأشبها من هذا الوجه رجلين كفلا عن رجل بألف درهم، على أن كل واحد منهما كفيل ضامن صاحبه، فما أدى أحدهما من شيء: رجع به على الآخر. ولا يشبه هذا رجلين اشتريا عبدا بألف درهم، على أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه، فلا يرجع أحدهما على الآخر بشيء، حتى يؤدي أكثر من النصف، ثم يرجع عليه بالفضل، وذلك لأن كل واحد من هذين عليه نصف المال من أصل ما عليه خاصة، والنصف لآخر عليه من جهة الكفالة، فلو جاز له أن يجعل ما يؤديه عن صاحبه قبل أن يؤدي ما عليه، لجاز لصاحبه إذا حصل عليه ضمان ذلك، أن يجعله عن الآخر، مما عليه من كفالته، فيؤدي ذلك إلى بطلان الرجوع رأسا، حتى يؤدي ما عليه خاصة. وأما مسألة الكتابة، فليست كذلك؛ لأن لو جعلنا على كل واحد منهما نصف المال من أصل ما عليه: لم يصح أن يضمن النصف الآخر من جهة الكفالة، فوجب أن يكون جميع المال على كل واحد منهما من جهة

стр. 3742

واحدة، وهي جهة الكتابة، كالكفيلين عن الغير، إذا كان كفلا على أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه، لأن جميع المال على كل واحد من جهة واحدة، وكل واحد كفيل عن صاحبه، فوجب أن يتساويا فيما ضمنا، كذلك المكاتبان كتابة واحدة. مسألة: [ما يلزم المكاتبين عند الاقتصار على ذكر ثمن المكاتبة] قال أبو جعفر: (ولو كانت المكاتبة وقعت على ألف درهم، ولم يذكر شيئا غير ذلك: كان على كل واحد منهما حصته منها لمولاه، لا شيء عليه غير ذلك) قال أحمد: كل واحد في هذه الحال مكاتب على حدة بحصته من الألف، كرجل قال لرجلين: قد بعتكما هذين العبدين، هذا منك، وهذا من الآخر، جميعا بألف درهم: فيجوز إذا قبلا، ويكون ثمن كل واحد منهما حصته من الألف. ولا يشبه هذا ما تقدم، وذلك لأنهما لا يصيران مكاتبين كتابة واحدة إلا أن يقول لهما: قد كاتبتكما على ألف درهم، على أن تؤدياها إلى في كذا وكذا نجما، أو على أن كل واحد منكما ضامن عن صاحبه، فإذا أوقعها على أحد هذين الوجهين، بأن يجعل نجومهما واحدة، وما عليهما مالا واحدا، أو شرط على أن كل واحد منهما ضامن ما على صاحبه وإن كانت حالة، فهذه كتابة واحدة. وأما إذا كانت الكتابة حالة، ولم يشرط الضمان: فكل واحد منهما مكاتب على حدته بحصته من المال؛ لأن النجوم إذا كانت واحدة، والمال واحد، فقد جعل أداء المال على النجوم شرطا في عتقهما؛ لأنه قال: على أن تؤدياها إلي في كذا وكذا نجما، وإن كانت حالة وشرط

стр. 3743

الضمان، فقد صرح بأن أحدهما لا يعتق إلا بأداء الجميع. وأما إذا كانت حالة، ولم يشرط الضمان: فليس في اللفظ دلالة على أن أداء جميع المال شرط في عتقهما، فلذلك لم نجعله شرطا. مسألة: [موت أحد المكاتبين مكاتبة واحدة] قال أبو جعفر: (وإذا كاتبهما مكاتبة واحدة، إن أديا عتقا، وإن عجزا ردا، فمات أحدهما: كان للمولى أن يأخذ الباقي بجميع الكتابة). لأن المال لم يسقط عن الميت، ألا ترى أنه لو ترك وفاء: أخذ من ماله. *قال: (ولو لم يمت، ولكن المولى أعتق أحدهما: سقطت حصته من الكتابة). وذلك لأنه قد استوفى رقبته بالعتق، فلا يجوز أن يستوفي بدلها، ألا ترى أنه لو أعتقهما: سقط جميع المال. وليس العتق كالموت؛ لأنهما جميعا لو ماتا لم يسقط مال الكتابة، وأخذ مما تركاه. *قال: (فإذا أعتق أحدهما: كان له أن يأخذ كل واحد منهما بحصة الذي لم يعتق). وذلك لأن الضمان قد صح في حال الكتابة، فلا يسقط بالعتق وإن لم يصح ابتداؤه في هذه لحال، كما لو ملك المكاتب امرأته: لم يفسد نكاحها، ولو ابتدأ عقد النكاح بعد الملك: لم يصح، وكما لو وجب

стр. 3744

على امرأة تحت زوج عدة من غيره بوطء بشبهة: لم يفسد نكاحها، ولو أراد أن يبتدئ العقد وهي معتدة من غيره: لم يصح، ولهذا نظائر كثيرة. *قال: (فإن أداها الذي عتق: رجع بها على المكاتب). وذلك لأنه ضمن عنه بأمره، وكما كان يرجع عليه بحصته لو أداها قبل العتق. مسألة: [كفالة المكاتب للمولى على دين الكتابة] قال أبو جعفر: (ولا تجوز الكفالة للمولى بما على عبده من الكتابة في غير ما ذكرنا). وذلك لأن مال المكاتبة لا يثبت إلا في رق يستحق به العتق، فمن ضمنه على غير هذا الوجه: لم يصح ضمانه، ألا ترى أن رجلا لو قال للمولى: كاتب عبدك على ألف درهم، على أني ضامن له دونه: لم يصح، لأنه لم يتعلق برق يستحق به العتق. وأيضا: فإن ضمان الحر للمال ضمان صحيح، ومال الكتابة ليس بدين صحيح؛ لأن له إسقاطه عن ننفسه بالعجز، فلا يخلو حينئذ من أحد أمرين: إما أن تلزمه الحر ضمانا صحيحا، فيكون قد لزمه على غير الوجه الذي على صاحب الأصل، وهذا لا يجوز، لأنه مال واحد، لا يجوز أن يلزم أحدهما على غير الوجه الذي لزم صاحب الأصل.

стр. 3745

أو لا نجعله دينا صحيحا على الضمين، وذلك لا يجوز، لأن ما يلزم الحر من الدين، فهو صحيح، بخلاف ما يلزم العبد لمولاه، فلما بطل هذان الوجهان، لم تصح الكفالة بمال الكتابة. مسألة: قال أبو جعفر: (وللمكاتب أن يكاتب عبده). وذلك لأنه جائز التصرف فيما يستعين به على أداء الكتابة، ما لم يكن في تصرفه إتلاف لماله، وليس في الكتابة إتلاف لماله، من قبل أنه لا يعتق إلا بعد حصول بدل الرقبة للمكاتب. والكتابة تشبه البيع أيضا، من جهة أن له الرجوع فيها قبل قبول الآخر، وتفارق العتق على مال؛ لأنه لا يصح رجوعه قبل قبول الآخر، فأشبه اليمين، إذ لا يصح الرجوع فيها وإن لم يوجد شرطها، ويفارقه على العلة الأولى، من جهة أن العتق فيه إتلاف الرقبة في الحال قبل حصول البدل للمكاتب. قال أحمد: وللأب، ووصي الأب، والجد، ووصي الجد إذا لم يكن أب، ولا وصي الأب أن يكاتب عبد الصغير، وكذلك للمفاوض أن يكاتب. وليس لأحد من هؤلاء أن يعتق على مال، للعلة التي ذكرنا في المكاتب.

стр. 3746

وليس للمضارب، ولا لشريك العنان، ولا للمأذون له في التجارة أن يكاتبوا، ولا يعتقوا على مال، من قبل أن تصرف هؤلاء مقصور على التجارة خاصة، وليست الكتابة من التجارة وإن كن فيها توصل إلى التكسب، وتحصيل المال. وكل من له أن يكاتب من هؤلاء فله أن يزوج الأمة التي يتصرف فيها، وليس له تزويج العبد. ومن لا تجوز كتابته منهم: فليس له تزويج الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: للمضارب، وشريك العنان، والمأذون تزويج أمة التجارة. مسألة: [ولاء المكاتب الثاني إذا أدى قبل عتق الأول] قال أبو جعفر: (فإذا أدى المكاتب الثاني قبل عتق الأول: فولاؤه لمولى الأول). لأن الأول عبد لا يصح العتق من جهته، فصار كوكيل المولى في العتق. *وإن أدى الثاني كتابته بعد عتق الأول: كان ولاؤه له؛ لأنه قد صح ملكه، فنفذ العتق فيه من جهته. مسألة: [كسب ولد المكاتب لأبيه] قال أبو جعفر: (وإذا ولد للمكاتب ولد من أمة ابتاعها: كان كسبه

стр. 3747

لأبيه، وعتق أبيه). وذلك لأن حكم الولد أن يكون تابعا للأب، ما لم ينتقل بالأم، إذ كانت الأم في ملكه، كذلك ولد المكاتب من أمته، ينبغي أن يكون داخلا في كتابته، ويكون كسبه لأبيه، لدخوله في عقده على وجه التبع. وأيضا: فلو لم يدعه، لكان هو وكسبه له، فلا يبطل ملكه عن كسبه بدعوته؛ لأنه لا يملك إخراج ملكه إلى غيره بغير بدل، فوجب أن يستحق كسبه بعد الدعوة. وأيضا: لو ملك كسب نفسه، لصار بمنزلة من تناوله عقد الكتابة بنفسه، لا على وجه التبع، وهو لم يدخل فيها إلا تابعا، ألا ترى أنه لا حصة له من المكاتبة، ولو أعتقه المولى لم يسقط بعتقه من مال الكتابة شيء. مسألة: [يخلف ولد المكاتب أباه الميت في الكتابة] قال: (وإن مات المكاتب، ولم يترك مالا: خلفه ابنه هذا في المكاتبة، فيسعى على نجومها). وذلك لأنه داخل في كتابة الأب، فقام فيها مقامه، كأن الأب حي؛ لأن ذلك الحق بعينه قد سرى فيه، ألا ترى أن ولد أم الولد بمنزلتها بسريان حق الاستيلاد فيها، وكذلك ولد المدبرة بمنزلة أمه. فإن قيل: هلا كان كولد الجارية المشتراة، إذا ولدته بل القبض، ثم ماتت الأم: فيبقى الولد بالحصة.

стр. 3748

قيل له: لأن الميتة لا يبقى لها حكم في العقد بعد موتها، وينتقض البيع فيها، فلا يجوز أن تبقى حصتها بعد انتقاض البيع فيها، وموت المكاتب لا يوجب فسخ الكتابة إذا كان الأداء ممكنا. ألا ترى أنه لو ترك مالا: لم تنفسخ الكتابة، وأديت منه كتابته، وبقي الولد الذي سرى فيه حق الكتابة بمنزلته لو مات وترك وفاء. وأيضا: فإن كسب الولد كسب للأب على ما بينا، ولم يحل المال الذي على المكاتب بموته؛ لأن الابن قائم مقامه في السعي فيها على النجوم، فصار كمن ترك وفاء. ومن أجل بقاء الكسب على حكم ملك الميت فقالوا: إنه لو كان على المكاتب دين: سعى فيه الابن؛ لأن كسبه لأبيه، فيقضي منه دينه. وليس موت المكاتب في هذا، كموت الحر إذا كان عليه دين مؤجل، فيحل عليه بموته؛ لأن حق الكتابة لما سرى في الولد، ثبت له حق التأجيل في مال الكتابة حسبما كان لأبيه، ولو لم يترك المكاتب ولدا مولودا في الكتابة، لحل المال عليه، وبطل التأجيل، كالحر إذا مات، وعليه دين مؤجل. فإن قال قائل: ما الفرق بين الولد المولود في الكتابة، وبين الولد المشترى عند أبي حنيفة، حين لم يجعل للولد المشترى أن يسعى فيها على النجوم، وقال: إن أداها حالة، وإلا: رد في الرق، وأوجب للولد المولود في الكتابة السعي فيها على النجوم؟ قيل له: الفرق بينهما: أن الولد المولود في الكتابة، ثبت حق الكتابة

стр. 3749

له من طريق السراية، فصار بمنزلة الأب. والدليل على ذلك: أن الحر إذا استولد جارية له، ثبت للولد حق الحرية من جهة السراية، فكان حر الأصل بمنزلة الأب، كذلك ولد المكاتب من أمته، وأما الولد المشترى، فلم يثبت له هذا الحق من طريق السراية، ولا يصير فيه بمنزلة الأب. ألا ترى أن الحر إذا اشترى ابنه: لم تسر فيه الحرية التي هي له، ولا يصير حر الأصل كأبيه، بل تثبت له حرية موقعة يثبت بها للأب ولاؤه، فكذلك الولد المشترى في الكتابة. وأيضا: فإن الثمن الذي نقده بدلا عن الولد المشترى، لو كان باقيا بعد موته: استوفي منه كتابته حالة، ولا يسقط حق المولى بدخوله في كتابة الأب. فإن قيل قائل: فأنت لا تفرق بين أن يشتريه، أو يوهب له، وليس في الهبة بدل. قيل له: كذلك هو، وليس هو نقضا للعلة، وإنما هو إيجاب ذلك الحكم بعلة أخرى، وذلك غير ممتنع. مسألة: [ملك المكاتب لأصله أو فرعه أو ذا رحم محرم] قال أبو جعفر: (وإذا ملك المكاتب والده وإن علا، أو ولده وإن سفل: لم يكن له أن يبيعه، وكان له كسبه، ويعتق بعتقه من ملكه منهم). قال أحمد: وهذا استحسان من قول أبي حنيفة، وكان القياس عنده

стр. 3750

أن له أن يبيعهم، وذلك لأن المكاتب عبد لا ملك له على الحقيقة. وجهة الاستحسان: أن كل واحد من أب أو ولد، قد يستحق العتق بعتق صاحبه، ألا ترى أن الولد قد يستحق الحرية بحرية الأم، وأن من استولد جارية: كان ولده حر الأصل، وبعتق الأم والأب أيضا يعتق الولد، ألا ترى أن رجلا وامرأته لو كانا مكاتبين كتابة واحدة، فولد لهما ولد في كتابتهما، ثم ماتا: سعى الولد فيما عليهما، وعتق بعتق أبواه. فلما كان كل واحد من هؤلاء، قد يعتق بعتق صاحبه، ثم اشتراهم، تعلق لهم الحق الذي قد ثبت للمكاتب، فلم يكن له بيعهم. * (وأما سائر ذوي الرحم المحرم: فإنه يبيعهم عند أبي حنيفة). لأن واحدا منهم لا يعتق بعتق صاحبه من جهة الكتابة، ولا يدخل فيها، وإنما يستحق بعضهم العتق على بعض بالملك، وليس للمكاتب ملك، فيعتقوا به، أو يتعلق لهم به حق. مسألة: [حكم بيع المكاتب أم ولده] وقال أبو حنيفة: له أن يبيع أم ولده إذا لم يكن معها ولد، فإذا كان معها ولد، لم يكن له أن يبيعها هذا إذا اشتراها. فإن كان استولدها في ملكه، ثم مات الولد: لم يكن له أن يبيعها، وذلك لأنها لما ولدت عنده، تعلق لها حق الاستيلاد، فلا يبطله موت الولد. وأما إذا اشتراها، فما دام الولد باقيا: فليس له أن يبيعها؛ لأنها يتعلق
следующие страницы →