← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

وليس للمضارب، ولا لشريك العنان، ولا للمأذون له في التجارة أن يكاتبوا، ولا يعتقوا على مال، من قبل أن تصرف هؤلاء مقصور على التجارة خاصة، وليست الكتابة من التجارة وإن كن فيها توصل إلى التكسب، وتحصيل المال. وكل من له أن يكاتب من هؤلاء فله أن يزوج الأمة التي يتصرف فيها، وليس له تزويج العبد. ومن لا تجوز كتابته منهم: فليس له تزويج الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: للمضارب، وشريك العنان، والمأذون تزويج أمة التجارة. مسألة: [ولاء المكاتب الثاني إذا أدى قبل عتق الأول] قال أبو جعفر: (فإذا أدى المكاتب الثاني قبل عتق الأول: فولاؤه لمولى الأول). لأن الأول عبد لا يصح العتق من جهته، فصار كوكيل المولى في العتق. *وإن أدى الثاني كتابته بعد عتق الأول: كان ولاؤه له؛ لأنه قد صح ملكه، فنفذ العتق فيه من جهته. مسألة: [كسب ولد المكاتب لأبيه] قال أبو جعفر: (وإذا ولد للمكاتب ولد من أمة ابتاعها: كان كسبه

стр. 3747

لأبيه، وعتق أبيه). وذلك لأن حكم الولد أن يكون تابعا للأب، ما لم ينتقل بالأم، إذ كانت الأم في ملكه، كذلك ولد المكاتب من أمته، ينبغي أن يكون داخلا في كتابته، ويكون كسبه لأبيه، لدخوله في عقده على وجه التبع. وأيضا: فلو لم يدعه، لكان هو وكسبه له، فلا يبطل ملكه عن كسبه بدعوته؛ لأنه لا يملك إخراج ملكه إلى غيره بغير بدل، فوجب أن يستحق كسبه بعد الدعوة. وأيضا: لو ملك كسب نفسه، لصار بمنزلة من تناوله عقد الكتابة بنفسه، لا على وجه التبع، وهو لم يدخل فيها إلا تابعا، ألا ترى أنه لا حصة له من المكاتبة، ولو أعتقه المولى لم يسقط بعتقه من مال الكتابة شيء. مسألة: [يخلف ولد المكاتب أباه الميت في الكتابة] قال: (وإن مات المكاتب، ولم يترك مالا: خلفه ابنه هذا في المكاتبة، فيسعى على نجومها). وذلك لأنه داخل في كتابة الأب، فقام فيها مقامه، كأن الأب حي؛ لأن ذلك الحق بعينه قد سرى فيه، ألا ترى أن ولد أم الولد بمنزلتها بسريان حق الاستيلاد فيها، وكذلك ولد المدبرة بمنزلة أمه. فإن قيل: هلا كان كولد الجارية المشتراة، إذا ولدته بل القبض، ثم ماتت الأم: فيبقى الولد بالحصة.

стр. 3748

قيل له: لأن الميتة لا يبقى لها حكم في العقد بعد موتها، وينتقض البيع فيها، فلا يجوز أن تبقى حصتها بعد انتقاض البيع فيها، وموت المكاتب لا يوجب فسخ الكتابة إذا كان الأداء ممكنا. ألا ترى أنه لو ترك مالا: لم تنفسخ الكتابة، وأديت منه كتابته، وبقي الولد الذي سرى فيه حق الكتابة بمنزلته لو مات وترك وفاء. وأيضا: فإن كسب الولد كسب للأب على ما بينا، ولم يحل المال الذي على المكاتب بموته؛ لأن الابن قائم مقامه في السعي فيها على النجوم، فصار كمن ترك وفاء. ومن أجل بقاء الكسب على حكم ملك الميت فقالوا: إنه لو كان على المكاتب دين: سعى فيه الابن؛ لأن كسبه لأبيه، فيقضي منه دينه. وليس موت المكاتب في هذا، كموت الحر إذا كان عليه دين مؤجل، فيحل عليه بموته؛ لأن حق الكتابة لما سرى في الولد، ثبت له حق التأجيل في مال الكتابة حسبما كان لأبيه، ولو لم يترك المكاتب ولدا مولودا في الكتابة، لحل المال عليه، وبطل التأجيل، كالحر إذا مات، وعليه دين مؤجل. فإن قال قائل: ما الفرق بين الولد المولود في الكتابة، وبين الولد المشترى عند أبي حنيفة، حين لم يجعل للولد المشترى أن يسعى فيها على النجوم، وقال: إن أداها حالة، وإلا: رد في الرق، وأوجب للولد المولود في الكتابة السعي فيها على النجوم؟ قيل له: الفرق بينهما: أن الولد المولود في الكتابة، ثبت حق الكتابة

стр. 3749

له من طريق السراية، فصار بمنزلة الأب. والدليل على ذلك: أن الحر إذا استولد جارية له، ثبت للولد حق الحرية من جهة السراية، فكان حر الأصل بمنزلة الأب، كذلك ولد المكاتب من أمته، وأما الولد المشترى، فلم يثبت له هذا الحق من طريق السراية، ولا يصير فيه بمنزلة الأب. ألا ترى أن الحر إذا اشترى ابنه: لم تسر فيه الحرية التي هي له، ولا يصير حر الأصل كأبيه، بل تثبت له حرية موقعة يثبت بها للأب ولاؤه، فكذلك الولد المشترى في الكتابة. وأيضا: فإن الثمن الذي نقده بدلا عن الولد المشترى، لو كان باقيا بعد موته: استوفي منه كتابته حالة، ولا يسقط حق المولى بدخوله في كتابة الأب. فإن قيل قائل: فأنت لا تفرق بين أن يشتريه، أو يوهب له، وليس في الهبة بدل. قيل له: كذلك هو، وليس هو نقضا للعلة، وإنما هو إيجاب ذلك الحكم بعلة أخرى، وذلك غير ممتنع. مسألة: [ملك المكاتب لأصله أو فرعه أو ذا رحم محرم] قال أبو جعفر: (وإذا ملك المكاتب والده وإن علا، أو ولده وإن سفل: لم يكن له أن يبيعه، وكان له كسبه، ويعتق بعتقه من ملكه منهم). قال أحمد: وهذا استحسان من قول أبي حنيفة، وكان القياس عنده

стр. 3750

أن له أن يبيعهم، وذلك لأن المكاتب عبد لا ملك له على الحقيقة. وجهة الاستحسان: أن كل واحد من أب أو ولد، قد يستحق العتق بعتق صاحبه، ألا ترى أن الولد قد يستحق الحرية بحرية الأم، وأن من استولد جارية: كان ولده حر الأصل، وبعتق الأم والأب أيضا يعتق الولد، ألا ترى أن رجلا وامرأته لو كانا مكاتبين كتابة واحدة، فولد لهما ولد في كتابتهما، ثم ماتا: سعى الولد فيما عليهما، وعتق بعتق أبواه. فلما كان كل واحد من هؤلاء، قد يعتق بعتق صاحبه، ثم اشتراهم، تعلق لهم الحق الذي قد ثبت للمكاتب، فلم يكن له بيعهم. * (وأما سائر ذوي الرحم المحرم: فإنه يبيعهم عند أبي حنيفة). لأن واحدا منهم لا يعتق بعتق صاحبه من جهة الكتابة، ولا يدخل فيها، وإنما يستحق بعضهم العتق على بعض بالملك، وليس للمكاتب ملك، فيعتقوا به، أو يتعلق لهم به حق. مسألة: [حكم بيع المكاتب أم ولده] وقال أبو حنيفة: له أن يبيع أم ولده إذا لم يكن معها ولد، فإذا كان معها ولد، لم يكن له أن يبيعها هذا إذا اشتراها. فإن كان استولدها في ملكه، ثم مات الولد: لم يكن له أن يبيعها، وذلك لأنها لما ولدت عنده، تعلق لها حق الاستيلاد، فلا يبطله موت الولد. وأما إذا اشتراها، فما دام الولد باقيا: فليس له أن يبيعها؛ لأنها يتعلق

стр. 3751

لها حق في أن تعتق بعتق ولدها، ألا ترى أن المكاتب لو مات، فأدى الولد الكتابة: عتقت الأم أيضا، فما دام هذا الحق متعلقا لها، فليس له أن يبيعها، فإذا مات الولد، فقد عدمت العلة التي من أجلها منع البيع، ولم يكن ثبت لها حق الاستيلاد بالولادة، فيمنع من بيعها مع عدم الولد. * (وأما في قول أبي يوسف ومحمد: فليس للمكاتب أن يبيع أحدا من ذوي الرحم المحرم منه إذا ملكه). لأنهم يعتقون بعتقه، وكل هؤلاء يسعى في كتابته على النجوم إذا مات؛ لأنهم قد دخلوا في كتابته في حياته. *وإذا ملك أم ولده: لم يبعها عندهما، سواء كان معها ولد أو لم يكن. مسألة: [إذا مات المكاتب وفي ملكه أصل أو فرع أو ذو رحم محرم] قال أبو جعفر: (فإن مات المكاتب، ولم يترك وفاء، فإن أبا حنيفة قال: يباع هؤلاء كلهم، وسواء بين الوالدين وغيرهما، إلا في ولده، فإنه يقال له: إن أديت الكتابة حالة، وإلا رددت في الرق). وذلك لأن الولد قد ثبت له حق السعي في الكتابة إذا ولد له في كتابته، وليست هذه المزية لأحد غير الولد، فاستحسن أن يجعل لولد الميت أن يؤدي الكتابة بعد الموت، فيعتق الميت بعتقه.

стр. 3752

مسألة: [شراء المكاتب لزوجته] قال أبو جعفر: (وإذا اشترى المكاتب زوجته: لم ينفسخ بذلك نكاحه). وذلك لأن المكاتب ليست له حقيقة الملك، وإنما له حق الملك، وحق الملك لا يمنع بقاء النكاح، ويمنع الابتداء، وقد بينا ذلك في مواضع. مسألة: قال أو جعفر: (وإذا اشترى المكاتب أمة، فوطئها، ثم استحقت: فعليه عقرها في الكتابة). لأن الوطء في الملك بمنزلة إتلاف جزء منها، ألا ترى أنه يمنع الرد بالعيب. ولو وطئها على وجه النكاح: كان عليه العقر إذا عتق؛ لأنه غير مأذون له في النكاح، والبضع لا قيمة له إلا من جهة العقد، وهو محجور عليه فيه، فصار كالعبد المحجور عليه إذا وطئ على وجه النكاح، فلا يلزمه العقر في الرق. ولأنه لو لزمه بقوله وهو غير مأذون له في هذا القول، والموطوءة على وجه الشراء: لزم العقر فيه بالشراء عند الوطء وهو مأذون له فيه.

стр. 3753

* (والعبد المأذون في ذلك: كالمكاتب؛ للعلة التي وصفنا). مسألة: [مكاتبة الأمة على نفسها وعلى ولدها] قال أبو جعفر: (ومن كاتب أمته على نفسها، وعلى ابنين لها صغيرين: جاز، فإن كبرا، فأديا، أو أدت الأم: لم يرجع من أداها منهم على بقيتهم منها بشيء). وذلك بمنزلة من كاتب على نفسه، وعلى عبد غائب، فيلزم الحاضر، ولا يرجع بها على الغائب. وكذلك لو أدى الغائب: لم يرجع بها على الحاضر. كذلك الأولاد مع الأم. فإن قيل: قد قالوا: إنها لو ماتت: سعى الولد على النجوم، وقالوا: في الغائب: إذا مات الحاضر: إن أديته حالا، وإلا: رددت في الرق. قيل له: افتراقهما من هذا الوجه، لا يمنع اتفاقهما من الوجه الذي ذكرنا، وإنما افترق من هذا الوجه، من جهة أن الصغير قد دخل في كتابتها على وجه التبع، كالولد المولود في الكتابة، والغائب لا يدخل فيها على وجه التبع. فإن قيل: إنما جاز أن ينعقد على الغائب بقبول الحاضر؛ لأنه له مجيز، وفي الصغير لا مجيز له. قيل له: ليس يحتاج إلى مجيز، ألا ترى أنها قد صحت بغير إجازة

стр. 3754

الغائب، فهذا فصل ساقط. وأيضا: فلما جاز دخولهما في كتابتها لو ولدتهما فيها، كذلك، شرطت إلحاقهما بكتابتها: جاز؛ لأنهما صغيران لا قول لهما. مسألة: [مكاتبة النصراني على الخمر، ثم إسلام أحدهما] قال أبو جعفر: (ومكاتبة النصراني على أرطال من خمر مسماة جائزة، فإن أسلم أحدهما قبل أداء المكاتبة: بطلت الخمر، ولم تبطل المكاتبة، وعليه قيمة الخمر لمولاه، يؤديها على النجوم). وإنما جازت مكاتبتهم على الخمر، كما يجوز تصرفهم في الخمر بالبيع ونحوه، وإنما لم تبطل بإسلام أحدهما، كما لا تبطل تسمية الخمر بإسلام أحد الزوجين. وتجب القيمة في قول أبي حنيفة، ألا ترى أنها تصح على أبدال مجهولة، نحو عبد بغير عينه، فيكون له عبد وسط، وليست الكتابة في هذا كالبيع؛ لأنه لا يصح على المجاهيل والأخطار. وأيضا: نفس الكتابة معقودة على خطر؛ لأن فيها: إن أديت عتقت، وإن عجزت رددت في الرق، فجاز بقاؤها على قيمة الخمر، ولم تبطل بالإسلام. فإن قيل: شرط العتق أداء الخمر، فلا يجوز أن يعتق بأداء القيمة.

стр. 3755

قيل له: ليست مثل شروط الأيمان، بدلالة أن المولى لو مات، فأدى: عتق، وفي اليمين لا يعتق بوجود شرطها بد الموت. فإن قيل: لا يصح ابتداء الكتابة على الخمر، فينبغي أن لا تبقى على الخمر. قيل له: ولا يصح الكتابة على ميت، فينبغي أن لا تبقي على ميت. وأيضا: قد يجوز أن يبقى عقد السلم على قيمة الرطب بانقطاعه بعد حلول الأجل، لتعذر تسليمه، فكذلك تعذر تسليم الخمر، ينقله إلى القيمة. مسألة: [مكاتبة المريض عبده على ثمن يخالف قيمته] قال أبو جعفر: (وإذا كاتب المريض عبده على ثلاثة آلاف إلى سنة، وقيمة العبد ألف درهم، ثم مات المولى، فإنه يقال له: إن أديت ثلثي الكتابة حالا، وإلا: رددت في الرق، وقال محمد: يقال له: أد ثلثي القيمة حالا، وإلا: رددت في الرق). لأبي حنيفة: أن جميع مال الكتابة قد صار بدلا من العبد، والتأجيل فيه وصية، فلا يجوز إلا من الثلث، ولم يعتبر القيمة؛ لأن ما فضل عنها

стр. 3756

أيضا، فهو بدل من رقبة المكاتب، فلا فرق بينه وبين مقدار القيمة. وقال محمد: ما زاد على القيمة، فإنما صار مالا له بالعقد، فصار كالجعل في الخلع، والمهر، والصلح من دم العمد، فيجوز التأجيل في جميعه. وفرق أبو حنيفة بينهما من جهة أن البضع، ودم العمد ليس بمال، فحصل الجعل والمهر بدلا عما ليس بمال، فجاز التأجيل فيه. وأما مال الكتابة فجميعه بدل عن رقبة العبد، وهي مال، ولا جائز أن يقال: إن بعضه بدل عنها، وبعضه ليس ببدل عنها، واعتبر جميعه من مال المريض. مسألة: [حكم وصية المكاتب قبل عتقه] قال أبو جعفر: (ولا تجوز وصية المكاتب في ماله وإن خلف وفاء). قال أحمد: قال محمد في كتاب المكاتب: إذا قال المكاتب: ثلث مالي لفلان وصية، ثم مات عن وفاء: أن الوصية باطلة، ولم يذكر خلافا. وإذا أدى، فعتق: لم تجز وصيته في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: تجوز. وقال في الزيادات في المسألتين جميعا: الوصية باطلة في قياس قول أبي حنيفة، وجائزة في قول أبي يوسف ومحمد في المسألتين جميعا. *وهذا على اختلافهم في العبد أو المكاتب يقول: كل عبد أملكه

стр. 3757

فيما أستقبل: فهو حر، فهذا عند أبي حنيفة على ملكه في حال الرق، ولا يدخل فيه ما يستفيده بعد العتق. وقال أبو يوسف ومحمد: يدخل فيه. *ولا خلاف بينهم أنه لو قال: إذا أعتقت، فقد أوصيت لفلان بثلث مالي، فأدى، فعتق: أن وصيته تصح. ولو مات عن وفاء: لم تصح وصيته؛ لأنه عتق حال لا يصح منه ابتداء الوصية، كمكاتب قال: إذا أعتقت، فعبدي هذا حر، ثم مات عن وفاء، فأديت كتابته بعد موته: أنه لا يعتق؛ لأن تلك حال لا يصح فيها عتق. *ولو أوصى بشيء بعينه من ماله، ثم أدى، فعتق: لم تجز وصيته في قولهم؛ لأنه بمنزلة من أوصى بمال غيره، ثم ملكه: فلا تنفذ وصيته. مسألة: [حكم وصية المكاتب على ابنه الصغير] قال أبو جعفر: (ولا تجوز وصيته على ابنه الصغير، إلا أن يعتق قبل وفاته، فإن لم يعتق قبل وفاته: لم تكن وصية، بمنزلة وصية الحر). قال أحمد: إذا عتق قبل وفاته، فقد ملك التصرف على ابنه، والوصية تستند إلى حال الموت، فقام الوصي فيها مقامه، وأما إذا أديت كتابته بعد موته، فهو لم يستفد بهذا العتق تصرفا على ولده؛ لأنه عتق قبل الموت، فلا فصل، وتلك الحال لا يصح فيها تصرف، فوصيته على ابنه الصغير، بمنزلة وصي الأب على الكبير الغائب، وبمنزلة وصي الأم،

стр. 3758

ووصي الأخ، يكون في الحفظ خاصة، لا في التصرف. مسألة: [مكاتبة العبد بشرط الخيار، وحقه في الشفعة] قال: (ويجوز الخيار في الكتابة، كما يجوز في البياعات). لأنها مما يلحقها الفسخ، والخيار مشروط للفسخ. *قال: (والمكاتب في الشفعة بمنزلة الحر). لأنه يملك الشراء والبيع. مسألة: [ما يلزم المكاتب الذي أعتقه مولاه في مرض موته] قال: (ومن أعتق مكاتبه وهو مريض، ثم مات ولا مال له غير ما كان بقي عليه من مكاتبته: فعليه أن يسعى لورثة مولاه في الأقل من ثلثي ما بقي عليه من المكاتبة، ومن ثلثي قيمته). وذلك لأن عتقه براءة من السعاية، ولا يجوز براءته منها إلا من الثلث، ولو عجز عن الكتابة: كان عليه ثلثا قيمته، فلذلك لزمه الأقل. مسألة: [من أعتق مكاتبا بينه وبين آخر] قال أبو جعفر: (من أعتق مكاتبا بينه وبين آخر: فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة، موسرا كان أو معسرا). لأن نصيب الآخر باق في ملكه مكاتبا على ما كان عليه، إلا أن يعجز، فيكون كعبد بين رجلين أعتقه أحدهما؛ لأنه لولا عتقه، أمكنه

стр. 3759

التصرف بعد العجز في نصيبه، فمنعه منه بعتقه. * (وقال أبو يوسف: قد بطلت الكتابة بالعتق، وصار كعبد بين رجلين غير مكاتب، أعتقه أحدهما). لأن من أصله: أن العتق لا يتبعض، فيعتق جميعه على المعتق، وبطلت الكتابة، فصار كعبد بين رجلين أعتقه أحدهما. * (وقال محمد: إن كان المعتق موسرا: ضمن لشريكه الأقل من قيمة نصيبه من العبد، ومما بقي له عليه من الكتابة، وإن كان معسرا: سعى المكاتب في ذلك. والولاء للمعتق في الوجهين جميعا). قال أحمد: وذلك لأن من أصله: أن العبد كله قد عتق عليه، وانتقل نصيب شريكه إليها، إلا أن الشريك لم يكن له في رقبة العبد إلا ما بقي من كتابته، فلا يجوز أن يضمنه نصف القيمة إذا كان أكثر من بقية نصيبه من الكتابة، وإن كان نصف القيمة أقل: لم يضمن أكثر منه، كما لو قتله: لم يضمن أكثر من نصف قيمته. * * * * *

стр. 3760

كتاب الولاء مسألة: [الأحق بالولاء] قال أبو جعفر: (الولاء لمن أعتق، وسواء في ذلك الرجال والنساء، وسواء فيه من عتق من مولاه، أو بعتاق عنه بأمره في حياته أو بعد وفاته، أو بأداء مكاتبه إليه، أو بتدبير في حياته). قال أحمد: الأصل في ذلك: ما روي أن عائشة ﵂ أرادت أن تشتري بريرة، وتعتقها، فقال النبي ﷺ : "اشتريها،

стр. 3761

وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق"، فأفاد ذلك معاني ثلاثة: أحدهما: ثبات الولاء للمعتق. والثاني: إثبات الولاء للنساء، وأنهن بمنزلة الرجال في ذك؛ لأن الكلام خرج على تلك الحال، فلا محالة هي داخلة فيها، وإن كان قد يكتفى بعمومه في إثباته للفريقين، إذا وجد منهم العتق. والثالث: أن شرط الولاء لغير المعتق: لا يمنع كونه للمعتق؛ لأن عائشة شرطت لهم الولاء، ثم أعتقتها، فأبطل النبي ﵊ الشرط، وجعل الولاء لها. وألفاظ هذا الحديث مضطربة، والذي يشبه أن يكون هو الصحيح: أن عائشة اشتريتها، واشترطت لهم الولاء، وأعتقتها، ثم سألت النبي ﵊ فقال: الولاء لمن أعتق. وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ : "إن مواليها قد أبوا أن يبيعوها إلا أن يكون الولاء لهم، فقال النبي ﵊: اشتريها، وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم خطب فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، شرط الله أحق وأوثق". وهذا غلط فاحش من راويه؛ لأنه لا يجوز أن يقول النبي ﵊ لها: اشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق.

стр. 3762

وهذا عنده شرط فاسد لا يجب الوفاء به؛ لأنه ﵊ لا يأمر بما لا يجوز، ولا يصح. ومن جهة أخرى: أنه تغرير للقوم في شرط الولاء لهم، حتى يدخلوا على ذلك معها في العقد، ثم لا يثبت ذلك لهم. ووجه آخر: وهو أن شرط الولاء لهم إذا لم يكن له حقيقة على ما شرطت: فهو كذب، فكأنه قال: قولي لهم: إن الولاء لكم، وليس الولاء لهم في الحقيقة، وحاشا النبي ﵊ أن يجوز عليه شيء من هذه الوجوه التي ذكرنا. ويدل على فساد الحديث الذي ذكر فيه هذا اللفظ: أن فيه: أن النبي ﵊ بعد هذا القول صعد المنبر، فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط". فأنكره أشد النكير، وأخبر ببطلانه، فكيف يجوز أن يأمر به غيره؟ وهذا اللفظ إنما تفرد به هشام بن عروة، ولم يتابعه عليه فيما نعلمه غيره، وقد رواه جماعة غيره، ولم يذكروا فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام

стр. 3763

والسلام قال: "اشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق". وكان هشام بن عروة خولط في عقله في آخر عمره، فيشبه أن يكون الغلط دخل عليه من هذا الوجه. *وقوله: "الولاء لمن أعتق": ينفي كون الولاء لغير المعتق، لا من جهة أن المخصوص بالذكر يدل على ما عداه، فحكمه بخلافه، لكن من جهة أن الولاء إذا أدخل عليه الألف واللام: صار اسما للجنس، فيتناول جميع ما يقع عليه، فلا شيء من الولاء إلا واللفظ مشتمل عليه، وقد جعل النبي ﵊ جميعه للمعتق، فلم يبق لغير المعتق، ولا يستحقه من غير هذه الجهة. *ولا فرق بين أن يأمر غيره بعتقه، أو يعتقه هو؛ لأن المأمور بالعتق سفير قائم مقام الآمر فيه، ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من أحكام العتق، وقال النبي ﵊: "لا عتق فيما لا يملك ابن آدم".

стр. 3764

فثبت أن المعتق الذي صادف العتق ملكه، والمأمور لم يكن له ملك، فيعتق من جهته. *ولا فرق بين العتق بالكتابة أو التدبير أو الوصية؛ لأن كل ذلك إنما صح من جهة المالك، أو بإيقاعه. مسألة: [ولاء السائبة لمن أعتق] قال أبو جعفر: (ومن أعتق مملوكا سائبة: كان ولاؤه له أيضا، كأنه أعتقه غير سائبة). وذلك لقول النبي ﵊: "إنما الولاء لمن أعتق". وقد ذكر أن عائشة كانت شرطت ولاء لمواليها، فأبطل ذلك النبي ﵊، وجعله للمعتق، فكذلك إذا شرط سائبة. والسائبة: أن يعتقه على أن لا ولاء له، وأن ولاؤه لجماعة المسلمين. مسألة: [ولاء العبد المعتق بأمر آمر] قال أبو جعفر: (ومن قال لرجل: أعتق عبدك عني على ألف درهم، فأعتقه: كان ولاؤه للآمر).

стр. 3765

وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن المثنى بن معاذ قال: حدثنا عفان قال: حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: "قضى رسول الله ﷺ أن الولاء لمن أعطى الثمن". ورواه محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﵊ مثله. وعموم هذا الخبر يقتضي كون الولاء للآمر؛ لأنه أعطى الثمن. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال: حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قال: قال رسول الله ﷺ : "الولاء لمن أعطي الورق، وولي النعمة". وأيضا فإن قوله: أعتقه عني ألف درهم: يتضمن معنى التمليك؛ لأن العتق لا يقع عنه إلا وهو مالك، لقول النبي ﵊: "لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم". فصار كأنه قال: بعنيه بألف درهم، وأعتقه عني، فكان تحت اللفظ

стр. 3766

معنيان: الشراء، والأمر بالعتق، ولو صرح بذلك: جاز البيع والعتق جميعا، كذلك إذا أطلق لفظا يتضمنهما. فإن قيل: فكيف يجوز أن يقع الملك والعتق جميعا معا بلفظة واحدة، ومعلوم أن العتق لا ينفذ إلا في ملك قد ثبت قبله، فأما ورود العتق والملك معا في شخص واحد فمحال؟ قيل له: إن الملك إنما يقع من جهة الحكم، لا حقيقة، وقد قالوا في رجل قال لرجل: قد بعتك عبدي هذا بألف درهم، قال: فهو حر: أن البيع يتم، ويقع العتق. والأصل في نظائر ذلك من المسائل: أن رجلا لو أمر رجلا بقضاء دين عليه، فقضاه: كان قبض الطالب متضمنا لمعنيين: أحدهما: حصول ملك المقبوض قرضا على الآمر، ويحصل له بذلك حكم الملك، لاستحالة أن يثبت عليه حكم القرض، دون حصول الملك له. والمعنى الثاني: اقتضاء القابض له عما له في ذمة الغريم، ويستحيل مع ذلك ورود الملكين عليه في حال واحدة. وعلى هذا قالوا فيمن تزوج امرأة على عبد زيد، فأجازه: أن العبد يخرج من ملك المجيز إلى ملك المرأة، من غير أن يحصل فيما بينهما ملك للزوج في الحقيقة، إلا أنه مع ذلك لابد من أن يحصل للزوج فيه حكم الملك؛ لأنه يلزمه به ضمان القيمة، وإذا ضمن البدل، حصل له حكم ملك الأصل.

стр. 3767

ومن نظائره: رجل أوصى لرجل بعبد، ومات، والموصى له غائب، فمات قبل أن يقبل أن يقبل الوصية: أن العبد يصير لورثته، ويحصل بموته للموصى له حكم الملك، ويملكه الورثة أيضا من جهته. ونظائر هذه المسألة كثيرة، وفيما ذكرنا تنبيه عليها. وقالوا: لو قال لرجل: أعتق عبدك عني: ولم يذكر مالا، فأعتقه: كان العتق عن المعتق دون الآمر، وهذا صحيح على ما قدمنا؛ لأنه بمنزلة من قال رجل: هب لي عبدك، وأعتقه عني: فلا يصح العتق عنه؛ لأن عقد الهبة لا يوجب الملك إلا بالقبض، ولا يصح أن يكون الواهب هو القابض، فوقع العتق في ملكه، دون ملك الآمر. *وقد يشكل على هذا، قولهم فيمن قال لرجل: أعتق عبدك عني على مائة رطل خمرا: فأعتقه: أن الولاء للآمر، وعليه القيمة. وهذا في معنى عقد فاسد، والعقد الفاسد لا يقع الملك فيه إلا بالقبض، كالهبة لا توجب الملك إلا بالقبض، فكان يجب على ما قدمنا من الأصل: أن لا يقع العتق عن الآمر، كما قالوا في الهبة، وهذا هكذا إذا كان البيع فاسدا، لا عتق فيه. فأما إذا كان العقد مشروطا فيه العتق، فإن فساد الشرط لا يبطله، ولا يكون بمنزلة من اشترى عبدا شراء فاسدا، وأمر البائع بعتقه، فأعتقه: أن العتق واقع عن البائع، دون المشتري. وذلك لأن مسألتنا عقد على عتق مشروط فيه حكم الملك، وليس بمحض الشراء في الحقيقة، وإنما استشهدنا بمسألة الشراء عليها على جهة التقريب، وليس هو شراء في الحقيقة. ألا ترى أنه لو قال في جوابه: قد بعتك بألف درهم: لم يقع بينهما

стр. 3768

بيع، ولو قال له: قد اشتريت عبدك: بألف درهم، فأعتقه عني، فقال: قد بعتك: وقع الشراء وإن لم يعتقه. فثبت أن قوله: أعتق عبدك عني على ألف درهم: ليس بعقد شراء في الحقيقة، وإنما هو على عقد عتق مشروط فيه المال، فلا يبطله فساد البدل، كما لا يبطل عقد الخلع، والعتق على مال، ونحوهما من العقود بفساد أبدالها. مسألة: [ولاء العتق عن كفارة ظهار] قال أبو جعفر: (وإذا أعتق عبده عن ظهار، أو كفارة: فولاؤه لا). بعموم قوله ﵊: "الولاء لمن أعتق". مسألة: قال: (ومن أعتق عبده عن غيره: كان حرا عن نفسه، وله ولاؤه، أجاز ذلك الذي اعتقه عنه، أو لم يجزه). وذلك لقول النبي ﵊: "الولاء لمن أعتق". وقوله: عن فلان: لغو: لأنه لا سبيل له إلى نقل الولاء عن نفسه إذا وقع العتق في ملكه، ولا يعتبر فيه إجازة المعتق عنه؛ لأن الإجازة إنما تعمل في الأمور الموقوفة، فأما ما قد صح وثبت، فلا اعتبار فيه بالإجازة.

стр. 3769

مسألة: [الولاء لمن أعتق إلا أنه لا توارث إذا اختلف دينا] قال: (والكافر والمسلم في العتق سواء). وذلك لما قدمنا في المسلم من قوله ﵊: "الولاء لمن أعتق"، إلا أن المسلم لا يرث الكافر بالولاء، ولا الكافر المسلم، كما لا يتوارثان بالنسب. وقد جعل النبي ﵊ الولاء بمنزلة النسب، بقوله: "الولاء لحمة كلحمة النسب". مسألة: [للمرأة ولاء من أعتقته، أو أعتق من أعتقته] قال: (وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن). وإنما كان لهن ولاء من اعتقن، لقوله ﵊: "الولاء لمن أعتق". ولما روي "أن بنت حمزة أعتقت عبدا لها، فمات، وترك ابنته، فجعل النبي ﵊ نصف ميراثه لبنته والنصف الباقي لبنت حمزة". وإنما كان لها ولاء من أعتقها معتقها، من قبل أن عتق الثاني تعلقت صحته بعتقها للأول، فكان لها ولاء الثاني إذا مات الأول.

стр. 3770

وليس لها ولاء من غير هذين الوجهين؛ لأن الولاء تعصيب، وليست المرأة من أهل التعصيب, مسألة: قال أبو جعفر: (ومن تزوج من العبيد- بإذن مولا- مولاة لقوم، فولدت منه ولدا: كان ولاؤه لموالي أمه). وذلك لأنه ولد مولاتهم. وروي نحوه عن عمر، وعبد الله، وجماعة من الصحابة. وأيضا لما قال النبي ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب"، أفاد بذلك لحاق ولائه بموالي أمه، كما أن له نسبا من ذوي أنساب أمه. *قال أبو جعفر: (فإن أعتق أبوه بعد ذلك: جر ولاؤه). وذلك لأن الولاء ضرب من التعصيب، والتعصيب من قبل الأب أولى منه من قبل الأم، فإذا أجتمع ولاء من قبل الأم، ومن قبل الأب: كان الذي من قبل الأب أولى. فإن قيل: لما كان الولاء لحمة كالنسب، وقد ثبت كونه من موالى الأم، وجب أن لا ينفسخ بعتق الأب.

стр. 3771

قيل له: لم نقل: إنه انفسخ، وإنما حدث ولاء هو أولى منه، كما أن الأخ من أهل الميراث بالنسب الذي بينه وبين الميت، فإن حدث له أبن، كان أولى من الأخ، ولم ينفسخ نسب الأخ. وقد روي ذلك عن جماعة من السلف، منهم عمر، وعلى، وعبد الله، وزيد أبن ثابت، والزبير في آخرين منهم. مسألة: [اقتصار جر الولاء على الأب] قال أبو جعفر: (ولا يجر الولاء الجد). قال أحمد: معناه أن عبدا لو تزوج مولاة لقوم، فولدت منه، وله أب عبد، فأعتق أبوه، وهو جد الصبي: أن موالي الجد لا يلحق بهم ولاء هذا الولد، وذلك لان الولاء كالنسب. لما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب". ومعلوم أن نسبا لم يثبت للابن، لا يجوز ثبوته للأب، فكذلك الولاء لما لم يثبت من جهة أبي الولد، لم يجز ثبوته لجده. وأيضا: لما كان الولاء تابعا للعتق، ومعلوم أن الولاء لا يستحق الحرية بحرية الجد، ويستحقها بحرية الأب، ما لم ينتقل بالأم إلى الرق،

стр. 3772

وجب أن لا يلحق بالجد في حكم الولاء، كما لا يلحق به في حكم الحرية. مسألة: [أعتق أمة وتزوجها مسلم ليس بعربي ولا مولى عتاقة لعربي] قال أبو جعفر: (وإذا أعتق الرجل أمة، فتزوجها رجل مسلم ليس بعربي، ولا مولى عتاقة لعربي، فولدت منه ولدا، فإن أبى حنيفة كان يقول: ولاؤه لموالي أمه؛ لأن أبا لا نسب له، ولا ولاء عليه. وقال أبو يوسف ومحمد: حكمه في هذا حكم أبيه، ولا ولاء عليه في هذا لموالي أمه). قال أحمد: محمد مع أبي حنيفة في كتب الأصول، وأبو يوسف وحده في هذه المسألة، وعسى أن يكون ما ذكره أبو جعفر رواية وقعت إليه عن محمد خلاف ما عندنا. وإنما شرط أن لا يكون الأب عربيا، ولا مولى عربي عتاقة؛ لأن الأب إذا كان من العرب، فلا خلاف بينهم أن عقله على قوم أبيه؛ لأنهم عاقلته، وكذلك إذا كان مولى عربي؛ لقول النبي ﵊: "مولى القوم من أنفسهم". فهذا موضع لا خلاف بينهم فيه. وإنما الخلاف إذا كان الأب لا عاقلة له: فقال أبو حنيفة: هو ولى لموالي أمه، كما أن أباه لو كان عبدا: كان ولاؤه لموالي أمه؛ لأن العبد لا

стр. 3773

عاقلة له، كذلك الأب إذا لم تكن له عاقلة: فولاء الولد لموالي أمه. وقال أبو يوسف: إذا كان الأب حرا: لم يكن مولى لموالى أمه، كما لا يكون مولاهم إذا كان الأب عربيا، أو مولى عربي. مسألة: [ولاء ولد أمة تزوجت بعبد ثم أعتقها مولاها وهي حامل] قال أبو جعفر: (ولو أن عبدا تزوج أمة لقوم، فحملت منه، ثم أعتقها مولاها وهي حامل: كان له ولاؤها وولاء ولدها، ولم يتحول ذلك الولد إلى موالي أبيه وأن عتق أبوه). قال أحمد: وذلك لأن العتق صادفه بنفسه، وقال النبي ﵊: "الولاء لمن أعتق". وليس هذا بمنزلة الحمل الحادث بعد عتقها، فيكون ولاء الولد لموالي أمه. ثم إذا أعتق الأب جر الولاء، من قبل أن هذا الولد ها هنا لم صادفه العتق؛ لأنها حملت به وهي حرة، فأستحق موالي الأم ولاؤه بالتعصيب، فإذا حدث له ولاء من جهة الأب كان أولى؛ لأن التعصيب من جهة الأب أولى. *قال أبو جعفر: (المدة التي يعلم بها أنها كانت حاملا بالولد يوم العتق: أن تأتي به بعد عتقها لأقل من ستة أشهر).

стр. 3774

وذلك لأن مدة الحمل لا تكون أقل من سنة أشهر، وقد تكون ستة أشهر، قال الله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾، ثم قال: ﴿وفصاله في عامين﴾، فجعل الحمل ستة أشهر. *قال أبو جعفر: (إلا أن تكون في عدة من طلاق بائن، أو من موت زوجها، فيكون ما جاءت به لأقل من سنتين محكوما بوقوع العتق عليها، وهي حامل). قال أحمد: الأصل في ذلك: أن الولاء متى كان مباحا، فكل ولد تأتي به، فهو لأدنى وطء إلى الحمل، وإذا حرم الوطء، ووجبت العدة، فكل ولد تأتي به لأقل من سنتين، فهو محكوم بوجوده قبل تحريم الوطء. ألا ترى أنا نلحقه به، ولا نحكم بأنه وطئها بعد تحريم الوطء؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة والجواز، ولا يجوز حملها على الفساد والبطلان ما وجد لها مساغ في الصحة. ولهذا المعني قاله فيمن أوصى بثلث ماله لما في بطن فلانة، وهي تحت زوج: أنها إن جاءت به لأقل من ستة أشتهر: صحت له الوصية، وإن كان لأكثر: لم تصح. ولو كانت مطلقة معتدة، فكل ولد تأتي به لأقل من سنتين فله الوصية.

стр. 3775

مسألة: [ولاء المعاقدة] قال أبو جعفر: (وجائز لمن لا ولاء عليه لأحد أن يوالي من شاء من الأحرار). وذلك لعموم قول الله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾. فكان هذا حكما ثابتا في استحقاق الميراث بولاء المعاقدة، وهو عندنا ثابت، إلا أن يجيء من النسب، أو من الولاء ما هو أولى بالميراث والعقل منه. وقد روي "أن تميما الداري سأل النبي ﵊ عن الرجل يسلم علي يدي الرجل، فقال: هو أولى الناس بمحياه ومماته". وقد رأيت في بعض المواضع: "أنه سأله عن رجل أسلم على يدي رجل ووالاه"، إلا أني أنهيت حكايته؛ لأني لم أجده فيما سمعته.

стр. 3776

وعلى أنه لا خلاف بين الفقهاء أن إسلامه على يده: لا يوجب إثبات الولاء؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب أن يكون كل من دعاء النبي ﵊ إلى الإسلام، فأسلم: مولى للنبي ﵊، وكذلك من دعاه أبو بكر، وعمر، وما فتحاه من البلاد فأسلم أهلها، فدل ذلك على أن عقد الموالاة مشروط في حديث تميم الداري، فمن أجله كان أولى الناس بمحياه ومماته. وأيضا: فإن من أصلنا: أن من لا وارث له، جازت وصيته بجميع ماله، وقال الموصى له فيه مقام الوارث، ومعاقدة الولاء تتضمن ذلك، فينبغي أن يصح له ذلك بالعقد، كما يصح بعقد الوصية، ومن أجل ذلك أحتاج أن يشرط في عقد الولاء: أنه يرثه، وإذا ثبت حكم الميراث من هذا الوجه، ثبت حكم العقل. فإن قيل: كيف يجوز له معاقدة على عاقلته في إلزامه إياهم جنايته بقوله؟ قيل له: كما أجاز أن يلزمهم جنايته بعتقه لو أعتقه وهو عبد. مسألة: [التحول بولاء المعاقدة] قال أبو جعفر: (وله أن يتحول بولائه إلى غيره ما لم يعقل عنه). قال أحمد: وذلك لأنه حق أوجبه له بقوله، متبرعا لم يعتض عنه عوضا، فهو بمنزلة الوصية، له أن يرجع فيه قبل موته، وبمنزلة الهبة له الرجوع فيها ما لم يقبض عنها. وإنما لم يكن له أن يتحول بولائه بعد العقل؛ لأنه قد اعتاض عنه، وهو العقل الذي غرموه عنه، فليس له أن يرجع فيما أوجبه له من الولاء، كما أن الهبة إذا اعتاض عنها الواهب: لم يصح له الرجوع فيها.

стр. 3777

وأيضا: فقد تعلق بذلك الولاء حكم لا يمكنه فسخه، وهو ما أدوه من العقل، فإذا حكم الولاء ثابت بحيث لا يلحقه الفسخ. مسألة: [دخول الأولاد الصغار ضمن ولاء أبيهم] قال أبو جعفر: (ومن والى رجلا وله أولاد صغار، فإنهم يكونون بذلك موالي للذي والاه أبوهم). قال أحمد: ولا يكون ولده الكبر موالي للذي والاه الأب، وذلك لأن قوله جائز على الصغار، ولا يجوز على الكبار، ألا ترى أنه يستحق التصرف عليهم بنفسه، ولا يستحقه على الكبار. مسألة: [تقديم عصبة النسب في الميراث على عصبة العتاقة] قال أبو جعفر: (وعصبة الميت من زوي أنسابه أولى بالميراث من مولى العتاقة)، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. [مسألة:] قال: (ومولى العتاقة عصبة إذا لم يكن له عصبة من النسب، يستحق فضل الميراث، كما يستحقه سائر العصبات من ذوي الأنساب). وذلك لأن النبي ﵊ "أعطى بنت حمزة نصف ميراث مولاها الذي أعتقته".

стр. 3778

وإعطاء البنت النصف، يدل على أنه أقامها مقام العصبات من ذوي الأنساب. [مسألة:] قال: (ومولى العتاقة أحق بالميراث من ذوي الأرحام). وذلك لأنه عصبة، والعصبة أولى بالميراث من ذوي الأرحام. [مسألة:] قال: (وذووا الأرحام أحق بالميراث من مولى الموالاة). وذلك لقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾. ولأن ما يأخذه مولى المولاة يشبه الوصية من الوجه الذي بينا، وهو أنه لا يستحقه إلا بالمعاقدة على ذكر التوريث، وفارق مولى العتاقة؛ لأنه لا يحتاج في ذكر استحقاقه إلى ذكر التوريث. مسألة: [الأحق بميراث من مات وترك أبن مولاه وأبا مولاه] قال: (ومن ترك ابن مولاه، وأبا مولا، فإن أبا حنيفة ومحمدا قالا: ميراثه لابن مولاه دون الأب، وقال أبو يوسف: هو بينهما: لأبي المولى

стр. 3779

السدس، وما بقي فللابن). وجه قولهما: أن الميراث إنما يستحق بالتعصيب في هذا الوجه، وأقرب العصبة الابن، ولا تعصيب للأب مع الابن؛ لأن معه ذو سهم، ألا ترى أنه يستحق السدس بالتسمية، وما بقي فللابن بالتعصيب. ولأبي يوسف: أن التسمية لا تخرجه من حكم التعصيب، إذ قد يجوز أن يجمع له الأمران، ألا ترى أن رجلا لو مات، وترك بنتا وأبوين: أن للبنت النصف، وللأبوين السدسين، وما بقي فللأب؛ لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾. وقال النبي ﵊: "ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر". فاستحق الأب في هذه المسألة بالتسمية والتعصيب معا، وإذا كان كذلك لم تخرجه التسمية مع الابن من حكم التعصيب، فوجب أن يستحقا الميراث على ذلك. مسألة: قال أبو جعفر: (ومن ترك جد مولاه أبا أبيه، وأخا مولاه لأبيه وأمه، أو لأبيه، فإن أبا حنيفة كان يقول: ميراثه لجد مولاه، دون أخي مولاه).

стр. 3780

وذلك لأن من أصله: أن الأخ لا حظ له في الميراث مع الجد، وهو عنده بمنزلة الأب. * (وقال أبو يوسف ومحمد: ميراثه بينهما نصفان). لأن من أصلهما: أنهما يستحقان ميراثه بالتعصيب نصفين، والجد في هذا الموضع بمنزلة أخ أخر معه. مسألة: [الولاء الكبير] قال أبو جعفر: (والولاء الكبير، وتفسيره: أن يترك المتوفى ابن مولاه، وابن ابن مولاه: فيكون ميراثه لابن مولاه، دون ابن ابنه). قال أحمد: وأبين من هذا: أن يموت المعتق، ويترك ابن: فيكون ولاء العبد المعتق بينهما نصفين. فإذا مات أحد الابنين، وترك أبنا: لم يستحق ابنه ما كان لأبيه من الولاء، وصار الولاء كله لابن المعتق الباقي. وروي أن الولاء للكبر عن عمر، وعلى، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي مسعود الأنصاري، وأسامة بن زيد ﵃.

стр. 3781

وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن عبد ربه أبو محمد البغلاني قال: حدثنا محمد بن آدم قال: حدثنا الفضل بن موسى قال: حدثنا أبو عصمة نوح بن أبي مريم عن أبي بكر أسمه جبريل عند عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "الولاء للكبر". وأيضا: فإن الولاء لا يستحق باستحقاق الميراث، بدلالة أن البنت من أهل ميراث المعتق، ولا تستحق الولاء، ويستحقه الابن، فلما سقط اعتبار الميراث فيه، وجب أن يستحق بقرب التعصيب من المولى المعتق، وابنه أقرب إليه من ابن ابنه، فكان أولى بالولاء. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا ابن مصفى قال: حدثنا ابن أبي فديك عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "الولاء نسب لا يصلح بيعه ولا هبته". وفي سائر الأخبار: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا تباع ولا توهب". فلما جعله النبي ﵊ كالنسب، دل على انه لا

стр. 3782

يورث، كما لا يورث النسب. مسألة: [ميراث من أعتقته امرأة ثم ماتت، ولها ولد من غير قوها] قال أبو جعفر: (وما أعتقته المرأة من مملوك، ثم ماتت ولها ودل من غير قومها: كان ميراث مولاها إن مات لودها إن كان ذكرا، وكان عقل جنايات مولاها على قومها، لا على ولدها). وإنما كان العقل على قومها، لأنه منسوب إليهم بالولاء، قال النبي ﵊: "مولى القوم من أنفسهم". ألا ترى أنها لو كانت تميمة: كان مولاها تميميا، ولم تنسب إلى قبيلة ابنها. وروي أن عليا والزبير اختصما إلى عمر بن الخطاب في ميراث مولى صفية، فحكم بالميراث للزبير، وجعل العقل على علي ﵁. وأيضا: فإن العقد إنما يتعلق لزومه بالنصرة، والنصرة على من تقع النسبة إليهم؛ لأنه معلوم أن النبي ﵊ لم يرد بقوله: "مولى القوم من أنفسهم": إثبات النسب، فإذا معناه: أنه في حكمهم في باب ما يلزم من العقل، ولذلك قال أصحابنا فيمن كان له نسب، وعليه ولاء: بأن

стр. 3783

عقل جنايته على ذوي ولائه، دون ذوي نسبه؛ لأنه منسوب إليهم. داخل في نصرتهم. مسألة: [إقرار المشتري للعبد بأن بائعه قد كان أعتقه] قال: (ومن ابتاع عبدا، ثم أقر بأن بائعه قد كان أعتقه، وأنكر ذلك بائعه: كان حرا، وكان ولاؤه موقوفا). وذلك لأن تحت قوله معنيين: أحدهما: دعواه لفسخ البيع، وذلك دعوى على غيره، فلا يصدق عليه. والآخر: إقراره بحرية العبد، وهو يملكها؛ لأن العبد في ملكه، فيصدق على نفسه، ولم يصدق في إثبات ولائه من البائع، ولم يعترف بولائه، من قبل نفسه، فجعلناه موقوفا. مسألة: قال أبو جعفر: (ومن أعتق من أهل الكفر عبدا له كافرا في دار الحرب، ثم أسلم: لم يكن بذلك مولاه). وذلك لأن العبد إذا كان حربيا، فالمعنى الموجب لرفه هو ثبوت اليد عليه، وقهره وغلبته، وقول المولى له: أنت حر يزيل ذلك، ولا يصح فيه معنى العتق، ألا ترى أنه لو قال له في الحل: أنت عبدي، وقد استرققتك: كان رقيقا.

стр. 3784

هذا إذا علمنا العتق، فلا يصح معنى العتق مع وجود ما ينافيه، وكذلك التدبير، لأن من لا يصح عتقه: لا يصح تدبيره، إذ كان العتق آكد من التدبير في باب الإثبات. مسألة: قال: (ولو استولد الحربي أمة، ثم أخرجها إلى دار الإسلام، وهما مسلمان، أو دخلا بأمان: كانت أم ولد له). وذلك لأن الاستيلاد قد ثبت حكمه في ملك الغير، حتى إذا ملك، استحق به العتق، كمن تزوج جارية غيره، فاستولدها، ثم ملكها: ثبت لها حق الاستيلاد، وهو في هذا الباب يجري مجرى النسب. مسألة: [بطلان عتق المسلم لعبده الحربي في دار الحرب] قال أبو جعفر: (ومن أعتق من المسلمين في دار الحرب عبدا له هناك حربيا: كان عتقه باطلا، ولم يستحق به ولاءه؛ للمعنى الذي ذكرنا، وهو بقاء اليد المنافي للعتق، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد). ولا فرق في ذلك بين أن يكون المولى مسلما أو كافرا بعد أن يكون العبد حربيا؛ لوجود العلة التي ذكرنا في الجميع. * (وقال أبو يوسف: يكون مولاه في هذا إذا خرجنا إلينا مسلمين؛ استحسانا، وليس بقياس).

стр. 3785

واحتج أبو يوسف بما روي أن أبا بكر الصديق أعتق تسعة ممن كان يعذب في الله بمكة: صهيبا وبلالا وغيرهم، فكان ولاؤهم أبي بكر، وكانت مكة يومئذ دار حرب. قال أحمد: هذا لا يدل على موضع الخلاف بينهم، من قبل أن أبا بكر أعتقهم وهم مسلمون، وكذا يقول أبو حنيفة فيمن أعتق عبدا مسلما في دار الحرب: أن له ولاءه، وإنما الخلاف بينهم في العبد الحربي إذا أعتقه المسلم. وكذلك النبي ﵊ أعتق زيد بن حارثة، وزيد مسلم حينئذ، فلذلك ثبت ولاؤه منه. وأيضا: فإن ذلك كان قبل فرض القتال، وإباحة الغنائم، فأما بعد إباحة الغنائم، وفرض القتال، فإن رقاب أهل الحرب قد صارت مباحة، معرضة للسبي والاسترقاق، فإذا ثبت الرق في شيء منها، لم يصح إسقاطه مع وجود ما ينافيه من القهر والغلبة. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو سبي العبد المعتق بعد عتق مولاه إياه: كان مملوكا للذي سباه، في قولهم جميعا). وذلك لأنه باق على حكم الحرب، وجواز عتقه عند أبي يوسف لم يخرجه عن حكم الحرب، فهو كسائر أحرار أهل الحرب إذا سبوا: جرى عليهم الرق.
следующие страницы →