Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
منتقلا من الفاعل إليه، وباقيا على الفاعل من الوجه الذي ثبت حكمه على الآمر.
ولأن نظير ذلك معدوم في الأصول، ومتى خرج جواب مسألة الفرع من أن يكون له نظير في الأصول: سقط.
فإن قيل: فأنت تجيز انتقال حكمه إلى المكره، مع بقائه على المأمور، لأنه لو أكرهه على العتق، تعلق حكمه بالآمر فيما يلزمه من الضمان، وحكمه ثابت أيضا على المأمور، في باب نفاذ عتقه، وثبوت ولائه منه.
قيل له: لم ننكر ما أنكرناه من هذا الوجه؛ لأن حكم الفعل تعلق بالآمر في هذا الموضع، من غير الوجه الذي تعلق بالمأمور، وفيما وصفنا يتعلق بالآمر، من حيث تعلق بالمأمور، من حيث أوجبت عليهما جميعا القصاص.
وقد يمكن أن يحتج في سقوط القصاص عن المكره بعموم ما روي عن النبي ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"؛ حين لم يفرق بين القتل وبين غيره.
مسألة: [الإكراه على الزنى]
قال أبو جعفر: (ومن أكره على أن يزني بامرأة، فزنى بها، فإن أبا حنيفة كان يقول: يحد في ذلك، كما يحد لو أتاه على غير إكراه، ثم رجع عن ذلك فقال: إن كان الذي أكرهه سلطانا: لم يحد، وإن كان غير سلطان: حد، وهو قول أبي يوسف.
стр. 3817
وقال محمد: إذا أكرهه غير سلطان ممكن إكراهه كإكراه السلطان: لم يحد، وقياس قول زفر في ذلك أنه يحد).
قال أحمد: المشهور من قول أبي يوسف أنه مع محمد في هذه المسألة.
وجه قول أبي حنيفة في وجوب الحد إذا أكرهه غير السلطان: أن الزنى لا يكون إلا بالشهوة والانتشار، وظهور ذلك منه ينافي الكراهة، ويدل على الطوع والرضا، فصار الفعل واقعا على جهة الطوع، فوجب الحد.
فإن قيل: الشهوة والانتشار قد يقارنهما ترك الفعل، فإذا ليس في وجودهما ما يزيل الإكراه على الفعل.
قيل له: معلوم من حال الكاره والخائف انتفاء الانتشار منه، والانبعاث للجماع، فإذا وجدناهما على حال ينافي حال المكره، علمنا أنه أتاه طوعا غير مكره، وليس يمتنع أن يظهر من المكره إكراه له على الفعل، وهو مع ذلك يفعله طائعا غير مكره، كما لو أكره على الكفر، فقصد إلى إظهاره طائعا غير مكره: لزمه حكم الكفر، ولم يزل عنه ظهور الإكراه من غيره عليه.
وأما إذا أكرهه سلطان: فإنه لا حد عليه استحسانا.
وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: يحتمل أن يكون المراد: الخليفة، فإن كان هذا مراده: فإن وجه زوال الحد عنه: أن السلطان زالت إمامته بإكراهه له على الزنى؛ لأنه صار فاسقا، فحصل الزنى وليس هناك
стр. 3818
إمام يقيم الحد فيه، فيسقط.
كمن زنى، وليس إمام، ثم ولي إمام: فلا يحد، وكمن زنى في دار الحرب، ثم خرج إلينا، فلا يحد؛ لأن إقامة الحد إلى الإمام، فإذا لم يكن في حال الفعل من يقيمه: لم يجب في تلك الحال، وإذا لم يجب في حال الفعل: لم يجب بعد ذلك.
ألا ترى أنهم قالوا: إن الأمام نفسه لو أتى ما يجب عليه فيه الحد: لم يحد؛ لأنه زال بفعله هذا عن الإمامة، فلم يكن هناك من يقين الحد، فيسقط، كالزنى في دار الحرب.
قال أبو الحسن: فإن كان أراد به سلطانا، وفوقه غيره، نحو الأمراء والعمال: فإن وجه سقوط الحد فيه: أن هذا قائم مقام الإمام، ومن شأنه أن يتوصل إليه إلى إسقاط الحدود، فلما أراد أن يتوصل إلى إثبات الحد وإيجابه: لم يجب، ولم يثبت، وهذا استحسان من قوله.
*****
стр. 3819
كتاب القسمة
[أنواع القسمة]:
قال أحمد: القسمة على وجهين:
أحدهما تمييز الحقوق، وهو ما تقع القسمة فيه على الأجزاء، نحو المكيل والموزون إذا كان بين رجلين، ألا ترى أن كل واحد منهما يحصل له بالقسمة القدر الذي كان يملكه قبل القسمة.
فما كان منها على هذا الوجه: فليس معنى البيع؛ لأن كل واحد منهما آخذ لحقه، ومن أجله قالوا: إن رجلين لو اشتريا كر حنطة، ثم اقتسماه: كان لكل واحد منهما أن يبيع ما حصل له مرابحة على نصف الثمن.
والوجه الثاني: هو بمنزلة البيع، وهو ما تقع القسمة فيه على القيمة، فما حصل لكل واحد منهما بالقسمة: فنصفه ما كان له قبل القسمة، والنصف الآخر كأنه اشتراه بما سلمه إلى شريكه.
ألا ترى أن كل واحد منهما قد يجوز أن يحصل له بالقسمة أكثر مما
стр. 3820
كان له في الأصل من الآخر، نحو أربعين شاة بين رجلين، اقتسماها على القيمة: قد يجوز أن يحصل لأحدهما خمسة وعشرون شاة، وللأخر خمسة عشرة شاة، ومن أجل ذلك قالوا: إن ما حصل لكل واحد منهما بالقسمة: لا يجوز له بيعه مرابحة على الثمن الذي اشتراه به قبل القسمة.
مسألة: [قسمة الدار التي يملكها شخصين إذا طلب ذلك أحدهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدار بين رجلين، فطلب أحدهما قسمتها، وأبى الآخر، فارتفعا إلى القاضي: نظر القاضي في ذلك، فإن كانت مما يقع لكل واحد منهما بالقسمة ما ينتفع به: قسمها بينهما).
وذلك لأن القسمة مستحقة لكل واحد منهما بالملك إذا كان له في القسمة منفعة، أو لم يكن عليه فيها ضرر؛ لأن كل جزء من الدار إذا كان بينهما، فكل واحد منهما منتفع بنصيبه، ونصيب غيره، وله أن يمنع غيره من الانتفاع بملكه، فصارت القسمة من حقوق الملك في هذه الحال، فلكل واحد منهما المطالبة بحق ملكه.
*قال: (وإن لم ينتفع واحد منهما بما يقع له بالقسمة: لم يقسمها بينهما، حتى يرضيا بذلك).
وذلك لان كل واحد منهما إذا لم ينتفع بنصيبه بعد القسمة، وينتفعان به قبل القسمة: فهذه قسمة على ضرر، ولا يجوز للقاضي إيقاع القسمة على ذلك؛ لأن المطالب بالقسمة في هذا الوجه، إنما يقصد الإضرار بنفسه وبشريكه، وقد روي عن النبي ﵊ أنه قال: "لا
стр. 3821
ضرر ولا إضرار في الإسلام".
وروي عنه ﵊ أنه قال: "لا تعضية على أهل الميراث، إلا فيما احتمل القسمة".
ولأن ما لا نفع فيه، فليس بحق له، وإذا لم يكن له حقا له، لم يجبر القاضي الآخر عليه؛ لأن القاضي إنما يجبر الناس على أداء الحقوق التي تلزمهم لغيرهم، فأما ما ليس بحق للطالب، فإن القاضي لا يجبر عليه.
مسألة: [قسمة الدار إذا كان فيها نفع كبير لأحدهما دون الآخر]
قال: (وإن كان الذي يصيب الطالب بالقسمة ينتفع به لكثرته، ولا ينتفع الآخر بنصيبه لقلته: قسمها بينهما).
وذلك لأن للطالب حقا في هذه القسمة، وهو الانتفاع بملكه متميزا عن ملك غيره، ومنع غيره من الانتفاع بملكه، والذي أباها إنما يريد
стр. 3822
الانتفاع بملك غيره، فيجبر على القسمة.
مسألة: [مطالبة الورثة الكبار بقسمة دار أقروا أنها ميراث أبيهم]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدار بين ورثة كبار أصحاء، فأقروا عند القاضي أنها ميراث بينهم عن أبيهم، وأرادوا منه قسمتها بينهم: فإنه لا يجيبهم إلى ذلك، حتى يقيموا البينة على ميراثهم إياها في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمهم إقرارهم، ويقضي به عليهم، ويقسمها بينهم على ذلك، ويشهد أنه لم يقض في ذلك بشيء على أحد سواهم).
قال أحمد: وجه قول أبي حنيفة: أنهم إذا اعترفوا بالميراث، فقد أقروا ببقائها على حكم ملك الميت؛ لأن الورثة يخلفون المبيت في ملكه.
ألا ترى أنهم يردون بالعيب على بائع الميت، والقاضي جائز التصرف على الأموات، فلو قسمها بينهم بغير بينة، وكانت القسمة فيها على معنى
стр. 3823
البيع لما قدمنا، والدار محفوظة بنفسها، لا يخاف عليها الهلاك، لكان فيه تصرف على الميت بقولهم، ولا يجوز له أن يتصرف على الميت بقولهم، فيزيل حكم ملكه بالقسمة.
وليس هذا بمنزلة الدار، إذا كانت في أيديهم على جهة الشراء، أو الهبة، فيقسمها وإن لم يقيموا البينة؛ لأن ملك المشتري ملك مستأنف، ليس هو في الحكم ملكا للبائع، فلا يقع فيه تصرف على غير من قاسم، فلذلك صدقهم على أنفسهم، وقسمها بينهم.
ولا يشبه أيضا العقار ما سواه من العروض عند أبي حنيفة، فيقسمها وإن اعترفوا بها ميراثا، ولم يقيموا بينة، من قبل أن العروض يخشى عليها التوى والهلاك، وفي قسمتها حفظ للميت إن كان الأمر على ما قالوا، أعني الورثة؛ لأن كل واحد منهم يصير ما حصل له بالقسمة في ضمانه، حتى إذا هلك، ضمنه، وقبل القسمة هو باق على حكم ملك الميت، ليس في ضمان أحد، والدار ليست كذلك؛ لأنها لا تضمن بالغصب عنده.
وأيضا: قد ثبت للقاضي التصرف على الأحياء في بيع العروض، لأجل الغيبة إذا خاف عليها الفساد أو الهلاك، ولا يثبت له التصرف عليه في العقار بمال.
*قال: (فكذلك العروض في الميراث، فإن لم يقم عليه بينة: جاز له أن يقسمها).
قال أحمد: ولا خلاف بينهم أنه متى قامت البينة على الميراث، وقد
стр. 3824
حضر من الورثة اثنان: أن العقار يقسم ولو كان ذلك بينهم من غير جهة الميراث.
ولا خلاف بينهم أيضا، أنه لا يقسم إذا كان بعضهم غائبا، وذلك لأن تصرف القاضي جائز على الميت، فلا يبطل حق الحضور إذا أرادوا القسمة لغيبة الغائب منهم، مع جواز تصرفه على الميت في إيصال ذوي الحقوق من مستحقي ميراثه إلى حقوقهم، كما يعطي الموصى له وصيته، ويقضي دينه مع غيبة بعض الورثة.
وأما إذا كان بينهم من غير جهة الميراث، وبعضهم غائب، فإن غيبته لا توجب للقاضي ولاية عليه في القسمة، فلذلك لم يقسمه بينهم وإن قامت البينة على الشراء.
*وذهب أبو يوسف ومحمد في إيجابهما على القاضي قسمة العقار وإن لم تقم بينة على الميراث: أنها في ملكهم في الحال، فيقسمها عليهم، ولا يجعله قضاء على غيرهم، كما لو كانت بينهم من جهة الشراء.
مسألة: [تحري العدل في قسمة الدار]
قال أبو جعفر: (وإذا قسمت الدار بين أهلها، فأصاب بعضهم موضعا منها بغير طريق اشترط له فيها في القسمة، فإن كان له مفتح مما
стр. 3825
أصابه إلى الطريق: أمضيت القسمة، وإلا: أبطلها).
قال أحمد: إذا كان له مفتح إلى الطريق مما أصابه، فقد حصلت له المنافع، وساوى صاحبه فيما أصابه؛ لأن كل واحد ينتفع بنصيبه، ولا ضرر عليه فيما أصابه.
وأما إذا لم يكن له مفتح، فهذه قسمة فيها ضرر على أحدهما، وذلك غير مستحق عليه بالملك؛ لأن الذي استحقه كل واحد منهما بحق ملكه: تعديل الأنصباء، وفي إلحاق الضرر بأحدهما دون الآخر: نفي التعديل؛ لأن التعديل هو المساواة فيما استحقاه بالملك، فلا تجوز القسمة على هذا.
مسألة: [كيفية القسمة والذرع في العلو الذي لا سفل له، والعكس]
قال أبو جعفر: (وكان أبو حنيفة يقول في العلو الذي لا سفل له، وفي السفل الذي لا علو له: يحسب في القسمة ذراع من السفل بذراعين من العلو.
وكان أبو يوسف يقول: يحسب كل ذراع من العلو بذراع من السفل.
وكان محمد: يقوم كل ذراع من العلو على أن لا سفل له، وكل ذراع من السفل على أن لا علو له).
قال أحمد: الأصل في ذلك عند أبي حنيفة: أن القسمة إنما هي تعديل الأنصباء، وتعديل إنما يكون بحسب منافعها.
والدليل على أن القسمة تتضمن اعتبار المنافع: اتفاق الجميع على أن
стр. 3826
كل واحد منهما إذا لم ينتفع بنصيبه: لم يستحق القسمة على صاحبه، ولم يقسمه القاضي بينهما إذا أبى ذلك أحدهما.
فإذا ثبت هذا الأصل، اعتبر أبو حنيفة اعتبار منافع السفل والعلو بأصل له آخر بينه وبين أبي يوسف ومحمد فيه خلاف، وهو أنه يقول: إن العلو إذا كان لرجل، وسفله لآخر: فليس لصاحب العلو أن يزيد في بنائه، ولا يعلي فوقه علوا آخر.
وإذا كان ذلك من أصله، فالذي لصاحب العلو بغير سفل منفعة واحدة، وهي الانتفاع بالعلو الذي هو فيه فحسب، ولا يمكنه الانتفاع بسفله، ولا أن يبني فوقه علوا آخر فينتفع به.
وأما صاحب السفل بلا علو: فله أن ينتفع بوجه البيت، وله أن يسفل، فيحفر تحته بيتا آخر، فيحصل له منفعتان، وليس له الانتفاع بالعلو؛ لأنه لغيره، وإنما عدم جهة واحدة من المنفعة.
وأما صاحب البيت الكامل الذي له سفل وعلو، فله ثلاث جهات من المنافع: وجه البيت، وسفله، وعلوه، فصار للبيت الكامل ثلاث منافع.
فقال أبو حنيفة على هذا الأصل: إن مائة ذراع من العلو الذي لا سفل له، بإزاء ثلاث وثلاثين ذراعا وثلث ذراع من البيت الكامل الذي له سفل وعلو؛ لأن للبيت الكامل ثلاث منافع، وللعلو الذي لا سفل له منفعة واحدة، ومائة ذراع من السفل لا علو له، بإزاء ستة وستين ذراعا وثلثي ذراع من البيت الكامل؛ لأن للسفل الذي لا علو له منفعتين، وللبيت الكامل ثلاث منافع.
стр. 3827
ومائة ذراع من العلو الذي لا سفل له، بإزاء خمسين ذرعا من السفل الذي لا علو له؛ لأن للعلو الذي لا سفل له جهة واحدة من المنفعة، وللسفل الذي لا علو له جهتان، فصار ذراعان في العلو، بذراع من السفل.
فمن أخذ من السفل الذي لا علو له ذراعا: أعطى ذراعين من العلو الذي لا سفل له، ومن أخذ ذراعا من البيت الكامل: أعطى ثلاثة أذرع من العلو الذي لا سفل له، وإذا أخذ ذراعا من البيت الكامل: أعطى من السفل الذي لا علو له ذراعا ونصفا على ما بينا.
*وأما أبو يوسف: فلما كان من أصله: أن لصاحب العلو أن يبني في علوه ما لا يضر بالسفل، صار للعلو عنده جهتا منفعة، كصاحب السفل سواء، فلذلك حسب ذراعا من العلو، بذراع من السفل.
*وقد أجاب محمد في كتاب القسمة عن هذه المسألة، بجواب تشكل به المسألة على قارئها إذا لم يفهم مراده، وذلك أنه قال: وقال أبو يوسف: يحسب العلو بنصف، والسفل بالنصف، وينظر كم جملة ذرع كل واحد منهما، فيطرح من ذلك النصف.
وليس هذا جواب المسألة التي ابتدأ بذكرها في العلو الذي لا سفل له، والسفل الذي لا علو له، والسفل الذي لا علو له، وإنما هو جواب البيت الكامل مع العلو بغير سفل، والسفل بغير علو؛ لأن البيت الكامل يعدل ذراع منه عنده ذراعين من العلو الذي لا سفل له، والسفل الذي لا علو له.
فإذا كان العلو عشرة أذرع، ردها إلى خمس أذرع؛ لأنها بإزاء خمسة أذرع من البيت الكامل، وكذلك السفل إذا كان عشرة أذرع، عدها خمسة أذرع من البيت الكامل.
стр. 3828
فحصل الخلاف بينه وبين أبي حنيفة من وجهين:
أحدهما: أنه يجعل السفل الذي لا علو له، والعلو الذي لا سفل له في التقدير واحدا، يجعل ذراعا من هذا، بذراع من هذا.
والثاني: أنه يحسب ذراعين من العلو، أو السفل بإزاء من البيت الكامل.
وأبو حنيفة يجعل ذراعين من العلو، بذراع من السفل، ويجعل ذراعا من السفل، بثلثي ذراع من البيت الكامل.
*ثم نرجع إلى مسألة كتاب القسمة فنقول: إن محمدا أراد أن يبين أن العلو والسفل عند أبي يوسف واحد، وأن كل واحد منهم يحسب بالنصف مع البيت الكامل وإن لم يذكر البيت الكامل في السؤال، فهذا معناه
وأبو يوسف له اعتبار آخر بعد ذلك وهو: أنه إذا حسن ذراعين من العلو، أو من السفل بذراع من البيت الكامل، فإنما يحسب ذلك مساحة بغير بناء، ثم يقوم البناء في العلو والسفل على ما يساوي، كذا حكى عنه بشر من الوليد.
قال أحمد: وينبغي أن يكون هذا الاعتبار مذهب أبي حنيفة أيضا، إذ غير جائز إسقاط حكم البناء مع تفاضل القيم، وأن اعتبار أبي حنيفة الذي ذكرنا في تعديل العلو بالسفل، والسفل بالبيت الكامل، إنما هو في الساحة.
وأما محمد: فإنه اعتبر القيمة في الساحة والبناء جميعا؛ لأنها تختلف
стр. 3829
قيمتها في البلدان والمواضع، على حسب رغبة الناس فيها.
مسألة: [كيفية قسمة الدور المختلفة بين المشتركين]
قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة في الدور المختلفة: إن كل واحدة منها تقسم على حدة.
وقال أبو يوسف ومحمد: على ما يراه القاضي أصلح لهم في جمع الأنصباء لكل واحد منهم في دار، أو تفريقها في الدور، فإن رأى قسمة كل واحدة على حدة أصلح: قسمها، وإن رأى أن يقسم بعضها في بعض: فعل).
لأبي حنيفة ﵀: أنه لا خلاف بينهم أن الأجناس المختلفة لا يقسم بعضها في بعض إلا بتراضيهم، وأنها متى قسمت كذلك، كانت بيعا محضا، ولم تكن القسمة المستحقة بالملك والدور بمنزلة الأجناس المختلفة، لتفاوتها واختلافها.
ألا ترى أنه لو تزوج امرأة على دار: لم يكن ذلك تسمية صحيحة، كما لو تزوجها على ثوب، أو دابة: لم يكن تسمية، وكان لها مهر المثل.
وإذا كان كذلك، لم يجز قسمة بعضها في بعض، كأجناس الثياب والدواب، ولو قسمها القاضي وهي بيع: كان قد أجبر من أبى القسمة على البيع، وهو لا يستحق عليه البيع بحق الملك.
стр. 3830
مسألة: [اختلاف المشتركين في قدر الطريق التي ترفع من الدار]
قال أبو جعفر: (ولو اختلفوا في مقدار الطريق التي ترفع من الدار بينهم: رفعت الطريق بينهم على سعة باب الدار).
وذلك لأنه قد استحق الدخول من أي نواحي الباب شاء، فيستحق الاستطراق من داخلها على حسب ما استحقه بالدخول، وليس لواحد منهم أن يمنع صاحب الطرق من الاستطراق في حقه.
مسألة:
(ولا يقسم حائط ولا ثوب بين مالكيه إلا بتراضيهما).
وذلك لأنها قسمة على ضرر، وقد روي عن النبي ﵊ أنه قال: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام".
وروى أبو عاصم عن ابن جريج عن صديق بن موسى عن محمد بن أبي بكر قال: قال النبي ﷺ : "لا تعضية على أهل الميراث، إلا ما احتمل القسمة".
وأيضا: فإن القسمة إنما هي تمييز الحقوق وتعديلها، وهي القسمة المستحقة بالملك، فأما إتلاف جزء من مال كل واحد منهما، فإن ذلك غير مستحق بالملك، فلا يجبر واحد منهما عليه، ألا ترى أنه لو كان بينهما لؤلؤة، أو ياقوته: لم يجز أن يكسرها ويقسمها بينهما.
стр. 3831
مسألة: [تحري القاسم العدل]
قال: (ولا ينبغي للقاسم أن يقسم في شيء مما ذكرنا برد شيء يشترطه لبعض أهل القسمة على بقيتهم ما قدر على ذلك).
قال أحمد: يعني أنه لا يدخل في القسمة دراهم، ولا غير ما اقتسما عليه، لأجل زيادة قيمة ما يأخذها أحدهما، وذلك لأن لزوم الدراهم إنما يكون من طريق البيع، وهما لم يأمراه بالبيع والشراء، وإنما أمراه بالقسمة.
وأيضا: فإن القسمة إنما هي تعديل الحقوق، وتمييز ملك كل واحد منهما، وإفراده عن ملك غيره، وهذا معنى مستحق بالملك، ولا يستحق بالملك أخذ دراهم، ولا إعطاؤها بالقسمة.
مسألة: [عدم جمع القاسم أنصبة الشركاء إلا باتفاقهم]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي له أن يجمع نصيب بعضهم مع نصيب بعض، إلا باتفاقهما جميعا على ذلك).
وذلك لأنه إذا جمع نصيب اثنين في موضع، لم يتميز بذلك نصيب كل واحد من نصيب صاحبه، والقسمة إنما هي تمييز الحقوق، وإفرازها من حق الغير.
وأيضا: فإنه يحتاج مع ذلك إلى قسمة ثانية، فلا ينبغي أن يفعله إلا أن يرضيا بذلك.
стр. 3832
مسألة: [ما ينبغي مراعاته عند قسم الدور]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي أن يقسمها بينهم حتى يقومها ذراعا ذراعا على ما يتناهى إليه كل ذراع منها من شارع، ومن غامض، ثم يصورها صورة؛ ثم يقرع بينهم عليها).
وذلك لأنه لا يصل إلى تعديلها، والتسوية بين أنصبائها إلا من هذا الوجه.
وأما القرعة: فإنما هي لتطييب النفوس، وقد روي "عن النبي ﵊ في قسمة خيبر: أنه جعلها سهاما، وأقرع فيها".
وأنه قال للرجلين اللذين اختصما إليه في مواريث قديمة قد درست: "استهما، وتوخيا الحق، ويحلل كل واحد منكما صاحبه".
"وكان النبي ﵊ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه".
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز القرعة في القسمة، والمعنى فيها تطييب النفوس، لئلا يسبق إلى ظن بعضهم أن غيره أوثر عليه، وليس فيها إبطال حق واحد منهم.
ولو اقتسموها بغير قرعة: جاز بالاتفاق أيضا.
стр. 3833
وذكر محمد في كتاب القسمة: أن القياس أن لا تجوز القسمة على القرعة، وأنه أجازها استحسانا.
وجه القياس: أن القسمة في معنى البيع، والبيع لا يصح وقوعه بالقرعة؛ لأنه في معنى بيع الملامسة والمنابذة التي نهى النبي ﵊ عنها، إذ كان موقوفا على فعل يوقعه غير العقد، إلا أنه ترك القياس، وأجازها، لما ورد فيها من الآثار.
ولأن القسمة مستحقة بالملك، يجبر الحاكم عليها، وقد كان للحاكم أن يعين ملك كل واحد منهم بغير قرعة، فأجازها بالقرعة أيضا لنفي التهمة عنه.
مسألة: [مراعاة جعل المقسوم سهاما على نصيب الأقل]
قال أبو جعفر: (وينبغي له أن يجزئ ما يحاول قسمته بين أهله من الدور والعقار، على أقل أنصباء أهلها فيه، ثم يقرع بين أهل القسمة بعد أن يبين لهم أن من خرج سهمه أولا أعطاه جزءه من الدار من الجانب الكذا منها، ثم مما يليه، حتى يستوفي حقه، ثم يفعل ذلك بهم واحدا واحدا، حتى يستوفوا أجزاءهم كذلك).
وذلك لأنه لابد لصاحب الأقل من أن يحصل له نصيبه متميزا من غيره، ولا يمكنه أن يجزئه على قدر أنصبائهم؛ لأنه لا يأمن أن يخرج النصيب الأقل لصاحب الأكثر، والنصيب الأكثر لصاحب الأقل، ولكنه
стр. 3834
يجزئه على الأقل، كأنه إن كان أقل الأنصباء فيها الثمن، جزأه أثمانا، فإن كان لواحد فيها النصف: أعطاه أربعة أثمان من جانب واحد، ولا يفرق نصيبه؛ لأن فيه ضررا عليه.
مسألة: [التصرفات التي يحق للمقسوم له فعلها في حقه أو حق الغير]
قال أبو جعفر: (ومن أصابه في قسمته حجرة سفل، وعلو من دار، فأراد أن يفتح في حائطها بابا من حجرة له سواها في دار أخرى، ليتطرق من تلك الحجرة في هذه الدار: لم يمنع مما يفعله في حائطه.
ثم ينظر فإن كان ساكن الحجرتين واحدا: لم يمنع من التطرق في هذه الدار.
وإن كان ساكن هذه الحجرة التي من وراء هذه الدار، غير ساكن الحجرة التي وقعت له من هذه الدار: لم يكن له أن يتطرق فيه).
قال أحمد: المسألة أنه وقعت له حجرة، ولها طريق في دار قوم، وله دار أخرى خلف الحجرة، فتح منها بابا إليها، ليستطرق الحجرة، وطريقها في الدار التي لغيره، فيكون اعتباره على ما ذكر، وذلك لأن ساكن الموضعين إذا كان واحدا: فله أن يصير من إحداهما إلى الأخرى يحق السكنى، فله أن يستطرق حينئذ من الحجرة التي هو ساكنها في طريقها إلى دار القوم.
وأما إذا كان ساكن الدار التي خلف الحجرة غير ساكن الحجرة: فليس لساكن الدار أن يستطرق الدار التي فيها طريق الحجرة؛ لأنه لما لم يكن له
стр. 3835
حق السكنى في الحجرة، فهو إنما يصبر إليها على جهة الاستطراق إلى الدار، فصار بمنزلة من استطرق طريقا شارعا إلى دار ليس له فيها حق الاستطراق، فليس له أن يفعل ذلك إلا بإذن صاحبها.
مسألة: [ادعاء أحد الشركاء الغلط في القسمة]
قال أبو جعفر: (ومن ادعى غلطا من أهل القسمة، أو حيفا بعد وقوع القسمة، وأنكر ذلك أصحابه، سئل البينة على ذلك، فإن أقام بينة عليه: فسخت القسمة ثم استؤنفت إن طلب ذلك أهلها).
قال أحمد: لا يصدق مدعي الغلط إلا ببينة؛ لأن القسمة محمولة على الصحة، كسائر العقود إذا وقعت، هي محمولة على الصحة، ولا يصدق مدعي الفساد على ما يدعيه إلا ببينة، فإن أقام بينة: قبلت منه، لأنه استدرك بها حقا لنفسه.
مسألة: [قسمة غير العقار عند طلب أحد الشركاء]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الغنم بين جماعة، فطلب بعضهم قسمتها: قسمت، وكذلك الإبل، والبقر، والثياب، والدواب، والحنطة، والشعير).
قال أحمد: معناه: أن كل صنف من ذلك يقسم على حدة، ولم يرد به أن بعضها يقسم في بعض؛ لأن الأصناف المختلفة لا يقسم بعضها في بعض إلا بتراضي الجميع.
стр. 3836
مسألة: [قسمة الرقيق]
قال أبو جعفر: (وأما الرقيق، فإن أبا حنيفة كان لا يقسمهم، وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم الرقيق كما يقسم ما سواهم).
وجه قول أبي حنيفة: أن القسمة تعديل الحقوق على المساواة، وذلك غير ممكن في الرقيق، لتفاوت ما بين بني آدم.
قال النبي ﵊: "الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة".
وفي خبر آخر: "أنه ليس شيء يفي الواحد منه بألف من جنسه، إلا بنو آدم".
وقال الشاعر:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتا ... إلى الفضل حتى عد ألف بواحد
وإذا كان كذلك، وكانت هذه المعاني التي ينبغي فيها التعديل والمساواة، غير مضبوطة في الرقيق، لم تصح قسمتهم.
فإن قيل: قد يمكن قسمتهم على اعتبار القيم.
قيل له: لا اعتبار بالقيمة في ذلك، دون تعدي المنافع، وهذا سديد على ما ذكرنا من قوله في اعتبار السفل، والعلو بالمنافع، ودللنا على وجوب اعتبار المنافع، وأن من لم تحصل له منفعة بالقسمة، لم يستحق القسمة على شريكه.
стр. 3837
والقيمة فإنما بصار فيها إلى ظاهر حاله، دون المعاني التي يتفاوت فيها الناس، وظاهر الحال لا يدل على ما وصفنا؛ لأن تلك المعاني من العقل، والفطنة، والفهم، والصبر، والحلم، والوفاء، والصدق، والشجاعة، وحسن الخلق، والدين، وما جرى مجرى ذلك، وهذه معاني مبتغاة من الرقيق، لا سبيل إلى الإحاطة بها، والوقوف على كنهها.
وأما سائر الحيوان فليس يبتغي منه شيء من ذلك، والمبتغي منه ما يمكن مشاهدته في الحال، وهو الشدة، والعبولة، والسمن في الغنم، والمأكول من الحيوان، والجري في الفرس، وذلك كله يمكن الوصول إلى معرفته في الحال، من غير تفاوت يقع فيها.
*وأما أبو يوسف ومحمد، فإنهما جعلا الرقيق كسائر الحيوان، في إيجاب قسمته على القيم.
مسألة: [قسم الرقيق ومعهم ثياب غيرها]
قال أبو جعفر: (وإن كان مع الرقيق سواهم من الثياب أو غيرها: قسم ذلك بينهم، وأدخل فيه الرقيق في قولهم جميعا).
قال أحمد: قد ذكر محمد هذه المسألة في كتاب القسمة على ما ذكره أبو جعفر، وهي محمولة على أن الملاك تراضوا بالقسمة؛ لأنه لا خلاف بينهم أن القاضي لا يقسم الأجناس المختلفة بعضها في بعض، إلا أن يتراضوا بالقسمة عليها، فيكون ذلك بيعا يقع بينهم بالتراضي.
стр. 3838
فأما القسمة المستحقة بحق الملك، وما يجبر القاضي عليها منها، فإنما يكون في الجنس الواحد، لا في الأجناس المختلفة بعضها في بعض، فما ذكر من قسمة الرقيق مع الثياب محمولة على التراضي.
مسألة: [اشترط الخيار في القسمة]
قال أبو جعفر: (ولا بأس بشرط الخيار في القسمة).
قال أحمد: ما يجوز في البيع من هذه الشروط: فهو جائز في القسمة، وما لا يجوز مثله في البيع: لا يجوز في القسمة؛ لما وصفنا من أن القسمة الواقعة على القيم هي في معنى البيع.
مسألة: [حكم الشفعة وخيار الرؤية في القسمة]
قال أبو جعفر: (ولا شفعة في قسمة، ولا خيار رؤية).
قال أحمد: يعني أن القوم إذا اقتسموا دارا بينهم: لم تجب فيها شفعة للجار؛ لأن الشريك أولى منه، ولا تحسب لبعضهم على بعض، لما فيه من فسخ ما دخلوا فيه من القسمة.
ويدل عليه أيضا: ما روي عن النبي ﵊: "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".
وإيقاع الحدود هو القسمة، فنفى الشفعة بالقسمة، كما لو قال: إذا وهب: فلا شفعة، وإذا تزوج على دار: فلا شفعة: يعقل به نفي
стр. 3839
الشفعة بهذا العقد.
وأيضا: فإن كل واحد منهم شريك فيما وقع له بالقسمة من جهة أصحابه، وليس لأصحابه شركة قائمة بعد القسمة فيما وقع له، فالشريك أولى ممن لا شركة له في حال الأخذ، ألا ترى أن من وجبت له شفعة بالشركة، ثم قاسم: بطلت شفعته، لبطلان ما به استحق.
وأما قوله: ولا خيار رؤية: فمعناه: ولا شفعة في خيار رؤية، وهو أن يشتري دارا لها شفيع، فسلم الشفعة والمشتري لم يكن رأى الدار، فردها على بائعها بخيار الرؤية: فلا شفعة له في الدار؛ لأنه ليس حكمه حكم البيع المستقبل، وإنما هو بمنزلة فسخ البيع بخيار الشرط، وبموت العبد قبل القبض، وذلك لأنه عاد إليه بغير قبوله، والبيع لا يكون إلا بالتراضي.
وليس يعني أن لا خيار رؤية في القسمة؛ لان خيار الرؤية قد يجب في القسمة عندهم.
مسألة: [حق الولي في القسمة عن مال الصغير]
قال أبو جعفر: (ولأبي الصغير، ووصيه أن يقاسما على الصغير).
قال أحمد: كل من له ولاية في التصرف في الشراء والبيع: فله القسمة؛ لأنها في معنى البيع.
مسألة: [إذا ورد الاستحقاق على المقسوم]
قال أبو جعفر: وإذا كانت الدار بين رجلين نصفين، فاقتسماها،
стр. 3840
فأخذ أحدهما الثلث من مقدمها، وقيمته ستمائة درهم، وأخذ الآخر الثلثين من مؤخرها، وقيمتها ستمائة درهم، ثم استحق نصف ما في يد صاحب المقدم، فإن أبا حنيفة ﵀ قال في ذلك: يرجع صاحب المقدم على صاحب المؤخر بربع ما في يده، وإن شاء أبطل القسمة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يرد ما بقي في يده، ويبطل القسمة، ويكون ما بقي من الدار بينهم نصفين).
وجه قول أبي حنيفة في إيجابه التخيير بين الرجوع بما يخصه فيما في يد الآخر، وبين فسخ القسمة: أن القسمة في ذلك لما كانت في معنى البيع بما قدمنا، صار كمن اشترى دارا بدار، فاستحق نصفها، فالمستحق ذلك من يده بالخيار: إن شاء فسخ البيع، ورجع بالدار التي سلمها إلى البائع، وإن شاء رجع بحصة ما استحق فيما في يده، وهذا اتفاق بينهم في البيع، فكانت القسمة عنده بمثابته.
وإنما قال: يرجع بربع ما في يد الآخر: من قبل أن ملكهما قد تبين أنه قد كان الباقي من الدار، وقيمته تسعمائة؛ لان المستحق ثلثمائة، فينبغي أن تكون هذه التسعمائة بينهما نصفين، فيجب أن يحصل لكل واحد منهما ما قيمته أربعمائة وخمسون، وفي يد صاحب المقدم ثلثمائة بعد الاستحقاق، فيرجع مما في يد صاحبه بما قيمته مائة وخمسون، وذلك ربع ما في يده.
*وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما ذهبا في ذلك إلى أنه قد تبين أنه
стр. 3841
كان لهما شريك ثالث، فتبطل القسمة؛ لأنه لا تجوز قسمة الشريكين دون الثالث.
مسألة: [البيع قبل القسمة دون إذن الشريك]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدار بين رجلين، فباع أحدهما نصيبه من بيت منها: فلشريكه أن يبطل بيعه).
وذلك لأنه لو جاز بيعه، لحصل لهما شريك ثالث في بعض الدار، دون بعض، وفيه ضرر على الشريك؛ لأنه يقاسم المشتري البيت وحده، دون سائر الدار، ويقاسم البائع بقية الدار، فيفترق نصيبه فيها، وهو قد استحق بدءا بحق ملكه في الدار جمع نصيبه في موضع منها، فليس للشريك إبطال حقه من ذلك.
مسألة: [الأشياء التي يصح بيعها من الشريك قبل القسمة]
قال أبو جعفر: (ولو كانت ثياب بين رجلين، أو غنم، أو ما أشبه ذلك مما يقسم، فباع أحدهما حصته من شاة، أو من ثوب، أو مما سوى ذلك منها: لم يكن لشريكه أن يبطل ذلك عليه في رواية محمد، وكان له أن يبطل ذلك في رواية الحسن بن زياد).
وجه رواية محمد: أنه لا ضرر على شريكه في مشاركة المشتري إياه في الشاة، وليست مثل مسألة الدار؛ لان في تفريق نصيبه في الدار ضررا عليه، وليس في تفريق نصيبه في الغنم ضرر؛ لأنه لا يمكن أن يكون
стр. 3842
نصيبه من الجميع مجتمعا في حيز، كما استحق جميع نصيبه من الدار في حيز.
وأما وجه رواية الحسن: فهو أنه قد استحق بالملك إفراد نصيبه من نصيب شريكه، ورفع الشركة والشيوع في ملكه، وجواز بيعه يبطل عليه حقه في هذا الوجه؛ لأن الشركة تبقى أبدا بينه وبينه فيها.
مسألة: [حكم إقرار الشريك في دار ببيت منها لثالث أو وصيته]
قال أبو جعفر: (ومن كان بينه وبين رجل دار، فأقر ببيت منها لرجل، وأنكر ذلك صاحبه: قسمت الدار بين الشريكين، فإن وقع البيت في نصيب المقر: دفعه إلى المقر له، وإن وقع في نصيب المنكر: قسم ما أصاب المقر بالقسمة بين المقر وبين المقر له، يضرب المقر له بذرع البيت، ويضرب فيه المقر بذرع نصف الدار بعد البيت، فيكون لكل واحد منهما ما أصابه منه).
قال أحمد: أما مادامت الشركة قائمة، فالمقر غير مصدق في إقراره، لما فيه من الضرر على شريكه، حسب ما قلنا في بيعه لنصيبه من بيت بعينه.
وأما إذا اقتسما، فإن وقع البيت في نصيب المقر: سلمه إليه، لاعترافه بأنه أولى به منه، كمن اشترى عبدا، ثم أقر به لغيره.
وأما إذا وقع في نصيب الآخر: فإن المقر له يضرب فيما في يد المقر بمثل ذرع البيت، ويضرب المقر بذرع نصف الدار بعد البيت، فيكون نصيبه بينهما على ذلك؛ لأن إقراره قد تضمن أن الدار إن كانت مائة
стр. 3843
ذراع، والبيت عشرون ذراعا، فقد زعم في إقراره أن البيت للمقر له، وأن الذي تبقي من الدار بعد البيت ثمانون ذراعا، له منها النصف: أربعون.
فإذا حصل في يده بالقسمة خمسون ذراعا، اقتسمها هو والمقر له، يضرب فيه المقر له بعشرين ذراعا، والمقر بأربعين ذراعا، فيكون بينهما على ذلك.
فإن قيل: فهو إنما أقر له ببيت بعينه، فكيف يجوز أن يأخذ من غير ما أقر له به؟
قيل له: من قبل أنا قد أعطينا المقر بدل ما سلم من البيت لشريكه، وإذا حصل له البدل، ثبت فيه حق المقر له.
قال أحمد: وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في دار بين رجلين، أوصى أحدهما ببيت منها بعينه لرجل، ثم مات، فقسمت الدار، فإن وقع البيت في نصيب الميت: كان البيت للموصى له، وإن وقع في نصيب الآخر: كان للموصى له مثل ذرع البيت كله فيما أصاب الموصي الميت.
وهذا يستمر على ما ذكرنا في الإقرار؛ لأن الموصى له قد تعلق له الحق في استحقاق البيت كله إذا حصل في نصيب الميت؛ لأنه يصير بمنزلة من لم يزل كان مالكا له، وكان مستحقا بالقسمة، والقسمة من حقوق الملك، فإذا ثبت له الحق من هذا الوجه، في استحقاق البيت كله لو وقع في نصيبه، كان كذلك حكمه إذا وقع في نصيب صاحبه، كما قد قلنا في الإقرار؛ لأنا قد سلمناه إلى الشريك بالبدل الذي حصل للميت بحق ملكه.
стр. 3844
*وأما محمد فإنه وافقهما في الإقرار، وخالفهما في الوصية، فقال فيها: إن صار البيت للميت، أخذ الموصى له نصفه؛ لأن النصف الآخر ملكه من جهة الشريك، فكان فيه بمنزلة أوصى بدار غيره لرجل، ثم ملكها، فتبطل وصيته فيها.
وإن حصل البيت في نصيب الشريك: كان له مثل نصف ذرع البيت، كرجل أوصى بعبده لرجل، ثم قتله رجل بعد موت الموصي: فيستحق الموصى له قيمته.
وفصل بينه وبين الإقرار، بأن الإقرار حكمه ثابت في حق المقر له على المقر، سواء كان في ملكه أو في ملكه غيره؛ لأن من أقر بعبد غيره لرجل، ثم ملكه بعد إقراره: جاز إقراره فيه، فلذلك صار له بجميع ذرع البيت، إذا صار البيت بالقسمة لشريكه.
وأما الوصية فلا تنفذ إلا في ملكه؛ لأنه لو أوصى بعبد غيره، ثم ملكه: لم تنفذ وصيته فيه، فلما كان مالكا لنصف البيت يوم الوصية، لم تصح وصيته في النصف الذي لا يملكه، فلذلك اختلفا عنده.
*****
стр. 3845
كتاب المأذون له
في التجارة
مسألة: [حكم الإذن للعبد والأمة بالتجارة]
قال أبو جعفر: (وجائز للرجل أن يأذن لعبده ولأمته في التجارة، بالغين كانا أو غير بالغين، بعد أن يكون الصغير منهما يعقل التجارة).
قال أحمد: قال الله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾.
فاقتضى عمومه جاوز كتابة الصغير، كما اقتضى جواز كتابة الكبير؛ لأن الصغير الذي يعقل يصح منه الابتغاء كالكبير.
ودل على جواز الإذن لهما في التجارة؛ لأن الكتابة لا محالة توجب له التصرف في التجارات، إذ لا يتوصل إلى أدائها إلا بها.
فاستفدنا من الآية معنيين:
أحدهما: جواز الكتابة، والآخر: جواز الإذن في التجارة.
стр. 3846
وعموم اللفظ مع دلالته على ما دل عليه لم يفرق بين الصغير والكبير، فهو عليهما جميعا.
وأيضا: فلما كان المولى مالكا لذمة العبد ولرقبته، بدلالة أنه لو أق عليه بدين: جاز إقراره، وبيع فيه، كما لو أقر برقبته: صح إقراره ووجب أن يجوز إذنه له في التجارة؛ لأنه تصرف فيما يملكه منه.
وأيضا: فإن المولى يملك استكساب العبد، وأخذه غلته، وفي الإذن له في التجارة: توصل إلى أخذ كسبه، فوجب أن يعمل إذنه في جواز تصرفه.
وأيضا: فإن العبد جائز التصرف على نفسه؛ لأنه بالغ من أهل التكليف، وإنما استحق الحجر لحق المولى، ولئلا يلزمه بتصرفه وأقواله ما يستحق به عليه ملكه، فإذا زال عنه الحجر: جاز تصرفه؛ لزوال المعنى الذي من أجله منع التصرف.
ومما يدل على جواز الإذن وإن كان صغيرا: قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منها رشدا﴾.
ومعلوم أن الابتلاء لا يمكن ولا يصح إلا بالإذن له في التجارة والشراء والبيع، وإذا جاز الإذن للصغير الحر في التجارة: كان العبد الصغير أولى بجوازه لوجهين:
أحدهما: أنا لا نعلم أحدا فرق بينهما.
والثاني: أنه أملك لعبده منه لولده.
стр. 3847
ولأنه لما ملك رفع الحجر عن ولده وليس الحجر حقا له، فرفع حجر عبده لحقه، ولأجل ملكه هو أولى بأن يملكه.
وقد روي جواز إذن العبد في التجارة عن جماعة من السلف، من غير فرق يحكى عنهم بين الصغير والكبير.
مسألة: [الإذن للعبد في بعض التجارات فقط]
قال أبو جعفر: (ومن أذن لعبده في خاص من التجارات: كان بذلك مأذونا له في جميع التجارات).
قال أحمد: وذلك لأن الإذن في التجارة إطلاق من حجر، ألا ترى أن العبد يتصرف به على نفسه بارتفاع حجره، فوجب أن لا يتبعّض، كما لا يختص زوال حجر الصغير بالبلوغ بنوع من التجارات دون غيره، وكالعتق لما استحق به ارتفاع الحجر، استحق به جواز التصرف في سائر التجارات.
وأيضا: فإنه إذا أذن له في نوع من التجارات: فقد رضي بإغلاق رقبته في الدين فيما سمى من التجارات، فلا فرق حينئذ بينها وبين غيرها من التجارات؛ لأنه لا حق للمولى في أن يكون ثبوت الدين من جهة شراء الحنطة، أو البُر، دون غيرهما، وما ليس بحق له: لم يعمل نهيه فيه.
стр. 3848
مسألة: [إذن المولى لعبده في العمل بالخياطة]
قال أبو جعفر: (وكذلك لو أذن له أن يعمل في الخياطين: كان بذلك مأذونا له في التجارات كلها).
وذلك لأنه إذنه له في العمل في الخياطين، إذن منه في تقبل العمل وضمانه، واستئجار حانوت يقعد فيه، وشراء آلات الخياطين، واستئجار الأجراء لها، وذلك ضرب من التجارات، فوجب أن يصير إذنا في سائرها.
مسألة: [تفويض العبد بشراء ثوب أو لحم ونحوه].
قال أبو جعفر: (ولو قال له: اذهب فاشتر ثوبا من فلان، فاقطعه قميصا، أو اشتر من فلان طعاما، فكله، أو اشتر لحما بدرهم: لم يكن بهذا مأذونا له في التجارة).
قال أحمد: كان القياس عندهم على ما قدمنا من الأصل أن يكون مأذونا له، إلا أنهم تركوا القياس، فلم يجعلوه مأذونا، وذلك لأنه لم يفوض إليه أمر التصرف في التجارة، وإنما أمره بضرب من الخدمة.
ولو جعلناه بذلك مأذونا، لكنا قد جعلنا المولى ممنوعا من استخدام عبده؛ لأنه متى علم أن هذا الضرب من الاستخدام، يؤديه إلى إغلاق رقبته في ديون الغرماء: امتنع من استخدامه، ولا خلاف أن المولى مالك لاستخدامه، فوجب أن لا يكون ذلك إذنا.
مسألة: [دفع أدوات استسقاء الماء للعبد والإذن له ببيعه].
قال أبو جعفر: (ولو دفع إليه حماراً، ورواية، فقال له: استق الماء
стр. 3849
في هذه الرواية على هذا الحمار، ثم بِعه، أو قال له: انقل عليه كذا وكذا بالأجر، فهو مأذون له في التجارة).
لأنه قد فوض إليه التصرف في البيع والإجارة على الإطلاق، فصار ذلك إذنا من نوع من التجارات، فحصل مأذونا له في التجارات كلها.
مسألة: [بعض الصور التي يُعد السكوت فيها إذنا].
قال أبو جعفر: (ومن رأى عبده يشتري ويبيع، كما يشتري المأذون له في التجارة، فسكت عنه، فلم ينهه: كان إذنا منه له في التجارة).
وذلك لأنه متصرف على نفسه، وللمولى حق في تصرفه، فصار سكوته رضا، كما أن المشتري لما كان متصرفا على نفسه، وللشفيع حق في تصرفه: كان سكوته عن الطلب مسقطا لحقه، كذلك المولى في تصر عبده.
وليس كمن رأى رجلا يبيع عبده، فلا يكون سكوته إجازة لبيعه؛ لأن بائع عبد غيره متصرف على مالك العبد، لا على نفسه، والوكالة لا تثبت بالسكوت، والعبد متصرف على نفسه.
ألا ترى أن المولى لا يلزمه شيء مما تصرف فيه من التجارة بإذنه، كما أن المشتري متصرف على نفسه دون الشفيع، فكان به أشبه منه بالوكيل.
قال أبو جعفر: (ولا يكون للسكوت حكم في شيء من الأشياء إلا
стр. 3850
في هذا، وفي سكوت البكر إذا زوجها الولي، وقد بيناه في النكاح، وسكوت الشفيع).
قال أحمد: سكوت الشفيع يفارق سكوت المولى، وسكوت البكر من جهة، ويشبه من جهة.
فأما الجهة التي يفارقهما فيها: فهي أن سكوته عن الطلب وقت علمه بالبيع، لا يبطل شفعته حتى يقوم عن المجلس، أو يشتغل بشيء غيره يدل على إعراضه عن الطلب، مثل ما قالوا في خيار القبول، وفي تخيير المرأة، ونحوهما من الخيار المتعلق بالمجلس.
وأما البكر فإن سكوتها رضا، وليس لها في المجلس فسخه بعد سكوتها بدءا.
وكذلك المولى إذا سكت عن عبده وهو يراه يشتري ويبيع.
وقد كان الشيخ أبو الحسن ﵀ يقول: إن الشفعة لا تصير حقا إلا بالطلب، ليس أنها كانت حقا بنفس العقد، ثم بطل بالسكوت.
مسألة: [بيع الشخص لعبد غيره بين حضرة مالكه دون إنكاره].
قال أبو جعفر: (ومنه الغلام يباع بمحضره، وبعلمه بذلك، ثم يقال له: قم مع مولاك، فيقوم، فذلك إقرار منه بالرق)
قال أحمد: هذا الضرب محمول على دلالة الحال، فيصير كالنطق به، ولهذا نظائر من الأصول:
стр. 3851
منها: الرجل يقدم إلى قوم عنده مائدة عليها طعام، فيجوز لهم أن يأكلوا، وتصير دلالة الحال كالنطق به.
ومنها: الخانات التي في الأسواق، يجوز للإنسان دخولها بغير استئذان؛ لأن حصولها على هذه الحال، كالإذن منه له في دخولها.
وقد روي في تأويل قول الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم﴾: أن المراد به الخانات.
وقيل: قوله تعالى: ﴿فيها متاع لكم﴾: أن المعنى: فيها حاجة لكم.
ومن ذلك: ما يجده الإنسان في الطرق والمزابل من النوى، والخرق أنه جائز له أخذها، والانتفاع بها وإن لم يكن من المالك لها إذن في أخذها؛ لأن حصولها على هذه الحال، كالإذن في أخذها.
مسألة: [سكوت البائع عن المشتري في القبض دون دفع الثمن].
قال أبو جعفر: (ومنه: الرجل يبيع الشيء بالثمن الحال، فيكون له حبسه حتى يبرأ المشتري من الثمن، فإن قبضه مشتريه، وهو يراه فلا ينهاه: فذلك إذنٌ له في قبضه).
قال أحمد: الذي أحفظه عن أصحابنا من ذلك الهبة والبيع الفاسد، إذا قبضه الموهوب له، والمشتري بحضرة الواهب والبائع بعد العقد: فيكون قبضا عن العقد، وتصح به الهبة، ويجوز به تصرف
стр. 3852
المشتري في المبيع، وجعلوا ذلك في الهبة بمنزلة القبول في المجلس، ما لم ينهه؛ لأنها لا تصح إلا بالقبض، فجرى القبض مجرى القبول، فلما كان العقد معلقا بالمجلس، وكان الواهب قد أوجب له القبول بإيجابه الهبة له، فقد أوجب له القبض الذي هو في حكم القبول، وتعلق هذا القبض بالمجلس، كما تعلق القبول بالمجلس.
وقالوا: لو قبضه بعد افتراقهما عن المجلس: لم يصح، كما لو قبل العقد بعد المجلس: لم يصح العقد.
فهذا هو المعنى في قبض الهبة في المجلس مع السكوت، ثم أجروا قبض البيع الفاسد على حكم قبض الهبة من الوجه الذي ذكرنا، لاتفاقهما جميعا في تعلق وقوع الملك فيهما بالقبض، والأصل هو الهبة على ما بينا.
*فأما ما ذكره أبو جعفر في البيع الصحيح: فإن كان حفظه عنهم رواية، فيشبه أن يكونوا حملوه على ما ذكرنا في البيع الفاسد، وأن مثله إذا كان إذنا في قبض غير مستحق، فلأن يكون إذنا في العقد الصحيح والقبض المستحق أولى.
مسألة: [بعض التصرفات التي يمنع منها المأذون]
قال أبو جعفر: (وليس للمأذون له في التجارة، ولا للمكاتب أن يقرضا).
وذلك لأن القرض تبرع ومعروف، وهما لا يملكان ذلك، كما لا يملكان الهبة والصدقة.
стр. 3853
ولأن فيه استهلاك العين، وجعلها دينا من غير نفع يعود به عليهما في إكسابهما، فصار كالكفالة.
مسألة: [إعلان شخص بأن سيده قد أذن له في التجارة]
قال أبو جعفر: (ومن قدم من العبيد مصرا من الأمصار، فذكر أن مولاه قد أذن له في التجارة،: وسع الناس أن يبايعوه، وحكمه حكم المأذون له، غير أنه لا يباع حتى يحضر مولاه، فيقر بالإذن).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أن أخبار المعاملات مقبولة، ما لم يغلب في الظن خلافها، ألا ترى أنا لو علمنا عبدا لإنسان، فرأيناه في يد غيره، وقال: وكلني ببيعه: وسعنا شراءه منه.
وكذلك لو جاء رجل إلى رجل آخر بجارية، أو ثياب، أو دراهم، فقال: أهداها إليك فلان: وسعه قبول خبره، وقبض ما ذكر أنه هدية، وتصرف فيه.
وكذلك من جاء إلى آخر وقال: قد وكلك فلان ببيع جاريته هذه: جاز له قبول خبره وبيعها.
ومنها: الإذن في دخول منازل الناس: يجزئ فيه قبول خبر سائر المخبرين، وقد نهى الله تعالى عن الدخول إلا بإذن بقوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾.
стр. 3854
وخبر العبد في مسألتنا من أخبار المعاملات، فيسع الناس قبوله، إلا أن ذلك لا يجوز على مولاه إذا حضر، فأنكر الإذن، كما لا يجوز على المالك إذا قال: لم أهب، ولم أهد، ولم أوكل.
ولا يباع حتى يحضر المولى؛ لأن فيه إزالة ملكه، وحكما عليه، ولا يجوز ذلك عليه في حال غيبته لو كان الإذن معلوما، فكذلك إذا لم يعلم.
مسألة: [توقيت الإذن]
قال أبو جعفر ﵀: (ومن أذن لعبده في التجارة شهرا: كان مأذونا له أبدا بغير وقت).
وذلك لما قدمنا من أن الإذن في التجارة إطلاق من حجر، فلا يصح توقيته، كالبلوغ والعتق اللذين يستفاد بهما جواز التصرف، فلا يكون تصرفهما موقوتا، كذلك الإذن في التجارة.
فإن قيل: فينبغي أن لا يصح الحجر بعده؛ لأنه يقتضي توقيت الإذن بعده.
قيل له: ليس كذلك، ألا ترى أن البلوغ مع إيناس الرشد يوجبان زوال الحجر، ثم لا يمتنع أن يستحق الحجر بعد ذلك، لزوال عقل أو سفه، ولا يوجب ذلك جواز توقيت زوال الحجر في الابتداء بالبلوغ.
стр. 3855
مسألة: [الحجر على مأذون له بالتجارة]
قال أبو جعفر: (وللمولى أن يحجر على عبده المأذون له، غير أنه لا يكون حجره عليه حجرا إلا في جمع من أهل سوقه).
وإنما كان له أن يحجر عليه؛ لأن الإذن لم يزل ملكه، وجواز تصرفه، فله أن يحجر عليه، كما كان له أن يأذن له.
وإنما اعتبر صحة الحجر بمحضر جماعة من أهل سوقه؛ لأنهم قد صاروا مغرورين بالإذن له في التصرف والمداينة، فلا يرتفع ذلك إلا بالعلم، كما أن الوكيل لا ينعزل بالنهي دون العلم به.
مسألة: [الفرق بين توقيت الإذن وتوقيت الحجر]
قال أبو جعفر: (وإن قال له: إذا جاء غد فقد حجرت عليك: لم يكن حجرا في يومه، ولا في غده).
قال أحمد: قوله: إذا جاء غد فقد حجرت عليك: توقيت منه للإذن، وقد بينا آنفا أن الإذن لا يتوقت لو شرط التوقيت فيه بدءا في حال الإذن، فكذلك بعد وقوعه وصحته.
وليس كذلك قوله: إذا جاء غد فقد أذنت لك؛ لأن ذلك إذن مطلق غير موقت، وإنما هو معلق بمجيء وقت، ألا ترى أنه لو قال له: إذا جاء غد فأنت حر: لم يوجب ذلك أن تكون الحرية مؤقتة، وإنما اقتضى ذلك كونها معلقة بوقت، ويصح تعلق الإذن بمجيء الوقت، كما يصح تعلق العتق والطلاق، وجوز تصرف الصغير بمجيء وقت؛ لأن جميع ذلك كله
следующие страницы →