Полный текст (3 930 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فنزلت:﴾ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴿.
وكان زيد بن أسلم ينهى عن القراءة خلف الإمام فيما يسر ويجهر؛ لهذه الآية.
وروى إبراهيم بن أبي حرة عن مجاهد أنه قال: "في الصلاة، والخطبة".
فاتفق هؤلاء كلهم على أنه قد عنى به الصلاة، وزاد مجاهد الخطبة، والأولى أن يكون المراد هي الصلاة من وجهين:
أحدهما: أن قراءة القرآن ليست بفرض في الخطبة.
والثاني: أن الإنصات والاستماع واجبان للخطبة فيما كان منها قرآنا وغيره، والعموم يقضي بوجوب الإنصات والاستماع لكل من قرأ قرآنا في صلاة أو خطبة أو غيرها، فلا يخص منه شيء إلا بدليل.
والإنصات والسكوت بمعنى واحد، يقال: فلان يسكت، وأنصت، والمفعول باللفظين شيء واحد، فإذا من حيث أمرنا بالإنصات والسكوت، فقد أمرنا بترك القراءة، إذ لا يجوز السكوت الكلام، فيكون متكلما ساكتا في حال.
* وأما وجهه من طريق الأثر، فقد روى جماعة من أصحاب النبي
стр. 457
صلى الله عليه وسلم عن النبي ﷺ النهي عن القراءة خلف الإمام بألفاظ مختلفة: منهم عبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وأبو موسى، وأبو الدرداء، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس ﵃ أجمعين.
فأما حديث عمران بن حصين ﵁، فروى في بعض ألفاظه أن النبي ﷺ قال حين قرئ خلفه: "علمت أن بعضكم خالجنيها"، ولم يزد على ذلك.
وقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن خالد بن الحروري الرازي- شيخ ثقة- قال: حدثنا محمد بن مقاتل الرازي قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن القراءة خلف الإمام".
وأما حديث جابر ﵁، فإن في بعض ألفاظه: "من كان له إمام، فقراءته له قراءة"، وبعضها على غير ذلك.
стр. 458
وحدثنا أبو بكر محمد بن العباس بن مهرويه الرازي قال: حدثنا محمد بن أيوب الرازي قال: أخبرنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد ﵁ أن رجلا كان يقرأ خلف النبي ﷺ ، ورجل ينهاه، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "إنك إذا كنت خلف الإمام، فإن قراءة الإمام لك قراءة".
وحدثنا أبو بكر محمد بن مهرويه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود بن حمزة النيسابوري قال حدثنا بحر بن نصر قال: حدثنا يحيى بن سلام قال: حدثنا مالك عن أبي نعيم يعني وهب بن كيسان قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، إلا خلف إمام".
وهذا لفظ واضح في إسقاط فرض القراءة عن المأموم؛ لأنه جعلها ناقصة للمنفرد، وتامة للمأموم، مع ترك قراءة فاتحة الكتاب.
وأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁، ففيه أن النبي ﷺ قال حين علم أنهم يقرؤون خلفه: "خلطتم علي القراءة". رواه
стр. 459
يونس عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁.
وأما حديث أبي الدرداء ﵁، ففيه أن رجلا قال: يا رسول الله! أفي كل صلاة قراءة؟ قال: "نعم". قال رجل من القوم: وجب هذا فقال النبي ﷺ : "ما أرى إذا قرأ إلا كان كافيا".
وأما حديث ابن عباس ﵄، فحدثنا محمد بن مهرويه قال: حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عاصم يعني ابن عبد العزيز قال: أخبرنها أبو سهيل عن عون عن ابن عباس رصي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "تكفيك قراءة الإمام، خافت أو جهر".
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فيروى على وجهين:
стр. 460
أحدهما: حديث الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها القراءة، فقال: "هل قرأ منكم معي أحد آنفا؟ قال رجل: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله: "إني أقول: ما لي أنازع القرآن".
قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك منه.
وأما حديثه الآخر: فيما رواه أبو خالد سليمان بن حبان قال: حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا".
وروي حديث أبي موسى ﵁ بهذا اللفظ، رواه جرير بن عبد الحميد والمعتمر بن سليمان عن سليمان التيمي عن قتادة عن أبي غلاب عن حطان بن عبد الله بن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ .
وأما حديث أنس ﵁، فذكره الطحاوي قال: حدثنا أحمد
стр. 461
بن داود قال: حدثنا يوسف بن عدي قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ ، ثم أقبل بوجهه فقال: "أتقرؤون والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فسألهم النبي ﷺ ثلاثا، فقالوا: إنا لنفعل. قال: "لا تفعلوا".
فهذا لفظ عام في النهي عن جميعها في سائر الصلوات.
* وقد قال بالنهي عن القراءة خلف الإمام جماعة من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب، وسعد، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وجابر، ﵃ أجمعين.
قال زيد بن ثابت ﵁: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له".
стр. 462
وقال سعد رصي الله عنه: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة".
وقال علي ﵁: "من قرأ خلف الإمام فقد الخف السنة".
قال إبراهيم النخعي: "أول ما قرأ الناس خلف الإمام قرؤوا خلف المختار الكذاب، كانوا يرون أنه أمي لا يقرأ القرآن".
فإن قيل: روي عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قرأ في صلاة الفجر، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم. قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
стр. 463
وروت عائشة ﵁ عن النبي ﷺ : "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج".
وكذا روى أبو هريرة رصي الله عنه.
قيل له: أما حديث عبادة، فمضطرب السند والمتن جميعا، وقد بينا ذلك في: "مسائل الخلاف".
ولو صح سنده، واستقامت طريقه: لم يلزمنا على أصلنا استعماله، وذلك لأنه إذا ورد خبران متضادان، واتفق الناس على استعمال العام، واختلفوا في استعمال الخاص: قضينا بالعام على الخاص، وجعلنا الخاص منسوخا به.
وهذه صفة خبر عبادة ﵁ مع سائر الأخبار التي قدمنا؛ لأن الناس متفقون على استعمال النهي في حال قراءة الإمام فيما يجهر فيه، وفيما عدا فاتحة الكتاب، واختلفوا في استعمال خبر عبادة ﵁، فكان خبر النهي قاضيا عليه.
وأيضا: فهو معارض بحديث وهب بن كيسان عن جابر رضي الله عنه
стр. 464
عن النبي ﷺ قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، إلا خلف الإمام".
فأثبتها صلاة خلف الإمام تامة بغير فاتحة الكتاب، فعارض حديث عبادة في نفس الوقت ما ورد فيه، فأقل أحوالهما أن يسقطا، وبقي لنا الأخبار الأخر بلا معارض.
* وأما خبر أبي هريرة وعائشة ﵄، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف؛ لأنا نقول: هذه صلاة للمأموم بأم القرآن؛ إذ قد جعل النبي ﷺ قراءة الإمام قراءة له.
* ويدل على صحة قولنا، أنا قد علمنا أن الصحابة قد كانوا عالمين بلزوم فرض القراءة في الصلوات، إلا الفرد منهم ممن قال: إنها على الاستحباب دون الإيجاب، فلو كانت القراءة خلف الإمام فرضا أو مندوبا إليها، لوجب ورود النقل به متواترا يعرفه عامتهم، كما عرفوا وجوب القراءة في الصلاة للمنفرد والإمام.
فلما وجدنا معظم الصحابة منكرين لها، منهم علي، وعثمان، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، زيد بن ثابت ﵃، ومن قدمنا منهم، مع عموم الحاجة إليها: علمنا أنهم قد عرفوا من خطاب النبي ﷺ وأمره، أنها متروكة خلف الإمام، وأن قراءة إمامهم قراءة لهم.
стр. 465
وقد روي عن عمر ﵁ أيضا ترك القراءة خلف الإمام، وروي عنه القراءة، فتسقط الروايتان جميعا، ويصير كأنه لم يثبت عنه فيها شيء، ومحصل قول المنكرين لها.
فثبت دلالته على صحة قولنا من وجهين:
أحدهما: أنها لو كانت ثابتة، لما خصت مع عموم الحاجة إليها.
والثاني: أن مثلهم ينعقد بهم الإجماع، حتى لا يسع خلافهم، فلا يكون عبادة بن الصامت وأبو هريرة ﵄ خلافا عليهم.
* ويدل عليه من طريق النظر: اتفاق الجميع على سقوط فرض القراءة عن مدرك الإمام في الركوع، فلو كانت من فرضه: لما سقطت في هذه الحالة عنه، كما لم تسقط سائر الفروض.
وأما قول من قال منهم: بأنه حال ضرورة، فلا يستدل به على حال الإمكان: فإنه كلام فارغ، لا معنى تحته؛ لأنه لا ضرورة به في قضاء
стр. 466
الركعة لو كانت القراءة من فرضه.
ألا ترى أنه لو خاف فوت الركعة، فكبر في حال الانحطاط، وترك القيام: لم يجزه، إذ كان القيام من فرضه، ولم يختلف فيه حال خوف فوات الركعة وغيرها، وكذلك حكم الركوع والسجود إذا خاف فوتهما، لم يكن ذلك عذرا في سقوط فرضهما.
* ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن الإمام يتحمل عنه ما عدا فاتحة الكتاب، فوجب أن يتحمل عنه قراءة فاتحة الكتاب؛ لأن النفل والفرض لا يختلفان فيما يتحمله الإمام، ألا ترى أنه لا يتحمل عنه سائر الأذكار المسنونة.
وأيضا: إذا لم يلزمه الجهر في الصلوات المجهور فيها بالقرآن: دل ذلك على أنها ليست من فرضه على أصلنا.
وأيضا: جواز الاقتصار له على فاتحة الكتاب، دون السورة: يدل
стр. 467
على ذلك أيضا.
مسألة: [الإسرار والجهر في الصلوات]
قال أبو جعفر: (ويسر القراءة في الظهر والعصر، ويجهر في الأوليين من المغرب والعشاء، وفي الصبح كلها).
قال أبو بكر أحمد: قد ورد النقل بذلك متواترا عن النبي ﷺ قولا، وعملا.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة النهار عجماء": يعنى لا يفصح فيها بالقراءة.
стр. 468
مسألة: [ما يقرأه الإمام والمنفرد]
قال أبو جعفر: (وأفضل للإمام، والذي يصلي وحده أن يقرأ في الأخريين من الظهر والعصر والعشاء، وفي الثالثة من المغرب بفاتحة الكتاب، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت).
قال أبو بكر أحمد: يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورة في كل واحدة منهما، وذلك لما رواه أبو قتادة ﵁ "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب".
ورواه جابر ﵁ كذلك، ونقله الناس كافة على هذا، ولو كان من سننها أن يقرأ في الأخريين بسورة، لورد النقل به متواترا، كوروده في الأوليين.
[ما يفترض قراءته:]
* قال أبو بكر أحمد: فرض القراءة عندنا في ركعتين من الصلاة.
стр. 469
ومن الناس من يوجبها في ركعة واحدة، ويروى ذلك عن الحسن.
ومنهم من يوجبها في جميع الركعات.
ويحكى عن الأصم، وابن علية أنها ليست بفرض، ويروى ذلك عن ابن عباس ﵄ أيضا.
وكذلك يقول الأصم وابن علية في سائر أركان الصلاة.
* فأما الدليل على وجوب القراءة في الصلاة، فقول الله تعالى:﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿، وظاهره الإيجاب.
стр. 470
وقال الله تعالى:﴾ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرءان الفجر ﴿، ومعناه: أقم قرآن الفجر، وظاهره الوجوب.
وإذا وجبت في صلاة الفجر: وجبت في سائر الصلوات؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما.
فإن قيل: المراد به صلاة الفجر.
قيل له: هذا غلط من جوه:
أحدها: أنه لا يجوز لنا صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدلالة، وجعل القرآن عبارة عن الصلاة.
وأيضا: لو كانت كذلك، كانت دلالته قائمة على ما ذكرنا؛ لأنه لا يعبر بالقرآن عن الصلاة إلا وقراءته من أركانها، حتى صارت عبارة عنها.
وأيضا: في سياق الآية ما يسقط هذا التأويل، وهو قوله:﴾ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴿، والهاء في قوله:﴾ به ﴿: كناية عن القرآن المبدوء بذكره، ومعلوم أن صلاة الفجر لا يتهجد بها بالليل، فثبت أن المراد حقيقة القراءة التي يصح التهجد بها بالليل.
* ودليل آخر: وهو قوله:﴾ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما
стр. 471
تقولون ﴿، فنهى عن الصلاة لأجل عدم إقامة القراءة فيها، فلولا أنها من أركانها، لما منع الصلاة لأجل عدمها.
* ويدل عليه من جهة السنة: أمر النبي ﷺ الأعرابي بقراءة ما تيسر، في حديث رفاعة بن رافع وأبي هريرة ﵄.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج"، فأثبتها ناقصة مع ترك القراءة.
قيل له: معناه ما بين في خبر آخر، وهو قوله: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج"، بالدلائل الموجبة لفرض القراءة.
* وأيضا: فإنما قلنا إن فرض القراءة في ركعتين من الصلاة، من قبل أن قوله:﴾ فاقرءوا ما تسر من القرءان ﴿، وقول النبي ﷺ للأعرابي: "فاقرأ ما تيسر": يقتضي جواز الصلاة بوجود القراءة في ركعة منها.
ثم لما حصل اتفاق فقهاء الأمصار على أنها إذا وجبت في الأولى
стр. 472
كانت الثانية مثلها، أثبتناها في الثانية، ولم ثبتها فيما عداها، كما اقتضاه ظاهر الآية من جواز الصلاة بها.
وأيضا: لو كانت القراءة واجبة في الأخريين، كوجوبها في الأوليين، لما اختلف موضوعها في الجهر والإخفاء في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، ألا ترى أن صلاة الفجر لما وجبت القراءة فيها كلها، جهر بها في الركعتين جميعا، وكذلك الأوليان من المغرب والعشاء.
وأيضا: لما أخفيت القراءة فيها مع كون الصلاة مجهورا فيها بالقراءة، أشبهت القراءة فيها التشهد، وثناء الافتتاح، وسائر الأذكار المسنونة التي ليست بفرض.
وأيضا: قد اختلف موضوع القراءة في الأوليين والأخريين في قراءة فاتحة الكتاب وسورة، أو وحدها، ولو كانت واجبة في الجميع، لما اختلف موضوعها من هذا الوجه.
ألا ترى أن القراءة لما كانت واجبة في جميع ركعات التطوع، والوتر، وصلاة الفجر، لم يختلف موضوعها في قراءتها بفاتحة الكتاب وسورة.
فإن قيل: قال النبي ﷺ للأعرابي حين علمه الصلاة، وذكر فيه الصلاة ثم قال: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
قيل له: معلوم أنه لم يرد فعل القراءة في كل أفعال الصلاة، وإنما أراد في بعضها، وذلك البعض ما بينه بقوله بدءا: "اقرأ ما تيسر".
стр. 473
فإن قيل: أراد في كل ركعة من صلاتك.
قيل له: هذه دعوى لا دلالة عليها، ولا فرق بين مدعيها وبين من قال: بل المراد في جميع صلواتك، كأنه قال: فاقرأ ما تيسر في جميع صلواتك، وكذلك نقول، فأما فعلها في كل ركعة، فلا دلالة عليه من الخبر.
وأيضا: قال للأعرابي في هذا الخبر: "ما نقصته من ذلك، فإنما تنقصه من صلاتك"، وهذا يقتضي جواز الصلاة مع ترك القراءة في بعض صلاته؛ لأنه قد أتت صلاته ناقصة بنقصان ما ذكر منها، إذ لو كانت باطله، لما أطلق عليها اسم النقصان؛ لأن النقصان لا يكون إلا مع بقاء الأصل.
فإن قيل: لما كانت فرضا في ركعتين منها، دل على وجوبها في سائرها، كما أن الركوع والسجود لما كانا فرضا في ركعة، كانا فرضا في سائرها.
قيل له: هذا اعتبار ساقط؛ لاتفاقنا جميعا على وجوب القعدة في آخر الصلاة، وليست فرضا في كل ركعة، ويزعم مخالفنا أن قراءة التشهد فرض في آخر الصلاة، وكذلك الصلاة على النبي ﷺ ، وليست فرضا في جميع ركعات الصلاة.
وأيضا: فحكم القراءة مخالف لحكم سائر الفرض؛ لاتفاق الجميع
стр. 474
على سقوط فرض القراءة عن المأموم عند إدراك الإمام في الركوع، فلا يسقط عنه شيء من أفعالها.
فصل:
وإنما قال: إنه يسبح إن شاء، من قبل أنه لما لم يكن فيه فرض القراءة لما بينا، جاز له أن يقيم التسبيح مقام القراءة.
والدليل عليه ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع بن الجراح قال: حدثنا سفيان الثوري عن أبي خالد الدالاني عن إبراهيم السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "إني لا استطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزيني منه. قال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
مسألة: [لا يقنت في غير الوتر]
قال أبو جعفر: (ولا قنوت في شيء من الصلوات غير الوتر).
قال أبو بكر أحمد: روي في أخبار مستفيضة أن النبي صلى الله عليه سلم قنت في صلاة الفجر والمغرب والعشاء، ثم روى عبد الله بن مسعود، وأبو
стр. 475
هريرة، وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ أنه تركه بعد فعله.
واختلفت الرواية عن أنس، فروى عمرو بن عبيد عن الحسن عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ مازال يقنت في صلاة الغداة إلى أن فارق الدنيا".
وكذلك روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس ﵄.
وروى حميد عن أنس ﵁ قال: "قنت رسول الله صلي الله عليه وسلم عشرين يوما".
وروى أيوب عن ابن سيرين عن أنس ﵁ قال: "قنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في صلاة الفجر يسيرا".
стр. 476
وروى أبو نعيم عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس ﵁ قال: "قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه، وكان يدعو على رعل، وذكوان".
فتضادت أخبار أنس ﵁، في ترك القنوت أو فعله إلى أن فارق الدنيا، فسقطت كأنها لم ترد، وبقيت لنا أخبار الآخرين في تركه القنوت بعد فعله، فوجب أن تكون أولي، إذ كان آخر فعله ﷺ .
ولما اتفق الفقهاء جميعا على ترك ما روى في القنوت في المغرب والعشاء، كان كذلك القنوت في الفجر؛ لأن القنوت فيها كلها كان في وقت واحد، ثم كان ما عدا صلاة الفجر منسوخا بالترك: وجب أن يكون كذلك حكمه في الفجر.
فإن قيل: هلا كان الترك على وجه التخيير، دون النسخ.
قيل له: لأنه لما كان القنوت من سنه الصلاة في حال ما كان يفعل، دل تركه إياه على أنه قد خرج من أن يكون من سننها؛ لأنا وجدنا سائر سنن الصلاة لا يكون المصلي مخيرا فيها بين فعلها وتركها، كسجدتي
стр. 477
السهو، والتشهد، وتسبيح الركوع والسجود، وثناء الافتتاح، فلو كانت سنه القنوت باقية، لما كان تركه مباحا، ألا ترى أن ترك القنوت في المغرب والعشاء ليس عند الجميع علي جهة التخيير، بل علي وجه النسخ، فكذلك القنوت في الفجر.
وأيضا: لو كان فعل القنوت مسنونا في صلاة الفجر، لوجب أن يرد النقل به متواترا، وأن يعرفه جل الصحابة، لعموم الحاجة إليه، كفعل التشهد، وتكبير الركوع، والسجود، فلما وجدنا عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعمر في رواية، وابن عمر ﵃ كانوا لا يرون القنوت فيها: علمنا أنه منسوخ يترك النبي ﷺ إياه.
ولأن ابن مسعود وابن عمر ﵃ قد رويا خبر القنوت، قم روى قتادة عن أبي مجلز قال: "صليت خلف ابن عمر ﵄،
стр. 478
فلم يقنت، قفلت الكبر يمنعك؟ قال: ما أحفظه عن أحد من أصحابي".
وذكر أبو الشعثاء عنه نحو ذلك في صلاة الفجر.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا على بن محمد قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا زائدة عن أشعث عن أبي الشعثاء عن أبيه قال: "سئل ابن عمر ﵄ عن القنوت في الغداة؟ فقال: ما كنت أرى أن أحدا يقنت في الغداة".
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن بن المثنى قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا بشر بن حرب قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: "أرأيتم قيامكم بعد فراغ الإمام من القراءة، هذه البدعة، والله إنه لبدعة، ما فعله رسول الله ﷺ إلا شهرا، ثم تركه".
وقال الأسود وعمرو بن ميمون: "صلينا خلف عمر ﵁ الفجر، فلم يقنت".
وقال الأسود: "وكان عمر ﵁ إذا حارب قنت" وإذا لم
стр. 479
يحارب لم يقنت".
وقال علقمة: "لقيت أبا الدرداء ﵁ بالشام، فسألته عن القنوت، لم يعرفه".
وقال إبراهيم النخعي: "أول من قنت هاهنا في الفجر على ﵁، وكانوا يرون أنه إنما فعل ذلك لأنه كان محاربا، فكان يدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا محمد بن يعلى عن عنبسة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن أم سلمه ﵂ "أن النبي ﷺ نهى عن القنوت في صلاة الصبح".
وهذا الحديث يقضى على ما روي في القنوت؛ لأن فيه نهيا يمنع تأويل التخيير في ترك القنوت وفعله.
стр. 480
فصل: [القنوت في الوتر قبل الركوع]
(وأما القنوت في الوتر، فإنه في سائر السنة، وهو قبل الركوع).
وذلك لما روى أبي بن كعب، وجماعة ﵃: "أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث، لا يسلم إلا في آخرهن، وكان يقنت في الثالثة قبل الركوع".
فإن قيل: روي أن أبيا ﵁ أمهم في شهر رمضان، وكان يقنت في النصف الأخير من شهر رمضان.
قيل له: ليس فيه أنه كان يقنت في غيره.
ويجوز أن يكون لم يكن يصلي بهم الوتر إلا في النصف الأخير، ويصلي قبل ذلك لنفسه في بيته، ويقنت لنفسه، فلا دلالة في هذا الخبر على خلاف ما رواه عن النبي ﷺ ، أنه كان يقنت.
وأيضا: فلما ثبت أن القنوت من سنة الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان، دل أن من سنته فعله في سائر السنة، كسائر الأذكار المفعولة في الصلوات المسنونة، لا يختلف حكمها في شهر رمضان وغيره.
стр. 481
* وأما فعله قبل الركوع فلما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا مطين قال: حدثنا عقبة بن مكرم قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا يونس بن عمرو عن أبيه أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه "أن النبي ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن داود بن جابر التمار قال: حدثنا عمرو الناقد قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا أبان بن أبي عياش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ قال: "بت مع النبي ﷺ لأنظر كيف يقنت، فقنت قبل الركوع".
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن أحمد بن سعيد الواسطى قال: حدثنا أبو نعيم الحلبى قال: حدثنا عطاء بن مسلم عن العلاء بن المسيب عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع".
* قال أبو بكر: وإنما قلنا إنه ثلاث ركعات، لا يسلم إلا في آخرهن؛ لما رواه مسعر عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب ﵁ " أن النبي ﷺ كان
стр. 482
يوتر بثلاث لا يسلم حتى ينصرف".
وروى قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلام لا يسلم في ركعتي الوتر".
وروى سعيد المقبري عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل أربعا، ثم أربعا، ثم ثلاثا".
وعن ابن عباس ﵄: "أوتر رسول الله صلي الله عليه وسلم بثلاث، فقنت قبل الركوع".
وأبو إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يوتر بثلاث ركعات".
وروى محمد بن كعب القرظي ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن البتيراء: أن يوتر الرجل بركعة واحدة".
стр. 483
وبلغ ابن مسعود أن سعدا ﵄ يوتر بركعة فقال: "ما هذه البتيراء؟! الوتر ثلاث ركعات، لا يسلم إلا في آخرهن".
وهو قول علي، وعمر، وعبد الله، وابن عباس، وأبي بن كعب ﵃.
وقال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة ﵃: "الوتر مثل صلاة المغرب".
стр. 484
وقال الحسن البصري: "أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث، لا يسلم إلا في آخرهن".
فإن قيل: روى عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشر ركعة، يسلم بين كل ركعتين، يوتر منهما بواحدة".
قيل له: يحتمل أن يكون المراد به التشهد في كل اثنتين، كما روى عن النبي صلي الله عليه وسلم: "في كل ركعتين، فسلم، يعنى فتشهد".
فإن قيل: في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: "الوتر حق،
стр. 485
فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة".
قيل له: يجوز أن يكون أراد الوتر الذي كانوا يتنفلون به، فلما زيد الوجوب كثر على شيء بعينه، فصارت الركعة الواحدة منسوخة.
والدليل على أنهم قد كانوا يتنفلون بالوتر، أن ابن عمر ﵄ أوتر في ليلة واحدة مرارا.
وقال سعد لعبد الله ﵄ حين قال له: ما هذا البتيراء؟ فقال: "وتر أنام عليه".
وذلك عندنا منسوخ بحديث فيس بن طلق عن أبيه عن النبي ﷺ : "لا وتران في ليلة".
فإن قيل: فقد روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فأوتر بركعة".
قيل له: لا دلالة فيه على أنها واحدة منفصلة عن الأوليين قبلها، بل يجوز أن تكون متصلة بصلاة قبلها.
ولو ثبت أنها منفردة، احتمل أن تكون في وقت جواز النفل بها.
стр. 486
وقد روى عن ابن عمر ﵄ "أن الوتر ثلاث كصلاة المغرب".
فإن قيل: روى عن عائشة ﵂ "أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يوتر بإحدى عشرة، وتسع، وسبع، وخمس".
قيل له: معناه: فيهن الوتر، كما روي في حديث ابن عمر ﵄::فأوتر بواحدة توتر لك ما صليت"، يعنى أن جملة صلاتك تصير وترا.
وقد روت عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان لا يسلم في ركعتي الوتر".
* ومن جهة النظر أن الوتر لا يخلو من أن يكون نفلا أو واجبا، فإن كان نفلا، فالنوافل إنما يحتذب بها الفروض، فتفعل حسب ما تفعل الفروض، وإن كان واجبا، فليس له أصل غير صلاة المغرب،
стр. 487
فوجب أن يكون مثلها.
مسألة: [كيفية القنوت في الوتر]
قال أبو جعفر: (وإذا أراد المصلي أن يقنت في وتره: كبر، ورفع يديه، ثم أرسلهما، وقنت، وقال أبو يوسف بأخرة: يرفع يديه في الدعاء في الوتر).
لأبي حنيفة ومحمد قول النبي ﷺ : "كفوا أيديكم في الصلاة"، و"اسكنوا في الصلاة".
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ : "لا ترع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، وذكر فيها القنوت في الوتر.
قيل له: هذا رفع التكبير، لا في حال الدعاء.
стр. 488
* ويدل عليه من جهة النظر: أنه لا يرفعهما في آخر الصلاة إذا دعا، ولا في قراءة فاتحة الكتاب وفيها دعاء، وكذلك دعاء القنوت.
مسألة: [مقدار القراءة في صلاة السفر والحضر]
قال أبو جعفر: (والقراءة في الصلوات في السفر سواء، اقرأ بفاتحة الكتاب وأي سورة شئت).
قال أبو بكر: وذلك لأن حال السفر حال التخفيف، ألا ترى أنه تقصر فيه الصلاة، ويفطر.
وأيضا: لم ينقل عن النبي صلي الله عليه وسلم تطويل القراءة في السفر، مع كثرة أسفاره في مغازيه، فدل على أنه مخير في أن يقرأ فيه بما شاء.
* قال أبو جعفر: (وأما القراء في الحضر، فإن الفجر والأوليين من الظهر: يقرأ في كل اثنتين منها بأربعين، خمسين، ستين آية، سوى فاتحة الكتاب).
قال أبو بكر: وذلك لما روى سليمان التيمي عن أبي مجلز عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر. قال: فرأى أصحابه أنه قد قرأ بتنزيل السجدة".
وروى المسعودي عن زيد العمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخضري ﵁ قال: "اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله
стр. 489
عليه وسلم، فقاسوا قراءة رسول الله ﷺ في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر قراءة ثلاثين آية، وفي الركعتين الأوليين من العصر على قدر النصف من ذلك".
وروي "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ: ألم تنزيل السجدة، و: هل أتى على الإنسان".
وذكر زياد بن علاقة عن عمه أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في إحدى الركعتين من الصبح بـ: ق.
وروى سماك بن حرب عن جابر بن سمرة ﵁ مثله في قراءة النبي ﷺ في الفجر.
* وأما العصر، فقد ذكرنا في العصر حديث أبي سعيد ﵁، أنه على النصف من قراءة الظهر.
* وأما العشاء فقد روى أن معاذا ﵁ قرأ بالبقرة في العشاء،
стр. 490
فشكي، فقال النبي ﷺ : "أفتان أنت يا معاذ اقرأ بسورة:﴾ والليل إذا يغشي ﴿،﴾ والشمس وضحاها ﴿.
وفي بعض الأخبار: "لو قرأت:﴾ سبح اسم ربك الأعلى ﴿،﴾ والشمس وضحاها ﴿، يصلى خلفك ذو الحاجة والضعيف".
فقد دل ذلك على مقدار القراءة في العشاء، ودل أيضا على التسوية بين الركعتين فيها.
* وأما المغرب، فيقرأ فيها بدون ذلك، لما روى سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بقصار المفصل".
فإن قيل: روى عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت ﵃ أنه قال لمروان: "ما يحملك أن تقرأ في صلاه المغرب بـ:﴾ قل هو الله احد ﴿، وبسورة أخرى صغيره فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بأطول السور وهى: ألمص".
وقال جبير بن مطعن ﵁:"سمعت رسول الله صلى الله عليه
стр. 491
وسلم يقرأ في المغرب بـ: الطور".
قيل له: يحتمل أن يريد به القراءة لأن وقت المغرب لا يتسع لذلك مع ترتيل رسول الله ﷺ القراءة.
وقد روى أنهم "كانوا يصلون المغرب، ثم ينتضلون، وكان أحدهم يرى موقع نبله".
فهذا لا يكون إلا مع تعجيل الفراغ منها، وبقاء الضياء قبل اختلاط الظلام، ولا يجوز أن يقرأ في مثل هذه المدة: (المص) بترتيل القراءة.
وفي حديث جبير بن معطم ﵁: "انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول:﴾ إن عذاب ربك لواقع ﴿، فكأنما صدع قلبي".
فأخبر أنه إنما سمع ذلك منه، ولا دلالة فيه على أنه قرأ تمام السورة.
مسألة: [تطويل أولى الفجر، وتسوية، أوليي الظهر]
قال أبو جعفر: (ويطيل الركعة الأولى من صلاة الفجر على الثانية).
стр. 492
وقد روي عن النبي ﷺ .
* قال: (وركعتا الظهر سواء) |.
وذلك لما دل عليه حديث أبي سعيد ﵁ الذي ذكرناه في قراءة الظهر.
وأيضا: فإن للفجر مزية ليست لغيرها، وذلك لأن العادة فيها أنهم يكونون نياما قبلها، فيكون تطويل القراءة سببا لإدراكهم الركعتين، وليس كذلك الظهر وسائر الصلوات.
وقال محمد: يطيل الركعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها أحب إلي كالفجر.
مسألة: [إجزاء الصلاة بفاتحة الكتاب، وشيء]
قال أبو جعفر: (ومن قرأ في صلاة بدون ما ذكرنا مع فاتحة الكتاب: أجزأه).
وذلك لما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعدا".
стр. 493
وقال أبو هريرة ﵁: "أمرني رسول الله أن أنادي في المدينة: أن لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد".
وفي حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وشيء معها".
فهذه الأخبار كلها تبيح الصلاة بفاتحة الكتاب، وما شاء من الزيادة عليها.
مسألة: [إجزاء الصلاة بغير الفاتحة]
قال أبو جعفر: (ومن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقرأ آية غيرها: أجزأته في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه إلا ثلاث آيات، أآية طويلة مثل آية الدين).
والحجة لأبى حنيفة لجواز الصلاة بغير فاتحة الكتاب: قول الله تعالى:
стр. 494
﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿، وقول النبي ﷺ : "لم اقرأ ما تيسر من القرآن".
وحقيقة هذا اللفظ التخيير، كما أن رجلا لو قال لأخر: "بع عبدي هذا ما تيسر"، كان قد فوض إليه الأمر في بيعه بما شاء.
ومن قصر فرض القراءة على شيء بعينه، فقد اسقط حكم الآية والخبر.
فإن قال قائل: قد بين النبي ﷺ مراد الله تعالى بقوله:﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿، بقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
قيل له: لا يجوز أن يكون هذا القول بيانا لمراد الآية على حسب ما ذهبت إليه، لأن فيه إسقاط التخيير، وهو نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد.
فالواجب-إذا كان هذا هكذا- حمله على وجه لا يضاد حكم القرآن، وهو أن يكون لنفي الفضل، لا لنفي الأصل، كقول الله تعالى:﴾ إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴿، ثم قال:﴾ ألا تقاتلون قوما
стр. 495
نكثوا أيمانهم ﴿، فنفاها بدءا، وأثبتها ثانيا، فعلمنا أنه أراد به معنى الكمال، لا معنى الأصل.
وكقول النبي ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، و: "من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له".
فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ فما استيسر من الهدى ﴿، فهو يتناول جميع ما يهدى من ثوب وغيره، ثم جعل النبي ﵊ الهدى من إبل أو بقر أو غنم، ولم يكن فيه نسخ الآية، فكذلك تعيين فرض القراءة
следующие страницы →