Полный текст (3 930 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وسلم يقرأ في المغرب بـ: الطور".
قيل له: يحتمل أن يريد به القراءة لأن وقت المغرب لا يتسع لذلك مع ترتيل رسول الله ﷺ القراءة.
وقد روى أنهم "كانوا يصلون المغرب، ثم ينتضلون، وكان أحدهم يرى موقع نبله".
فهذا لا يكون إلا مع تعجيل الفراغ منها، وبقاء الضياء قبل اختلاط الظلام، ولا يجوز أن يقرأ في مثل هذه المدة: (المص) بترتيل القراءة.
وفي حديث جبير بن معطم ﵁: "انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول:﴾ إن عذاب ربك لواقع ﴿، فكأنما صدع قلبي".
فأخبر أنه إنما سمع ذلك منه، ولا دلالة فيه على أنه قرأ تمام السورة.
مسألة: [تطويل أولى الفجر، وتسوية، أوليي الظهر]
قال أبو جعفر: (ويطيل الركعة الأولى من صلاة الفجر على الثانية).
стр. 492
وقد روي عن النبي ﷺ .
* قال: (وركعتا الظهر سواء) |.
وذلك لما دل عليه حديث أبي سعيد ﵁ الذي ذكرناه في قراءة الظهر.
وأيضا: فإن للفجر مزية ليست لغيرها، وذلك لأن العادة فيها أنهم يكونون نياما قبلها، فيكون تطويل القراءة سببا لإدراكهم الركعتين، وليس كذلك الظهر وسائر الصلوات.
وقال محمد: يطيل الركعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها أحب إلي كالفجر.
مسألة: [إجزاء الصلاة بفاتحة الكتاب، وشيء]
قال أبو جعفر: (ومن قرأ في صلاة بدون ما ذكرنا مع فاتحة الكتاب: أجزأه).
وذلك لما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعدا".
стр. 493
وقال أبو هريرة ﵁: "أمرني رسول الله أن أنادي في المدينة: أن لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد".
وفي حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وشيء معها".
فهذه الأخبار كلها تبيح الصلاة بفاتحة الكتاب، وما شاء من الزيادة عليها.
مسألة: [إجزاء الصلاة بغير الفاتحة]
قال أبو جعفر: (ومن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقرأ آية غيرها: أجزأته في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه إلا ثلاث آيات، أآية طويلة مثل آية الدين).
والحجة لأبى حنيفة لجواز الصلاة بغير فاتحة الكتاب: قول الله تعالى:
стр. 494
﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿، وقول النبي ﷺ : "لم اقرأ ما تيسر من القرآن".
وحقيقة هذا اللفظ التخيير، كما أن رجلا لو قال لأخر: "بع عبدي هذا ما تيسر"، كان قد فوض إليه الأمر في بيعه بما شاء.
ومن قصر فرض القراءة على شيء بعينه، فقد اسقط حكم الآية والخبر.
فإن قال قائل: قد بين النبي ﷺ مراد الله تعالى بقوله:﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿، بقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
قيل له: لا يجوز أن يكون هذا القول بيانا لمراد الآية على حسب ما ذهبت إليه، لأن فيه إسقاط التخيير، وهو نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد.
فالواجب-إذا كان هذا هكذا- حمله على وجه لا يضاد حكم القرآن، وهو أن يكون لنفي الفضل، لا لنفي الأصل، كقول الله تعالى:﴾ إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴿، ثم قال:﴾ ألا تقاتلون قوما
стр. 495
نكثوا أيمانهم ﴿، فنفاها بدءا، وأثبتها ثانيا، فعلمنا أنه أراد به معنى الكمال، لا معنى الأصل.
وكقول النبي ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، و: "من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له".
فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ فما استيسر من الهدى ﴿، فهو يتناول جميع ما يهدى من ثوب وغيره، ثم جعل النبي ﵊ الهدى من إبل أو بقر أو غنم، ولم يكن فيه نسخ الآية، فكذلك تعيين فرض القراءة
стр. 496
في فاتحة الكتاب لا يوجب نسخ الآية.
قيل له: الفصل بينهما، أن ما اقتضاه اللفظ من إيجاب التخيير، قائم في آية الهدي، غير باق في تفسير فاتحة الكتاب، فمتى ضممنا الخبر إلى آية الهدي: كان تخصيصا، وإذا ضممنا خبر فاتحة الكتاب إلى قوله:﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿: كان نسخا.
يدلك على ذلك، أنه لا يصح الجمع بين آية القرآن والخبر في لفظ واحد؛ لأنه لا يجوز أن يقول: اقرأ ما تيسر، وهو فاتحة الكتاب، كمان لا يجوز أن يقول: اقرأ ما شئت، وهو فاتحة الكتاب، ولا: أنت مخير في أن تقرأ ما شئت، وهو فاتحة الكتاب.
ويصح أن يقول: هما استيسر من الهدي، وهو ما شئت من هذه الأصناف الثلاثة.
وكذلك اقتصار أبي حنيفة على آية واحدة في فرض القراءة، لا يقتضي نسخ حكم الآية؛ لأن التخيير قائم في أيها شاء.
فإن قيل: ما ينكر أن يكون قوله:﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿: على ما عدا فاتحة الكتاب، وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب": مستعملا في
стр. 497
تعيين فرض القراءة، فلا يكون فيه مخالفة الآية.
قيل له: لا يجوز ذلك؛ لأن قوله:﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿: يقتضي الوجوب، وما عدا فاتحة الكتاب: فليس بواجب، فلا يجوز أن يكون هو المراد به.
* ويدل على أن قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب": لم يرد به نفي الأصيل، وإنما أريد به نفي الكمال، ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وشيء معها".
ومعلوم أنه لم يرد فيما عدا فاتحة الكتاب نفي الأصل، فكذلك فيها؛ لأنه لفظة واحدة، فلا يجوز أن يراد بها نفي الكمال، ونفي الأصل في حال واحدة؛ لأنها إذا أريد بها نفي الكمال، فقد أفادت إثبات شيء منها، وإذا حملت على نفي الأصل، لم يثبت منها شيء ولا يجوز استعمال لفظة واحدة للإثبات والنفي في حال واحدة لشيء واحد، متى حملت على أحد الوجهين انتفى الأخير.
فإن قال قائل: روي في حديث تعليم النبي ﷺ للأعرابي الصلاة أنه قال: "ثم اقرأ بفاتحة الكتاب"، وهو أمر يقتضي
стр. 498
الإيجاب، كما يقتضيه لفظ الآية، فنستعملهما، ونجعل الآية فيما عدا فاتحة الكتاب.
قيل له: قد روى في خبر الأعرابي: "لم اقرأ ما تيسر"، وذلك يقتضي التخيير، فإن عارضه قوله: "ثم اقرأ بفاتحة الكتاب": فأقل أحوالهما أن يسقطا، ويبقى لنا حكم الآية في إثبات التخيير، عاربا مما يعارضه.
وعلى أن أخبار الآحاد لا يعترض بها على ما كان هذا سبيله من الآية، في صرفها عن الإيجاب إلى الندب.
وأيضا: يجوز هذا عندنا عند تساوي النقل في الخبرين، فأما إذا ورد أحدهما عن طريق الآحاد، والآخر مذكور في القرآن: فإن ذلك لا يكون تعارضا، ولا يصرف لفظ القرآن من الإيجاب إلى الندب بمثله.
وأيضا: في خبر الأعرابي ما يدل على ما ذكرنا؛ لأن فيه: "فإذا فعلت ذلك: فقد تمت صلاتك، وإن أنقصت منها شيئا: أسقطت من صلاتك".
ومعلوم أن النقصان لا يكون إلا مع بقاء الأصل، فقد دل لفظ الخبر على أن ترك فاتحة الكتاب، بوجب نقصا فيها، ولا منع صحة الأصل.
* ويدل على ما قلنا: قول النبي ﷺ : "كل صلاة لا
стр. 499
يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج"، فالخداج: النقصان. يقال: أخدجت الناقة: إذا ولدها ناقصا.
ومنه ما روي عن علي ﵁ في صفة الخوارج الذين قتلهم: "أن فيهم رجلا مخدج اليد": أي ناقصا.
فقد أثبتها ناقصة مع ترك فاتحة الكتاب، ولو كانت القراءة من فرضها: لم تكن ناقصة بتركها، بل كانت باطلة، لا يثبت منها شيء.
وقد قال النبي ﷺ : "إن الرجل ليصلى الصلاة يكتب له نصفها، ربعها، عشرها"، فأثبتها ناقصة على الوجه الذي ذكرنا، ولو كانت غير جائزة: لما كنت له منها شيء.
فإن قيل: قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج"، فينبغي أن يدل ذلك على أن ترك القراءة لا يفسدها، وليس هذا من قولك.
قيل له: كذلك يقتضي ظاهر لفظه لولا قيام الدلالة على أن القراءة المذكورة في هذا الحديث هي ما ذكر في الخبر الآخر، وهي فاتحة الكتاب.
стр. 500
* وإنما اعتبر أبو حنيفة قراءة آية، قصيرة كانت أو طويلة بقوله تعالى:﴾ فاقرءوا ما تيسر من القرءان ﴿،وذلك من القرآن.
فإن قيل: يجوز قراءة ما دون الآية بظاهر اللفظ.
قيل له: لم يختلف موجبو فرض القراءة في الصلاة، أن قراءة ما دون الآية لا تجزيء به الصلاة، فخصصناه بالإجماع، واختلفوا في جوازها بالآية الواحدة، فقضى لفظ الآية بجوازها، إذ لم تقم الدلالة على غيرها.
مسألة: [عورة الرجل في الصلاة]
قال أبو جعفر: (ومن صلى من الرجال فستر ما دون سرته إلى ركبته، ووارى ركبتيه في ذلك: أجزأه).
وذلك لأن هذا من الرجل عورة، لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو ميسرة محمد بن الحسن [...] قال: حدثنا محمد بن ثعلبة قال: حدثنا ابن سواء عن سعيد بن أبي عروبة عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه أن الرسول صلى الله عليه
стр. 501
وسلم مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال: "غطها، فإن الفخذ من العورة.
ورواه أيضا معمر بن عبد الله بن نضله عن النبي ﷺ .
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الفخذ عورة، والفرج عورة فاحشة".
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "فخذ الرجل من عورته".
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله
стр. 502
عليه وسلم: "كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته عورة".
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى المروذي الطهماني قال: حدثنا يعقوب بن الجراح قال: حدثنا المغيرة بن موسى عن سوار بن داود عن محمد بن جحادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بذلك.
[السرة ليست عورة، والركبة عورة:]
* فدل هذا الحديث على معنيين: أحدهما: أن السرة ليست بعورة؛ لأنه قال: "كل شيء أسفل من سرته ... ".
والثاني: أن الركبة عورة، ودلالته على ذلك من وجهين:
أحدهما: أنه لو اقتصر على قوله: " كل شيء أسفل من سرته عورة": لدخل فيه سائر بدنه، مما هو أسفل السرة، فلما قال: "إلى ركبته"، كان ذكر الركبة فيه لإسقاط ما عداها، كقوله تعالى:﴾ وأيديكم إلى المرافق ﴿.
والثاني: أن: "إلى": لما كانت غاية، واحتمل دخول الركبة فيها، واحتمل غيره، كان اعتبار جهة الحظر أولى في إيجاب ستر الركبة.
стр. 503
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبدان بن محمد المروذي قال: حدثنا محمد بن غالب الأنطاكي قال: حدثنا أبان بن سفيان قال: حدثنا أبو هلال عن ابن عقيل عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "مابين السرة إلى الركبة عورة".
ولما ثبت أن ما بين السرة إلى الركبة عورة: لم تجز الصلاة مع كشفه.
* والدليل على أن ستر العورة من شرائط صحة الصلاة، قول الله تعالى:﴾ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴿، وهذا يدل على وجوب ستر العورة في الصلاة من وجهين:
أحدهما: عموم اللفظ المقتضي لحال الصلاة وغيرها.
والثاني: تخصيصه إيجاب الستر بالمسجد.
ومعلوم أن المسجد للصلاة، فدل على أن المراد ستر العورة في الصلاة، ولو كان المراد ستر العورة من الناس فحسب، دون الصلاة لما كان لتخصيصه إياه بالمسجد معنى.
стр. 504
ويدل عليه حد أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصلي أحد منكم في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء".
فمنع الصلاة في حال كشف العورة.
وروى قتادة عن محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار".
قال أبو بكر أحمد: والمعنى: من بلغت الحيض من النساء؛ لأن الحائض لا صلاة عليها، وقد دل هذا الخبر على معنيين:
أحدهما: أن من شرائط الصلاة ستر العورة.
والثاني: أن رأس المرأة عورة، ويجب ستره في الصلاة.
стр. 505
مسألة: [عورة المرأة في الصلاة]
قال أبو جعفر: (أما المرأة فتواري في صلاتها كل شيء منها، إلا وجهها وكفيها وقدميها).
قال أبو بكر: وذلك لأن جميع بدنها عورة، لا يحل للأجنبي النظر إلية منها إلا هذه الأعضاء.
ويدل عليه قول الله تعالى﴾:يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴿: روى أنها الكحل والخاتم، فدل أن يديها ووجهها ليسا بعورة.
стр. 506
وقال النبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا
стр. 507
بخمار"، فدل أن رأسها عورة، وما كان عورة: وجب ستره في الصلاة، واليد والوجه والقدم ليست بعورة: فلا يلزمها سترها في الصلاة.
مسألة: [عورة الأمة في الصلاة]
قال أبو جعفر: (ولا يجب على الأمة وأم الولد والمدبرة والمكاتبة تغطية رؤوسهن في الصلاة).
قال أبو بكر: وذلك لأن شعر الأمة ليس بعورة؛ لأنه يجوز للأجنبي النظر إليه، فصار كشعر الرجل.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول للإماء: "اكشفن رؤوسكن، ولا تشبهن بالحرائر".
لأن الناس متفقون على أن لها أن تسافر بغير محرم، فصار حكمها معهم، كحكم ذوي المحارم، ولذي المحرم أن ينظر من ذات محرمه إلى رأسها.
مسألة: [الترتيب في قضاء الفوائت]
قال أبو جعفر: (ومن ذكر صلاة فائتة، وهو في أخرى من الصلوات
стр. 508
الخمس، فإن كان بينهما أكر من خمس صلوات: مضى فيها، ثم قضى التي عليه، وإن كان أقل من ذلك: قطع ما هو فيه، وصلى الفائتة، إلا أن يكون في آخر وقت التي دخل فيها، يخاف فوتها، فيتمها، ثم يقضي الفائتة).
قال أبو بكر أحمد: كان أبو حنيفة يوجب الترتيب في الفوائت ما لم تكن الفوائت ستا، فإذا صارت ستا: سقط الترتيب.
وروي عن محمد في غير الأصول: أن الفوائت إذا كن خمسا، ولم يبقي من وقتهن شيء، أنها بمنزلة الست.
* والحجة في وجوب الترتيب: "أن النبي ﷺ لما فاتته أربع صلوات يوم الخندق، حتى كان بهوي من الليل قضاهن على الترتيب".
стр. 509
فدل ذلك على وجوب الترتيب في الفوائت من وجهين:
أحدهما: أن فعله ذلك وارد مورد البيان؛ لأن فرض الصلاة مجمل في الكتاب، فمهما ورد عن النبي ﷺ من فعل في أوصاف الصلاة وأفعالها: فهو وارد مورد البيان، وفعل النبي ﷺ إذا ورد على وجه البيان: فهو على الوجوب، إلا أن تقوم الدلالة على الندب.
والجهة الأخرى: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقد صلى الفوائت على الترتيب، فلزم بمضمون الخبرين إيجاب الترتيب.
* دليل آخر: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال:
"من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها".
وروي: "لا كفارة لها إلا ذلك".
وروي: "لا وقت لها إلا ذلك".
فجعل وقت الذكر أخص بالفائتة منه بصلاة الوقت، ولما كان كذلك: صارتا كالفجر والظهر، لما اختص كل واحد منهما بوقت، لزم فيهما الترتيب.
وأيضا: لما صار الوقت أخص بالفائتة منه بصلاة الوقت، أشبهتا
стр. 510
الظهر والعصر بعرفات، وأن وقت الظهر لما كان أخص منه بالعصر، لزم فيهما الترتيب.
فإن قيل: فهذه العلة موجودة في آخر الوقت.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن آخر الوقت أخص بصلاة الوقت منه بالفائتة، لقيام الدلالة عندنا على أنه منهي عن فعل الفائتة، وترك صلاة الوقت، فلم يكن عليه وجوب الترتيب في أول الوقت، كوجوبه في آخره.
* ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على وجوب الترتيب بين صلاتي عرفة، والمعنى فيه اجتماع صلاتين واجبتين غير مفعولتين على وجه التكرار في وقت واحد يتسع للصلاتين جميعا، وذلك موجود في الفائتة مع صلاة الوقت.
فإن ألزمونا على ذلك إيجاب الترتيب فيما زاد على اليوم والليلة.
قيل لهم: أما ما تقدم من دلائل السنة، فلا يدخل ذلك عليه؛ لأن فعله ﷺ إنما ورد فيما كان أقل من يوم وليلة.
أما علتنا هذه، فلا يلزم عليها ما ذكرت أيضا؛ لأنا جعلنا العلة اجتماع وجوب صلاتين غير مفعولتين على وجه التكرار، فإذا زادت على اليوم والليلة: وقع فيها تكرار.
* وهذا معنى صحيح قد اعتبره أصحابنا في كثير من مسائلهم، ألا ترى أنهم يجوزون تقديم بعض ركعات الصلاة على بعض، وترك الترتيب
стр. 511
فيها، وذلك كالذي ينام خلف الإمام حتى يصلي الإمام ركعة، ثم يحدث الإمام، فيقدمه أنه مأموم، وأنه يبدأ بالركعة التي نام فيها خلفه، ثم يبني على صلاة الإمام، فإن لم يفعل، وبنى على صلاة الإمام، ثم قضى الركعة أجزأته.
وأصل هذا ما روي عن النبي ﷺ ، أنهم كانوا إذا أدركوا النبي ﷺ في بعض الصلاة، فقضوا الفائت، ثم تابعوا النبي ﷺ ، حتى جاء معاذ ﵁، وقد فاته بعض الصلاة، فترك قضاء الفائت، وتابع النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ما كنت لأجدك على حال إلا أتابعك عليها.
فقال النبي ﷺ : "سن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا".
فقدم معاذ ﵁ ما كان حكمه أن يؤخره، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادتها، فصار ذلك أصلا في جواز الصلاة مع ترك الترتيب في الركعات.
ولهذا المعنى قالوا فيمن ترك سجدة من الركعة الأولى، أنه جائز له قضاؤها في الثانية؛ لأنها مفعولة على وجه التكرار.
ومن أجله أجازوا ترك الترتيب في قضاء صوم شهر رمضان إذا كان
стр. 512
مفعولا على وجه التكرار.
وأوجبوا الترتيب بين السجود والركوع؛ لأن كل واحد منهما غير مفعول على وجه التكرار، وفعل السجدة الثانية إنما يقع على جهة تكرار فعل قد وقع مثله، فثبت حكمها مع ترك الترتيب.
وأيضا: في الفرق بين انضمام الست في الفوات وما دونها: أنه قد ثبت وجوب الترتيب في القليل منها، وثبت أيضا سقوطه في الكثير؛ لأنا لو أجبناه لوجب أن يكون: لو فاتته صلاة، فصلى عشرين سنة، وهو ذاكر لها، أن لا يجزيه شيء منها، وهذا قول فاحش الخطأ، خارج عن أقاويل الفقهاء، فثبت أن حكم الترتيب ساقط في الكثير.
واحتجنا إلى حد فاصل بين القليل والكثير، وقد ثبت عندهم أيضا أن انضمام ست صلوات يسقط الفرض في حال الإغماء، وأن ما دونها لا يسقطه، فوجب أن يكون هذا هو الحد الفاصل بين القليل والكثير في إيجاب الترتيب، لتعلق حكم سقوط الفرض بانضمام الست دون ما عداها.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت، وإن كان عليه صلاة فائتة.
стр. 513
قيل له: المراد به إذا لم يكن عليه صلاة فائتة، بدلالة اتفاق الجميع على جواز فعل الفائتة في هذا الحال.
وأيضا: فما ذكر من الدلالة تخصه.
فإن قيل: لو كان الترتيب فرضا، لما أسقطه النسيان، كما لم يسقط ترتيب السجود على الركوع بالنسيان، إذ كان فرضا.
قيل له: معلوم أن الترتيب إنما يجب بين صلاتين واجبتين، والصلاة المنسية ليست واجبة في حال النسيان، فاستحال إيجاب الترتيب.
وأما ترتيب السجود على الركوع، فمخالف للصلاتين، وذلك لأن منزلة السجود من الركوع، كمنزلة الصلاة من الوقت، فلما لم يسقط فرض الوقت بالنسيان، كذلك لم يسقط ترتيب السجود على الركوع.
ومما يبين ذلك أنه لا يجوز سقوط فرض السجود، إلا مع سقوط فرض الركوع، وأن كل واحد منهما متعلق بالآخر، فإما أن يسقطا معا، أو يثبتا معا، فلما كان كذلك، لم يكن للنسيان تأثير في إسقاطه.
وأما الصلاتان فقد يجوز سقوط فرض إحداهما، مع ثبوت فرض الأخرى، فلما لم يكن عليه فعل الصلاة المنسية في حال النسيان، صح له فعل صلاة الوقت.
* وإنما قلنا إنه يبدأ بصلاة الوقت، إذا خاف فوتها إن بدأ بالصلاة
стр. 514
الفائتة: من قبل أن فعل الصلاة في الوقت فرض، والترتيب فرض، ولا يمكنه فعلهما جميعا، فقد دفع إلى ترك إحداهما، إما الوقت وإما الترتيب، وفرض الوقت آكد من فرض الترتيب؛ لأن لآخر الوقت تأثيرا في إسقاط الفرض وإيجابه، بدلالة أن المرأة إذا حاضت في آخر الوقت: سقط عنها فرض الصلاة، ولو طهرت في آخر الوقت: لزمها فرض الصلاة، وليس للترتيب هذه المزية، فصار الوقت آكد من الترتيب، فلذلك ترك الترتيب من أجله.
ويدل على تأكد حكم الوقت على الترتيب: أن الترتيب يسقطه النسيان، وفرض الوقت لا يسقطه النسيان.
مسألة: [الترتيب بين الوتر الفائت وصلاة الفجر]
قال: (ومن ذكر الوتر من ليلته، وهو في صلاة الفجر، فسدت عليه، وصلى الوتر، ثم الفجر، إلا أن يكون في آخر وقتها، ويخاف أن يفوته الفجر إن صلى الوتر، وقال أبو يوسف ومحمد: الوتر لا يفسد الفجر).
[بحث مطول في وجوب الوتر:]
قال أبو بكر أحمد: المشهور من مذهب أبي حنيفة وجوب الوتر، فقد حكي أن أبا حنيفة سئل عن الصلوات المكتوبات كم هي؟ فقال: خمس، فقال السائل: فما تقول في الوتر؟ قال: واجب. قال السائل: هذا غلط في الحساب.
стр. 515
فجهل السائل، ولم يفرق بين المكتوبة والواجب، وظن أنه إذا قال: هو واجب، فقد قال: إنه من المكتوبة.
وقد يكون واجب ليس بمكتوبة، كصلاة العيدين هي واجبة، ولا يقال: إنها مكتوبة، ولا وجوبها كوجوب صلاة الجمعة، وكغسل الميت واجب، وليس كغسل الجنابة، وصدقة الفطر واجبة، وليست كالزكاة في الوجوب، وسجدتا السهو واجبتان، لا يرخص في تركهما، وليستا كسجود الصلاة.
[الوجوب على مراتب في الشرع:]
فليس في إطلاق لفظ الوجوب في الوتر، ما يقتضي إلحاقه بالمكتوبة، إذ كان الوجوب على مراتب الشرع، وطرق الواجبات مختلفة، فمنها ما ثبت بنص القرآن، ومنها ما ثبت بالسنة من طريق التواتر والاستفاضة، ومنها ما طريقه أخبار الآحاد، ويسوغ الاجتهاد فيه، وطريق إثبات وجوب الوتر: أخبار الآحاد، فلم يكن كالمكتوبة.
* ولأبي حنيفة في قوله هذا، من السلف ما لو اكتفي بهم في تصحيح المقالة، لكان فيهم غنى وكفاية، وأنا ذاكر قول من قال من السلف بمثل مقالته في الوتر، ثم نشرع في الحجاج لها، بما يوضح عن صحتها إن شاء الله.
فمن ذلك ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "ليس الوتر بحتم
стр. 516
كصلاة المغرب، ولكن أوتروا يا أهل القرآن".
فهذا القول يدل على أنه كان يراه واجبا، وأن وجوبه عنده، ليس كوجوب المكتوبة، وذلك لأنه أمر به بقوله: "أوتروا"، وأخبر أن حتمه ليس كحتم المغرب.
ولو لم يكن يراه حتما واجبا لقال: ليس بحتم، فيعقل منه نفي الوجوب، وأنه ليس كالمغرب، فلما قال: "ليس بحتم المغرب": علم أنه أراد أنه ليس وجوبه كوجوب المغرب، وأنه دونه في الوجوب.
وقد روى أبو معشر عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد عن عبد الله ﵁ قال: "الوتر واجب على كل مسلم، والتكبير قبل القنوت".
وروى عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله ﵁: "الوتر يجب كصلاة المغرب وتر النهار"، فأطلق عبد الله ﵁ لفظ الوجوب على الوتر.
стр. 517
وروى أبو قيس عن علقمة قال: "الوتر واجب".
وقال إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد قال: "الوتر واجب، ولم يكتب".
وقال أبو محمد الأنصاري للمخدجي ﵄: "الوتر واجب".
وخالفه عبادة بن الصامت ﵁، فهذا ما حضرنا من قول السلف.
* ومما يدل على وجوبه: ما ورد من الآثار المختلفة الألفاظ عن النبي ﷺ ، وهي على اختلاف ألفاظها دالة على وجوبه.
فمن ذلك: ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال: حدثني قريش بن حيان العجلي قال: حدثنا بكر بن وائل عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب
стр. 518
الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فعل"، وذكر الحديث.
وروى أبو الحسن الكرخي قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الجوز .... قال: حدثنا يعقوب الدورقي، ومحمد بن ميمون الخياط- وهذا لفظ- قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أب أيوب الأنصاري قال: "الوتر حق واجب، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة، ومن غلب إلا أن يومئ: فليومئ".
فقد نص في هذا الخبر على الوجوب من وجوه:
أحدهما: قوله: "حق عليه": وليس في ألفاظ الوجوب شيء آكد من قول القائل: حق عليه، ألا ترى أن الشهادات لا تقبل فيها الألفاظ المحتملة للمعاني، ولو قال الشاهد: "أشهد أن لفلان على هذا ألف درهم حق عليه": كانت الشهادة صحيحة، فدل أن قوله: "حق عليه": يقتضي الوجوب، ولا يحتمل غير ذلك.
وآخر: وهو أنه قال في حديث سفيان: "حق واجب"، فنص عليه.
стр. 519
وقوله: "من غلب إلا أن يومئ: فليومئ": يدل عليه أيضا من وجهين:
أحدهما: أن أمره بالفعل يقتضي الوجوب.
والثاني: أمره بفعله إيماء، وليس ذا صورة من النوافل.
* وحديث آخر: وهو حديث أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر".
والأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ مثله. فقال أعرابي: ما تقول؟ قال: "ليس لك، ولا لأصحابك": فهذا لفظ الإيجاب؛ لأنه أمر، والأمر عندنا للوجوب.
فإن قيل: لما خص أهل القرآن، دل على أنه غير واجب؛ لأن ما كان واجبا، لا يختلف في حكمه أهل القرآن وغيرهم.
قيل له: لم ينفه عن غير أهل القرآن، وإنما فيه إيجابه على أهل القرآن، وإذا وجب على أهل القرآن، وجب على غيرهم، كما قال الله
стр. 520
تعالى:﴾ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴿، فخص المؤمنين، والكفار بمثابتهم في الأمر بالتوبة.
وأيضا: فإنما أراد من آمن بالقرآن، واعتقد صحته، كما قال الله :﴾ يا أهل الكتاب ﴿، والمراد من اعتقد الإيمان بالكتاب، لا من حفظه وقرأه.
فإن قيل: قوله ﷺ للأعرابي: "ليس لك، ولا لأصحابك": يدل على أنه ليس بواجب؛ لأن الأعراب وغيرهم لا يختلفون في الوجوب.
قيل له: يجوز أن يكون الأعرابي كان كافرا.
وإن كان مسلما، يحتمل أن يريد: ليس لك، لا لأصحابك خاصة، بل للناس عامة، وإنما قال ذلك؛ لأنه علم أن ظن الأعرابي سيسبق إلى أنه لأهل القرآن خاصة، فأخبره أنه للناس عامة.
* حديث آخر: وهو حديث خارجة بن حذافة العدوي ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، هي الوتر، فجعلها لكم مابين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر".
стр. 521
وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزامير، والكوبة، وزادني صلاة الوتر".
وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله زادكم صلاة، فاحفظوها، وهي الوتر".
فكانت الدلالة من هذه الأخبار على وجوبها من وجهين:
أحدهما: قوله: "فاحفظوها"؛ لأنه أمر يقتضي الوجوب.
والثاني: قوله: "زادكم": والزيادة إنما تقع على الواجبات، لا على النوافل؛ لأن النوافل لا غاية لها، فتقع عليها الزيادة، والواجبات ذوات عدد معلوم، فيصح الزيادة عليها.
فإن قيل: إنما قال النبي ﷺ : "زادكم"، ولم يقل: زاد عليكم.
стр. 522
قيل له: إذا صح أنه أراد الزيادة على الواجبات، لم يختلف حكم قوله: "زادكم"، و: "زاد عليكم"؛ لأن الزيادة على الواجب، لا تكون إلا واجبا.
وعلى أنك إذا حملته على الإباحة، فقد جعلته كمن قال: "زاد لكم"، وليس ذلك في اللفظ.
وعلى أنه لا فرق بين قوله: "زادكم"، و: "زاد عليكم" قال الله:﴾ زدناهم عذابا فوق العذاب ﴿، وقال:﴾ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ﴿، هو عليهم، لا لهم.
* حديث آخر: وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عوف قال: حدثنا عثمان بن سعيد عن أبي غسان عن محمد بن مطرف المدني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "من نام عن وتره، أو نسيه، فليصله إذا ذكره".
وهذا الحديث يدل من وجهين على وجوب الوتر:
أحدهما: الأمر بفعله.
والثاني: إثباته في الذمة بالفوات بإيجابه قضاءه عليه، وهو كقوله ﵊ في حديث آخر: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها".
стр. 523
* وحديث آخر: وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمود بن محمد قال: حدثنا يحيى بن داود قال: حدثنا وكيع عن الخليل بن مرة عن معاوية بن قرة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يوتر، فليس منا".
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أو داود قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو إسحاق الطالقاني قال: حدثنا الفضل بن موسى عن عبيد الله بن عبد الله العتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الوتر حق، فمن لم يوتر، فليس منا".
ومثل هذا القول لا يطلق إلا في ترك الواجبات، وهو كقوله: "من غشنا، فليس منا"، و: "من حمل علينا السلاح، فليس منا".
* ودليل آخر: هو حديث أبي الدرداء، وأبي هريرة ﵄: "أوصاني خليلي ألا أنام إلا على وتر"، وهو مشهور.
стр. 524
فإن قيل: ذكر فيه صلاة الضحى، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وليسا واجبين، فكذلك الوتر.
قيل له: ظاهره يقتضي وجوب الجميع، وخصصنا صلاة الضحى، والصوم بالإجماع.
* ويدل على وجوبه من وجهة النظر: أن النبي ﷺ جعل له وقتا يختص به كسائر الواجبات، فدل على وجوبه؛ لأن النوافل لا تختص بأوقات، وإنما تتبع الفروض، فلما كان وقت الوتر المستحب ما بين العشاء الآخر إلى طلوع الفجر، ويكره تأخير العشاء الآخرة إلى ما بعد نصف الليل، ثبت أن له وقتا يستحب فعله فيه، دون سائر الصلوات.
* واحتج من خالف في وجوب الوتر من الآثار: بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ : "خمس صلوات كتبهن الله على عباده"، ووجوب الوتر يقتضي أن يكون ستا.
وبحديث مالك عن أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن طلحة ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الإسلام، فذكر الحديث إلى قوله: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل علي غير ذلك؟ قال: "لا، إلا أن تطوع بخير".
وبما روي عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 525
قال: "ثلاث هن علي فريضة، ولكم تطوع: الأضحى، والوتر، والضحى".
واحتجوا من ظاهر القرآن بقوله تعالى:﴾ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴿، والست لا واسطة لها.
* قيل له: أما قوله: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده": فالمراد به المكتوبات، وليس الوتر مكتوبة.
وأيضا: فإن وجوب الوتر متأخر لقوله: "زادكم صلاة"، وهو "كنهيه عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير"، فلا يعترض عليه بقوله تعالى:﴾ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ﴿؛ لأنه لم يكن المحرم في ذلك الوقت غير ما في الآية، ثم حرم بعد.
وكما لم ينف هذا القول من النبي ﷺ وجوب صلاة العيدين، والصلاة على الجنازة، كذلك لا ينفي وجوب الوتر.
وأما حديث طلحة ﵁، فمحمول على ذكرنا أيضا؛ لأن
стр. 526
وجوب الوتر متأخر بقوله: "زادكم صلاة"
وأيضا: روى إسماعيل بن جعفر هذا الحديث عن أبي سهيل بإسناده، وذكر فيه أن الأعرابي قال: ما فرض الله علي من الصلاة؟ فقال النبي ﷺ : "الصلوات الخمس".
فإنما سأل عن الفرض، وأبو حنيفة لا يقول إن الوتر فرض.
وأما حديث ابن عباس ﵄، فمن طريق أبان بن أبي عياش عن عكرمة عن ابن عباس، وأبان ممن يضعف.
ولو ثبت، كان خبر الزيادة أولى؛ لاقتضائه وجوب ما لم يكن واجبا قبله.
وأيضا: فإذا روي خبران في أحدهما الإيجاب، وفي الآخر نفيه، كان خبر الوجوب أولى.
وأما قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي﴾: فإنه قد قيل في الوسطى: إنها صلاة الظهر؛ لأنها وسطى صلاة النهار.
وعلى أنه جائز أن يكون قبل الزيادة.
стр. 527
ويجوز أن يكون وسطى المكتوبات، دون الواجبات التي ليست بمكتوبات.
* واحتجوا من جهة النظر: بأنه لا يؤذن له، ولا يقام إذا صلي جماعة في شهر رمضان.
وبأنه لو كان واجبا، لصلي جماعة في سائر السنة.
وبأن وقته وقت العشاء الآخرة، فهو تابع للفرض كالنوافل.
وبأنه لو كان واجبا، لورد النقل به متواترا، لعموم الحاجة إليه.
* فالجواب: أن صلاة العيدين والجنازة واجبة، ولا يؤذن لها ولا يقام.
وأيضا: هو كصلاتي المزدلفة يكتفى فيهما بأذان وإقامة.
وأما فعله في جماعة، فإنه يصلى جماعة في شهر رمضان، فينبغي أن يدل على الوجوب، وإذا ثبت وجوبه في شهر رمضان، ثبت في سائر السنة.
وأيضا: الظهر يوم الجمعة لا تصلى جماعة في المصر، وكذلك النذر، ولم ينف ذلك وجوبهما.
وأما فعله مع العشاء في وقت واحد، فإن الجمعة تفعل في وقت الظهر، وتصلى العصر بعرفة في وقت الظهر، ولم ينف الوجوب.
وأما وروده من طريق التواتر، فلم تختلف الأمة في نقله قولا وفعلا عن النبي ﷺ ، وإنما ذهب مخالفنا عن جهة الإيجاب
стр. 528
إلى الندب بالتأويل.
مسألة: [تأديب الرجل ولده المميز على الطهارة والصلاة]
قال أبو جعفر: (يؤدب الرجل ولده على الطهارة، والصلاة إذا عقلها، ولا تجب عليه الفرائض منهما، ولا من غيرهما حتى يبلغ).
وذلك لما روى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلع عشرا فاضربوهم عليها".
ولا يجب ذلك عليه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال، "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتي يحتلم".
ولا خلاف بين الأمة أنه لا صوم عليه، ولا حج قبل البلوغ، فعلمنا أن أمره بالصلوات قبل البلوغ على وجه التعليم، وليمرن عليها ويعتادها.
стр. 529
وقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾: روي في التفسير: أن أدبوهم، وعلموهم.
مسألة: [سجود القرآن أربع عشرة سجدة]
قال أبو جعفر: (وسجود القرآن أربع عشرة سجدة: في الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج سجدة، وهي الأولى، والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم تنزيل: عند قوله، ﴿يسأمون﴾، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك)
قال أبو بكر: روي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ أن في القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء، ولم يعدا الثانية من الحج سجدوا.
стр. 530
وروي عن علي وعبد الله ﵄ أنهما قالا: "عزائم السجود أربع: ألم تنزيل، وحم السجدة، واقرأ باسم ربك، والنجم".
وروى عبد الله بن مسعود ﵁ "أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم، وسجد فيها".
وقال أبو هريرة ﵁: "سجدنا مع رسول الله ﷺ في: إذا السماء انشقت، و: اقرأ بأسم ربك الذي خلق".
وروى ابن عباس وأبو سعيد الخدري ﵃ أن النبي ﷺ سجد في ص.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة".
следующие страницы →