← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وجوب الوتر متأخر بقوله: "زادكم صلاة" وأيضا: روى إسماعيل بن جعفر هذا الحديث عن أبي سهيل بإسناده، وذكر فيه أن الأعرابي قال: ما فرض الله علي من الصلاة؟ فقال النبي ﷺ : "الصلوات الخمس". فإنما سأل عن الفرض، وأبو حنيفة لا يقول إن الوتر فرض. وأما حديث ابن عباس ﵄، فمن طريق أبان بن أبي عياش عن عكرمة عن ابن عباس، وأبان ممن يضعف. ولو ثبت، كان خبر الزيادة أولى؛ لاقتضائه وجوب ما لم يكن واجبا قبله. وأيضا: فإذا روي خبران في أحدهما الإيجاب، وفي الآخر نفيه، كان خبر الوجوب أولى. وأما قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي﴾: فإنه قد قيل في الوسطى: إنها صلاة الظهر؛ لأنها وسطى صلاة النهار. وعلى أنه جائز أن يكون قبل الزيادة.

стр. 527

ويجوز أن يكون وسطى المكتوبات، دون الواجبات التي ليست بمكتوبات. * واحتجوا من جهة النظر: بأنه لا يؤذن له، ولا يقام إذا صلي جماعة في شهر رمضان. وبأنه لو كان واجبا، لصلي جماعة في سائر السنة. وبأن وقته وقت العشاء الآخرة، فهو تابع للفرض كالنوافل. وبأنه لو كان واجبا، لورد النقل به متواترا، لعموم الحاجة إليه. * فالجواب: أن صلاة العيدين والجنازة واجبة، ولا يؤذن لها ولا يقام. وأيضا: هو كصلاتي المزدلفة يكتفى فيهما بأذان وإقامة. وأما فعله في جماعة، فإنه يصلى جماعة في شهر رمضان، فينبغي أن يدل على الوجوب، وإذا ثبت وجوبه في شهر رمضان، ثبت في سائر السنة. وأيضا: الظهر يوم الجمعة لا تصلى جماعة في المصر، وكذلك النذر، ولم ينف ذلك وجوبهما. وأما فعله مع العشاء في وقت واحد، فإن الجمعة تفعل في وقت الظهر، وتصلى العصر بعرفة في وقت الظهر، ولم ينف الوجوب. وأما وروده من طريق التواتر، فلم تختلف الأمة في نقله قولا وفعلا عن النبي ﷺ ، وإنما ذهب مخالفنا عن جهة الإيجاب

стр. 528

إلى الندب بالتأويل. مسألة: [تأديب الرجل ولده المميز على الطهارة والصلاة] قال أبو جعفر: (يؤدب الرجل ولده على الطهارة، والصلاة إذا عقلها، ولا تجب عليه الفرائض منهما، ولا من غيرهما حتى يبلغ). وذلك لما روى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلع عشرا فاضربوهم عليها". ولا يجب ذلك عليه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال، "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتي يحتلم". ولا خلاف بين الأمة أنه لا صوم عليه، ولا حج قبل البلوغ، فعلمنا أن أمره بالصلوات قبل البلوغ على وجه التعليم، وليمرن عليها ويعتادها.

стр. 529

وقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾: روي في التفسير: أن أدبوهم، وعلموهم. مسألة: [سجود القرآن أربع عشرة سجدة] قال أبو جعفر: (وسجود القرآن أربع عشرة سجدة: في الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج سجدة، وهي الأولى، والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم تنزيل: عند قوله، ﴿يسأمون﴾، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك) قال أبو بكر: روي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ أن في القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء، ولم يعدا الثانية من الحج سجدوا.

стр. 530

وروي عن علي وعبد الله ﵄ أنهما قالا: "عزائم السجود أربع: ألم تنزيل، وحم السجدة، واقرأ باسم ربك، والنجم". وروى عبد الله بن مسعود ﵁ "أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم، وسجد فيها". وقال أبو هريرة ﵁: "سجدنا مع رسول الله ﷺ في: إذا السماء انشقت، و: اقرأ بأسم ربك الذي خلق". وروى ابن عباس وأبو سعيد الخدري ﵃ أن النبي ﷺ سجد في ص. وقد روي عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة".

стр. 531

وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: "قرأ على رسول الله على الله عليه وسلم النجم، لم يسجد فيها". * فأما خبر ابن عباس ﵄، فيحتمل أن يريد أنه لم يره يسجد في المفصل، وقد رآه غيره سجد في: ﴿إذا السماء انشقت﴾، و: ﴿اقرأ باسم ربك﴾. وقال أبو هريرة ﵁: "سجدت في: ﴿إذا السماء انشقت﴾، و: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ خلف رسول الله ﷺ ". فثبت بما وصفنا السجود في المفصل. وقد عد ابن عباس وابن عمر ﵃ إحدى عشر سجدة سوى ما في المفصل، ولم يعدا الثانية من الحج. * وأما حديث زيد بن ثابت ﵁، فلا دلالة فيه على أن المفصل لا سجود فيه؛ لأنه جائز أن يكون تلاها في وقت لا يجوز السجود فيه: نصف النهار، أو عند الطلوع، والغروب، أو كان على غير طهارة وقد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عمن أخره عن أبي الدرداء ﵁ قال: سجدت مع النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة منهن: والنجم.

стр. 532

وروى عن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن المطلب بن أبي وداعة ﵁ "أن النبي ﷺ سجد في المنجم بمكة". وروى عمرو بن العاص ﵁ "أن النبي ﷺ سجد في: إذا السماء انشقت، وفي: اقرأ باسم ربك. فثبت بهذه الآثار السجود في المفصل. * وقد اختلف السلف في موضع السجود من حم السجدة. فروي عن ابن مسعود وابن عمر أن موضعه الآية الأولى عند قوله: ﴿تعبدون﴾.

стр. 533

وقال ابن عباس وأبو وائل ومجاهد ﵃: عند قوله: ﴿لا يسئمون﴾، وهو قول أصحابنا؛ لأنه تمام القصة في ذكر الخشوع، والإخبار عن حال الساجدين. * واختلفوا في الثانية من الحج، فروي عن عمر وأبي موسى وأبي الدرداء ﵃ أنهم سجدوا فيها سجدتين. وعن ابن عباس ﵄ أن فيها سجدة واحدة، وهي الأولى.

стр. 534

وكذلك روي عن ابن عمر ﵄ في رواية، وروي عنه أنه سجد فيها سجدتين. والذي دل على أن الثانية ليست بسجدة: أنها ذكرت مع الركوع، والسجود الذي مع الركوع هو الصلاة، والأمر بالصلاة لا يقتضي سجودا، لاتفاق المسلمين على أن قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾: وليس بموضع سجود. ومثل قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾، لما ذكر معه الركوع، لم يكن موضع سجدة بالاتفاق. وليس يجب من حيث كان ذكر السجود موجودا فيه، أن يجعله موضع سجود، لان الله تعالى قد ذكر السجود في موضع لا يقتضي تلاوتها سجودا من التالي لها، نحو قوله: ﴿فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين﴾. * والأغلب في مواضع السجود أن يكون خبرا عن مدح قوم لفعلهم،

стр. 535

أو ذمهم لتركه، وقد جاء موضع السجود بلفظ الأمر نحو قوله: ﴿واسجد واقترب﴾، ونحو قوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾، إلا أن العام الأكثر هو ما وصفنا، ولم نجد ذكر سجود مع ركوع موضع سجدة، فثبت أن الثانية من الحج ليست موضع سجود. فإن احتجوا بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد عبد الرحيم البرقي: قال حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا نافع بن يزيد عن الحارث بن سعيد العتقي عن عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص ﵁ "أن النبي ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة حج سجدتان". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة أن مشرح بن عاهان أبا المصعب حدثه ان عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أفي سورة الحج سجدتان؟ قال: "نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما". قيل لهم: أما حديث عمرو بن العاص ﵁، فليس فيه بيان موضع الخلاف، وذلك لانه ليس فيه ان النبي ﷺ قال له:

стр. 536

"هذه مواضع السجود"، وجائز أن يكون قرأها على النبي ﷺ ، وظن أنها مواضع سجود، فأخبر عما عنده، لا عن النبي ﷺ ، إذ ليس فيه عن النبي ﷺ انه قال ﷺ : هذه مواضع السجود. هذا مع ما في سنده من الضعف. وأما حديث عقبة بن عامر ﵁، فإن راويه ابن لهيعة، وهو ممن يضعف. وعلى أنه إن كان ثابتا، فينبغي أن يدل على وجوب السجدة؛ لأنه قال: "فمن لم يسجدهما، فلا يقرأهما"، وهذا يقتضي النهي عن تركهما بعد تلاوتهما، وليس هذا قول المخالف. مسألة: [كيفية سجود التلاوة] قال أبو جعفر: (ويكبر لسجود التلاوة مستقبل القبلة). قال أبو بكر: وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود

стр. 537

قال: حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي قال: اخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد، وسجدنا. قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه لأنه كبر. وقال أبو بكر أحمد: هذا الحديث يدل على أنه مفعول على سنة سجود الصلاة؛ لان التكبير من سنته في الصلاة، فدل على أنه يحتذي به سجود الصلاة في استقبال القبلة، ورفع الرأس منه بالتكبير. * ولا يجب فيه تشهد، ولا تسليم. وذلك لأنه لا تحريمة له، والتسليم بموضوع التحليل. وليس كصلاة الجنازة؛ لأنه يدخل فيها بتحريمة، وليس التكبير المفعول للسجود: تكبير التحريمة، إنما هو تكبير الانحطاط للسجود، كما يفعله في سجود الصلاة، لا للتحريمة. ولا تشهد فيه؛ لأن التشهد لا يجب إلا في صلاه فيها ركوع وسجود، إلا ترى أن صلاة الجنازة ليس فيها تشهد. * ويدل على انه يفعله بتكبير، ويفعله على شبه سجود الصلاة؛ لأنه

стр. 538

لا يخلو من أن يكون نفلا أو واجبا، فإن كان نفلا، فإن النوافل محمولة على أصولها في الواجبات، وإن كان واجبا، فهو معطوف على الواجبات من السجود. * ويدل عليه انه لا يفعله إلا طاهرا كسجود الصلاة. [جواز الركوع بدل السجود عن قراءة السجدة]: قال أبو بكر أحمد: وأجاز أصحابنا أن يركع عن سجود التلاوة، وروى مثلا الأسود عن عبد الله بن مسعود ﵁. ويدل عليه ما روي في تأويل قول الله تعالى: ﴿وخر راكعا وأناب﴾، أنه خر ساجدا، فجعل الركوع عبارة عن السجود. * وأجازوا أيضا إذا كان في آخر السورة أن يركع للصلاة، فيجزئه،

стр. 539

وذلك لقول الله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾، فذمهم على ترك السجود عند التلاوة، وقد حصل ها هنا سجود عقبيها، فقد أتى بموافقة الآية. وهذا كما يقول، فمن أراد دخول مكة، أنه لا يدخلها إلا بإحرام، وإن أحرم بحجة الإسلام، لم يلزمه للدخول شيء آخر. وكما يقول في الاعتكاف: إن من شرطه الصوم، فإن صام شهر رمضان، واعتكف فيه: جاز وقد روي نحو ذلك عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "ما كان في آخر سورة، فإن الرجل يركع بها، ويسجد". مسألة: [ايماء الراكب يجزئ عن سجود التلاوة]: وقال: (إن الراكب يومئ بها). وذلك لما حدثنا بن بكر قال: حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهير قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن نافع عن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم:

стр. 540

منهم الراكب والساجد في الأرض، حتى إن الراكب يسجد على يديه". مسألة: [ليس على المرتد قضاء الصلوات] قال أبو جعفر: (ولا يقضي المرتد شيئا من الصلوات، ولا بما تعبد به سواها). قال أبو بكر: والدليل عليه: قول الله : ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾، وذلك عام في كل كافر. وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله﴾، وقال: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾، فأخبر أن الكفر يحبط العمل، فصار بمنزلة من لم يزل كافرا، فإذا أسلم: لم يلزمه قضاء الصلوات، كذلك المرتد؛ لأن إيمانه قد بطل. ولما لم يجب قضاء الصلوات المفعولة في حال الإسلام مع بطلانها بالردة، كذلك لا يجب عليه قضاء المتروكة. فإن قيل: إنما يحبط عمله إذا مات على الردة، لقوله: ﴿ومن يرتد منكم

стр. 541

عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾. قيل له: المعني: مات ذلك، حبط عمله، لهذه الآية. ولم ينف بطلان العمل بغيره، وسائر ما تلونا من الآي يوجب بطلان العمل بالردة نفسها، فنستعمل الآيات كلها. وهذا كقوله تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾، والأجر واجب لمن لم يمت قبل بلوغ موضع الهجرة. * ويدل على ذلك من جهة السنة قول النبي ﷺ : "إن الإسلام يجب ما قبله"، وظاهر ذلك يوجب أن لا قضاء على المرتد بعد الإسلام. * دليل آخر: وهو اتفاق الجميع على سقوط الفضاء على الكافر الذي ليس بمرتد، ووجوبه على المسلم إذا تركها.

стр. 542

فعلمنا أن المعنى الموجب لقضاء الصلاة عند الترك: هو وجود الإسلام، وأن المسقط لقضائها: وجود الكفر. فإن قيل: قال أبو بكر الصديق ﵁: "لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم عليه". وهذا يدل على وجوب الزكاة في حال الردة؛ لأن المسلمين قد سموهم مرتدين. قيل له: لأنهم قالوا: لا نؤديها في المستقبل. ونحن أيضا نقاتلهم على الإسلام، وعلى أن يؤدوها في المستقبل بعد الإيمان، فأما ما كان من ذلك قبل الإسلام، لم يجر له ذكر في الخبر. وقد غنم المسلمون أموال أهل الردة، فلم يقل أحد منهم: ينبغي أن نبدأ بالصدقات التي منعوها في حال الردة، بل أجروها مجرى سائر الغنائم، فدل على أنهم رأوا سقوطها بالردة، وأنهم إنما قاتلوهم على قبولها في المستقبل، وأدائها بعد الإسلام. * دليل آخر: وهو أنه لا يصح خطابه بفعل الصلاة إلا على شرط وجود الإيمان في حال فعلها، فما تركه قبل وجود شرط تكليفه: لم يجب قضاؤه، كمن لم يزل كافرا.

стр. 543

فإن قيل: ترك الإيمان كترك الطهارة. قيل له: ينبغي أن يلزم الكفار إذا أسلموا قضاء الصلوات المتروكة وإن لم يكونوا مرتدين. وأيضا: قد يصح ورود العبادة بأداء الصلاة بلا طهارة، ولا يصح ورود العبادة بإقامة الصلاة دون الإيمان. فإن قيل: قول النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها": يوجب القضاء؛ لان النسيان الترك، قال الله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾. قيل له: اسم النسيان إنما يتناول تركا على وصف، وهو فقد الذكر معه، آلا ترى أنه لا يصح أن يقال: نسي صلاته عامدا، كما يقال: تركها عامدا: ويقول: تكلم في صلاته ناسيا، ولا يقول: تكلم فيها تاركا، ويدل عليه قوله ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها". وأما قوله : ﴿نسوا الله فنسيهم﴾: فإنه مجاز ليس بحقيقة؛ لأنهم لما صاروا في الإعراض عن أمر الله كالناسي، أجرى عليهم لفظ

стр. 544

النسيان، ثم أجرى لفظ النسيان على الله على وجه المقابلة، كقوله: ﴿وجزاؤا سيئة سيئة مثلها﴾، والجزاء ليس بسيئة. فإن قيل: ذم الله المشركين بترك الصلاة والزكاة بقوله: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾، وقال: ﴿قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين﴾، وهذا يدل على وجوب قضائها إذا تركها. قيل له: هذا في جميع المشركين، وقد اتفقنا على أن المشرك غير المرتد لا قضاء عليه إذا أسلم، فالمرتد مثله. وأيضا: فإنا نقول: إنهم يستحقون العقاب بترك الصلاة والزكاة، مع ما يستحقونه منه بترك الإيمان، ولا دلالة في استحقاق العقاب بالترك، على لزوم القضاء. فإن قيل: الفصل بين المرتد وغيره من الكفار، أن المرتد قد كان التزم فعل الصلاة والزكاة وسائر شرائع الإسلام، فلا سبيل له إلى إسقاطها عن نفسه بالردة. قيل له: هذه دعوى عارية من البرهان، ونحن نخالفك فنقول: قد أسقطها عن نفسه بفعله. [ثم يقال له- وقد التزم تصحيح ما يلزمه من ذلك-: فأقم الدلالة على

стр. 545

صحة دعواك، فلم نحصل إلا على تكرار وصف المذهب]. ثم يقال له: وقد التزم تصحيح ما يلزمه من ذلك. ثم الردة قد أبطلت جميع ما فعله من الشرائع، ولم يجب عليه القضاء بعد الإسلام، فكذلك ما تركه في الردة. وأيضا: فإن سائر المشركين، قد ألزمهم الله الإيمان وشرائعه، ثم قد أسقطوها عن أنفسهم بتركهم الإيمان، حتى إذا أسلموا لم يجب عليهم القضاء. * * * * *

стр. 546

باب أقل ما يجزئ من أعمال الصلاة مسألة: [فرائض الصلاة ست] قال أبو جعفر: (ولا فريضة في الصلاة إلا ست: التكبيرة الأولى) قال أبو بكر أحمد: المفروض عند أبي حنيفة ومحمد للافتتاح ذكر على وجه التعظيم، ولفظ التكبير يشتمل على جميعه؛ لأن قوله: "تحريمها التكبير": ينتظم كل ذكر على وجه التعظيم، إذ قد سمى القائل: (الله أعظم": ينتظم كل ذكر على وجه التعظيم، إذ قد سمي القائل: (الله أعظم)، و: (الله أجل): مكبرًا لله، وسمى من قال: (الله أكبر): معظمًا لله. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تذكى * وذكر اسم ربه فصلى﴾ والفاء للتعقيب في اللغة، وليس ذكر يكون عقيبه الصلاة بلا

стр. 547

فصل، إلا ذكر الافتتاح، فقد تضمنت الآية جواز الافتتاح بجميع ما كان ذكرًا لله تعالى. فإن قيل: لما قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ورأيناه افتتح الصلاة بلفظ التكبير، وجب أن يكون ذلك حتمًا. قيل له: ليس تكبير الافتتاح عندنا من الصلاة؛ لأن الدخول في الصلاة ليس منها، فلم يتناوله لفظ الخبر. وأيضًا: قد أجاز مخالفنا بـ: "الله الأكبر"، والنبي ﷺ إنما افتتحها بـ: "الله أكبر"، فدل أن المراد المعنى، لا اللفظ. فإن قيل: لما لم يجز أن يقوم: "الله أعظم" مقام: "الله أكبر" في الأذان، كذلك في الافتتاح. قيل له: قد كان أبو الحسن الكرخي يحكي عنهم أنه يجوز. وإن فرقنا بينهما، فالفرق ظاهر؛ لأن الأذان للإعلام، وتغيير اللفظ يسقط معنى الإعلام، وتكبير الافتتاح للتعظيم، وقد وجد. فإن احتجوا بما حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا حجاج بن منهال قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيي بن خلاد عن

стр. 548

عمه أن رجلاً دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس فصلى، فأمره رسول الله فأعاد مرتين أو ثلاثًان فقالك يا رسول الله! ما آلوت أن أتم صلاتي، فقال رسول الله صلى الله علي وسلم: "إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الطهور مواضعه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يحمد الله ويثني عليه، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يكبر فيركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده؛ حتى يستوي قائمًا، ثم يكبر ويسجد حتى تطمئن مفاصله، فإذا لم يفعل ذلك لم تتم صلاته". قيل له: قال لي بعض من يتقن الحديث، إن هذا الحديث على هذا السياق لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو مرسل؛ لأن بين على بن يحيي بن خلاد، وبين عمه رفاعة بن رافع، رجل قد ذكر في سائر الأخبار عن أبيه عن عمه، إلا أنه لم يذكر فيها: "ثم يقول: "الله أكبر"، إنما يقول "ثم يكبر". وعلى أنه إنما نفي التمام، ولم ينف الأصل. وعلى أنه قد ذكر معه سائر السنن التي تركها لا يفسد الصلاة، فالتكبير مثلها. [تتمة فرائض الصلاة:] قال أبو جعفر: (والقيام، والقراءة في ركعتين، والركوع، والسجود، والقعود مقدار التشهد الذي يتلوه السلام، فمن ترك شيئًا من هذه الست أعاد الصلاة).

стр. 549

قال أبو بكر أحمد: أما فرض القيام، فإن الأصل فيه قوله تعالى: ﴿وقوموا الله قانتين﴾، وقوله تعالى: ﴿فأذكر الله قيمًا وقعودًا وعلى جنوبكم﴾. وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: "صل قائمًا، فإن لم تستطع: فقاعدًا، فإن لم تستطع: فعلى جنب توميء إيماء". * وقد بينا جهة وجوب القراءة في ركعتين من الصلاة. * وأما القعود في آخر الصلاة: فالأصل فيه ما روي في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي صلى الله علي وسلم أنه قال: "إذا رفع الرجل رأسه من آخر سجدة، وقعد، ثم أحدث: فقد تمت صلاته"، فجعل القعدة شرطًا في الإتمام. ولأن فرض الصلاة متعلق بالفعل، فكل فعل ورد عن النبي صلى الله

стр. 550

عليه وسلم في الصلاة، فهو واجب، إلا ما قام دليله. ولأن فرض الصلاة مجمل، وفعله ﷺ فيها وارد علة وجه البيا، فهو على الوجوب حتى يقوم دليل الندب. * وأما اعتبار مقدار التشهد: فيما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا أوب عاصم قال: حدثنا أبو عوانة عن الحكم عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: "إذا جلس مقدار التشهد، ثم أحدث: فقد تمت صلاته". وما كان من هذا الباب من المقادير، فلا سبيل إلى إثباته إلا من طريق التوقيف، كأعداد الركعات، ومقادير الحدود ونحوها، فمهما ورد فيه عن الصحابي من تقدير، حكمنا بأنه قال من جهة التوقيف. وكذلك ما روي عن علي ﵁ في: "أن لا مهر أقل من عشرة دراهم". وما روي عن أنس وابن عباس وعثمان بن أبي العاص ﵃ في مقدار الحيض والنفاس.

стр. 551

[مسألة:] قال أبو جعفر: (ومن ترك ما سوى الست: لم يعد الصلاة، وكان مسيئًا في تركه متعمدًا). قال أبو بكر: وذلك لما بينا فيماس لف. ويكون مسيئًا؛ لقوله ﷺ للأعرابي: "وما نقصته من ذلك، فإنما نقصته من صلاتك". *****

стр. 552

باب سجود السهو مسألة: [وجوب سجود السهو، وسببه] قال أبو جعفر: (إذا سها الرجل في صلاته، فترك القعدة الأولى، أو قعد في غير موضع القعود ....) إلى أخر ما ذكر. قال أبو بكر أحمد: سجود السهو يجب لمعان: أما ترك فعل في موضعه مسنون فيه الذكر، أو إدخال فعل في الصلاة ليس منها، أو ترك ذكر كثير مسنون في موضع واحد، وهو أربعة أركان: التشهد، والقنوت في الوتر، وتكبيرات العيدين، والقراءة، ولا يقضي من هذه الأركان شيء إلا القراءة، وتكبير العيد ما لمي فرغ من الركوع، فأما التشهد والقنوت: فلا يقضيان. والأصل فيه: أن الفعل اليسير في الصلاة، مثل الالتفاتة ونحوها، لا يوجب سجود السهو بالاتفاق.

стр. 553

"وقام النبي ﷺ في الثنتين من الظهر، فسبح به، فلم يرجع، وسجد للسهو"، فصار ذلك أصلاً في أن اليسير من ترك الفعل، أو الزيادة، لا يوجب السهو، وأن الكثير يوجبه. وأما الأذكار، فما كان منها ذكرًا كثيرًا مسنونًا في موضع واحد، فهو كالفعل الكثير: فيوجب تركه سجود السهو، وما كان يسيرًا، نحو تكبير الركوع والسجود، أو متفرقًا في مواضع: فلا يوجب السهو، كما لا يوجبه الالتفات مرة بعد أخرى. مسألة: [محل سجود السهود] قال: (وسجدتا السهو بعد السلام في جميع الأحوال، ويتشهد بعدهما، ويسلم منهما عن يمينه وعن يساره). قال أبو بكر أحمد: والقول بسجود السهو بعد السلام مذهب ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، في آخرين من الصحابة رضوان الله

стр. 554

عليهم أجمعين. وقد روي عن النبي ﷺ أخبار متظاهرة في سجود السهو بعد السلام، فمنها ما روي عنه فعلاً، ومنها ما روي عنه قولاً وأمرًا. فأما الفعل: فبرواية سعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وعمران بن حصين، وأبي هريرة ﵃ "أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام". فهؤلاء نقلوا حكاية فعل النبي ﷺ لسجود السهو، تركنا ذكر أسانيدها لشهرتها.

стр. 555

وروي الأمر بتأخير سجود السهو عن السلام عن النبي ﷺ لفظًا عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وثوبان ﵃. فأما حديث عبد الله، فحدثناه دعلج بن أحمد قال: حدثنا محمد بن نعيم وعبد الله بن محد بن شيرويه قالا: حدثنا إسحاق بن راهوية قال: حدثنا عبيد بن سعيد الأموي قال: حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في الصلاة، فليتحر الصواب، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين". وقد سمعناه أيضًا في سنن أبي داود من طرق. وحدثنا دعلج قال: حدثنا محمد بن علي أو عبد الله المكي الصائع قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال: سمعت فضيلاً - يعني ابن عياض - يقول: حدثني منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. مثل هذه .... وحدثنا دعلج قال: حدثنا عبد الله بن ... قال: حدثنا عبد الله بن هاشم الطوسي قال: قال وكيع: "أيما أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل

стр. 556

عن عبد الله؟ أو: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عب الله؟ فقال بعض القوم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله أقرب. فقال: "الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، هم فقهاء". وروي عن وكيع أنه كان يقول: "إسناد الحجاز: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، وإسناد الكوفة: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁. وأما حديث عبد الله بن جعفر، فحدثناه محمد بن بكر قال نا أبو داود قال: نا أحمد بن إبراهيم قال: نا حجاج عن ابن جريج قالك أخبرني عبد الله بن مسافع أن مصعب بن شيبة أخبره عن عتبة بن محمد بن الحارث عن عبدالله بن جعفر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم". وأما حديث ثوبان، فحدثناه عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن

стр. 557

عبيد الله بن عبيد الكلاعي عن زهي بن سالم العنسي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "في كل سهو سجدتان بعدما يسلم". فحكى هؤلاء لفظ النبي ﷺ على تأخير سجود السهو عن السلام. فإن قيل: يحتمل أني ريد بن سلام التشهد. قيل له: قد روي في أخبار من نقل حكاية فعل النبي ﷺ ما يسقط هذا التأويل. وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن علي الخزاز قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشاء، فسلم في ركعتين، فخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة؟! فجاء ذو اليدين ﵁ فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال للقوم: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا رسول الله، صليت ركعتين، فصلى بهم ركعتين، ثم تشهد، ثم سلم ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم تشهد".

стр. 558

فأخبر في هذا الحديث بسلام بعد التشهد، وهو الذ يتحلل به من الصلاة، وذكر السجود بعده، فزال معه التأويل الذي ذكرته. وقد روي في حديث عمران بن حصين ﵁ نحو ذلك. وذكر في عامة الأخبار: "فلما فرغ من صلاته وسلم". وفي بعضها: "فلما تمت صلاته، وسلم"ز فعلمنا أن السلام الذي عقيبه سجود السهو، هو السلام الذي يتحلل به من الصلاة. وعلى أن إطلاق لفظ التسليم، يتناول السلام الموضوع للتحليل، وإنما ينصرف إلى غيره بدلالة، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "تحليلها التسليم"، أنه معقول به بالسلام الذي يلي التشهد. وقد روي أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلى الله عليه

стр. 559

وسلم في حديث الشاك في صلاته: "فليصل ركعة، وليسجد سجدتين من قبل أن يسلم". ورواه مالك وغيره عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ ، فلم يذكروا أبا سعيد. ورواه هشام بن سعد، فذكر فيه أبا سعيد. وروي ابن أخبي الزهري ومحمد بن إسحاق جميعًا عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا لم يدر أحدكم كم صلى، فليسجد سجدتين، قبل أن يسلم". زاد ابن إسحاق: "ثم ليسلم". وروي مالك والليث ومعمر بن عيينة هذا الحديث عن الزهرين فقالوا فيه: "فليسجد سجدتين، وهو جالس"، ولم يذكروا قبل السلام.

стр. 560

وهذا يفسد حديث ابن إسحاق، وابن أخبي الزهري في السجود قبل السلام. وروي مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن ابن بحينة ﵁ "أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو قبل التسليم، ثم سلم". وليس ف يهذه الأخبار بيان موضع الخلاف؛ لأنا نقول: إن سجدتي السهو قبل السلام الثاني، وليس في هذه الأخبار أنه سجد قبل السلام الثاني أو الأول، ومن ادعى أنه سجد قبل السلام الأول، لم تثبت دعواه إلا بدلالة. بل الواجب عند اختلاف الأخبار، حمل جميعها على الوفاق، دون الخلاف والتضاد. وعلى أنه قد روي ابن بحينة ﵁ ما ينفي تأويلهم الخبر على السلام الأول، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن صالح العجلي قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن الزهري عن الأعرج عن ابن بحينة ﵁ قال:

стр. 561

"قام رسول الله ﷺ من الركعتين، ولم يشهد، فسبح به الناس من خلفه كيما يجلسوه، فثبت قائمًا، فلما فرغ من الصلاة: سجد سجدتي السهو بعد التشهد، وبعد التسليم". فهذا لفظ يبطل ما ادعوه من تأويل خبر ابن بحينة ﵁ على ما ذكروه، لأنه ذكر أنه سجد بعد الفراغ من الصلاة، وإنما يكون الفراغ من الصلاة بالتحلل منها، وذكره أيضًا: بعد التشهد وبعد التسليم. فإن قيل: فما فائدة ذكره قبل التسليم الثاني؟ قيل له: لأنه أوجب سلامًا آخر، وأبطل به قول من قال إنه لا يسلم بعد سجدتي السهو. وأيضًا: لما ذكر ابن بحينة ﵁ سلامًا واحدًا، وذكر الباقون سلامين، كان خب الزائد أولى. فإن قيل: هلا استعملت الخبرين في حالين فجعلت حديث ابن بحينة ﵁ في النقصان؛ لأنه كر فيه أنه قام من الثنتين، وخبر الآخرين في الزيادة، كما قال مالك بن أنس ﵁. ولأن النظر أيضًا يوجب الفصل بينهما؛ لأنه إذا نقص كان سجود السهو جبرًا للنقصان، وجبران الصلاة لا يفعل خارجًا عنها.

стр. 562

وأما الزيادة فليس يقع السجود من أجلها على وجه الجبر، وإنما يفعل ترغيمًا للشيطان، فيفعل خارجًا عنها. قيل له: في خبر عبد الله بن جعفر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم"، والشاك قد يزيد وينقص، ولم يفرق بينهما. وفي حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قام إلى الخامسة، ثم سجد بعد السلام، وقال فيه: "إذا نسي أحدكم، فليسجد سجدتي السهو بعد السلام"، ولم يفرق بين الزيادة والنقصان. وقال المغيرة وأبو هريرة ﵄: "قام النبي ﷺ في الثنتين من الظهر، فسبح به، فلم يرجع، ثم سجد بعد السلام". فبطل اعتبار الفرق بين الزيادة والنقصان. وأما ما ذكروا من جهة النظر، فلا معنى له؛ لأن الزيادة في الصلاة نقصان فيها في الحكم، فلا يجب سجود السهو في حالة إلا للنقص، ويكون النقص تارة بترك بعض مسنونها، وتارة بترك بعض أفعال الصلاة وأذكارها في موضعه. وأيضًا فإنه يفعل سجود السهو ي الصلاة، وإن سلم؛ لأنه وإن تحلل منها بالسلام، فإنه يعود في حكمها، بعوده في السجود.

стр. 563

وأيضًا: فقد يقع جبران الشيء خارجًا عنه، كالنقص الواقع في الإحرام، يجبر بشاة يذبحها بعد الإحلال. ومالك بن أنس يقول: "لو زاد أو نقص: سجد لهما جميعًا قبل السلام، فصار موضع الزيادة والنقصان واحدًا". وإذا صح في الزيادة بعد السلام، كان النقصان مثله. * ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على ان سجود السهو غير مفعول عقب السهو، ولو كان مسنونًا قبل السلام، لكان أولى المواضع به عقب السهو، كسجود التلاوة. فإن قيل: إنما أمر بتأخيره إلى آخر الصلاة؛ لأنه ينوب عن كل سهو يقع فيها، ولو فعل عقيب السهو، لاحتاج إلى إعادته لوقوع سهو آخر. قيل له: هذه العلة بعينها يوجب تأخيرها إلى بعد السلام؛ لأنه متى سها قبل التحلل من الصلاة، وجبت عليه إعادته، ولا خلاف أن سجود السهو لا يجب مرتين في صلاة واحدة، فأمر بفعله بعد التحلل منها بالسلام، لكي إن وقع سهو آخر يجب عليه إعادته. وأيضًا: فإن السلام من موجب التحريمة، إذ لا تحريمة إلا وهي موجبة للتحلل، وليس سجود السهو من موجباته، فوجب أن يكون ما أوجبه التحريم مقدمًا على ما لم يوجبه، كما كان سائر أفعال الصلاة من

стр. 564

الركوع والسجود والقعدة في آخرها، مقدمًا على سائر سجود السهو، إذ كانت من موجبات تحر يمها، وليس سجود السهو من موجباته. ولا يلزم عليه سجد التلاوة؛ لأنه متى تلاها في الصلاة، صارت من موجباته؛ لأن التحريم يوجب القراءة، والسجدة موجبة بالتلاوة. فإن قيل: لو كان سجود السهو موضعه بعد السلام، لكان غير معتد به لفاعله قبل السلام، كما أنه لما كان مسنونًا في آخر الصلاة، لم يصح فعله قبل ذلك. قيل له: لأن الساجد قبل السلام سجد وقد انتهى إلى آخر صلاته، وإنما ترك مسنونًا يتحلل به من الصلاة، وقدم السجود عليه، فلا يخرج ذلك السلام من أن يكون مفعولاً في آخر الصلاة، ولمي جب عليه إعادة السلام؛ لأن ترك المسنون في موضعه، لا يوجب عليه إعادته. ألا ترى أن تارك القعدة في الثنتين من الظهر، لا يلزمه إعادتها، ولا يجب عليه الرجوع من القيام إليها، ولم يدل ذلك على أن القيام إلى الركعة الثالثة مقدم على القعدة الأولى. وأما فاعل السجود قبل بلوغه آخر صلاته، فإنه فعله قبل حال وجوبه، فهي بمنزلة فاعل القعدة المسنونة في الثانية في الركعة الأولى، فلا ينوب ذلك عما هو مسنون في الثانية. * وإنما قلنا إنه يتشهد ويسلم بعد سجود السهو، لما في حديث عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة ﵁ "أن النبي صلى الله

стр. 565

عليه وسلم تشهد بعد سجدتي السهو. وقال عمران بن حصين وأبو هريرة ﵄، جميعًا: "إن النبي ﷺ سلم بعدهما". مسألة: [الشاك في صلاته] قال أبو جعفر: (ومن لم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فإن كان ذلك أولما أصابه: أستأنف الصلاة، وإن كان قد أصابه قبل ذلك: تحرى، وعمل على ما يؤديه إليه تحريه، ويسجد للسهو، وإن كان لا تحري معه في ذلك: بني على اليقين، وكان عليه سجود السهو). قال أبو بكر أحمد: قد روي عن النبي ﷺ في ذلك أخبار مختلفة، فروي أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "إذا صلى أحدكم، فلم يدر ثلاثًا صلى أو اربعًا، فليسجد
следующие страницы →