Полный текст (3 930 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
"قام رسول الله ﷺ من الركعتين، ولم يشهد، فسبح به الناس من خلفه كيما يجلسوه، فثبت قائمًا، فلما فرغ من الصلاة: سجد سجدتي السهو بعد التشهد، وبعد التسليم".
فهذا لفظ يبطل ما ادعوه من تأويل خبر ابن بحينة ﵁ على ما ذكروه، لأنه ذكر أنه سجد بعد الفراغ من الصلاة، وإنما يكون الفراغ من الصلاة بالتحلل منها، وذكره أيضًا: بعد التشهد وبعد التسليم.
فإن قيل: فما فائدة ذكره قبل التسليم الثاني؟
قيل له: لأنه أوجب سلامًا آخر، وأبطل به قول من قال إنه لا يسلم بعد سجدتي السهو.
وأيضًا: لما ذكر ابن بحينة ﵁ سلامًا واحدًا، وذكر الباقون سلامين، كان خب الزائد أولى.
فإن قيل: هلا استعملت الخبرين في حالين فجعلت حديث ابن بحينة ﵁ في النقصان؛ لأنه كر فيه أنه قام من الثنتين، وخبر الآخرين في الزيادة، كما قال مالك بن أنس ﵁.
ولأن النظر أيضًا يوجب الفصل بينهما؛ لأنه إذا نقص كان سجود السهو جبرًا للنقصان، وجبران الصلاة لا يفعل خارجًا عنها.
стр. 562
وأما الزيادة فليس يقع السجود من أجلها على وجه الجبر، وإنما يفعل ترغيمًا للشيطان، فيفعل خارجًا عنها.
قيل له: في خبر عبد الله بن جعفر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم"، والشاك قد يزيد وينقص، ولم يفرق بينهما.
وفي حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قام إلى الخامسة، ثم سجد بعد السلام، وقال فيه: "إذا نسي أحدكم، فليسجد سجدتي السهو بعد السلام"، ولم يفرق بين الزيادة والنقصان.
وقال المغيرة وأبو هريرة ﵄: "قام النبي ﷺ في الثنتين من الظهر، فسبح به، فلم يرجع، ثم سجد بعد السلام".
فبطل اعتبار الفرق بين الزيادة والنقصان.
وأما ما ذكروا من جهة النظر، فلا معنى له؛ لأن الزيادة في الصلاة نقصان فيها في الحكم، فلا يجب سجود السهو في حالة إلا للنقص، ويكون النقص تارة بترك بعض مسنونها، وتارة بترك بعض أفعال الصلاة وأذكارها في موضعه.
وأيضًا فإنه يفعل سجود السهو ي الصلاة، وإن سلم؛ لأنه وإن تحلل منها بالسلام، فإنه يعود في حكمها، بعوده في السجود.
стр. 563
وأيضًا: فقد يقع جبران الشيء خارجًا عنه، كالنقص الواقع في الإحرام، يجبر بشاة يذبحها بعد الإحلال.
ومالك بن أنس يقول: "لو زاد أو نقص: سجد لهما جميعًا قبل السلام، فصار موضع الزيادة والنقصان واحدًا".
وإذا صح في الزيادة بعد السلام، كان النقصان مثله.
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على ان سجود السهو غير مفعول عقب السهو، ولو كان مسنونًا قبل السلام، لكان أولى المواضع به عقب السهو، كسجود التلاوة.
فإن قيل: إنما أمر بتأخيره إلى آخر الصلاة؛ لأنه ينوب عن كل سهو يقع فيها، ولو فعل عقيب السهو، لاحتاج إلى إعادته لوقوع سهو آخر.
قيل له: هذه العلة بعينها يوجب تأخيرها إلى بعد السلام؛ لأنه متى سها قبل التحلل من الصلاة، وجبت عليه إعادته، ولا خلاف أن سجود السهو لا يجب مرتين في صلاة واحدة، فأمر بفعله بعد التحلل منها بالسلام، لكي إن وقع سهو آخر يجب عليه إعادته.
وأيضًا: فإن السلام من موجب التحريمة، إذ لا تحريمة إلا وهي موجبة للتحلل، وليس سجود السهو من موجباته، فوجب أن يكون ما أوجبه التحريم مقدمًا على ما لم يوجبه، كما كان سائر أفعال الصلاة من
стр. 564
الركوع والسجود والقعدة في آخرها، مقدمًا على سائر سجود السهو، إذ كانت من موجبات تحر يمها، وليس سجود السهو من موجباته.
ولا يلزم عليه سجد التلاوة؛ لأنه متى تلاها في الصلاة، صارت من موجباته؛ لأن التحريم يوجب القراءة، والسجدة موجبة بالتلاوة.
فإن قيل: لو كان سجود السهو موضعه بعد السلام، لكان غير معتد به لفاعله قبل السلام، كما أنه لما كان مسنونًا في آخر الصلاة، لم يصح فعله قبل ذلك.
قيل له: لأن الساجد قبل السلام سجد وقد انتهى إلى آخر صلاته، وإنما ترك مسنونًا يتحلل به من الصلاة، وقدم السجود عليه، فلا يخرج ذلك السلام من أن يكون مفعولاً في آخر الصلاة، ولمي جب عليه إعادة السلام؛ لأن ترك المسنون في موضعه، لا يوجب عليه إعادته.
ألا ترى أن تارك القعدة في الثنتين من الظهر، لا يلزمه إعادتها، ولا يجب عليه الرجوع من القيام إليها، ولم يدل ذلك على أن القيام إلى الركعة الثالثة مقدم على القعدة الأولى.
وأما فاعل السجود قبل بلوغه آخر صلاته، فإنه فعله قبل حال وجوبه، فهي بمنزلة فاعل القعدة المسنونة في الثانية في الركعة الأولى، فلا ينوب ذلك عما هو مسنون في الثانية.
* وإنما قلنا إنه يتشهد ويسلم بعد سجود السهو، لما في حديث عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة ﵁ "أن النبي صلى الله
стр. 565
عليه وسلم تشهد بعد سجدتي السهو.
وقال عمران بن حصين وأبو هريرة ﵄، جميعًا: "إن النبي ﷺ سلم بعدهما".
مسألة: [الشاك في صلاته]
قال أبو جعفر: (ومن لم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فإن كان ذلك أولما أصابه: أستأنف الصلاة، وإن كان قد أصابه قبل ذلك: تحرى، وعمل على ما يؤديه إليه تحريه، ويسجد للسهو، وإن كان لا تحري معه في ذلك: بني على اليقين، وكان عليه سجود السهو).
قال أبو بكر أحمد: قد روي عن النبي ﷺ في ذلك أخبار مختلفة، فروي أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "إذا صلى أحدكم، فلم يدر ثلاثًا صلى أو اربعًا، فليسجد
стр. 566
سجدتين، وهو جالس".
وروي عن أبي هريرة ﵁ من قوله: "أنه يتحرى".
وروي عبد الرحمن بن عوف وأبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في ذلك: "البناء على اليقين".
وروى شعبة عن عمرو بن دينار عن سليمان البشكري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "في الوهم يتحرى" قال: فقلت: عن النبي ﷺ ؟ قال: عن النبي ﷺ .
وروى علقمة عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ "التحري عند الشك".
وقال في بعضها: "فليتحر".
وفي بعضها: "فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب، فليتمه، ثم يسجد
стр. 567
سجدتي السهو".
وروى ابن عمر ﵄ أيضًا: "التحري عند الشك".
* واستعمل أصحابنا هذه الأخبار كلها في احوال مختلفة.
* فأما البناء على اليقين: فيفعله إذا لم يكن له رأي عند التحري.
وخبر التحري مستعمل أيضًا إذا كثر ذلك منه.
ويسجد سجدتين، وهو جالس في هاتين الحالتين، لما في خبر أبي هريرة ﵁.
* وأما إذا كان ذلك أول مرة، فإنا أمرنا بالاستقبال، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
ولما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا عبد الر ٠ حمن بن مهدي عن سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا غرار في صلاة ولا تسليم".
قال أحمدك "يعني - فيما رأى - أن لا تسلم، ولا يسلم عليك،
стр. 568
ويغرر الرجل بصلاته، فينصرف وهو فيها شاك".
ولأنه إذا كثر ذلك منه، وصار ذلك دأبه وعادته، لم يمكنه أداء الفرض بيقين من غير زيادة ولا نقصان، فلذلك استعمل التحري، فإذا استقر رأيه، وغالب ظنه على شيء: عمل عليه، ولا بناء على اليقين.
فإن قيل: فالباني على اليقين في أول شكه، مؤد لفرضه بيقين، فهلا أمرته به؟!
قيل له: لأنه لا يأمن مع ذلك أن يكون قد زاد ي صلاته ما ليس منها، ولا يجوز له أن يزيد في صلاته ما ليس منها، [أو ينقص شيئًا]، وهو منها ما أمكنه أن يأتي بها في العادة، من غير زيادة ولا نقصان.
* ومما يدل على صحة ما ذكرنا من اعتبار اليقين في صحة أداء الفرض: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة".
стр. 569
فأمر باستيفاء صوم شهر رمضان عند الشك باليقين، فاستعملنا خبر البناء على اليقين في حال، وخبر التحري في حال أخرى هو ما يغلب في ظنه أنه هو الصواب، كما قال النبي ﷺ في خبر عبد الله: "فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب".
* ويدل على صحة قولنا من طريق النظر: أنه متى كان معتادًا منه وقوع السهو، فهو لا يصل إلى أدائها إلا من جهة الاجتهاد، ومتى أمرنا، بالاستئناف كان مصيره إلى الاجتهاد في صحة أداء الفرض، فأشبه النائي عن القبلة، أنه لما لم يصل إلى علم جهتها إلا من طريق الاجتهاد، كان سبيله التحري، وطلب غالب الظن.
وأما إذا شك في أول مرة، فقد يتوصل إلى صحة أداء الفرض من جهة اليقين، فلا مدخل للاجتهاد والتحري فيه، كمن قدر على إصابة عين القبلة، فلا يجوز له الاجتهاد، وكمن بحضرته من يساله عن جهتها، فلا يسوغ له الاجتهاد فيها.
وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يحمل قول أصحابنا: "فإن شك غير مرة تحري": على أن الغالب من أمره الشك، وأنه دأبه وعادته، وأنه إن لم يكن كذلك، وأمكنه فيما جرت عاداته أداء صلاته بيقين: فعليه أن يستقبل.
فإن قال قائل: قد لزمه الفرض بيقين، كشهر رمضان إذا غم عليهم، وكمن شك في الطهارة بعد الحدث، أو في الحدث بعد الطهارة، وكالشاك في نفس الصلاة، هل فعلها أم لا؟
стр. 570
قيل له: أما صوم شهر رمضان فيمكنه أداؤه بيقين بإكمال العدة.
وأما الشاك في هل صلى أم لا؟ فإنه إن كان ممن يعرض له ذلك كثير ًا، فلا فرق بينه وبين الشاك في ركعات الصلاة، يجوز له التحري، وإن كان أول مرة صلاها، كما يستقبل الشاك أول مرة.
وقد جاز التحري عند الجميع في يوم غيم في وقت الصلاة على غالب الظن، لوجود السبب الذي لا يتوصل معه إلى علم اليقين إلا بغالب الظن.
وقد اتفق الفقهاء على جواز التحري في الأواني إذا كان بعضها نجسًا وأكثرها طاهرًا.
مسألة: [تذكر أنه ترك سجدة].
قال أبو جعفر: (وإذا ذكر في التشهد الأخير أنه ترك سجدة من ركعة: سجدها وتشهد، وسلم، وسجد للسهو).
قال أبو بكر أحمد: وذلك لأن الركعة إذا انعقدت بسجدة، لم يمنع ترك السجدة الثانية من صحة بناء ما بعدها، وذلك لوجهين:
أحدهما: أنه قد أتى بأكثر أفعال الركعة، والحكم يتعلق بالأكثر في
стр. 571
صحة البناء والاعتداد به.
والدليل عليه أن مدرك الإمام في الركوع، يعتد بركعته، وإن لم يدرك معه القيام؛ لأنه مدرك لأكثر أفعالها، فصح له البناء مع ترك السجدة.
والوجه الثاني: أن السجدة الثانية مفعول على وجه التكرار، فلا يثبت بينها وبين ما بعدها حكم الترتيب، كصوم يومين من شهر رمضان، وركعات الصلاة أنفسها، وقد بينا هذا المعنى في مسألة الترتيب، ولخصناه بما يغني عن الإعادة.
* قال أبو جعفر: (وكذلك لو ذكر أنه ترك من كل ركعة سجدة، وهو في الظهر أو العصر: سجد أربع سجدات، وتشهد، وسلم، ثم سجد سجدتي السهو).
* قال: (ولو ذكر أنه ترك سجدتي ركعة من صلاته، فإن كانت الركعة الآخرة: سجدهما، وتشهد؛ لأن ركوعها قد صح، وإن كان غير الركعة الآخرة: قام فأتى بها بركوعها وسجودها).
قال أبو بكر: وذلك لما بينا من أن الحكم إنما يتعلق بانعقاد بسجدة؛ لأنه فاعل به لأكثر أفعالها، وإذا لم يعقدها بسجدة، فلم يأت بأكثر أفعالها، فلا يصح له بناء الركعة الثانية حتى يسجد.
стр. 572
مسألة: [سهو الإمام يلزم المأموم، والعكس].
قال أبو جعفر: (وسهو الإمام يوجب على من خلفه اتباعه في السجود له، وسهو المأموم لا يوجب عيه سجودًا).
قال أبو بكر: وذلك لقول النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فأركعوا، وإذا سجد فاسجدوا".
وقال معاذ للنبي ﷺ حين تابعه فيما أدرك من الصلاة: "ما كنت لأجدك على حال إلا أتابعك عليها"، فقال النبي ﷺ : "قد سن لكم معاذ، فكلك فافعلوا".
* وإذا سها المأموم لم يسجد للسهو؛ لقول النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه".
وقال: "سن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا": يعني متابعة الإمام، ألا ترى أن الإمام لو قام في الثنتين من الظهر، ولم يقعد، لم يكن لمن خلفه أن يقعدوا، بل عليهم أن يتبعوه.
*****
стр. 573
باب الصلاة بالنجاسة
مسألة: [القدر المعفو عنه من النجاسة في الثوب].
قال أبو جعفر: (وإذا كان في ثوب المصلي من الدم أو القيح أو الصديد أو الغائط أو البول، أو ما يجري مجراهن من النجاسة أكثر من قدر الدرهم: لم تجزه صلاته - والدرهم أكبر ما يكون من الدراهم - وإن كان أقل من ذلك: لم يفسد).
قال أبو بكر أحمد: قد بينا وجه اعتبار مقدار الدرهم فيماس لف.
وإنما قولوا: "أكبر ما يكون من الدراهم"؛ لأنه قدر به موضع الاستنجاء والاستبراء جميعًا.
* فأما الدليل على فساد الصلاة مع النجاسة الكثيرة، فقول الله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾، فأوجب تطهير الثياب من النجاسات، ولا يجب ذلك إلا لأجل الصلاة؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن من ليس عليه صلاة، لا يلزمه
стр. 574
تطهير ثيابه.
وقال النبي ﷺ في دم الحيض: "حتيه، ثم اقرصيه بالماء".
وقال لعمار بن يسار ﵄: "إنما يغسل الثوب من الدم والبول والمني".
وروي أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، إن أحدهما كان لا يستتر من البول".
وسائر الأخبار الواردة في الأمر بغسل النجاسات، كلها تدل على امتناع جواز الصلاة مع النجاسة الكثيرة؛ لأنها توجب غسلها، ولا خلاف أن غسلها لا يجب إلا للصلاة، فدل على امتناع جواز الصلاة مع النجاسة الكثيرة.
فإن قيل: عن النبي ﷺ أنه خلع نعليه في
стр. 575
الصلاة، فخلع الناس نعالهم، فلما فرغ من صلاته قال لهم: "ما لكم خلعتم نعالكم؟ "، فقالوا: خلعت فخلعنا، فقال: "إن جبريل أخبرني أن فيها قذرًا".
ولم يستقبل الصلاة، فدل على جوازها مع النجاسة.
قيل له: يجوز أن يكون يسيرًا لا يمنع مثله الصلاة.
مسألة: [من قام على نجاسة فسدت صلاته].
قال أبو جعفر: (ومن صلى وكان قيامه على نجاسة يابسة: أفسد ذلك صلاته).
قال أبو بكر أحمد: وهذا إذا كان أكثر من قدر الدرهم، وذلك لأن الموضع الذي يلزم فيه فرض القيام أكثر من قدر الدرهم، فصار كمن صلى وفي ثوبه أكثر من قدر الدرهم من النجاسة، فلا تجزئه صلاته.
* قال: (وإن كانت في موضع ركبتيه أو في موضع يديه: لم يفسد ذلك صلاته).
قال أبو بكر: وذلك لأنه بمنزلة من ترك وضع الركيتين واليدين على الأرض.
والدليل على أن وضع اليدين على الأرض ليس من فروض الصلاة، حديث ابن عباس ﵄ حين جاء إلى عبد الله بن الحارث رضي
стр. 576
الله عنه، فخل عقاصه، وهو في الصلاة، فلما فرغ قاله: "مالك ورأسي؟ قال: سمعت النبي صلى اهل عليه وسلم يقول: "مثل الذي يصلي، وهو عاقص شعره، كمثل الذي يصلي وهو مكتوب".
ومعلوم أن عقص الشعر لا يفسد الصلاة، وقد جعل النبي ﷺ المكتوف بمنزلته، فدل أن وضع اليد على الأرض في السجود ليس من فروض الصلاة، وإذا ثبت ذلك في اليدين، كانت الركبتان بمنزلتهما؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما.
مسألة: [حكم النجاسة في موضع السجود]
قال أبو جعفر: (وإن كانت النجاسة في موضع سجوده: أفسد ذلك صلاته، وهو قول أبي حنيفة الذي رواه محمد).
стр. 577
وذلك لأن سجوده على النجاسة: كلا سجود، فكأنه ترك السجود في صلاته حتى خرج منها.
قال: (وروي أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عنه: أن ذلك لا يفسد عليه صلاته).
ووجه هذه الرواية: أن موضع المفروض من السجود لا يكون أكثر من قدر الدرهم؛ لأنه لو وضع من جبهته على الأرض مقدار الدرهم: أجزأته صلاته، ومقدار الدرهم من النجاسة لا يمنع صحة الصلاة، فكانت الزيادة على مقدار الدرهم غير معقول، فلا يمنع صحة الصلاة.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإذا خفي موضع النجاسة من الثوب: غسل كله).
قال أبو بكر: وذلك لأن حصول النجاسة فيه يقين، فلا يزول إلا يقين، كما أن الحدث إذا كان يقينًا، لم يرتفع إلا بيقين الطهارة.
مسألة: [الخلاف في نجاسة بوس ما يؤكل لحمه]
قال أبو جعفر: (وبول ما يؤكل لحمه نجس في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، يفصد الصلاة إذا كان كثيرًا فاحشًا، وعند محمد: بول ما يؤكل لحمه طاهر).
قال أبو بكر أحمد: الدليل على نجاسة الأبوال كلها، ما روي عن
стр. 578
النبي ﷺ أنه مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، إن أحدهما كان لا يستنزه من البول، والآخر يمشي بالنميمة".
وهذا عموم في تنجيس الأبوال؛ لأن البول اسم للجنس، لدخول الألف واللام عليه، فسبيل بول ما يؤكل لحمه، وغيره واحد.
ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن حبان المازني بالبصرة قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا ثابت بن حماد الخراز قالك حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر ﵁ قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أغسل ثوبي من نخامة فقال: "إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني" والقيء والدم".
وهذا اللفظ شامل للأبوال كلها، ويدل على نجاسة جميعها.
وأيضًا: فلم يختلفوا أن روث ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه سواء في باب النجاسة، لانفاقهما في الاستحالة، فوجب أن يكون بول ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه سواء في باب النجاسة، لتساويهما في الاستحالة، إذ كان المعنى الموجب لتنجيس هذه الأشياء المستحيلة: وجودها على ضرب من الاستحالة، بدلالة قوله ﷺ في الروية: (إنها ركس".
стр. 579
فإن احتجوا بحديث العرنيين، وإباحة النبي ﷺ لهم شرب أبوال الإبل، وألبانها، وأنها لو كان نجسة ما أباح لهم شربها، ولا كان لهم فيها شفاء؛ لأن الله تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حرم علينا. وكذلك يروي عن ابن مسعود ﵁.
قيل: إنهم لما قدموا المدينة اجتووها، وانتفخت بطونهم، فجائز أن يكون أباحها لهم لضرورة علمها منهم، ولا نقف نحن على مثلها من سائر المرضى؛ لأن النبي ﷺ يجوز أن يعرف حالهم في الضرورة بالوحي.
وإذا كان جاز أن يكون لضرورة، لم يجز لنا إباحتها، حتى نعلم مثل ذلك بالضرورة، وإباحتها حال الضرورة، لا يدل على طهارتها؛ لأن الميتة والدم مباحان في حالة الضرورة، وهما نجسان.
стр. 580
[ضابط فقهي في النجاسات]
والأصل عند أبي حنيفة في اعتبار الكثير الفاحش، وفيما يعتبر فيه مقدار الدرهم: أن كل ما كان فيه نص متأول في طهارته، واختلف الناس في طهارته ونجاسته، فإنه يعتبر فيه الكثير الفاحش، وإن كان نجسًا عنده، ويصير وقوع الاختلاف فيه مع ما فيه من النص المتأول في طهارته مخففًا لحكمه.
وأما ما اختلف فيه، وليس هناك نص متأول في طهارته، بل هناك نص متأول في نجاسته: فإنه يعتبر فيه مقدار الدرهم، ولا يلتفت إلى اختلافهم فيه.
وذلك مثل الروث، لما كان فيه نص متأول في نجاسته، وهو قوله ﷺ : "إنها رجس": لم يعتبر الاختلاف.
[مسألة: حد الكثير من النجاسة]
قال أبو جعفر: (والكثير الفاحش عند أبي حنيفة: ربع الثوب الذي
стр. 581
يكون ذلك فيه، وفي قول أبي يوسف ذراع في ذراع).
قال أبو بكر أحمد: هذا الذي حكاه عن أبي حنيفة في تقدير الكثير الفاحش، غير مشهور عنه، بل قد حكي أبو يوسف فيما رواه معلى أنه سأل أبا حنيفة عن الكثير الفاحش، فلم يحدد فيه شيئًا.
والذي ذكره أبو جعفر من اعتبار ربع الثوب هو قول محمد خاصة، وما حكاه عن أبي يوسف من اعتبار ذراع في ذراع، فليس بمعروف عنه، بل حكي عنه معلي شبرًا في شبر.
وحكي هشام عنه في الماء المستعمل: حتى يكون أكثر من شبر في شبر، فأما ذراع في ذراع، فما سمعنا به، ولا عرفنا لهم في كتاب، وعسى أن يكون وقع ذلك لأبي جعفر من رواية شاذة.
والأصل في هذا النوع من المقادير التوقف أو الاجتهاد، إذ لا سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس، وما كان هذا سبيله، لم يتوجه على القائل به سواء في إقامة الدلالة على إثبات هذا المقدار بعينه دون غيره.
وهذا كتقويم المستهلكات، وتقدير مهر المثل، وما جرى مجراه، لا يتوجه على القاتل بشيء منه سؤال في تصحيحه من جهة إقامة الدلالة
стр. 582
عليه؛ لأنه على ما يغلب في الظن، إلا أنه مع ذلك لابد من أن يكون هناك جهة بها يغلب في الظن هذا المقدار دون غيره.
فنقول: إن جهة تغليب الرأي في اعتبار أبي يوسف شبرًا في شبر، هي أن الشبر أقل المقادير التي درت للمساحة؛ لأن ما دون الشبر ليس له مقدار معلوم في العادات إلا بالنسبة إلى البشر، فلما حصلت النجاسة في هذا القدر، دخلت في حد الكثير الفاحش، إذ ليس ما فوقه من المقادير بأولى بالاعتبار من مقدار آخر فوقه.
* ولمحمد في اعتبار الربع: أن الربع قد ثبت له حكم الأصول عندهم، وهو ربع شعر المرأة إذا انكشفت، أو ربع ساقها في باب منع الصلاة، فلما تعلق الحكم بالربع فيما وصفنا، جعل ذلك حد الكثير الفاحش.
وكذلك لو حلق المحرم ربع رأسه: وجب عليه دم، ويحل بحلق الربع من إحرامه.
وأيضًا: فإن الرائي لربع الشخص، يطلق اللفظ برؤية الشخص؛ لأنه يقول: رأيت فلانًا، والذي يلاقيه من جهاته الأربع جهة واحدة، وهي رعه، فلما أطلق عليه اسم الرؤية، برؤية ربع الشخص، دل على أن الربع هو حد الكثير، إذ قد أقيم مقام الكل.
[مسألة: نجاسة الروث]
* وقال أبو حنيفة في الروث: إذا كان أكثر من قدر الدرهم: يعيد الصلاة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعيد حتى يكون كثيرًا فاحشًا.
قال أبو بكر أحمد: والدليل على نجاسة الروث: قول النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود ﵁ حين ناوله الروثة: "إنها
стр. 583
رجس"، وفي بعض الألفاظ: "إنها ركس".
ولكل واحد من اللفظين فائدة ليست للآخر.
فأما قوله: "إنها رجس"، فإنه يدل على النجاسة؛ لأن الرجس هو ما يلزم اجتنابه، ولا يلزم اجتناب الروث إلا للنجاسة.
فإن قيل: قد قال تعالى في الأنصاب والأزلام إنها: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾، ولم يدل على نجاستها.
قيل له: قد دل على لزوم اجتنابها، إلا أنا خصصنا جهة النجاسة بدلالة، ولولا الدلالة جعلناها نجسة، ولا تجوز الصلاة فيها.
والمعنى في الأزلام والأنصاب، أنهم كانوا يستعملونها في الجاهلية على وجوه حرمها الله في الإسلام، فانصرف الأمر باجتنابها إلى تلك الجهة، وأما الروث فلا وجه للأمر باجتنابه إلا للنجاسة.
فإن قيل: لأنه قال في الروث: "إنه علف لدواب الجنس"، كما قال
стр. 584
في العظم: "إنه طعام إخوانكم من الجن".
قيل: ليس كونه علفًا لدوابهم، مانعًا من نجاسته، إذ لا يمتنع أن يكون محرمًا علينا، نجسًا في حكمنا، مباحًا لهم.
* وأما قوله ﷺ : "ركس"، فإنه يفيد اعتبار النجاسة لوجود هذا الضرب من الاستحالة؛ لأن منى قوله: "إنها ركس"، أنه مستحيل متلف، ومعلوم أنه لم يكن مصد النبي ﷺ في ذلك، تعريف عبد الله ﵁ أنه مستحيل، لأن ذلك كان معلومًا عنده بالمشاهدة، فإذا المعنى فيه تنبيه على العلة الموجبة للتنجيس.
* ويدل على نجاسته ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن جعفر بن نجيح قال: حدثنا أبي قال حدثنا عبد الله بن موسى قال: حدثنا حفص أبو الوفاء قال: حدثنا أبي عن ابن عمر ﵄ قال: صلينا مع رسول الله ﷺ ، فخلع نعليه، فخلعنا، فقال "إ، جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيها سرجينًا".
* واعتبر أبو حنيفة فيه مقدار الدرهم، لما قدمنا، من أن فيه نصًا.
стр. 585
متاؤلاً في تنجيسه.
* وأعتبر أبو يوسف ومحمد فيه الكثير الفاحش، لأنه أخف عند الناس من سائر النجاسات، ألا ترى أنهم يدوسونه في طرقهم ويسخرون به، فدل على تخفيف حكمه.
* وأما خرء الدجاج، فالاعتبار فيه قدر الدرهم عندهم جميعًا؟ لأن استحالته كاستحالة الغائط ونحوه، وقد يجتنبه الناس كاجتنابهم سائر الأنجاس.
[بول ما لا يؤكل لحمه نجس:]
قال أبو جعفر: (وأما ما لا يؤكل لحمه، فبوله نجس في قولهم جميعًا).
وذلك لما قدمنا.
وفرق محمد بينه وبين بول ما يؤكل لحمه، بحديث العرنيين.
مسألة: [نجاسة بول الصغار والكبار من الذكور والإناث]
قال أبو جعفر (أبوال الصبيان الذكران والإناث ممن لا يأكل الطعام، كأبوال من سواهم).
قال أبو بكر: وذلك لأن الآثار الموجبة لتنجيس الأبوال، لم تفرق بين أبوال الكبار والصغار، فهي موجبة لتنجيس الجميع.
стр. 586
وأيضًا: فلما كاد المعنى الموجب لتنجيس بول الكبير وجوده على ضرب من الاستحالة، وكان ذلك موجودًا في بول الصغير، وجب أن يكون مثله، وفي حكمه.
فإن قيل: روي أن النبي ﷺ أمر بغسل بول الجارية، وبنضح بول الغلام.
قيل له: النضح هو صب الماء عليه، وذلك يقتضي الغسل؛ لأنه إن كان المراد صب الماء عليه من غير إزالته، فهذا يوجب زيادة في تنجيسه، لاتساعه في الثوب بالنصح.
ويدل على أن النضح هو الصب: قولهم: "بعير ناضح": إذا كان يستقي الماء ويصبه، فهو ناضح.
فإن قيل: فما وجه الفرق بينهما في اللفظ؟
قيل له: لم يثبت أن النبي ﷺ جمع بينهما في خطاب واحد، ولا يمتنع أن يكون النبي ﷺ قال في وقتين، فجمعه الراوي في لفظه.
стр. 587
وأيضًا: فليس يمتنع أن يكون المعنى واحدًا، مع اختلاف اللفظ، كقول الله تعالى: ﴿وغرابيب سود﴾، والغرابيب هو السود.
قال الشاعر:
(وألفى قولها كذبًا ومينًا)، والمين هو الكذب.
مسألة: [نجاسة الخمر]
قال: (والخمر نجسة كالبول).
قال أبو بكر: وذلك لقول الله : ﴿يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾، فدلت الآية على نجاستها من وجهين:
أحدهما: أن قوله: ﴿رجس﴾: يقتضي اجتنابها للنجاسة.
والثاني: قوله: ﴿فاجتنبوه﴾: وهو على سائر الأحوال، في الصلاة وغيرها.
فإن قيل: قال في الأنصاب والأزلام مثله، ولم يدل على النجاسة.
стр. 588
قيل له: ظاهر اللفظ يقتضيه، وإنما خرج بدليل.
مسألة: [إزالة النجاسة م الخف والثوب]
قال أبو جعفر: (في الخف يصيبه الروث والقذر، أو المني فيبيس، فيحكه: يجزئه، وإن كان رطبًا: لم يجزه حتى يغسله.
والثوب لا يجزئه حتى يغسله إلا في المني).
قال أبو بكر أحمد: وقال محمد في الخف: لا يجزئه أيضًا حتى يغسله، إلا في المني خاصة.
فأما في الخف، فالأصل فيه ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثني محمد بن كثير يعني الصنعاني عن الاوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا وطي أحدكم الذى بخفية، فطهورهما التراب".
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمود بن خالد قال: حدثنا يعني ابن عائذ قال: حدثنا يحيي بن حمزة عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد قال: أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد عن القعقاع بن حكيم عن عائشة ﵂ عن رسول الله صلى الله عليه
стр. 589
وسلم بمعناه.
وظاهر هذا الخبر يقتضي جواز تطهيره بالمسح، سواء كان رطبًا أو يابسًا، إلا أن الدلالة قد قامت على أنه لا يجزئ في الرطب إلا الغسل، لأن النداوة القائمة لو لم يكن غيرها، لمنعت الصلاة، والمسح لا يزيلها، فدل ذلك على أن المراد بعد الجفاف.
فإن قيل: إنه ذكر الأذى، وقد يجوز أن يريد به الطين ونحوه.
قيل له: لما قال: "طهورهما التراب": علمنا أنه أراد النجاسة؛ لأن تطهير الخف لا يكون إلا من جهة النجاسة، إذ ليس يلحقه حكم العبادة.
وأيضًا: فالأذى يعم النجاسة وغيرها، فهو على الكل، حتى تقوم دلالة التخصيص.
وأيضًا: فإن جرم النجاسة سخيف متخلخل، فينشف الرطوبة الحاصلة في الخف إلى نفسه عند الجفاف، وجرم الخف مستخصف.
стр. 590
كثيف، لا ينشف الرطوبة إلى نفسه، فإذا أزيلت عين النجاسة منه بعد الجفاف، فقد زالت النجاسة؛ وما كان يلحقه من نداوة النجاسة، ولم يبق هناك إلا أجزاء بسيرة، لا حكم لها، فلا تمتنع الصلاة فيه.
وليس هذا بمنزلة البول؛ لأنه ليس له جرم قائم يزول بالحك، فأجزاه النجاسة التي حلته باقية فيه.
وأما الثوب، فإنه متخلخل ينشف أجزاء النجاسة إلى نفسه، ولا يزول بالحك ما داخله من أجزائها، فلذلك لم يجز فيه غير الغسل.
وقال محمد: الخف مثل الثوب؛ لأنه لو لم يصبه إلا البلة التي في النجاسة، لم يطهرها إلا الغسل، كذلك إذا كان معها جرم النجاسة.
مسالة: [تطهير الأرض من البول]
قال أبو جعفر: (ومن بال على الأرض، فطهارة ذلك المكان إن كان مما إذا صب عليه الماء نزل إلى ما هو أسفل منه من الأرض: صب عليه الماء حتى يغسل وجه الأرض، وينخفض إلى ما تحتها.
وإن كانت حجرًا: فحتى يغسل غسلاً يطهره.
وإن كانت أرضًا صلبة: فأن يحفر مكان البول منها حتى تعود طاهرة منه، ولا توقيت في الماء الذي يصب عليه).
قال أبو بكر أحمد: إذا كانت الأرض رخوة ينزل الماء فيها، فذلك
стр. 591
بمنزلة جريان الماء عليها، فيطهرها كما يطهر الثوب والبدن، بجريان الماء عليهما.
وإذا كانت حجرًا: فحتى يجري الماء كالبدن والثوب؛ لأن الماء لا ينزل فيه.
وإن كانت صلبة: فحتى يحفر مكانها، لما قدمناه من حديث عبد الله بن مسعود وغيره في أمر النبي ﷺ بحفر مكان بول الأعرابي.
وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن ﵁ قال: صلى أعرابي مع النبي ﷺ ، ثم بال في ناحية المسجد، وذكر الحديث.
قال: فقال النبي ﷺ : "خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء".
* ومن جهة النظر: إنه معلوم أن الماء إذا لم يحمل النجاسة، وخالطته أجزاؤها، صار جميعها نجسًا، فإنما يزيد الموضع تنجيسًا، والنبي ﷺ إنما أمر بغسل الموضع تطهيرًا له.
* ولا مقدار لذلك الماء الذي تغسل به النجاسة من الأرض، كما لا
стр. 592
مقدار لغسل سائر النجاسات.
فإن قيل: أمر النبي ﷺ بغسل بول الأعرابي بذنوب من ماء، وهي الدلو الكبيرة.
قيل له: هذا يختلف في المواضع، فإن احتيج إلى مثل ذلك: غسل به، وأن احتيج إلى أكثر: استعمل فيه، وأن اكتفى بأقل منه، جاز الاقتصار عليه؛ لأنه معلوم أن القصد فيه تطهير الموضع بإزالة نجاسته.
والعجب ممن يقدر في غسل البول من الأرض سبعة أمثاله من الماء، اعتبارًا بأمر النبي ﷺ بصب الذنوب على بول الأعرابي.
فتراه لو كان وزن بول الأعرابي، أكان يجوز له أن يجعل الذنوب الذي لم يزنهن ولم يعرف مقداره سبعة أمثال البول، فكيف وهو لا يعرف قدر البول، ولا يعرف قدر الذنوب، ولم يرجع فيه أيضًا إلى عادة، فيجتهد فيها؛ لأنه معلوم ان الدلو الكبير هو أكثر من سبعة أمثال بول الرجل في العادة بشيء كثير.
مسألة: [تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام صحة وفسادًا]
قال أبو جعفر: (ومن صلى بالناس جنبًا: أعاد وأعادوا)
قال أبو بكر أحمد: الأصل في ذلك: تعلق صلاة المأموم بصلاة
стр. 593
الإمام، وأنها تفسد بفسادها.
والدليل عليه: ما روي الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن".
فقوله: "الإمام": يقتضي أن يكون قد تضمن صحة صلاة المأموم، بصحة صلاته، وإن أخليناه من هذه الفائدة: سقط معناه.
* ويدل عليه أيضًا: قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به".
والجنب ليس بمصل، فلا يصح الائتمام به، وإذا نوى صلاة الإمام، ثم لم يفعل الائتمام به: فسدت صلاته؛ لأنه لم يفعل الصلاة التي نواها.
كمن افتتح الصلاة، ثم قطعها، ولم يمض فيها، وكما لو أنه اقتدى به مع العلم بكونه جنبًا.
* ويدل على تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام قوله ﷺ : "إذا ركع فأركعوا، وإذا قرأ فأنصتوا".
وقوله: "من كان له إمام، فقراءته له قراءة".
стр. 594
وقوله: "يكفيك قراءة الإمام".
وسائر الأخبار الواردة في النهي عن القراءة خلف الإمام، مع اتفاق الجميع على أن قراءة الإمام تجزي لمدركه في الركوع، ولو كان مصليًا لنفسه، لما تغير حكمه بإمامه.
* ويدل عليه ما روي من الآثار في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، فلو لم تكن صلاة المأموم معقودة بصلاة إمامه، لكان اجتماعهم وانفرادهم سواء؛ لأنهم لو حضروا فصلوا منفردين، لما استحقوا فضيلة الجماعة.
* ويدل عليه ان من شرط صحة الجمعة: الجماعة، ولو حضرت الجماعة، وصلى كل واحد منفردًا لنفسه، لما حصت لهم الجمعة، وفيه دليل على أن صلاتهم معقودة بصلاة إمامهم، من أجله صحت لهم الجمعة عند اشتراكهم فيها.
* ويدل عليه تحمل الإمام سهو المأموم، ولزوم المأموم سهو الإمام.
* ويدل عليه أنه لو صلى خلفه مع علمه بالجنابة، أو كان إمامه كافرًا، أو أميًا: لم تصح صلاته، فدل على أن صحة صلاة الإمام، شرط
стр. 595
في صحة صلاة المأموم؛ لأن ما كان شرطًا في صحة الصلاة، لا يختلف فيه حكم العلم والجهل.
ألا ترى أن المصلى لو كان جنبًا: لم يكن جهله بجنايته موجبًا لجواز صلاته، فكذلك الإمام إذا كان جنبًا، وجب أن يمنع ذلك صحة صلاة المأموم، كما لو علم بكونه جنبًا، لم تصح لهم صلاتهم.
فإن قيل: روى الحسن عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فكبرن ثم أومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم، فلما فرغ قال: "إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا".
وروي في بعض الألفاظ أنه قال لهم: "على رسلكم".
واحتجوا أيضًا بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عياش بن الأزرق عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ري الله عنه قال: أقيمت الصلاة، وصف الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مقامه، ذكر أنه لم يغتسل، فقال للناس: مكانكم، فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج علينا، وقد اغتسل".
стр. 596
وروي عن عمر ﵁ أنه صلى بهم جنبًا، ثم أعاد، ولم يعيدوا.
قالوا: فلما لم يأمر النبي ﷺ القوم باستئنافها، دل على جواز صلاتهم.
ولما قال لهم: "مكانكم" وبقوا على حال القيام: دل أنهم كانوا في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قالك "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني".
قيل له: ليس في الخبر أن القوم قد كانوا كبرواز
وليس في وله ﷺ للقوم: "مكانكم"، دلالة على أنهم كانوا في الصلاة، وإنما فيه أمرهم بأن لا يتفرقوا حتى يرجع.
وقيامهم لانتظاره لا يد لعلى أنهم كانوا في الصلاة.
وأيضًا: قد ذكر أبو داود هذا الحديث، فرواه عن ابن عون وأيوب وهشام عن محمد بن سيرين وقال فيه: "فكبر، ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا، فذهب فاغتسل، ثم عاد".
فقد صح بأمره إياهم بالجلوس، أنهم لم يكونوا في الصلاة.
وما ذكر في حديث أبي هريرة ﵁: "أنهم لم يزالوا قيامًا
стр. 597
ينتظرونه": لا يعارض ما ذكر؛ لأن فعل القوم لا يعارض به أمر النبي ﷺ .
وقد يجوز أن يكون من سمع منهم قوله ﷺ "اجلسوا": جلس، ومن لم يسمع ذلك، بقي قائمًا.
وأيضًا: لو صح أنهم كبروا مع النبي ﷺ بدءًا، كانت دلالة هذا الخبر على موضع الخلاف معدومة، إذ ليس فيه أنهم لم يستقبلوها بعد مجيء النبي ﷺ .
فإن قيل: لما لم يفصل أن النبي ﷺ أمرهم باستئناف الصلاة، ولا أنهم كبروا بعد مجيئه، علمنا أنهم لم يستقبلوها؛ لأنهم لو استقبلوها، لنقل.
قيل له: ولو كانوا كبروا بدءًا، لنقل، فلما لم ينقل أنهم كبروا، علمنا أنهم لم يكونوا كبروا حتى انصرف النبي ﷺ .
وأيضًا: لما قال النبي ﷺ : "إذا كبر الإمام، فكبروا"، ومعلوم أن النبي ﷺ لما عاد كبر لافتتاح الصلاة، علمنا أنهم كبروا معه حين عاد.
وأيضًا: لو صح لهم جميع ما ادعوه ي هذا الخبر، أو سلمناه لهم، لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف، لجوازم أن تكون هذه الحادثة.
стр. 598
كانت ي حال ما لم تكن صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام؛ لأنهم قد كانوا في أول الإسلام يبدؤون بقضاء الفائت قبل متابعة الإمام، ومعلوم أن فاعل ذلك غير متبع للإمام.
فلما نسخ ذلك بحديث معاذ ﵁، حين تابع النبي ﷺ وترك قضاء الفائت، ثم قال النبي ﷺ : "سنن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا"، وقال أيضًا: "إنما الإمام ليؤتم به"، ونظائر ذلك من الأخبار التي فيها الأمر باتباع الإمام: صارت صلاة المأموم مضمنة بصلاة الإمام، تصح بصحتها، وتفسد بفسادها.
* ويدل على ذلك أن في خبرهم لو ثبت افتتاح المأموم قبل الإمام، فليس ذلك من سنة الاقتداء، ولا تصح لمن فعل ذلك صلاة مع الإمام، فدل على أنه كان قبل تضمين صلاة المأموم بصلاة الإمام.
* وأما حديث عمر ﵁، فليس فيه دلالة على موافقة قولهم؛ لأن عمر ﵁ إنما أعاد الصلاة، لأنه رأى في ثوبه أثر الاحتلام، ولو لم يكن متيقنًا بفعل الصلاة جنبًا، فأخذ لنفسه بالاحتياط، ولو يوجب على القوم الإعادة بالشك.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه نسي القراءة في صلاة المغرب،
стр. 599
فأعاد بهم الصلاة، فدل ذلك على ما وصفنا من قولنا.
مسألة: [المني نجس يطهره الغسل رطبًا، والفرك يابسًا]
قال أبو جعفر: (والمني نجس إن وقع في ماء نجسه، وإن أصاب ثوبًا لم يطهره ما كان رطبًا إلا غسله، ويجزئه إذا كان يابسًا فركه).
قال أبو بكر أحمد: الدليل على نجاسته ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قالك حدثنا الحميدي قال: حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن ييحيي بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا رأيت المني يابسًا فحتيه، وإن كان رطبًا فاغسليه".
стр. 600
فأمرها بغسله، والأمر على الوجوب، وإذا وجب غسله: لم يجب إلا لنجاسته؛ لأن كل م قال هو طاهر: لا يرى غسله واجبًا، ومن رأى وجوب غسله، فإنما يغسله لنجاسته.
وأيضًا: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى وعبد الله بن أحمد بن حنبل قالا: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا ثابت بن حماد أبو زيد الخراز قال: حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر ﵄ قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا أسقي راحلتي، وتنخمت، فأصابتني نخامتي، فجعلت أغسل ثوبي، فقال رسول الله ﷺ : "وما نخامتك ودموع عينيك إلا بمنزلة، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط، والمني من الماء الغليظ، والدم، والقيء".
وقد روي عن سريع الخادم عن إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن من عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ فقال: "إنما هو بمنزلة
следующие страницы →