Полный текст (3 930 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وروي عن عمر ﵁ أنه صلى بهم جنبًا، ثم أعاد، ولم يعيدوا.
قالوا: فلما لم يأمر النبي ﷺ القوم باستئنافها، دل على جواز صلاتهم.
ولما قال لهم: "مكانكم" وبقوا على حال القيام: دل أنهم كانوا في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قالك "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني".
قيل له: ليس في الخبر أن القوم قد كانوا كبرواز
وليس في وله ﷺ للقوم: "مكانكم"، دلالة على أنهم كانوا في الصلاة، وإنما فيه أمرهم بأن لا يتفرقوا حتى يرجع.
وقيامهم لانتظاره لا يد لعلى أنهم كانوا في الصلاة.
وأيضًا: قد ذكر أبو داود هذا الحديث، فرواه عن ابن عون وأيوب وهشام عن محمد بن سيرين وقال فيه: "فكبر، ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا، فذهب فاغتسل، ثم عاد".
فقد صح بأمره إياهم بالجلوس، أنهم لم يكونوا في الصلاة.
وما ذكر في حديث أبي هريرة ﵁: "أنهم لم يزالوا قيامًا
стр. 597
ينتظرونه": لا يعارض ما ذكر؛ لأن فعل القوم لا يعارض به أمر النبي ﷺ .
وقد يجوز أن يكون من سمع منهم قوله ﷺ "اجلسوا": جلس، ومن لم يسمع ذلك، بقي قائمًا.
وأيضًا: لو صح أنهم كبروا مع النبي ﷺ بدءًا، كانت دلالة هذا الخبر على موضع الخلاف معدومة، إذ ليس فيه أنهم لم يستقبلوها بعد مجيء النبي ﷺ .
فإن قيل: لما لم يفصل أن النبي ﷺ أمرهم باستئناف الصلاة، ولا أنهم كبروا بعد مجيئه، علمنا أنهم لم يستقبلوها؛ لأنهم لو استقبلوها، لنقل.
قيل له: ولو كانوا كبروا بدءًا، لنقل، فلما لم ينقل أنهم كبروا، علمنا أنهم لم يكونوا كبروا حتى انصرف النبي ﷺ .
وأيضًا: لما قال النبي ﷺ : "إذا كبر الإمام، فكبروا"، ومعلوم أن النبي ﷺ لما عاد كبر لافتتاح الصلاة، علمنا أنهم كبروا معه حين عاد.
وأيضًا: لو صح لهم جميع ما ادعوه ي هذا الخبر، أو سلمناه لهم، لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف، لجوازم أن تكون هذه الحادثة.
стр. 598
كانت ي حال ما لم تكن صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام؛ لأنهم قد كانوا في أول الإسلام يبدؤون بقضاء الفائت قبل متابعة الإمام، ومعلوم أن فاعل ذلك غير متبع للإمام.
فلما نسخ ذلك بحديث معاذ ﵁، حين تابع النبي ﷺ وترك قضاء الفائت، ثم قال النبي ﷺ : "سنن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا"، وقال أيضًا: "إنما الإمام ليؤتم به"، ونظائر ذلك من الأخبار التي فيها الأمر باتباع الإمام: صارت صلاة المأموم مضمنة بصلاة الإمام، تصح بصحتها، وتفسد بفسادها.
* ويدل على ذلك أن في خبرهم لو ثبت افتتاح المأموم قبل الإمام، فليس ذلك من سنة الاقتداء، ولا تصح لمن فعل ذلك صلاة مع الإمام، فدل على أنه كان قبل تضمين صلاة المأموم بصلاة الإمام.
* وأما حديث عمر ﵁، فليس فيه دلالة على موافقة قولهم؛ لأن عمر ﵁ إنما أعاد الصلاة، لأنه رأى في ثوبه أثر الاحتلام، ولو لم يكن متيقنًا بفعل الصلاة جنبًا، فأخذ لنفسه بالاحتياط، ولو يوجب على القوم الإعادة بالشك.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه نسي القراءة في صلاة المغرب،
стр. 599
فأعاد بهم الصلاة، فدل ذلك على ما وصفنا من قولنا.
مسألة: [المني نجس يطهره الغسل رطبًا، والفرك يابسًا]
قال أبو جعفر: (والمني نجس إن وقع في ماء نجسه، وإن أصاب ثوبًا لم يطهره ما كان رطبًا إلا غسله، ويجزئه إذا كان يابسًا فركه).
قال أبو بكر أحمد: الدليل على نجاسته ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قالك حدثنا الحميدي قال: حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن ييحيي بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا رأيت المني يابسًا فحتيه، وإن كان رطبًا فاغسليه".
стр. 600
فأمرها بغسله، والأمر على الوجوب، وإذا وجب غسله: لم يجب إلا لنجاسته؛ لأن كل م قال هو طاهر: لا يرى غسله واجبًا، ومن رأى وجوب غسله، فإنما يغسله لنجاسته.
وأيضًا: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى وعبد الله بن أحمد بن حنبل قالا: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا ثابت بن حماد أبو زيد الخراز قال: حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر ﵄ قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا أسقي راحلتي، وتنخمت، فأصابتني نخامتي، فجعلت أغسل ثوبي، فقال رسول الله ﷺ : "وما نخامتك ودموع عينيك إلا بمنزلة، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط، والمني من الماء الغليظ، والدم، والقيء".
وقد روي عن سريع الخادم عن إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن من عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ فقال: "إنما هو بمنزلة
стр. 601
البصاق والمخاط يصيبه".
قال لنا عبد الباقي: "هذا حديث منكر"، وسريع ليس بشيء، وإنما يروي ذلك عن ابن عباس ﵄ من قوله، وقد روي عنه خلاف ذلك.
فإن قيل: لو كان نجسًا، لما أجزأ فيه الفرك إذا كان يابسًا.
قيل له: هذا كلام فيما به تزال النجاسة، لا في النجاسة والطهارة.
وعلى أن جواز الفرك فيه لا يدل على الطهارة، كما أن جواز الصلاة مع الاستنجاء بالأحجار لا يدل على طهارة ما هناك.
وقال النبي ﷺ : "إذا أصاب نعل أحدكم أذى، فليمسحها بالأرض، وليصل فيها"، ولم يدل على طهارة ما أصابه.
ودليل آخر: وهو أن خروجه يوجب نقض الطهارة، فدل على نجاسته، كدم الحيض.
стр. 602
وأيضًا: يتعلق بخروجه من الأحكام، مثل ما يتعلق بدم الحيض، من منع قراءة القرآن، ودخول المسجد، ومس المصحف.
وأيضًا: فإن المذي والمني شيء واحد، ومخرجهما واحدن إلا أنهما اختلفا في الحكم؛ لاختلاف حال خروجهما، فوجب في المني الغسل، لخروجه على وجه التدقيق والشهوة والانتشار، ولم يجب في المذي، لعدم هذه الأوصاف، فلما اتفقنا على نجاسة المذي، وجب أن يكون المني مثله في باب النجاسة.
وأيضًا: لوكان المني طاهرًا في نفسه، لنجس بجريانه في مجرى البول؛ لأن الشيء الطاهر إذا ماسه النجس: نجس، لمجاورته له.
فإن قيل: ليس هناك بول في حال جريان المني فيه، وإنما هناك بلة الموضع، وبلة الموضع ليست بنجسة.
قيل له: هناك نجاسة قد جرت في الموضع غير بلة، للخلقة، فنجست الموضع.
فإن قيل: لو نجس لمجاورته لأجزاء البول، ومخالطتها إياه، لما أجزأ فيه الفرك.
قيل له لا يمتنع جواز الفرك فيه، وإن كانت أجزاء البول لو حصلت فيه منفردة لم يجز فيه الفرك، ألا ترى أن من أصلنا أن الروث إذا أصاب الخف، فيبس عليه، جاز حكة، والصلاة فيه بعده من غير غسل، وإن كانت البلة التي في الروث، لو أصابته منفردة لم يطهرها غير الماء، فهذا السؤال ساقط عنا على أصلنا.
وأيضًا: فإن هذا الكلام في كيفية الإزالة، لا في النجاسة.
*****
стр. 603
باب الإمامة
مسألة: [بيان الأحق بالإمامة]
قال أبو جعفر: (أحق القوم بالإمامة: أقرؤهم لكتاب الله ، وأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في ذلك سواء: فأورعهم، فإن كانوا في ذلك سواء: فأكبرهم سنًا).
قال أبو بكر: وذلك لما روى أوس بن ضمعج عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء: فأعملهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءك فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء: فأقدمهم سنًا".
وإنما لم يشترط أصحابنا الهجرة؛ لأن المهاجرين انقرضوا قبل
стр. 604
عصرهم، وقال النبي ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح".
وهذا الحديث يدل على أن السن لا حظ لها في التقديم، إلا عند المساواة في سائر خصال الفضل، وأن كل خصلة من هذه الخصال أولى باستحقاق التقديم من السن.
* ويدل على أن الواجب تقديم أقرئهم للإمامة، وأعلمهم: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الإمام ليؤتم به".
وقال: "لا تختلفوا على إمامكم"، وقال: "الإمام ضامن".
فالذي يتضمن صلاتهم، ويستحق أن يقتدي به، ينغي أن يكون أعملهم، لئلا يقع في صلاتهم خلل من جهة الإمام في نقصان أو سننها.
وروي ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم قراؤكم".
стр. 605
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (ومن أم قومًا بغير استحقاق للإمام كما ذكرنا، فأقام الصلاة: أجزأ مت ائتم به).
وذلك لأنه من أهل إمامة الرجال، ألا ترى أنه لو أم مثله في القراءة والعلم جاز، فجاز الاقتداء به، وإن كان المأموم أعلم منه، والأفضل تقديم الأعلم، ولا خلاف في ذلك.
وقد روي عن النبي ﷺ إنه قال: "إنما الإمام ليؤتم به"، وهذا يصح له الائتمام به؛ لأن صلاته كصلاة إمامه.
مسألة: [لا تجزئ صلاة مأموم بقرأ خلف أمي لا يقرأ]
قال أبو جعفر: (ومن ائتم بأمي، وهو يقرأ: لم تجز صلاة المأموم).
قال أبو بكر أحمد: من قول أبي حنيفة أن واحدًا منهما لا تجزئه صلاته، وقال أبو يوسف ومحمد: تجزئ للإمام والأميين معه.
وإنما لم يجز اقتداء القارئ بالأمي؛ لقول النبي ﷺ :
стр. 606
"من كان له إمام، فقراءته له قراءة".
وقد صح عندنا بالدلائل التي قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، أن المأموم لا قراءة عليه، فصار بمنزلة القارئ إذا ترك القراءة في صلاته، فتفسد، وقراءته غير معتد بها؛ لأنه لو كان خلف قارئ، فقرأ هو، ولم يقرأ إمامه، لم تغن عنه قراءته.
وأيضًا: قال النبي ﷺ : "إنما الإمام ليؤتم به"، وهذا لا يمكنه الائتمام به، إذ كان من فرضه القراءة، وليست من فروض الإمام.
* وأما وجه قول أبي حنيفة في إفساد صلاة الإمام، لأجل القارئ المأموم، فإنه يحكي عن أبي خازم ﵀: أنه إنما تفسد صلاته؛ لأنه لا يمكنه الاقتداء بالقارئ، فتكون صلاته بقراءة، ومتى أمكن المصلي أن يفعل صلاته بقراءة، فلم يفعل: فسدت صلاته.
стр. 607
قال: وكذا يجيئ على هذا: أنه لو صلى منفردًا، وهو يجد قارئًا يقتدي به: لم تجز صلاته.
وأما أبو الحسن الكرخي ﵀، فإنه كان يحتج له: بأن القارئ يصح دخوله في صلاة الإمام الأمي؛ لأنهما متساويان في حال التحريمة، إذ ليس يحتاج فيهما إلى القراءة، فإذا صح دخوله في صلاته، لزمه في الحكم تحمل القراءة عنه؛ لأن قراءة الإمام للمأموم، ولما لزمه ذلك من جهة الحكم، ثم لم يقم به: فسدت صلاته؛ بمنزلة القارئ إذا ترك القراءة في صلاته.
فإن قال القائل: كيف يجوز أن تصير القراءة من فرضه، وهو غير عالم بها، ولا يصح في هذه الحال تكليفها؟
قيل له: قد يجوز أن يتعلق عليه حكمها في باب إفساد لاته بتركها، وإن لم يكن مكلفًا لها، ألا ترى أن الناسي للقراءة لا يصح تكليفه إياها في حال النسيان، وحكم فرضها قائم عليه في باب إفساد صلاته بتركها، وكذلك الناسي للطهارة، ولسائر فروض شرائط الصلاة، وكذلك النائم عن الصلاة، غير مكلف بها في حال النوم، وحكم الوجوب قائم عليه في باب لزوك قضائها بعد الانتباه.
فإن قال القائل: فينبغي على هذا الأصل أن يلزمه القضاء إذا دخل في صلاته ينوي تطوعًا، لأنها فسدت بعد صحة الدخول فيها، كمن دخل في صلاة صحيحة، ثم أفسدها: يلزمه القضاء.
قيل له: ليست شريطة وجوب القضاء عند الإفساد صحة الدخول، إذ
стр. 608
يصح عندنا الدخول في التطوع لمن لا يلزمه القضاء بالإفساد، وهو الداخل في الظهر على أنها عليه، ثم تبين أنها ليست عليه، فلا يلزمه القضاء بالإفساد.
وكذلك مصلي الخامسة على أنها رابعة الظهر، إذا عقدها بسجدة، قد صحت له الخامسة تطوعًا، ولا يلزمه القضاء لو أفسدها، فقد بان أنه ليس كل من صح له في نافلة، ثم أفسدها لزمه قضاؤها، وإنما لم يلزمه القضاء إذا دخل في صلاة أمي، ينويها تطوعًا، من قبل أن شرط الدخول في صلاة الإمام وجود شيئين:
أحدهما: نية الصلاة، والأخرى نية الدخول والائتمام بالإمام، فلما صح له الدخول في مسألتنا، لاستغناء حال التحريمة عن القراءة، ولم يصح له الائتمام به على الوجه الذي عقدها على نفسه: لم يلزمه القضاء بالإفساد.
كمن دخل في الظهر على أنها عليه، فاحتاج في صحة الدخول فيها إلى شيئين: نية الصلاة، ونية الظهر، فلما لم يصح له المضي فيها على الوجه الذي عقدها على نفسه بالدخول، حين تبين له انه قد صلاها: لم يلزمه القضاء عند الإفساد، كذلك ما وصفنا.
مسألة: [لا تجزئ صلاة رجل ائتم بامرأة أو خنثى].
قال أبو جعفر: (ومن ائتم من الرجال بامرأة، أو بخنثى مشكلك لم تجزئه صلاته).
стр. 609
قال أبو بكر: أما المرأة، فلا خلاف في امتناع جواز اقتداء الرجل بها.
وأما الخنثى المشكل، فإنه لا يؤمن أن يكون امرأة، فلا يصح الاقتداء بها، فإذا كانت صلاته عند لاقتداء به مشكوكًا فيها، لم يصح؛ لأن الفرض لا يسقط بالشك.
مسألة: [صلاة النساء فرادي أفضل لهن]
قال أبو جعفر: (وصلاة النساء فرادى أفضل من صلاة بعضهن ببعض).
وذلك لأن جماعتهن لو كانت مسنونة، كن كالرجال في عموم الحاجة إلى علمها، وكان يرد النقل حينئذ متواترًا، فلما عدمنا ذلك فيهن، ثبت أن الجماعة غير مسنونة لهن إذا انفردن عن الرجال.
يدل على ذلك أنه لم يسن لهن الأذان والإقامة.
وقال النبي ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، فمنعن التسبيح، لئلا تسمع أصواتهن.
ويدل عليه أيضًا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة المرأة في دارها خير من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في بيتها خير من
стр. 610
صلاتها في دارها، وصلاتها في مخدعها خير من صلاتها في بيتها".
وهذا الخبر يدل من وجهين على ما قلنا:
أحدهما: أن الجماعة لو كانت مسنونة لهن، لكانت صلاتها في المسجد أفضل منها في البيت؛ لأن فع الجماعة في المسجد أفضل منها في البيت.
والثاني: أنه جعل صلاتها في مخدعها أفضل منها في البيت والدار، والمخدع: بيت صغير في جوف بيت يتعذر في العادة إقامة الجماعة في مثله.
* قال: (فإن أم بعضهن بعضًا، قامت التي تؤم منهن في الصف وسطًا).
وقد روي عن عائشة ﵂ ذلك.
مسألة: [صاحب البيت أحق بالإمام في بيته]
قال: (وصاحب البيت أولى بالإمامة في بيته ممن سواه، إلا أن يكون من معه ذا سلطان، فيكون أحق بالإمامة منه).
стр. 611
وذلك لقول النبي ﷺ في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: "ولا يؤمن رجل رجلاً في سلطانه، ولا يجلس على تركمته إلا بإذنه".
ويدل على ذلك أيضًا حديث مالك بن الحويرث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زار الرجل قومًا، فلا يصل بهم، وليصل بهم رجل منهم".
ويشبه أن يكون المعنى فيه، ما ذكره في حديث أبي مسعود ﵁؛ لأنه موضع سلطانهم وولايتهم في الصلاة.
مسألة: ﴿لا يقف الإمام في مكان أرفع من المأمومين﴾
قال أبو جعفر: (ولا بأس أن يصلي المأموم في مكان أرفع من مكان الإمام، ولا ينبغي للإمام أن يكون أرفع من المأمومين بما يجاوز القامة، ولا بأس أن يكون أرفع منهم بما دونها).
قال أبو بكر أحمد: المشهور عن أصحابنا كراهة ذلك في الوجهين جميعًان سواء كان المأموم أرفع من الإمام، أو الإمام أرفع منه.
وما ذكره من مقدار القامة في الارتفاع، لا أعرفه عنهم، فيجوز أن يكون ما حكاه من ذلك من رواية لم تبلغنا.
стр. 612
والأصل في ذلك: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قالك حدثنا زكريا بن يحيي قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي قال: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام قال: صلى حذيفة ﵁ بالناس بالمدائن، فتقدم فوق دكان، فأخذ أبو مسعود ﵁ بجميع ثيابه، فرده، فرجع، فلما قضي الصلاة، قال له أبو مسعود ﵁:
"ألم تعلم أن رسول الله ﷺ نهى أن يقوم الإمام فوق شيء، والناس خلفه؟ ".
قال: "افلم ترني أجبتك حين مددتني".
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني أبو خالد عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر ﵁ بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار، وقام على دكان يصلي، والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة ﵁، وأخذ على يديه، فاتبعه عمار ﵁، حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار ﵁ من صلاته، قال له حذيفة ﵁:
"ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا أم الرجل
стр. 613
القوم، فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم، أو نحو ذلك".
فقال عمار: "لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي".
فدل هذان الخبران على معنيين:
أحدهما: كراهة ذلك، والثاني: أنه لا تفسد الصلاة، لأنه لم يستأنف الصلاة.
مسألة: [اتحاد مكان صلاة الإمام والمأموم باتصال الصفوف]
قال أبو جعفر: (والصلاة خارج المسجد بصلاة الإمام في المسجد جائزة إذا كانت الصفوف متصلة).
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا هشام قال: أخبرني يحيي بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ في حجرته، والناس يأتمون به من وراء الحجرة".
وأيضًا: فإن الصفوف إذا كانت متصلة، ولم يكن هناك حاجز بينهم وبين الإمام من الطريق، فكأنهم معه في المسجد.
وإذا لم تكن الصفوف متصلة، لم تجز صلاة من كان بينه وبين الإمام
стр. 614
طريق، وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال حدثنا هربز بن معاذ الحمصي قال: حدثنا محمد بن سليمان بن أبي داود عن أبي جفر الرازي عن قتادة عن زرارة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا جمعة لمن صلى في الرحبة".
وقد روي هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة ﵁، إلا أن ذلك لا يفسده عندنا.
ومعنى الخبر: أن يكون بينه وبين الإمام طريق، ليوفق بينه وبين حديث عائشة ﵂، في صلاة النبي ﷺ في الحجرة، وائتمام الناس به من وراء الحجرة.
مسألة:
قال أحمد: وإذا كان مع الإمام رجل واحد أقامه عن يمينه، وذلك لما روى ابن عباس ﵄ "أنه قام عن يسار النبي ﷺ في الصلاة، فأخذ النبي ﷺ برأسه، فأداره من
стр. 615
ورائه إلى يمينه".
وهذا الخبر ينتظم عدة أحكام:
أحدهما: أن مقام المأموم الواحد أن يكون عن يمين الإمام.
والثاني: أن قيامه عن يساره، لا يمنع صحة صلاته؛ لأن النبي ﷺ لم يأمره باستئنافها حين افتتحها عن يساره.
والثالث: أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة؛ لأنه حصل منفردًا خلف النبي ﷺ حين أداره إلى أن صار عن يمينه.
والرابع: أن تفعل اليسير في الصلاة لا يفسدها.
والخامس: أن مثل ذلك مباح في الصلاة وإن كان فعلاً ليس منها، لإصابة سنة الصلاة وتعليمها.
والسادس: أن مقام الصغير الذي لم يبلغ في الصف، كمقام الكبير؛ لأن ابن عباس ﵁ كان صغيرًا؛ لأن النبي ﷺ توفي، ولم يبلغ مبلغ الرجال.
* وإذا كان مع الإمام رجلان: أقامهما خلفه.
وذلك لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ في بيت أم سليم رضي الل عنها، فأقامني واليتيم من ورائه، وأقام أم سليم
стр. 616
رضي الله عنها خلفنا.
وقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ يقيم أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، حتى يكونوا ثلاثة سوى الإمام، فيقومون خلفة.
ويروى ذلك عن النبي ﷺ .
والأول عندنا أولى من قبل ورود النقل به متوترًا قولاً وفعلاً.
*****
стр. 617
باب الحدث في الصلاة
مسألة: [من سبقة أو غلبه حدث في الصلاة]
قال أبو جعفرك (ومن رعف في صلاة، او غلبه قيء أو بول أو غائط: خرج فتوضأ، وغسل ما أصابه من ذلك، ثم رجع، يبني على ما مضي من صلاته ما لم يكن تكلم).
قال أبو بكر أحمد: القياس عندهم يمنع جواز البناء بعد الحدث؛ لأن هذه الأفعال تحصل في الصلاة، وهي تنافيها، وكان يجب أن لا يختلف فيه حكم المعذور، وغير المعذور، كما لا يختلف في الأكل والشرب والكلام إذا وقع على وجه السهو أو العمد، وكما لو رأى رجلاً يغرق، وأمكنه تخليصه، كان عليه أن يفعل، وتبطل صلاته، إلا أنهم تركوا القياس فيه للأثر، وقد بينا فيما سلف أن الأثر عندهم مقدم على النظر.
والأثر الذي روي فيه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا مطين قال: حدثنا محمد بن معاوية قال: حدثنا عمر بن رياح البصري قال: حدثنا
стр. 618
ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ كان إذا رعف في الصلاة: توضًا، وبنى على ما مضي من صلاته".
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال: حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا عبد الملك بن جريج عن أبيه عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته: فلينصرف، فليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم".
قال ابن جريج: "إن تكلم: استأنف".
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وإن تكلم استأنف الصلاة، ولو استأنف الصلاة كان أحب إليهم).
وذلك لئلا يحصل الاختلاف والمشي في الصلاة.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (ولو نام وهو في الصلاة فاحتلم، كان القياس عندهم أن يخرج فيغتسل، ثم يرجع فيبني على ما مضي من صلاته، ولكنهم استحسنوا في ذلك أن يبتدئ الصلاة).
стр. 619
قال أحمد: القياس على الحدث أن يبني، كما يبني في الحدث، وكان القياس في الحدث أن لا يبني، إلا أنه لما ورد به الأثر، تركوا القياس له، فكانت الجنابة مثل الحدث في قياس جواز البناء، إلا أنهم تركوا هذا القياس؛ لأن القياس في الأصل يمنع البناء مع الحدث، والأثر ورد في الحدث خاصة، فسلموا له، وبقي ما عداه على أصل ما يوجه القياس.
فإن قيل: فقد صار الحدث أصلاً في نفسه، لورود الأثر به، فهلاً قست عليه الجنابة؟!
قيل له: لأن من أصلهم: أن المخصوص لا يقاس عليه، إلا أن تكون علته مذكورة في الخبر، كقوله ﷺ في الهرة حين أباح سؤرها من جملة السباع، وما لا يؤكل لحمه منها: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات، وإنها من ساكني البيوت".
فقاسوا بها ما لا يستطاع الامتناع من سؤره من سكاني البيوت، وهي الفأرة والحية ونحوها.
مسألة: [الاستخلاف عند الحدث]
قال أبو جعفر: (ومن أحدث وهو إمام حدثًا يجوز أن يبني بعده: انفتل وقدم غيره، فصلى بالناس ما بقي من صلاته، ومضي هو، فتطهر، ثم رجع، فكان كأحد المأمومين).
قال أبو بكر: وإنما جاز تقديم غيره، من قبل أنه لو لم يقدم غيره.
стр. 620
لصاروا منفردين، ولا يجوز ان يبني عليها منفردًا فيما تضمن دخوله فيه الاقتداء بالإمام، لأن صلاة المنفرد عندنا مخالفة لصلاة المقتدي بغيره، إذ كانت صلاة المقتدي مضمنة بصلاة غيره، فتفسد بفسادها، وصلاة المنفرد غير معقودة بصلاة غيره، ألا ترى أنهم لا يجيزون لمن يحرم بالصلاة منفردًا أن يقتدي فيها بغيره، ولو فعل: فسدت صلاته.
وإذا كان كذلك، فقد تضمنت صلاتهم الاستخلاف عند حدث الإمام، لتصحيح صلاتهم، فلذلك استحق تقديم غره ليبني على صلاته.
* ويدل على جواز الصلاة بإمامين: أن النبي ﷺ لما قدم أبا بكر الصديق ﵁ ليصلي بالناس، ثم وجد خفة، فخرج، قام أبو بكر عن يمينه، وابتداء النبي ﷺ القراءة من الموضع الذي أنهى إليه أبو بكر، وبني على صلاته.
فلما كان خروج النبي ﷺ في ذلك الوقت عذرًا في تأخير أبي بكر، جازت الصلاة بإمامين، كذلك الحدث، لما كان عذرًا في تأخر الإمام، جازت بإمامين، ثم يصير الإمام الأول مأمومًا للثانين كما صار أبو بكر ﵁ مأمومًا للنبي ﷺ .
* قال أبو جعفر: (وينبغي له إن كان الذي استخلفه قد سبقه بشيء من الصلاة في حال تشاغله: أن يبتدئ بالذي سبقه به، فيصليه بلا قراءة، يتوخى فيه مقدار قيام الإمام كان فيه، ومقدار سجوده، وإن زاد شيء من ذلك لم يضره).
стр. 621
وذلك لأن الأول مأموم للثانين كأنه نام خلفه، فيقضي بلا قراءة كما لو كان خلفه، وإن زاد على ما فعله الإمام من مقدار الركوع والسجود، لم يضره، كما كان يلي معه.
مسألة: [إن لم يستخلف الإمام أحدًا]
قال أبو جعفر: (ولو أنه لما أحدث، خرج من المسجد قبل أن يستخلف أحدًا: فإن كان المأمومون قبل خروجه من المسجد قد قدموا مكانه رجلاً: كانت الصلاة جائزة، وإن لم يقدموا رجلاً مكانه، حتى خرج الإمام من المسجد: بطلت صلاتهم، وصلاة المحدث).
قال أبو بكر أحمد: أما قوله في بطلان صلاة الإمام المحدث: فهو غلط؛ لأن مذهبهم أن صلاة الإمام المحدث لا تبطل؛ لأن صلاته غير متضمنة بصلاة القوم.
وإنما تفسد صلاة القوم من قبل أن صلاتهم كانت متضمنة بصلاة الإمام، فلما خرج من المسجد قبل أن يقوم غيره مقامه، حصلوا منفردين في صلاة تضمن تحريمها الاقتداء فيها بالإمام، وصلاة المنفرد مخالفة لصلاة المقتدي على ما بينا، فلا محالة قد خرجوا من الصلاة الأولى، فبطلت، والثانية تحتاج إلى استئناف تحريمه.
وأما الإمام المحدث، فليست صلاته مضمنة بصلاة القوم، ألا ترى
стр. 622
أن القوم لو أفسدوا صلاتهم: لم تفسد عليه صلاته من أجلهم، وأن الإمام لو فسدت صلاته: فسدت صلاة القوم.
ولا يخرج الإمام بنفس الحدث من الغمامة؛ لأنه لو خرج من حكم الإمامة، لصار القوم منفردين، تبطل صلاتهم بنفس حدث الإمام، وقد قامت الدلالة على جواز الاستخلاف، وأن الثاني يقوم مقام الأول.
* وإن قدم القوم رجلاً، أو تقدم رجل منهم قبل خروج الإمام من المسجد: جازت صلاتهم؛ لأن الاستخلاف لما كان مستحقًا عليهم، إذ به تصح صلاتهم، جاز لكل واحد منهم أن يتقدم، أو يقدم غيره، فيقوم مقام الأول.
ولهذه العلة قالوا: إذا كان معه رجل واحدن فأحدث الإمام، صار المأموم إمامًا للأول، نوى أو لم ينو؛ لأنه حصل في صلاة تتضمن الاستخلاف عند الحدث، ولم يبق من يستحق الخلافة عليه، فتعينت فيه.
فإن قيل: فقد قالوا: إن الإمام لو أغمى عليه: فسدت صلاته، وصلاة القوم، ولم يجعلوا الواحدٍ منهم أن يخلفه.
قيل له: من قبل أن صلاة الإمام قد بطلت الإغماء، ولما بطلت صلاته قبل الاستخلاف، بطلت صلاة القوم، ألا ترى أنه لم خرج من المسجد قبل أن يقدم القوم غيره: بطلت صلاتهم.
فإن قيل: فما الفرق بين الإغماء وسائر الأحداث، والإغماء لا يوجب من الطهارة إلا ما يوجبه الرعاف والقيء اللذان ورد فيهما الأثر؟
стр. 623
قيل له: لم تفسد صلاته بالحدث فحسب، وإنما فسدت من قبل أن الإغماء لما كان حدثًا، ثم بقي الإغماء على كل حال الصلاة، فسدت صلاته.
ألا ترى أن سائر المحدثين في الصلاة، إذا بقوا على حال الصلاة ساعة بعد الحدث: بطلت صلاتهم، فكذلك المغمى عليه، لما لم يكن منه الانصراف عن الصلاة عقب الحدث، بطلت صلاته.
مسألة: [القهقهة في الصلاة حدث ينقض الوضوء]
والقهقهة في الصلاة حدث، وكان القياس عندهم أن لا يكون حدثًا.
إلا أنهم تركوا القياس فيه للأثر، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا بالبصرة قال: حدثنا إبراهيم بن هانئ قال: حدثنا محمد بن زيدي بن سنان قال: حدثنا أبي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ضحك منك من صلاته، فليتوضأ، ثم ليعد الصلاة".
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا مطين قال: حدثنا محمد بن الحارث الحراني قال: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الحسن بن
стр. 624
دينار عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه قال: "كنا خلف النبي ﷺ في صلاة، فجاء رجل ضرير، فتردى في حفرة في المسجد، فضحك ناس من خلفنا، فأمر رسول الله ﷺ من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة".
وروى عبد الكريم أبو أمية عن الحسن عن أبي هرير ة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قهقه أعاد الوضوء والصلاة".
وروى عبد الوهاب بن الضحاك قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن قيس عن عمرو بن عبيد عن الحسن عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ضحك في الصلاة قرقرة، فليعد الوضوء والصلاة".
وروى محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن
стр. 625
إسحاق عن الحسن عن دينار عن قتادة عن أبي المليح ابن أسامة عن أبيه قال كنا نصلي خلف النبي ﷺ ، إذ أقبل رجل ضرير، فوقع في حفرة قريبًا منا، فضحكنا، فأمرنا النبي ﷺ : "أن نعيد الوضوء كاملاً، والصلاة كاملة".
وقد رواه مرسلاً عن النبي ﷺ الحسن، وأبو العالية، وإبراهيم، والزهري، في آخرين منهم.
فإن قيل: روي عن جابر ﵁ أنه كان لا يرى على الذي ضحك في الصلاة وضوءًا.
стр. 626
قيل له: يحتمل أن يريد به التبسم من غير قهقهة.
وقد روى عنه ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر ﵁ أنه كان يرى أن يعيد الوضوء والصلاة من ضحك في الصلاة إذا قرقر.
فإن قيل: روى أبو شيبة عن أبي خالد عن أبي سفيان عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الضحك في الصلاة ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء".
قيل له: إذا روى خبران في أحدهما إيجاب الوضوء، وفي الآخر اسقاطه، فخبر الإيجاب أولى؛ لأن الإسقاط ورد على الأصل، والإيجاب طارئ عليه لا محالة.
وأيضًا في خبر الإيجاب حظر الصلاة إلا بعد الطهارة، وفي خبر الإسقاط إباحتها قبل الطهارة، فخبر الحظر أولى.
فإن قيل: لم نجد شيئًا يوجب الطهارة إذا وقع في الصلاة إلا وهو يوجبها في غيرها، فلما اتفقنا على أن القهقهة لا توجب الطهارة في غير الصلاة، كان كذلك حكمها في الصلاة.
стр. 627
قيل له: قد بينا أنه لا يجوز الاعتراض على الآثار بالنظر.
وعلى أن مخالفنا يجعل رؤية الماء في غير الصلاة ناقضة للطهارة، ولا يجعلها كذلك في الصلاة، فخالف بين حال الصلاة وغيرها، على عكس ما يجب اعتباره.
وذلك لأن حال الصلاة يجوز أن يتعلق بها من الحرمة، وتغليظ الحكم، ما لا يتعلق بغيرها كحرمة الصلاة.
كما تجب كفارة حلق الرأس واللبس في الإحرام، ولا يجب مثله في غير الإحرام، ولا يجب في غيره، فكان لما ذكرنا نظير في الأصول.
فأما أن تكون رؤية الماء في غير الصلاة، توجب الطهارة، وفي حال الصلاة لا توجبها بلا أثر ولا نظر؛ فهذا تحكم في دين الله عز جل بما لم ينزل به سلطانًا.
فإن قيل: لا يجوز أن نتوهم على أصحاب النبي ﷺ أنهم ضحكوا خلفه في الصلاة.
قيل له: يحتمل أن يكون الضحك كان من بعض المنافقين، فبين النبي ﷺ الحكم للجماعة.
وأيضًا: فقد ترد على الإنسان حال لا يضبط فيها نفسه من الضحك، فلا يذم على تلك الحال.
стр. 628
وقد أخبر الله تعالى عن قو أنهم ﴿وإذا رأوا نجرة أولهوا انقضوا إليها وتركزم فإيما﴾، ومعلوم أنهم لم يكونوا فضلاء الصحابة.
*****
стр. 629
باب صلاة المسافر
مسالة: [بيان مسافة القصر]
قال أبو جعفر: (ومن سافر يريد ميرة ثلاثة أيام فصاعدًا: قصر الصلاة إذا جاوز بيوت مصره، ون سافر يريد دون ذلك: لم يقصر).
قال أبو بكر: وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها، والمقيم يومًا وليلة".
وهذا القول خارج مخرج البيان، وحكم البيان أن يكون شاملاً جميع ما اقتضى البيان من جهته، فقد بين بذلك حكم جميع المسافرين، فكل مسافر هو الذي كون سفره ثلاثًا، حتى يكون بيانه مستوعبًا لحكم جميعهم.
ولو كان السفر الذي يتعلق به الحكم أقل من ثلاث، لكان قد بقي من المسافرين من لم يبين حكمه في الخبر، وقد قلنا إن ما ورد على وجه البيان، فحكمه أن يكون شاملاً لجميع ما اقتضى البيان في بابه.
وأيضًا: قوله: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها": اسم للجنس،
стр. 630
لدخول الألف واللام عليه، فلا أحد م المسافرين يثبت لهم هذا الاسم في الشرع، وإلا هو داخل في اللفظ.
ويدل عليه أيضًا: قول النبي صلى الله عليه وسلمك "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم".
فعلق الحكم بالثلاثة، كقول الله تعالى في عدة المطلقة: ﴿ثلاثة قروء﴾، وفي اليائسة: ﴿ثلاثة أشهر﴾، وسائر الأعداد التي علق بها الأحكام، فكان الحكم مقصورًا عليها، دون ما هو أقل منها، كذلك ما وصفنا.
فإن قيل: روي: "لا تسافر يومًا"، و: "لا تسافر يومين".
قيل له: كله صحيح، ومتى قصدت سفر ثلاثة أيامن لمي خرج يوم وليلة، ولا يومان عنه.
ومن استعمل خبر اليوم واليومين على الانفراد في حظر السفر، فقد أسقط الثلاثة، وسلبها فائدتها، ومن استعمل الثلاثة، لم يسقط حكم
стр. 631
اليوم واليومين على الوجه الذي وصفنا.
فإن قيل: وما في تعلق حكم إباحة سفر المرأة بما دون الثلاثة، وحظره في الثلاثة، مما يوجب أن يكون القصر في الثلاثة؟
قيل له: لاتفاق الجميع على أن حكمهما واحد، وأن حكم الحظ في سفر المرأة إذا كان متعلقًا بالثلاثة، فالقصر والإفطار مثله.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من ايام أخر﴾، وعمومه يتناول القليل والكثير، فما اتفق الجميع على خروجه من حكم الآية، أخرجناه منه، وما عداه فمحمول على الظاهر.
قيل له: لا يصح اعتبار عمومه؛ لأنه مجمل، لا يتناول مقدارًا معلومًا في اللغة.
стр. 632
فإن قيل: يتناول اليوم واليومين، لقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يومًا".
قيل له: يتناوله الإطلاق، وإنما يسمى سفرًا بتقييد، وما دخل تحت الآية، فهو ما يسمى سفرًا بالإطلاق.
وكذلك إن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، كان الجواب فيه ما ذكرنا من إجمال الفظ:
وعلى أن لفظ الضرب في الأرض والسفر، لما كان مجملاً على ما اتفق عليه الجميع أنه مراد: أثبتانه، وما اختلفوا فيه: لم يصح إثباته إلا بدليل.
وأيضًا: فإن طريق هذا الضرب من المقادير التوقيف والاتفاق، وقد حصل الاتفاق ف الثلاثة، ولم يرد فيما دونها توقيف ولا اتفاق، فلم يثبت.
مسألة: [وجوب القصر على المسافر]
قال: (وصلاة السفر ركعتان إلا المغرب والوتر فإنهما ثلاث ثلاث،
стр. 633
إلا أن يصلي خلف مقيم، فيتم، فإن صلى المسافر ما يقصر من الصلاة أربعًا، ولم يقعد في الثنتين: بطلت صلاته).
قال أبو بكر أحمد: الحجة لأصحابنا في هذه المسألة من طريق الآثار، واتفاق الصدر الأول ﵃، والنظر.
فأما الآثار: فحديث عائشة ﵂: "فرضت الصلاة في السفر والحضر ركعتان، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على ما كانت".
وقال ابن عباس ﵁: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين".
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفجر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم".
وقال عمر ﵁ حي سأله يعلي بن منية: كيف نقصر وقد
стр. 634
أمنا؟ فقال: سألت النبي ﷺ عما سألتني عنه فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فأقبلوا صدقته".
وقال عمران بن حصين ﵁: "ما رأيت النبي ﷺ في السفر إلا ركعتين، وصلى بمكة ركعتين، وقال: "أتموا فإنا قوم سفر".
فلو كان القصر موقوفًا على اختيار المصلي، لقال: "أتموا" فإنا نريد الإتمام".
وأيضًا: وردت الآثار متظاهرة أن النبي ﷺ كان يصلي في السفر ركعتين، لا يزي عليهما، رواه عمر، وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعمران بن حصين،
стр. 635
وأنس، في آخرين من الصحابة ﵃.
فثبتت دلالته من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: أن فرض الصلاة مجمل في الكتاب، وفعل النبي ص وارد فيها على جهة البيان، فهو على الوجوب، كفعله الأعداد في ركعات الظهر، وسائر الصلوات في الحضر.
ومدعي التخيير فيه، كمدعي التخيير في الظهر والعصر في الحضر بين الأربع وبين الست.
والثاني: أنه لو كان المسافر مخيرًا بين الإتمام والقصر، وكان مراد الله في أمره بالصلاة، لما جاز أن يترك النبي ﷺ التوقيف عليه إما قولاً وإما فعلاً، لأن الحاجة إلى معرفة بيان التحديد في السفر، كالحاجة إلى معرفة عدد ركعات الصلاة في الحضر، فلما عدمنا منه البيان في الزيادة على الركعتين من جهة القول والفعل، علمنا أنها غير ثابتة على الركعتين.
* ومن جهة الإجماع، اتفاق الصدر الأول على النكير على عثمان ﵁ في إتمامه الصلاة بمنى، وموافقة عثمان إياهم على ذلك،
следующие страницы →