Полный текст (3 930 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
اليوم واليومين على الوجه الذي وصفنا.
فإن قيل: وما في تعلق حكم إباحة سفر المرأة بما دون الثلاثة، وحظره في الثلاثة، مما يوجب أن يكون القصر في الثلاثة؟
قيل له: لاتفاق الجميع على أن حكمهما واحد، وأن حكم الحظ في سفر المرأة إذا كان متعلقًا بالثلاثة، فالقصر والإفطار مثله.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من ايام أخر﴾، وعمومه يتناول القليل والكثير، فما اتفق الجميع على خروجه من حكم الآية، أخرجناه منه، وما عداه فمحمول على الظاهر.
قيل له: لا يصح اعتبار عمومه؛ لأنه مجمل، لا يتناول مقدارًا معلومًا في اللغة.
стр. 632
فإن قيل: يتناول اليوم واليومين، لقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يومًا".
قيل له: يتناوله الإطلاق، وإنما يسمى سفرًا بتقييد، وما دخل تحت الآية، فهو ما يسمى سفرًا بالإطلاق.
وكذلك إن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، كان الجواب فيه ما ذكرنا من إجمال الفظ:
وعلى أن لفظ الضرب في الأرض والسفر، لما كان مجملاً على ما اتفق عليه الجميع أنه مراد: أثبتانه، وما اختلفوا فيه: لم يصح إثباته إلا بدليل.
وأيضًا: فإن طريق هذا الضرب من المقادير التوقيف والاتفاق، وقد حصل الاتفاق ف الثلاثة، ولم يرد فيما دونها توقيف ولا اتفاق، فلم يثبت.
مسألة: [وجوب القصر على المسافر]
قال: (وصلاة السفر ركعتان إلا المغرب والوتر فإنهما ثلاث ثلاث،
стр. 633
إلا أن يصلي خلف مقيم، فيتم، فإن صلى المسافر ما يقصر من الصلاة أربعًا، ولم يقعد في الثنتين: بطلت صلاته).
قال أبو بكر أحمد: الحجة لأصحابنا في هذه المسألة من طريق الآثار، واتفاق الصدر الأول ﵃، والنظر.
فأما الآثار: فحديث عائشة ﵂: "فرضت الصلاة في السفر والحضر ركعتان، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على ما كانت".
وقال ابن عباس ﵁: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين".
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفجر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم".
وقال عمر ﵁ حي سأله يعلي بن منية: كيف نقصر وقد
стр. 634
أمنا؟ فقال: سألت النبي ﷺ عما سألتني عنه فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فأقبلوا صدقته".
وقال عمران بن حصين ﵁: "ما رأيت النبي ﷺ في السفر إلا ركعتين، وصلى بمكة ركعتين، وقال: "أتموا فإنا قوم سفر".
فلو كان القصر موقوفًا على اختيار المصلي، لقال: "أتموا" فإنا نريد الإتمام".
وأيضًا: وردت الآثار متظاهرة أن النبي ﷺ كان يصلي في السفر ركعتين، لا يزي عليهما، رواه عمر، وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعمران بن حصين،
стр. 635
وأنس، في آخرين من الصحابة ﵃.
فثبتت دلالته من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: أن فرض الصلاة مجمل في الكتاب، وفعل النبي ص وارد فيها على جهة البيان، فهو على الوجوب، كفعله الأعداد في ركعات الظهر، وسائر الصلوات في الحضر.
ومدعي التخيير فيه، كمدعي التخيير في الظهر والعصر في الحضر بين الأربع وبين الست.
والثاني: أنه لو كان المسافر مخيرًا بين الإتمام والقصر، وكان مراد الله في أمره بالصلاة، لما جاز أن يترك النبي ﷺ التوقيف عليه إما قولاً وإما فعلاً، لأن الحاجة إلى معرفة بيان التحديد في السفر، كالحاجة إلى معرفة عدد ركعات الصلاة في الحضر، فلما عدمنا منه البيان في الزيادة على الركعتين من جهة القول والفعل، علمنا أنها غير ثابتة على الركعتين.
* ومن جهة الإجماع، اتفاق الصدر الأول على النكير على عثمان ﵁ في إتمامه الصلاة بمنى، وموافقة عثمان إياهم على ذلك،
стр. 636
واعتذاره بأنه إنما أتم؛ لأنه تأهل بمكة، وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من تأهل ببلد، فهو من أهله"، ولو كان مخالفًا لهم، لما احتاج إلى الاعتذار.
وقال الزهري: "إنما أتم عثمان؛ لأنه أزمه الإقامة".
وقال ابن عباس ﵄: "من صلى في السفر أربعًا، كمن صلى في الحضر ركعتين".
وقال ابن عمر ﵄: "صلاة السفر ركعتان، من مخالف السنة كفر".
وأنكره عبد الله بن مسعود ﵁ في عامة الصحابة.
فإن قيل: روي عن عائشة ﵄ أنها قالت: "قصر رسول الله
стр. 637
صلى الله عليه وسلم في السفر، وأتم".
قيل له: هو صحيح، وهو معنى قول عمر ﵁: "تمام غير قصر"، ومعناه: قصر في الفعل، وأتم في الحكم.
فإن قيل: فقد كانت عائشة ﵂ تتم في السفر.
وروي عنها أن المسافر بالخيار: إن شاء أتم، وإن شاء قصر.
قيل له: إنها سئلت عن ذلك، فقالت: "أنا أم المؤمنين، فحيث
стр. 638
حللت فهو داري".
وأما قولها: "المسافر بالخيار". فمعناه في أن يدخل في صلاة مقيم فيتم.
فإن قيل: لما لزمه الإتمام، لدخوله في صلاة المقيم، دل على أنه مخير بين الإتمام والقصر قبل الدخول.
قيل له: لأن حكم الصلاة يتغير بالإمام، ألا ترى أن المرأة والعبد والمريض إذا دخلوا مع الإمام في الجمعة صلوا ركعتين، ويدل ذلك على أنهم مخبرون قبل الدخول بين أن يصلوا أربعًا أو ركعتين.
وأيضًا: فالمقيم مخير بين أن يسافر فيصلي ركعتين، وبين أن يقيم فيصلي أربعًا، ولا يدل ذلك على أنه مخير قبل السفر بين الإتمام والقصر.
* ومن جهة النظر: إنه لما كان مخيرًا بين فعل الزيادة على وجه الابتداء، وتركها لا إلى بدل، دل ذلك على أن الزيادة نقل؛ لأن هذه صورة النفل في الأصول، وصورة الفرض أنه لا خيار له فيه، أو يكون مخيرًا بين فعله وتركه إلى بدل.
فإن قيل: قوله : ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾: يقتضي التخيير.
стр. 639
قيل له: ليس هذا القصر الذي اختلفنا فيه؛ لأن هذا القصر معقود بشرط الخوف، واتفق الجميع على أن قصر السفر غير معقود بشرط الخوف، وأن الخائف وغيره يقصر.
وعلى أن غير الخائف لم يدخل في حكم الآية، فلا يصح الاحتجاج به في المسافر الذي ليس بخائف.
وعلى أن قوله: ﴿فليس عليكم جناح﴾ لا يقتضي التخيير، وإنما فيه جواز القصر، وفيما قدمنا من الأدلة: الوجوب، ولا يتنافيان.
ألا ترى أن قوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾: لمي نف وجوب السعي بينهما.
وأيضًا: فإن هذا القصر ليس هو قصرًا في أعداد الركعات عندنا، وإنما هو على أحد وجهين:
إما إباحة الصلاة بالإيماء في حال الخوف، فيكون قصرًا في أوصاف الصلاة، أو إباحة الاختلاف والمشي في صلاة الخوف؛ لأن مثله في غيرها يفسد الصلاة، قسماه قصرًا أباح الصلاة معه.
стр. 640
مسألة: [الاعتبار في القصر وعدمه بآخر الوقت]
قال: (ومن سافر في آخر الوقت قبل أن يصلي: صلى صلاة مسافر، ولو قدم مسافر في آخر الوقت قبل أن يصلي: صلى صلا مقيم).
قال أبو بكر أحمد: جواب هاتين المسألتين لا خلاف بين أصحابنا فيه.
وكذلك قولهم في الحائض إذا ظهرت في آخر الوقت: أنه يلزمها فرض الصلاة، ولو حضات في آخر الوقت: سقط عنها فرض الصلاة.
واختلف شيوخنا المتأخرين في الوقت الذي يتعلق به فرض الصلاة، فقال بعضهم، إنما يتعلق حكم الوجوب بآخر الوقت، وقال آخرون: بأول وقت، إلا أنه موسع له في التأخير.
وكذا قال من قال بهذه المقالة في الزكاة: إن فرض الزكاة يتعلق بوجود النصاب، إلا أنها تجب وجوبًا موسعًا إلى الحول.
وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: إن الفرض يتعين بالفعل من أول الوقت إلى آخره، فإذا جاء أخر الوقت تعين الفرض بالوقت، ويحل عليه الوجوب، فعل الفرض أو لم يفعل، وما قبل ذلك
стр. 641
فهو مخير فيه، فإن فعله تعين الفرض بالفعل، وصار ذلك الوقت كأنه وقت الوجوب بعينه.
ونظير ذلك ما خير الله الحانث في يمينه، بين التكفير بالعتق، أو الكسوة، أو الإطعام، ولا يجوز لنا تعيين شيء من ذلك عليه بنفس الحنث، فإن فعل أحدهما، تعين حكم الفرض منه بالفعل، إذا كان مخيرًا في فعل أيها شاء.
كذلك الذي يدخل عليه وقت صلاة، لما كان مخيرًا في أن يفعلها في أي وقت شاء، إلى ان ينتهي إلى الوقت الذي لا يسعه فيه التأخير: لمي عين عليه فرض الصلاة بدخول الوقت، إذ كان له تأخيرها إلى آخر الوقت، لا إلى بدل ولا قضاء؛ لأن المفعول في آخر الوقت غير مفعول على وجه القضاء عما لزمه بأول الوقت.
فلما كان كذلك: علمنا أن الفرض لم يتعين عليه بالوقت، حتى إذا فعله: تعين عليه حكم الفرض بالفعل، فإذا صار إلى آخر الوقت تعين عليه الفرض بوجود الوقت؛ لأنه يستحق اللوم بالتأخير، ولأنه لو تركه، تركه إلى قضاء فرض فائت عن وقته.
فإذا ثبت ذلك، ثم لم يصل المقيم حتى سافر قبل خروج الوقت، فقد أتى عليه وقت الوجوب، وهو مسافر، فلزمته صلاة المسافر، وكذلك
стр. 642
المسافر إذا قدم قبل خروج الوت، فقد أتى عيه وقت الوجوب وهو مقيم، فلزمه الإتمام.
ثم لا يتغير بعد ذلك حكمه بالفوات، كالفجر والظهر إذا فاتنا لم يتغير حكمهما عما لزمتا بالوقت.
وقد وافقنا المخالف على أن المسافر إذا قدم في آخر الوقت: لزمه الإتمام، وكذلك الحائض إذا طهرت في آخر الوقت: لزمها فرض الصلاة، وموافقته إيانا في ذلك، يقضي عليه في الظاهر إذا حاضت في آخر الوقت في سقوط فرض الصلاة، والمقيم إذا سافر في آخر الوقت وجوب القصر.
مسألة: [لا يجوز الجمع بين الصلاتين في غير عرفة والمزدلفة إلا جمعًا صوريًا].
قال أبو جعفر: (والجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر للمريض أن يصلي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، وكذلك المغرب والعشاء، ولا تجمعان في وقت إحداهما إلا بعرفة وجمع).
قال أبو بكر أحمد: الأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وإن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾: يعني فرضًا مؤقتًا.
стр. 643
وقال : ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾، وقال: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾.
فلا يجوز لأحد ترك الوقت المفروض فيه الصلاة إلا بدلالة، وقد اتفق الجميع على بعض هذه الصولات، أنه لا يجوز ترك الوقت فيها، كذلك سائرها، لوجود التوقيت فيها.
وأيضًا: صلى النبي ﷺ الصلوات الخمس عند سؤال السائل عن المواقيت في أول مواقيتها وآخرها: ثم قال: "الوقت فيما بين هذين".
ونقل الناس هذه المواقيت نقلاً عامًا، قولاً وفعلاً، بحيث يوجب العلم والعمل، فلا يجوز لأحد تركها إلا بمثل مات ورد به نقل الأصل، ولا يجوز إسقاطها بأخبار الآحاد، وبما يحتمل التأويل، ولا بالنظر والمقاييس.
وأيضًا: روى عبد الله بن رباح عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في
стр. 644
اليقظة؛ بأن يؤخر الصلاة إلى وقت أخرى".
فإن احتجوا بما روي عبد الله بن مسعود، ومعاذ، وابن عباس ﵃" أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء".
قيل له: لم يبين في أخبار هؤلاء كيفية الجمع، فلا تعلق فيها للمخالف، إذ ليس هو عموم لفظ، فينتظم سائر وجوه الجمع، وإنما هو حكاية فعل كان من النبي ﷺ ، فليس مخالفنا بأولى بحمله على مذهبه منا، بحمله على ما نقوله.
ويدل أن هذا الجمع كان على ما قلنا، أن ابن عباس ﵄ قال: "جمع رسول الله ﷺ بالمدينة من غير خوف، ولا سفر"، وفي بعضها: "من غير سفر، ولا مطر".
стр. 645
ولا خلاف بين الفقهاء أن الجمع لا يجوز في الإقامة من غير عذر.
وروى علي بن موسى القمي قال: حدثنا العباس بن يزيد الحراني قال: حدثنا ابن عينية عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله ﵁ قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة قبل وقتها، إلا بعرفة والمزدلفة".
وقد روى عبد الله ﵁ خير الجمع، فعلمنا أن معناه كان على الوجه الذي نقوله.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان ينزل في السفر للمغرب حين يكاد يظلم، فيصلي المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يصلى العشاء، ثم يركب ويقول: "كذا كان النبي ﷺ يصنع".
стр. 646
وروى عطاء عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اله ﷺ في السفر يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء".
وروى أبو سلمة عن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ أخر صلاة إلى آخر الوقت حتى قبضه الله تعالى".
فإن احتجوا بحديث ابن عمر ﵄ حين استصرخ على صفية بنت أبي عبيدة. قال نافع: فسار حتى غاب الشفق، ثم نزل حتى جمع بينهما، ثم قال: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل".
وفي بعض ألفاظ الحديث: سار حتى ذهبت فحمة العشاء، ورأينا بياض الأفق.
стр. 647
قيل لهم: أما قوله: "سار حتى غاب الشفق": فإنه لفظ لم يذكره إلا أيوب عن نافع، لم يذكره مالكن ولا الليث، ولا أحد ممن روي ذلك عنه.
وقد روى أسامة بن زيد عن نافع هذا الحديث فقال فيه: "فلما كان عند غيبوبة الشفق، نزل فجمع بينهما".
فالواجب أن يجعل ما رواه أيوب من قوله: "حتى غاب الشفق": وعلى معنى: مقاربة غيبوبة الشفق، كما قال الله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾.
والمعنى مقاربة البلوغ.
وأيضًا: فإنما أراد بالشفق: الحمرة دون الباض، لأن إسماعيل بن أبي ذويب قد روى هذا الحديث عن ابن عمر ﵄، وقال فيه: فلما ذهبت فحمة العشاء، ورأينا بياض الأفق، نزل فصلى المغرب، ثم العشاء.
стр. 648
فأخبر أن الباض كان باقيًا حين صلى المغرب، فجائز أن يكون العشاء بعد غيبوبة البياض، ويكون معنى رواية أيوب: أنه صلى حين غاب الشفق يعني الحمرة، وهذا صحيح على أصل أبي حنيفة؛ لأنه يقول ما دام الباض باقيًا، فهو من وقت المغرب.
وروى العطاف بن خالد هذه القصة عن نافع، وقال فيهاك "حتى إذا كاد الشفق يغيب"، وهذا محمول على البياض ليصح معنى ما روي "فلما غاب الشفق".
ورواه الليث عن نفع وقال فيه: "فسار حتى هم الشفق أن يغيب"، وهذا موافق لمعنى عطاف بن خالد.
ويدل على صحة تأويلنا لحديث ابن عمر ﵄ هذا: ما روى حصيف عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا حد به السير أخر من الظهر، وعجل من العصر، وأخر من المغرب، وعجل من العشاء".
فبين فيه كيفية جمع النبي ﷺ .
وإذا لم يثبت من حديث ابن عمر ﵄ الجمع بين
стр. 649
الصلاتين، إلا ما رواه نافع في قصة صفية حين استصرخ عليها، وكان فيه من اختلاف الألفاظ المحتملة للمعاني ما وصفنا: لم يجز لنا ترك الوقت المتفق على نقله قولاً وعملاً بمثله.
ويدل على أن ابن عمر ﵄ لم يجمع إلا في هذه القصة: ما روي معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يصلي في السفر كل صلاة لوقتها، إلا صلاتين حين أخبر بوجع امرأته.
فبين أنه لم يجمع إلا هاتين الصلاتين، ومعنى هذا الجمع عندنا: تأخير إحداهما إلى آخر الوقت، وتعجيل الأخرى في أول الوقت.
وقد روي عن أنس ﵁ في جمع النبي ﷺ بين الصلاتين أخبار مختلفة الألفاظ.
فروى ليث عن عقيل عن الزهري عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين، وهو مسافر، أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم نزل فصلاهما".
وروى مفل بن فضالة عن عقيل عن الزهري عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يجمع بين صلاتين في سفر، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء".
стр. 650
فخالف لفظ الحديث الأول.
ولو ثبت اللفظ الأول، وهو قوله: "أخر وقت الظهر حتى يدخل أول وقت العصر": لمي دل على قولهم، بل جائز أن يكون موافقًا لقولنا؛ لأنه لم يحك فيه لفظ النبي ﷺ في ذلك، وإنما حكى قول أنس ﵁ في ذلك.
وجائز أن يكون عند أنس ﵁ أن ما بعد المثل: من وقت العصر، ورأى النبي ﷺ قد أخر الظهر إلى بعد المثل، حتى قارب المثلين فصلى الظهر، ثم صلى العصر بعد المثلين، فقال أنس ﵁: "صلى الظهر في أول وقت العصر": على ما كان عنده.
ويروى عن ابن عباس ﵁ حديث مثل حديث أنس ﵁، وهو محمول على المعنى الذي حملنا عليه حديث أنس ﵁.
* ومما يدل على ان جمع النبي ﷺ كان على الوجه الذي قلنا: أنه لم يرو عنه الجمع إلا بين صلاتين متجاورتي الوقت، وأنه لم يجمع بين الظهر والفجر، ولا بين الفجر والعشاء.
فإن قيل: لما جاز الجمع بعرفة والمزدلفة، لأجل العذر، قسنا عليهما سائر الأعذار في جواز الجمع.
قيل له: قد بينا فيما سلف أن ما ثبت نقله من طريق التواتر، وصح من جهة توجب العلم، لا يعترض عليه بالقياس، ولا بأخبار الآحاد، وهذه
стр. 651
صفة ما اختلفنا فيه.
وعلى أن اعتبار الجمع بين الصلاتين، لجوازه بعرفة والمزدلفة. ساقط، لاتفاق الجميع على أنه غير جائز له هناك تأخير الظهر إلى وقت العصر، ولا تعجيل العشاء في وقت المغرب، وإنما جوز الجمع هناك على غير هذا الوجه، فكيف يكون الجمع في غيرهما فرعًا عليهما، مع اتفاق الجميع على امتناع الجمع بعرفة والمزدلفة على الوجه الذي جوزه مخالفنا في غيره؟
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على امتناع جواز الجمع بين الفجر والعشاء، وبين المغرب والعصر؛ لأن لكل واحد منهما وقتًا مع عدم الإحرام، فوجب أن تكون سائر الصلوات بمثابتها.
مسألة: [يتم المقيمون بعد فراغ أمامهم المسافر]
قال أبو جعفر: (ومن صلى وهو مسافر بمقيمين، صلوا بعد فراغه تما صلاتهم وحدانًا، وينبغي للإمام أن يقول لهم: أتموا، فأنا قوم سفر).
قال أبو بكر: وذلك لأنهم لا يتعين فرضهم إلى القصر بدخولهم في صلاة المسافر؛ لأنهم مقيمو، ولو نووا السفر وعزموا عليه، كانت إقامتهم هناك مانعة لهم من الانتقال إلى حكم المسافرين، كذلك دخولهم
стр. 652
في صلاة المسافر.
وليسوا كالمسافر يقتدي بالمقيم فيتم؛ لأن المسافر لو نوى الإقامة، صار مقيمًا بنية من غير فعل، فدخوله في صلاة المقيم أحرى أن يصير في حكم المقيمين.
ولقول النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا".
وقال ﷺ : "لا تختلفوا على إمامكم".
وقال: "ما أدركتم الوضوء فضلوا، وما فاتكم فاقضوا".
فاقتضى ظاهر هذه الألفاظ لزوم الإتمام بالدخول في صلاة المقيم.
* وينبغي للإمام إذا فرغ أن يقول لهم: "أتموا، فإنا قوم سفر"، لما روى عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ صلى بمكة ركعتين ثم قال: "أتموا يا أهل مكة، فإنا قوم سفر".
* وحكم أن أبا يوسف حج مع الرشيد، فصلى الرشيد بمكة ركعتين، فلما سلم أقام أبا يوسف فقال: أتموا يا أهل مكة، فإنا قوم سفر.
فقال له رجل من أهل مكة: نحن أفقه وأعلم بهذا منك.
стр. 653
فقال أبو يوسف: لو كنت فقيهًا ما تكلمت في الصلاة".
فقال الرشيد: ما سرني بها خمر النعم": يعني بجواب أبي يوسف للمكي.
مسألة: [الصلاة في السفينة، وكيفيتها].
قال أبو جعفر: (ومن صلى فريضة في سفينة قاعدًا، وهو يطيق القيام: فإن ذلك يجزئه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يسف ومحمد: لا يجزئه إلا من عذر".
قال أبو بكر: لأبي حنيفة ما روى أنس بن سيرين قال: "خرجت مع أنس بن مالك ﵁ بأرض بثق شيرين، حتى إذا كنا بدحلة حضرت الصلاة، فأمنا قاعدًا على بساط السفينة، وإن السفينة لتجر جرًا.
стр. 654
ولا يروي عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
قال أبو بكر أحمد: هذا إنما يجيزه أبو حنيفة إذا كانت السفينة سائرة، فأما إن كانت موثقة في الشط: لم تجزه الصلاة إلا قائمًا، كما رواه معلى عن أبي حنيفة.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: هو مسيء في الصلاة في السفينة قاعدًا، وتجزئة، قال: وقال أبو حنيفة: إن كانت السفينة على قرار الأرض: لم يجزئه أن يصلي جالسًا.
* ومن جهة النظر: أن فرض القيام لم يثبت في الصلاة إلا في موضع استقرار، بدلالة أن الراكب في الحال التي تجوز له فيها الصلاة راكبًا، ليس عليه فيها فرض القيام، لأجل عدم الاستقرار، فلما جازت الصلاة في السفينة بالاتفاق، وهي سائرة، دل ذلك على أنه ليس عليه فرض القيام.
ولأبي يوسف ومحمد: أن القيام من فرض الصلاة، فلا يجوز تركه مع القدرة عليه، كما لا يجوز ترك الركوع والسجود إلى الإيماء مع الإمكان.
*****
стр. 655
باب صلاة الجمعة
مسألة: [أذان الجمعة وما يحظر عنده ووجوب الخطبة]
قال أبو جعفر: (وإذا زالت الشمس يوم الجمعة، جلس الإمام على المنبر، وأذن المؤذنون بين يديه، وامتنع الناس من الشراء والبيع، وأخذوا في السعر إلى الجمعية، فإذا فرغ المؤذنون من الأذان، قام الإمام فخطب خطبتين، يفصل بينهما بجلسة خفيفة).
قال ابو بكر أحمد: وذلك لقول الله : ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فأسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾، فانتظمت الآية معاني:
منها: الأذان للجمعة، ولزوم السعي إليها، وترك الاشتغال بالبيع، والخطبة: لقوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾.
والنهي عن البيع، وإن كان مخصوصًا بالذكر، فليس المقصد فيه
стр. 656
البيع، دون غيره من الأمور الشاغلة عن الجمعة، وإنما ذكر البيع؛ لأن أكثر من كان يتخلف عنها لأجل البيع، وكان البيع من عظيم منافعهم ومقاصدهم.
ونص على البيع، وعقل به أن ما دونه مما يشغل عنها: أولى بأن يكون منهيًا عنه، كما قال الله : ﴿فلا تقل لهما أف﴾، فأعلم أن هذا القدر إذا كان محظورًا، فما فوقه أولى بذلك.
وكما قال: ﴿ولحم الخنزير﴾، وجميع أجزائه محرم.
وهو كقول النبي ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، ومعلوم أن جميع ما يشغل عن صلاة الإمام داخل في النهي، لكنه نص على الصلاة، ليعلم أن ما سواها أولى بالنهي.
وروى أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة إذا مالت الشمس"، وكان الأذان والإقامة- كما ذكر أبو جعفر- في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان خلافه عثمان ﵁، وكثر الناس، أمر عثمان يوم الجمعة
стр. 657
بالأذان الثالث، كذلك رواه الزهري عن السائب بن يزيد ﵁.
* وقوله: (فاسعوا إلى ذكر الله) يدل على وجوب الخطبة: لأنه لا ذكر هناك يجب السعي إليه بعد الأذان إلا الخطبة، ولما أوجب السعي إليها، دل على وجوبها، إذ لا جائز أن يكون السعي واجبًا، إلا وهي واجبة؛ لأنها لو كانت نفلاً، جاز تركها، وترك السعي إليها.
وروى ابن عمر، وجابر بن سمرة ﵃ "أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين يجلس بينهما".
* وقوله تعالى: ﴿فأسعوا إلى ذكر الله﴾: يدل أيضًا على أن الخطبة جائزة بكل ما كان ذكر الله، قليلاً كان أو كثيرا، فحصلت فوائد الآية على خمسة أوجه منها:
الأذان للجمعة، ووجوب الخطبة، وجوازها بكل ذكر، ولزوم السعي، ولزوم ترك البيع.
стр. 658
مسألة: [الجمعة ركعتان]
قال أبو جعفر: (إذا فرغ الإمام من خطبته، أقام المؤذنون الصلاة، وصلى بهم الجمعة ركعتين).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه كان يصليها كذلك.
* قال: (ويقرأ في الأولى منهما بفاتحة الكتاب وسورة الجمعة، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورة المنافقين، وإن قرأ غيرهما أجزأه).
قال أبو بكر أحمد: كره أصحابنا أن يقصد سورة بعينها، يقرأها لا يقرأ غيرها؛ لأنه لا ينبغي أن يتخذ شيئًا من القرآن مهجورًا.
وقد روي أن النبي ﷺ "قرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون".
стр. 659
وروي "أنه قرأ فيها بـ: سبح اسم ربك الأعلى، و: هل أتاك حديث الغاشية".
وروي "أنه قرأ فيها سورة الجمعة، و: هل أتاك حديث الغاشية".
وهذا يدل على أنه لمي كن يدوم على قراءة شيء واحد، لا يقرأ بغيره
مسألة: [من أدرك إمام الجمعة في التشهد]
(ومن أدرك الإمام في يوم الجمعة في التشهد، أو فيما سواه، صلى ما أدرك معه، وقضى ما افته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وفي قول محمد: يصلي أربعًا إن لم يدرك معه ركعة، ويقعد في الركعة الثانية مقدار التشهد، فإن لم يفعل صلى الظهر أربعًا).
* الحجة للقول الأول: قو النبي ﷺ : "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا"، ومعلوم أن المراد فما فاتكم من صلاة الإمام؛ لأن قوله: "ما أدركتم": يعني من صلاة الإمام، والذي فاته مع الإمام: ركعتان، فيقضيهما، ولو أمر بفعل الأربع: كان قاضيًا لما لم يفته.
* ومن جهة النظر: أنه أدركه في حال بقاء التحريمة، فصار كمدركه في أولها، والدليل عليه: أن مسافرًا لو دخل في صلاة مقيم في هذه
стр. 660
الحال، لغير فرضه إلى فرض إمامه، وكان إدراكه له في آخرها، كهو في أولها.
* ويدل عليه أيضًا: اتفاق الجميع أنه لو أدرك معه ركعة بني على الجمعة، والمعنى فيه إدراكه مع بقاء التحريمة.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى، وإن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا".
وروي في بعض الألفاظ: "من أردك دونها: صلى أربعًا".
قيل له: هذا حديث واه ضعيف، لا يثبته أهل النقل على هذا الوجه، وإنما أصله ما رواه معمر والأوزاعي ومالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أدرك من صلاة ركعة، فقد أدركها".
стр. 661
قال معمر عن الزهري: "فنرى أن الجمعة من الصلاة".
فهذا هو أصل الحديث، وفيه بيان أن ذكر الجمعة ليس من كلام النبي ﷺ ؛ لأنه لو كان من النبي ﷺ ، لما أخبر به عن رأيه.
وقد رواه عبد الرازق بن عمر الدمشقي والحجاج بن أرطاة، فذكرا فيه الجمعة.
ويجب أن يكون ذكر الجمعة فيه م كلام الزهري مدرجًا في الحديث.
وأيضًا: فلو ثبت أن قوله: "من أدرك من الجمعة ركعة، أضاف إليها أخرى": من كلام النبي ﷺ ، لم يدل على أن ما دوها، فحكمه بخلافه.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة من العصر، فقد أدرك"، وحكم ما دونها بمثابتها في لزوم الفرض لإدراكه.
стр. 662
وأما قوله: "ومن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا": فإنه رواه ابن المبارك عن أشعث بن سواء عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى، وإن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا".
فجعل ذلك من قول ابن عمر ﵄، وهو الصحيح.
فإن قيل: قد روي بهذا اللفظ عن النبي ﷺ .
قيل له: ليس فيه أن النبي ﷺ قالك "فإن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا".
ولو ثبت أن الكلام الأول من قول النبي ﷺ ، لما دل على أن الأخير من قوله، لاحتمال ان يكون من قول الراوي، أدرجه في الحديث.
كما روى قتادة عن الحسن عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "عهده الرقيق ثلاثة أيامن فإن وجد داء في الثلاث: رد بغير بنية، وإن وجد داء بعد الثلاث: كلف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء".
والكلام الآخر من قول قتادة من عند قوله: "إن وجد" إلى: "الداء"، وقد بين ذلك في أخبار أخر، فلا يمتنع أن يقول الراوي: قال النبي
стр. 663
صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الجمعة، فقد أدرك"، ويقول موصولاً بذلك من قبل نفسه: "وإن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا، فيكون ذلك من فتيا الرواي.
ولوث بت عن النبي ﷺ ذلك من قوله، كان معناه: إن أدركهم جلوسًا بعد السلام، قبل الانصراف؛ لأنه لم يقل: "أدركهم جلوسًا في الصلاة".
فإن قيل: روى بشر بن معاذ عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى، ومن أدرك دونها صلى أربعًا".
قيل لهك هذا غلط لم يروه أحد من المشهورين عن الزهري.
ولو ثبت كان إخبارًا عن المعنى عنده، لا لفظًا من النبي ﷺ .
وأيضًا قوله: "ومن أدرك دونها": من قول الراوي على ما بينا.
مسألة: [وقت الجمعة]
قال: (ولا تجزئ الجمعة إلا في وقت الظهر).
стр. 664
وذلك لأن فرض الجمعة لما كان مجملاً في الكتاب، مفتقرًا إلى البيان، ثم لم يرد عن النبي ﷺ فعلها إلا في وقت الظهر، صار فعله لها على هذا الوجه على الوجوب.
ويدل عليه أيضًا قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، والنبي ﷺ صلاها في وقت الظهر.
وأيضًا: لو جازت في وقت العصر، لجازت في وقت المغرب؛ لأنها كانت تفعل في الوجهين جميعًا، إن فعلت على وجه القضاء.
مسألة: [من شروط صلاة الجمعة: المصر الجامع].
قال: (ولا تكون إلا في مصر جامع).
وذلك لما روي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع".
وهو قول علي ﵁.
وأيضًا: فإن فرض الجمعة لازم للكافة، ولو وجبت في غير مصر.
стр. 665
جامع، لورد النقل بها متوترًا في القرى، ومياه الأعراب، والرساتيق.
كورودها في الأمصار، لعموم الحاجة إليه.
فإن فيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، فمن تركها استخفافًا بها، وجحودًا لها، فلا جمع الله له شمله".
قيل له: لو كان هذا عمومًا في سائر المواضع، خصصناه بما ذكرنا. ولأن أخبار الآحاد لا تقبل فيما عمت الحاجة إليه.
فإن قيل: روى كعب بن مالك ﵁ أن أسعد بن زرارة ﵁ أول من جمع في حرة بني بياضة.
قيل له: ليس فيه أن النبي ﷺ أمره بها، ولا أنه علم، فأقره عليها، وما لم يكن من فعل الصحابي على أحد هذين الوجهين: فلا حجة فيه.
وأيضًا: فلا خلاف أنها لا تفعل البادية، ولا في مياه الأعراب،
стр. 666
وخبرك يوجب جوازها في هذه المواضع، وهذا لا خلاف فيه.
فإن قيل: روي عن ابن عباس ﵄ أن أول جمعة جمعت في الإسلام بجواثًا، قرية من قرى البحرين.
قيل له: العرب تسمى المصر قرية، قال الله تعالى: ﴿وكأن من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك﴾، وقال تعالى: ﴿ولتنذر أم القرى﴾.
مسألة: [اشتراك السلطان لإقامة الجمعة]
قال: (ولا يقوم بها إلا ذو سلطان).
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلمك "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وكان فعله لها بإمام، فهو سلطان.
وقد روى نحو قولنا عن الزهري، وسليمان بن يسار، ورواه
стр. 667
الحسن عن رجل من اصحاب النبي ﷺ .
وأيضًا: لما لم يجز لكل واحد من الناس فعلها منفردًا دون الاجتماع.
أشبهت الحدود التي لا لزم الكافة إقامتها، لم يجز لكل واحد إقامتها منفردًا قيام الإمام بها.
وليست كسائر الصلوات؛ لأن لكل أحد فعلها منفردًا.
وأيضًا: لما كان فعل النبي ﷺ للجمعة على وجه البيان، كان الإمام شرطًا فيها، لأنه يقتضي الوجوب، وكذلك فعلها.
ولم ينقل أيضًا فعلها من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا إلا بسلطان، فدل أنه من شرطها.
وأيضًا: لو جازت بغير سلطان، لتنازعها الناس، ولجاز لكل أحد أن يفعلها في مسجد، فاحتيج لذلك فيها إلى سلطان يقيم رجلاً بعينه، ليقطع التنازع، ويحسم الخلاف.
مسألة: [العدد الذي تنعقد به الجمعة]
قال أبو جعفر: (ولا تقوم الجمعة إلا بثلاثة سوى الإمام، وقال أبو يوسف بأخرة: اثنان سوى الإمام).
قال أبو بكر: الحجة قول الله : ﴿وإذا نوى للصلاة من يوم
стр. 668
الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾
واقتضى ظاهرة جوازها بقليل العدد وكثيرة، فبطل به قول من شرط أربعين رجلاً.
فإن قيل: نثبت أنها جمعة أولاً، ثم نعتبر العموم.
قيل له: ليس كذلك؛ لأنه أمرنا بالسعي إلى الذكر إذا نودي للصلاة؛ فاقتضى الظاهر وجوبها بحصول النداء.
ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ : "إن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا"، ولم يشترط عددًا، فظاهره يقتضي جوازها بسائر الأعداد.
وأيضًا: روي عن جابر بن عبد الله ﵁ في قول الله : ﴿وتركوك قائمًا﴾: قال: قدمت عير فانفضوا إليهان ولم يبق إلا أثنا عشر رجلاً.
ولم تختلف الرواية أن ذلك كان في شأن الجمعة، ولم يذكر رجوعهم بعد ما انفضوا، ومعلوم أن النبي ﷺ لم يترك الجمعة منذ قدم المدينة، فدل على أنه صلاها بهذا العدد؛ لأنهم لو كانوا رجعوا
стр. 669
لنقل، فلما لم ينقل: لم يجز إثبات رجوعهم، فدل على بطلان اعتبار الأربعين.
وروى الواقدي بأسانيد ذكرها أن أول من جمع في الإسلام مصعب بن عمير ﵁ حين قدم المدينة، وأمره النبي ﷺ وهو بمكة، كتب إليه أن يصلي الجمعة بعد زوار الشمس ركعتين.
وأن يخطب، فجمع مصعب بن عمير ﵁ في دار سعد بن خيثمة ﵁، وهم اثنا عشر رجلاً.
قال الواقدي: وقد روى قوم من الأنصار أن أول من جمع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة ﵁.
стр. 670
وأيضًا: فقد اتفق الجميع على أن من شرائطها: جمعًا تنعقد بهم الجمعة سوى الإمام، وقد وجدنا الجمع الصحيح ثلاثة، وما دونها من الجمع مختلف فيه، ألا ترى أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان إذا كان معه رجلان، أقام أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، فوجب أن لا يختلف حكم الثلاثة وما فوقها إذا لم يختلفا من حيث هو جمع صحيح، يصلح أن يكونوا أئمة في الجمعة.
وكما اتفقوا في الأربعين، كان الثلاثة مثلهم، لاتفاقها في باب الجمع الصحيح.
فإن قيل: في حديث كعب بن مالك: أن أول جمعة جمعت بالمدينة، بأربعين رجلاً.
قيل له: ليس فيها: لا يجوز بأقل منها، وهو كما روي عن النبي ﷺ "أنه قطع رجلاً في جمل سرقه"، فلا يكون تقديرًا
следующие страницы →