Полный текст (3 930 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وروى أن عبدالله بن مسعد وحذيفة ﵄ قاما فنهيا الناس عن الصلاة قبل صلاة الإمام يوم الفطر.
وعن ثعلبة بن زهدم أن عليًا استخلف أبا سمعود ﵄ على الكوفة، فخرج يوم العيد، فرأى أناسًا يصلون فقال: يا أيها الناس ليس من السنة أن يصلي قبل العيد.
مسألة: [جواز التيمم لصلاة العيد عند عدم الماء]
(وإذا أحدث رجل بعد دخوله في صلاة العيد، أو قيل وليس بحضرته ماء: تيمم وصلي.
وفي قول أبي يوسف ومحمد: إذا أحدث بعد الدخول في صلاة الإمام: لا يتيمم، أما قبل الدخول: فإنه يتيمم).
لأنا لو أمرنا بالوضوء توضأ ليصلي؛ والطهارة إنما تجب للصلاة، ألا ترى أن الحائض لا طهارة عليها؛ لأنه لا صلاة عليها، وكذلك من ليس عليه صلاة، لا طهارة عليه، فإذا تكليفه استعمال الماء لا ليصلي به ساقط، فجاز له التيمم.
وأما إذا دخل مع الإمام، ثم أحدث، فهو كذلك؛ لأن كل حال يجوز عليها الابتداء، جائز عليها البناء، فلما جاز له الابتداء بالتيمم، جاز له البناء.
стр. 702
وفي قولهما: يتوضأ؛ لأن لا يخاف الفوت؛ لأنه يبني على صلاة الإمام وإن جاء وقد فرغ من صلاته، ألا ترى أنه يصح له الدخول في التشهد، ويقوم ويلي منفردًا صلاة العيد؛ لأنه يبنيها على صلاة الإمام.
مسألة: [لا قضاء لصلاة العيد]
قال أبو جعفر: (ومن فاتته صلاة العيد لم يفضها)
ولك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع".
واسم التشريق يتناول صلاة العيد؛ لما روي عن السلف في تأويله، ولما ثبت أنها متعلقة بالمصر - كما وصفنا - تعلقت بالجماعة والإمام، كصلاة الجمعة.
وأيضًا: لم تنقل إلا بإمام وجماعة، فلا تجوز إلا على الوجه الذي نفلت عليه.
وقال النبي ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وكذلك صلاها النبي ﷺ .
стр. 703
مسألة: [وقت تكبيرات التشريق]
قال: (وتكبير التشريق في قول أبي حنيفة من صلاة يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، ثماني صلوات.
وفي قول أبي يوسف ومحمد: من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق".
قال أبو بكر أحمد: اختلف السلف فيه، فاتفق علي وعمر وعبد الله بن مسعود ﵃ في الابتداء على أنه من صلاة الفجر يوم عرفة.
واختلفوا في القطع، فقال علي، وعمر ﵄ في أحد قوليه: يقطع بعد العصر من آخر أيام التشريق.
وروي عن عمر ﵁ أنه يقطع بعد الظهر.
وقال ابن مسعود ﵁: إلى صلاة العصر من يوم النحر، يكبر.
стр. 704
في العصر ثم يقطع.
ثم اتفق عبد الله بن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃ في الابتداء على أنه من صلاة الظهر يوم النحر، واختلفوا في القطع: فقال ابن عباس ﵄: إلى صلاة الظهر من أخر أيام التشريق، يكبر في الظهر ثم يقطع.
وقال ابن عمر ﵄: إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، يكبر في الفجر، ثم يقطع.
وقال زيد بن ثابت ﵁: إلى صلا ة العصر من آخر التشريق.
* لأبي حنيفة ما روي عن جماعة من السلف في معنى قوله تعالى: ﴿في أيام معلومات﴾: أنها أيام العشر، ومنهم من جعلها يوم النحر
стр. 705
ويومين بعده، وقيل في المعدودات: إنها أيان منى.
وقد حصل من اتفاق الجميع ان يوم النحر من المعلومات، فثبت أن المعلومات مرادة بالتكبير؛ لاتفاق الجميع على أنه يكبر يوم النحر، فلو خلينا وظاهر قوله: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ لأوجبنا التبكير في سائر أيام العشر، فلما اتفق الجميع على سقوطه فيما قبل يوم عرفة، أخرجناه من الظاهر بالاتفاق، وأوجبنا فيما عداه من الأيام العشر، وهو يوم عرفة ويوم النحر، إذ هما من المعلومات، ولم تقم الدلالة على أن ما بعد ذلك مراد بالتكبير، فلم نوجيه فيه.
وأيضًا: فإن إثبات هذا الضرب من المقادير طريقة من التوقيف بالاتفاق، وذلك معدوم فيه، فلم نثبته.
فإن قيل: إنما قال الله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على رزقهم من بهيمة الأنعام﴾، وليست هذه صفة تكبير التشريق؛
стр. 706
لأنه مفعول عقيب الصلاة، لا على الأضاحي والهدايا.
قيل له: المراد - والله أعلم - لما رزقهم الله، كقوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾: معناه: لما هداكم.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وأذكروا الله في أيام معدودات﴾، وقيل: إنها أيام منى، فهلا أوجبت التكبير فيها بالظاهر؟
قيل له: ليس لمراد به الذكر المفعول عقيب الصلوات؛ لأنه قد علق به من غير الحكم، ما لا يجوز ان يكون راجعًا إليه، وهو قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾، وهذا الحكم مختص برمي الجمار، والنفر من منى، فدل على أن المارد به الذكر المفعول عند الرمي.
* ولأبي يوسف ومحمد: أنهم لما اختلفوا، ولم يكن معنى دلالة من الأصول تشهد لأحد من أقوال دون الآخر، أخذنا بالاحتياط في فعل الأكثر.
فإن قيل: فيلزمهم في تكبيرات العيد مثله.
قيل له: هناك شواهد من الأصول دالة على صحة قولنا، دون قول المخالف، فلذلك لم يجب الأخذ بالأكثر.
стр. 707
مسألة: [من تجب عليه تكبيرات التشريق]
قال: (وقال أبو حنيفة: هذا التكبير على المقيمين في جماعات المكتوبات في الأمصار، وليس على منفرد، ولا في السواد، ولا على المسافرين، ولا عل النساء إذا صلين وحدهن.
وقال أبو يوسف ومحمد: على كل مصلي فرض، كائنًا من كان).
قال أبو بكر: لأبي حنيفة ما روي عن النبي ﷺ ، وعن علي ﵁: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع".
واسم التشريق يتناول صلاة العيد وتكبير التشريق والأضحية، وعموم اللفظ ينفي ذلك كله في غير مصر.
ويدل على أن التكبير مراد به، ما ذكر في خبر آخر: "لا جمعة، ولا تشريق، ولا [صلاة فطر]، ولا أضحى إلا في مصر جامع".
وإذا ثبت أنه مخصوص بالمصر، وجب أن يكون مخصوصًا بالجماعة، وبمن تجب عليه الجماعة كالجمعة.
وأيضًا: لما كان التكبير مخصوصًا بوقت، يسقط بفوات وقته: أشبه الجمعة وصلاة العيد، فلم يلزم إلا أهل الأمصار.
стр. 708
* وأما يوسف ومحمد: فإنهما أوجباه على كل مصلي فرض، لأنه قد ثبت أن ذلك من سنة الفرض في هذه الأوقات، فلا يختلف حكمه بالمصر ولا بغيره.
*****
стр. 709
باب صلاة الخوف
[مسألة: مشروعية صلاة الخوف، وصفتها]
قال: (إذا كانت صلاتهم في الخوف ركعتين، جعلهم طائفتين: إحداهما مع الإمام، والأخرى بإزاء العدو، فصلى بالأولى منهم ركعة وسجدتين، ثم تذهب هذه الطائفة، وتجيء الطائفة التي بإزاء العدو.
فتدخل مع الإمام، فيصلي بها ركعة وسجدتين، ثم يتشهد، ويسلم، ثم يقومون فينصرفون إلى مقامهم بإزاء العدو، وتجيء الطائفة الأولى، فتقضي ركعة وسجدتين بغير قراءة، وتنصرف إلى وجاه العد، وتجيء الطائفة الثانية، فتقضي ركعة وسجدتين بقراءة وتشهد وتسليم).
قال ابو بكر أحمد: اختلف الصدر الاول، وسائر فقهاء الأمصار في صلاة الخوف، وروي عن النبي ﷺ فيها أخبار مختلفة، وفي ذكر جميع ذلك ضرب من الإطالة، فنقتصر منه على ما يليق بالحال؛ لأنا قد بيناه في "مسائل الخلاف"، فنقول:
إن قول أبي حنيفة ومحمد في صلاة الخوف ما ذكرناه.
ولأبي يوسف في صلاة الخوف ثلاثة أقوال: أحدها مثل قول أبي حنيفة.
стр. 710
والثاني: ما حكاه عنه أبي سليمان الجوزجاني: أنه لا يصلي بعد النبي ﷺ صلاة الخوف بإمام واحد، ويصلي بإمامين، لئلا يكون مشيهم واختلافهم في الصلاة؛ لأن ذلك كان مخصوصًا به النبي ﷺ ، ليدرك الجميع فضيلة الصلاة خلفه، وليست هذه الفضيلة في الصلاة خلف أحد غيره".
والثالث: أنها تصلي بإمام واحد، إلا أنه إذا كان العدو في القبلة، فهي على ما روي في حديث أبي عياش الزرقي ﵁ عن النبي ﷺ ، وإحدى روايتي جابر بن عبد الله ﵁".
وهو أن يقوم الصفان جميعًا خلف الإمام، فيفتتح بهم الصلاة جميعًا، ويركع بهم، ثم يسجد بالصف الذي يليه سجدتين، والصف المؤخر قيام يحرسون، ثم يرفع هؤلاء رؤوسهم ويسجد الصف المتأخر بسجدتين، ثم يتقدم الصف المؤخر، ويتأخر الصف المقدم، فيركع بهم جميعًا، ثم يرفعون رؤوسهم، ويسجد بالصف المقدم سجدتين، والصف المؤخر يحرسونهم، ثم يسجد الصف المؤخر سجدتين لأنفسهم، ويتشهد، ويسلم بهم جميعًا.
وإذا لم يكن العدو في القبلة، فكما روي ابن عمر رضي الله عنهما
стр. 711
عن النبي ﷺ ، وهو الذي ذكرناه من قول أبي حنيفة.
* فأما الحجة في جواز صلاة الخوف بعد النبي ﷺ : فهو قول الله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾، وقال ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، وقال: ﴿فاتبعوه﴾، فعلينا الاقتداء به فيما فعله، ما لم تقم الدلالة على أنه مخصوص به دوننا.
وأيضًا: قد روي عن عظم الصحابة ﵃ صلاة الخوف بعد النبي ﷺ بإمام واحد، ولم يحك عن أحد منهم خلاف ذلك، فصار إجماعًا من الصدر الأول.
وقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم﴾. وإن كان خطابًا للنبي ﷺ ، فليس يوجب أن يكون هو مخصوصًا به؛ لأنا مأمورون
стр. 712
باتباعه، والتأسي به، وهو كقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾، ولو يوجب تخصيصها بالنبي ﷺ ، والأئمة بعده بمثابته في أخذ الصدقة.
وأما ما احتج به أبو يوسف، من أن المشي والاختلاف أبيحا في صلاة الخوف خلف النبي ﷺ ، ليدركوا فضيلة الصلاة خلفه، فليس بموجب ما ذكر، من قبل أن فعل الصلاة خلفه ﷺ لم يكن فرضًا، وإنما كان فضيلة، ويمتنع أن يكونوا أمروا بترك الفرض لأجل الفضل.
وأما حديث أبي عياش الزرقي ﵁، فرده ظاهر الكتاب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾، وفي حديث أبي عياش قيام الطائفتين معه، ثم قال: ﴿ولتأت طائفة أخرى لو يصلوا فليصلوا معك﴾، وفي حديث أبي عياش ﵁ تصلي الطائفتان معًا خلفه، ولا تأتيه، فهذه وجوه يردها ظاهر الكتاب.
وقد روى ابن مسعود وابن عمر ﵃ عن النبي
стр. 713
صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف كقول أبي حنيفة.
ويشهد لذلك ظاهر الكتاب، وهو قوله: ﴿وإذا كنت فيه فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾.
فقد عقلنا بقوله: ﴿فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾: أن الطائفة التي مع الإمام سبيلها أن تنصرف بعد الركعة الأولى.
وقوله: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا﴾: يقتضي أن تكون الطائفة الثانية لم تحرم بالصلاة مع الإمام، وأنها إنما تدخل معه في الصلاة بعد انصراف الطائفة الأولى.
* وقد روي يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة ﵁ "أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف، فصف معه طائفة، وطائفة وجاه العدو، ولى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وقاموا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم".
стр. 714
وإليه ذهب مالك والشافعي، وهذا القول مخالف لظاهر الكتاب والأصول معًا من ثلاثة أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾: فأخبر أن الطائفة الأولى لم تصل شيئًا من صلاتها عند مجيئها، ومن مذهب مخالفنا أنه يفتتح الصلاة بهم جميعًا.
والوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿فإذا سجدوا فيكونوا من ورائكم﴾: فأمرهم أن يصيروا بعد السجود من وراء القوم، وتأتي الطائفة الأخرى في تلك الحال، فقال هؤلاء: لا يكونون من ورائهم، ولكن يتمون لأنفسهم.
والثالث: قوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى﴾: وعندهم أن الطائفة لا تأتي حتى يتم هؤلاء لأنفسهم.
وأما من جهة مخالفة الأصول؛ فلأن فيه قضاء المأموم الصلاة قبل الإمام، وقد قال النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وقال: "لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود"، وقال: "لا تختلفوا
стр. 715
على إمامكم".
واستعملت الأمة هذه الآثار في منع المأموم القضاء قبل فراغ الإمام، فصار ذلك أصلاً متفقًا عليه ثابتًا بالسنة، وقولهم في صلاة الخوف ضد ذلك.
ويخالف الأصول من وجه آخر، وهو أنه قد حصل من اتفاق الجميع أن سهو الإمام يلزم المأموم، وجائز أن يكون متى قضوها قبل الإمام، أن يلحق الإمام سهو، فلا تلحقه الطائفة الأولى، فيكون فيه إسقاطه عن المأمومين، وقد لزمهم.
وقولنا موافق للأصول والظاهر جميعًا من الوجوه التي ذكرنا.
فإن قيل: قولكم يؤدي إلى استدبار القبلة والمشي والاختلاف، وذلك منهي عنه في الصلاة، وإجازته في الصلاة مخالفة للأصول.
قيل له: لا خلاف أن استدبار القبلة والمشي جائزان في الصلاة في حال الخوف، ومخالفنا يجيز المسايفة والمطاعنة، فلم نخالف الأصول.
مسألة: [صلاة المغرب حال الخوف].
قال أبو جعفر: (وإن كان ذلك في صلاة المغرب، صلى بالطائفة
стр. 716
الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة).
وذلك لأن حكم الصلاة إن انقسم بينهم، فتستحق كل طائفة نصفها، والركعة لا تتبعض، فتستحق جميعها كسائر الأشياء التي لا تتبعض، إذا ثبت بعضها جميعها، مثل دم العمد، إذا عفا عنه أحد وليين، وإيقاع نصف تطليقة، وجعلت عدة الأمة حيضتين؛ لأنها قد استحفت حيضة ونصفًا، فلما ثبت النصف ثبت الجميع؛ لأنها لا تتبعض.
[مسألة:]
ولو كان مقيمًا فصلى الظهر، صلى بكل طائفة ركعتين؛ لما ثبت من وجوب قسمة الصلاة بينهم بالسواء.
* وتقضي الطائفة الأولى في هذه المسائل بغير قراءة؛ لأنهم أدركوا أول الصلاة، فهم بمنزلة من نام خلف الإمام أو أحدث.
وتقضي الطائفة الثانية بقراءة؛ لأنها مسبوقة بالأولى، لم تدرك الإمام فيها.
مسألة: [صلاة الخوف ركبانًا بالإيماء].
قال أبو جعفر: (وإذا لم يتهيأ لهم النزول عن دوابهم: صلوا عليها، يومئون إيماء حيث كانت وجوههم، ويجعلون السجود أخفض من الركوع).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن
стр. 717
خفتم﴾، ,هذا القصر هو الإيماء؛ لأنه متعلق بالخوف، وقصر أعداد الركعات غير متعلق بالخوف.
ولقول الله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركبانًا﴾.
وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: "صل قائمًا، فإن لم تستطع: فقاعدًا، فإن لم تستطع: فعلى جنبن نوعي إيماء".
وقال تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فيجوز له في حال العذر ترك القبلة بالظاهر.
[مسألة: لا صلاة أثناء القتال]
قال أبو بكر أحمد: قال أصحابنا: لا يصلي في حال القتال؛ لأن النبي ﷺ ترك يوم الخندق أربع صلوات حتى كان هوى من الليل، ثم صلاهن، وقال: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى".
فأخبر أنهم شغلوه بالقتال عن الصلاة، ولو كانت صلاة الخوف جائزة في حال القتال، لما تركها في وقتها.
стр. 718
وقد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي جميعًا أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل غزوة الخندق، وقد صلى النبي ﷺ صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، فثبت أن صلاة الخوف قد كانت نزلت قبل الخندق، فلما ترك النبي ﷺ فيها صلاة الخوف لأجل القتال، دل على أن القتال يمنع الصلاة.
*****
стр. 719
باب صلاة الكسوف
[مسألة: صفة صلاة الكسوف]
قال: (وصلاة كسوف الشمس ركعتان كسائر التطوع، ولا بأس بأن يصليها الإمام بالناس جماعة).
قال أبو بكر: وذلك لما روي على بن أبي طالب، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو، وسمرة بن جندب، وأبو بكرة، والمغيرة بن شعبة ﵃ "أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس ركعتين، كهيئة صلاتنا".
стр. 720
وروى قبيصة البجلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما هذه الآيات يخوف الله بها، فإذا رأيتموها، فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة".
فإن قيل: روي عن ابن عباس وعائشة ﵃ "أن النبي ﷺ ركع ركوعين في كل ركعة".
قيل له: روى النعمان بن بشير ﵁ وغيره "أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين، ويسلم حتى انجلت".
فجائز أن يكون قد كان سجد بين الركوعين ولم يعلم به من روى أنه لم يكن بينهما سجود، فكانت رواية من روى أن بين كل ركوعين سجدتين أولى؛ لأنه زائد على الأول.
على أنه قد روي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ "ثلاث ركعات في كل ركعة"، بمثل إسناد الركوعين، فغن صح الركوعان: صح الثلاثة، وفيه زيادة على الركوعين، فيكون أولى.
стр. 721
وأيضًا: لما اختلفت الرواية فيها: كان ما وافق الأصول منها أولى.
فإن قيل: وجدنا كل صلاة سن فيها الاجتماع تختص بزيادة معنى كصلاة العيدين اختصت بزيادة التكبيرات، فوجب أن يكون ي صلاة الكسوف زيادة معنى ليست في غيرها، ولم يشترط أحد غير الركوع، فوجب أن يزاد فيها.
قيل له: فصلاة الجمعة، وصلاتا عرفة، وسائر الصلوات المكتوبات قد سن فيها الاجتماع، ولم تختص بزيادة معنى فيها.
فإن قيل: خصت الجمعة بالخطبة.
قيل له: الخطبة ليست من الصلاة، فتكون زيادة فيها، وإنما يجمع بينها بحكم واحد، وأما إذا كان أحد الحكمين زيادة تكبيرات، والآخر زيادة ركوع، فكيف يصح رد أحدهما إلى الآخر.
ولا يصلي للكسوف إلا في وقت يجوز فيه التطوع؛ لأنها تطوع.
[مسألة:]
(وقال أبو حنيفة: لا يجهر فيها بالقراءة.
وذلك لما روي عن النبي ﷺ قال: "صلاة النهار عجماء"، يعني لا يفصح فيها بالقراءة.
стр. 722
وقد روي ابن عباس وسمرة ﵃ "أن النبي ﷺ لم يسمع له صوت في صلاة الكسوف".
فإن قيل: قد روي أنه جهر فيها بالقراءة.
قيل لهك إذا اختلفت الأخبار، كان ما وافق الأصول منها اولى بالاستعمال، وقولنا موافق للأصول؛ لأن صلاة النهار عجماء في سائر الفروض.
* ولأبي يوسف ومحمد: أنها بمنزلة العيدين والجمعة، لما سن فيها من اجتماع الكافة والإمام.
مسألة: [صلاة الكسوف فرادى]
قال أبو جعفر: (ويصلي الناس في كسوف القمر كذلك؛ إلا أنهم يصلون فرادى، ولا يجمعون).
وذلك لأنه قد كان لا محالة في زمن النبي ﷺ كسوف القمر، كما كان يكون كسوف الشمس، فلو كان فيها جماعة مسنونة، انتقلت كما نقل في كسوف الشمس.
وقال النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات
стр. 723
الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئًا، فافزعوا إلى الصلاة"، ولم يذكر فيه جماعة ولا غيرها.
*****
стр. 724
باب صلاة الاستقساء
[ليس للاستقساء صلاة، وإنما دعاء]
قال أبو جعفر: (قال أبو حنيفة: ليس في الاستقساء صلاة، ولكن يخرج الإمام بالناس فيدعو).
قال ابو بكر أحمد: قد ذكر محمد عن أبي حنيفة في الأصل، ومعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه ليس فيه صلاة جماعة، ولكن الدعاء والاستغفار.
ويشبه أن يكون مراده: أن الصلاة فيه ليست بواجبة ولا مسنونة، كصلاة العيدين والكسوف، وأن الإمام مخير بين فعلها وتركها.
وذلك لما روى أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ دعاء في الاستقساء"، ولم يذكر صلاة.
وروى شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة، أو مرة بن كعب رضى
стр. 725
الله عنه وكان من أصحاب النبي ﷺ "أن النبي ﷺ دعا في الاستقساء"، ولم يذكر صلاة.
وروي عن عمر ﵁ أنه خرج يستسقي، فما زاد ى الاستغفار.
فقيل له في ذلك؟
فقال: لقد استسقيت بجاديح السماء التي يستنزل بها الغيب، قال الله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا * يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾.
ولو كانت الصلاة مسنونة فيه، لما خفي أمره على عمر ﵁، ولو خفى عليه لم يخف على من حضره من الصحابة ﵃.
وروى عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد ﵁ "أن النبي ﷺ في الاستقساء، وخطب ودعا"
стр. 726
وكذا روى ابن عباس وأبو هريرة ﵃ "أن النبي ﷺ صلى ركعتين، ثم خطب".
والنظر يدل على أنه ليس فيه صلاة مسنونة، لاتفاق الجميع على ان الزلازل، وكثرة الأمطار، والرياح العواصف الهائلة، لي فيها صلاة مسنونة، وإنما فيها الدعاء، فكذلك الاستقساء قياسًا عليها، والمعنى في جميعها: أن الدعاء فيها من أجل خوف الحادث من هذه الأشياء.
فإن قيل: يلزمه مثل في الكسوف، لوجود الخوف.
قيل له: ليس يخاف من الكسوف شيء، وإنما هو آية وأعجوبة، يفزع فيها إلى اله على جهة التعظيم والإجلال، وما ذكرنا، من القحط وتأخر المطر والزلازل إنما هو لرفع ضرر ما قد وجد من هذه الأشياء.
* (وقال أبو يوسف: يصلي ركعتين، ثم يخطب، ويدعو، وهو منتكب قوسًا، مقلب رداءه: بأن يجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وإن
стр. 727
كان طيلسانًا أو خميصة يثقل قلبها: حول يمينه على شماله، وشماله على يمينه، وقال محمد: يصلي ركعتين، ثم يخطب كخطبة العيد، ويجهر بالقراءة).
قال أبو بكر أحمد: وقد روى الزهري عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد ﵁ في صفة صلاة الاستقساء نحو قول أبي يوسف، وذكر فيه قلب الرداء نحوًا من ذلك.
*****
стр. 728
باب صلاة الجنائز
[مسألة: غسل الميت]
قال أبو جعفر: (يجرد الميت إذا أريد غسله، ويوضع على تخت ....)
إلى آخر ما ذكر.
قال أبو بكر أحمد: يوضأ وضوءه للصلاة أولاً، لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا خالد عن حفصه بنت سيرين عن أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لهن في غسل ابنته: "ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها".
ولأن من سنة الغسل أن يبدأ فيها بالميامن، وذلك لحديث أم عطية ﵂.
* (ولا يمضمض، ولا ينشق)
وذلك لأنه لا يتهيأ ذلك فيه؛ لأن المضمضة والاستنشاق ليس هو حصول الماء في الفم والأنف فحسب؛ لأنه لو شرب الماء لم يكن
стр. 729
متمضمضًا، ولا مؤدبًا لسنة الطهارة، والمضمضة أن يأخذ الماء في فيه، فيديره فيه بالمضمضة، ثم يمجه، والاستنشاق أن يجذب الماء بنفسه إلى أنفه، وذلك غير ممكن في الميت، فلذلك سقط في غسله.
* قال: (ثم يغسل رأسه ولحيته بالخطمي).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ "أن آدم غسلته الملائكة بالماء والسدر، وكفنوه في وتر، ثم لحدوا له ودفنوه، ثم قالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده".
وروي عن ابن عباس ﵄ مثله.
وفي حديث أم عطية ﵂ من رواية محمد بن سيرين ان رسول الله ص حين توفيت ابنته قال: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخر كافورًا".
* قال أبو جعفر: (ولا يسرح).
وذلك لأنه لا يؤمن تناثر شعره وسقوطه، وسبيل الشعر أن يدفن معه.
стр. 730
* قال: (ثم يوضع على شقه الأيسر، فيغسل بالماء الفراح حتى ينفي، ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت، وقد أمر غاسله قبل ذلك بالماء فأغلى بالسدر، فغن لم يكن سدر: فحرض).
وذلك لأنه ينغي أن يبدأ بالميامن في الغسل، على ما روى عن النبي ﷺ .
ويكون في الماء السدر، على ما روي في الخبر.
وقدر روي أن عليًا رضي الله عه قال حين غسل النبي ﷺ : "ما تناولت عضوًا من النبي ﷺ إلا كأنما يقلبه معي ثلاثون رجلاً".
وهذا يدل على أن حكمة أن يقلب على جنبه في حال الغسل، فيغسل أولاً، وهو على جنبه الأيسر، ثم يغسل وهو على جنبه الأيمن، ثم يغسل الثالثة وهو على جنبه الأيسر، ليحصل الغسل ثلاثًا، ويكون قد بدأ بالميامن، ويمسح بطنه في الثانية مسحًا رقيقًا، لكي إن خرج منه شيء غسله في الثالثة.
قال أحمد: وقد قال محمد: إنه يغسل رجليه في الوضوء، وقالوا:
стр. 731
في غسل الجنابة بأنه لا يغسل رجليه حتى يفرغ من الغسل، لأن موضع قيامه فيه ماء مستعمل، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ في غسل الجنابة، وأما في غسل الميت فرجلاه وسائر أعضاء وضوئه بمنزلة، إذ ليست رجلاه على الأرض، فيكون ما تحتهما من الماء مستعملاً.
* قال: (ثم ينشف بثوب).
وذلك لئلا تبتل أكفانه، وليتمكن من وضع الحنوط في مواضعه.
* قال: (ثم تبسط اللفافة بسطًا - وهو الرداء - طولاً).
وذلك لأن حكمها أن تكون فوق الثياب.
* (ثم يبسط الإزار عليها، وهو المئزر طولاً)، لأنه يلي اللفافة.
* (فإن كان له قميص ألبسه إياه، وإن لم يكن له قميص لم يضره).
وذلك لأن التكفين يحتذي به اللبس في حل الحياة، فلذلك كان الرداء فوق القميص.
* (وتجمر أكفانه، كما يوضع الكافور على مساجده، وكما يجعل في الماء الثالث).
وقد روي أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
стр. 732
وقد روي ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "البسوا هذه الثياب البيض؛ فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم".
وروى عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: "إذا أنا مت فاغسلوني، واجعلوا في آخر غسله كافورًا، وكفنوني في ثوبين: إزار وقميص، فإني رأيت رسول الله ﷺ فعل به كذلك".
* قال: (ثم يوضع الحنوط على لحيته ورأسه، والكافور على مساجده).
وهو استحباب، كما أمر بأن يجعل في الماء كافورًا.
* قال: (فإن خفت ان تنتشر أكفانه: عقدته عليه، لتحمله على سريره، فإذا وضع في قبره حلت عنه).
وذلك لأن التكفين بمنزلة اللبس في الحياة، فكما لا يعقد ثوبه في حال حياته، كذلك بعد الموت، إلا أن يخاف أن ينتشر عنه، فيعقد، ثم يحل في القبر.
стр. 733
مسألة: [ما يجزئ في الكفن]
قال أبو جعفر: (وأدنى ما تكفن فيه المرأة ثوبان وخمار)
وذلك لما وصفنا من كسوتها في حال الحياة.
* (والرجل في ثوبين).
لهذه العلة، ولما روي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: "اغسلوا ثوبي هذين، وكفنوني فيهما؛ فإنهما للمهل والتراب؛ فإن الحي أحق بالجديد من الميت".
وروي أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصته ناقته: "وكفنوه في ثوبيه".
* قال: (والسنة في المرأة أن تكفن في خمسة أثواب: درع، وخمار، وإزار، ولفافة، وخرقة تجعل الخرقة فوق ثدييها والبطن).
وذلك كما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق.
стр. 734
قال حدثنا نوح بن حكيم الثقفي، وكان قارئًا للقرآن عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال لهك داود، وقد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ زوج انبي ﷺ أن ليلى بنت قانف الثقفية ﵂ قالت: "كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقا، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر".
قالت: "ورسول الله ﷺ جالس عند الباب مع كفنها، فيناولناها ثوبًا ثوبًا".
* قال: (والسنة في الرجل ثلاثة أثواب إزار وقميص ولفافة).
وذلك لما روي أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب.
وعن النبي ﷺ : "أن الملائكة كفنت آدم ﵇ في ثلاثة أثواب، وقالت: هذه سنة موتاكم يا بني آدم".
مسألة: [لا فرق في الكفن بين المحرم والحلال]
قال أبو جعفر: (والمحرم في ذلك كالحلال)
стр. 735
قال أبو بكر: وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به بعده، وولد صالح يدعو له".
ومعلوم أن المراد إذا انقطع حكم عمله، وجب أن ينقطع حكم إحرامه، فوجب أن ينقطع إحرامه؛ لأنه من أحكام عمله، وإذا انقطع إحرامه، صار كسائر الموتى.
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "غطوا رؤوس موتاكم، ولا تشبهوا باليهود".
فإن قيل: كما لا يبطل حكم إيمانه، كذلك حكم إحرامه.
قيل له: الإحرام حكم يلزمه في نفسه لا يعدوه، والإيمان حكم يلزمه في نفسه، وتلزمنا له أحكام من أجله، كالموالاة، والميراث، والتزكية، وقبول الشهادة، فما كان منها متعلق بها، فهو باق بعد الموت، ولذلك يصلى عليه، ولما كانت أحكام الإحرام تتعلق به خاصة دوننا، ثم مات، انقطعت الأحكام التي هي لازمة له في نفسه، من اللبس والطيب وغيرهما، فلم يلزمنا له ما سقط حكمه عنه.
стр. 736
وقد اتفقنا على "أنه لو مات في الصلاة: انقطع حكم صلاته، وكذلك لو مات طاهرًا أو صائمًا؛ لأن هذه الأحكام تلزمه في نفسه، فكذلك الإحرام.
ويدل على انقطاع إحرامه: أنه لا يوقف به بعرفة، ولا يطاف به، ولا يرمي عنه الجمار، ولو كان إحرامه باقيًا: فعل ذلك كله به.
فإن قيل: روي أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصته ناقته، فمات، قالك "لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا".
قيل له: وروي أنه قال: "لا تخمروا وجهة ولا رأسه"، وقد اتفقنا على تخمير الوجه، فدل على أنه كان مخصوصًا به.
وأيضًا: بين العلة فيه، بأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، فيحتاج أن يعلم ذلك من سائر المحرمين، حتى يحكم لهم بحكمه، وهذا كما قال في جعفر بن أبي طالب ﵁: "إن له جناحين يطير بهما في الجنة"، لأنه قاتل حتى قطعت يداه.
стр. 737
وقال في حنظلة ﵁: "إن الملائكة غسلته"، لأنه قتل جنبًا، ولا يجوز الحكم لسائر من قتل على مثل هذه الأحوال بمثل هذا الحكم.
فإن قيل: قال ﷺ في قتلى أحد: "زملوهم بدمائهم وثيابهم، فإنهم يبعثون بدمائهم، وكلومهم"، ثم لم يكن ذلك مقصورًا عليهم دون غيرهم، وإن لم يعلم حقيقة أغيرهم يبعثون كذلك.
قيل له: لأنه قد روي عنه ﷺ بلفظ عام: "أن الشهيد يبعث يوم القيامة، وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، ولاريح ريح المسك"، فأطلق ذلك في سار الشهداء، ولم يختلف الفقهاء في اعتباره في سائرهم، فلذلك أثبتناه.
فإن قيل: فسائر المحرمين قياسًا على من ورد فيه الخبر، والمعنى الجامع بينهما أنه مات محرمًا.
قيل له: إنما يجب اعتبار بقاء الإحرام، لا وجوده منه بدءًا، لأن من حل من إحرامه: لم يكن إحرامه المتقدم مانعًا تخمير رأسه، وإنما يمنع
стр. 738
تخمير رأسه إحرام موجود، فإذا دللنا على انقطاع إحرامه بالمت، فاعتبارك إحرامًا كان، لا معنى له.
وأيضًا: فيجب على هذا أن من مات مصليًا لا يغسل؛ لأنه مات مصليًا، والمصلي لا يغسل.
ويدل على انقطاع إحرامه قول النبي ﷺ : "من كسر أو عرج فقد حل"، والموت أكثر منه.
مسألة: [يغسل الجنين، ولا يصلي عليه إلا إذا استهل]
قال أبو جعفر: (ويكفن الجنين، ثم يغسلن ويدفن ولا يصلي عليه، إلا أن تعلم حياته).
قال أبو بكر أحمد: ما ذكر من الغسل والتكفين، لا نعرفه عن أصحابنا في الجنين، بل قد روي عنهم أنه لا يغسل ولا يكفن، وإنما يلف في خرقة ويدفن، وذلك لأنه بمنزلة عضو من أعضائها لو باينها، ألا ترى أنه لا يصلي عليه، كما لا يصلي على العضو، فإن علمت حياته: كفن في خرقتين: إزار ورداء، حسب ما كان يلبس في الحياة.
مسألة: [لا يغسل الشهيد، ويصلى عليه]
قال أبو جعفر: (ومن قتل في المعركة لم يغسل، وصلي عليه،
стр. 739
ودفن في ثيابه، إلا أنه ينزع الحشو من الجلد والفرو والسلاح، ويزيدون ما شاؤوا، وينقصون ما شاؤوا).
قال أبو بكر: وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا زياد بن أيوب وعيسى بن يونس قالاً: حدثنا علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد الجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم".
وروى جابر وأنس ﵄ "أن النبي صلى الله عيه وسلم أمر بأن يدفن قتلى أحد بدمائهم في ثيابهم، ولم يغسلوا".
* ومن جهة النظر: إن الجلد والسلاح مما لا يكفن فيه الموتى، فينزع عنهم، ويترك عليهم ما يكفن فيه الموتى من الثياب.
* ولهم أن يزيدوا ما شاؤوا، لما روى الأعمش عن أبي وائل عن خباب ﵁ قال: "قتل مصعب بن عمير يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة، كما إذا غطينا بها رأسه، خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج
стр. 740
رأسه، فقال رسول الله ﷺ : "غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه شيئًا من الإذخر".
* وإنما قلنا: إنه يصلي عليه؛ لما روي يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة، فيصلي عليهم وعلى حمزة، ثم ترفع العشرة وحمزة موضوع، ثم توضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة، ثم ترفع".
وروى يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير ﵄ نحو ذلك في قتلى أحد.
وروى شعبة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري ﵁ النبي ﷺ "أنه صلى على قتلى أحد وعلى حمزة، يؤتي بتسعة وعاشرهم حمزة، يؤتى بتسعة وعاشرهم حمزة، فيصلي عليهم ﷺ ، ثم يحملون، ثم يؤتى بتسعة، فيصلي عليهم وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله ﷺ ".
وروي عن عقبة بن عامر ﵁ "أن النبي صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →