Полный текст (3 930 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وقد اتفقنا على "أنه لو مات في الصلاة: انقطع حكم صلاته، وكذلك لو مات طاهرًا أو صائمًا؛ لأن هذه الأحكام تلزمه في نفسه، فكذلك الإحرام.
ويدل على انقطاع إحرامه: أنه لا يوقف به بعرفة، ولا يطاف به، ولا يرمي عنه الجمار، ولو كان إحرامه باقيًا: فعل ذلك كله به.
فإن قيل: روي أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصته ناقته، فمات، قالك "لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا".
قيل له: وروي أنه قال: "لا تخمروا وجهة ولا رأسه"، وقد اتفقنا على تخمير الوجه، فدل على أنه كان مخصوصًا به.
وأيضًا: بين العلة فيه، بأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، فيحتاج أن يعلم ذلك من سائر المحرمين، حتى يحكم لهم بحكمه، وهذا كما قال في جعفر بن أبي طالب ﵁: "إن له جناحين يطير بهما في الجنة"، لأنه قاتل حتى قطعت يداه.
стр. 737
وقال في حنظلة ﵁: "إن الملائكة غسلته"، لأنه قتل جنبًا، ولا يجوز الحكم لسائر من قتل على مثل هذه الأحوال بمثل هذا الحكم.
فإن قيل: قال ﷺ في قتلى أحد: "زملوهم بدمائهم وثيابهم، فإنهم يبعثون بدمائهم، وكلومهم"، ثم لم يكن ذلك مقصورًا عليهم دون غيرهم، وإن لم يعلم حقيقة أغيرهم يبعثون كذلك.
قيل له: لأنه قد روي عنه ﷺ بلفظ عام: "أن الشهيد يبعث يوم القيامة، وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، ولاريح ريح المسك"، فأطلق ذلك في سار الشهداء، ولم يختلف الفقهاء في اعتباره في سائرهم، فلذلك أثبتناه.
فإن قيل: فسائر المحرمين قياسًا على من ورد فيه الخبر، والمعنى الجامع بينهما أنه مات محرمًا.
قيل له: إنما يجب اعتبار بقاء الإحرام، لا وجوده منه بدءًا، لأن من حل من إحرامه: لم يكن إحرامه المتقدم مانعًا تخمير رأسه، وإنما يمنع
стр. 738
تخمير رأسه إحرام موجود، فإذا دللنا على انقطاع إحرامه بالمت، فاعتبارك إحرامًا كان، لا معنى له.
وأيضًا: فيجب على هذا أن من مات مصليًا لا يغسل؛ لأنه مات مصليًا، والمصلي لا يغسل.
ويدل على انقطاع إحرامه قول النبي ﷺ : "من كسر أو عرج فقد حل"، والموت أكثر منه.
مسألة: [يغسل الجنين، ولا يصلي عليه إلا إذا استهل]
قال أبو جعفر: (ويكفن الجنين، ثم يغسلن ويدفن ولا يصلي عليه، إلا أن تعلم حياته).
قال أبو بكر أحمد: ما ذكر من الغسل والتكفين، لا نعرفه عن أصحابنا في الجنين، بل قد روي عنهم أنه لا يغسل ولا يكفن، وإنما يلف في خرقة ويدفن، وذلك لأنه بمنزلة عضو من أعضائها لو باينها، ألا ترى أنه لا يصلي عليه، كما لا يصلي على العضو، فإن علمت حياته: كفن في خرقتين: إزار ورداء، حسب ما كان يلبس في الحياة.
مسألة: [لا يغسل الشهيد، ويصلى عليه]
قال أبو جعفر: (ومن قتل في المعركة لم يغسل، وصلي عليه،
стр. 739
ودفن في ثيابه، إلا أنه ينزع الحشو من الجلد والفرو والسلاح، ويزيدون ما شاؤوا، وينقصون ما شاؤوا).
قال أبو بكر: وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا زياد بن أيوب وعيسى بن يونس قالاً: حدثنا علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد الجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم".
وروى جابر وأنس ﵄ "أن النبي صلى الله عيه وسلم أمر بأن يدفن قتلى أحد بدمائهم في ثيابهم، ولم يغسلوا".
* ومن جهة النظر: إن الجلد والسلاح مما لا يكفن فيه الموتى، فينزع عنهم، ويترك عليهم ما يكفن فيه الموتى من الثياب.
* ولهم أن يزيدوا ما شاؤوا، لما روى الأعمش عن أبي وائل عن خباب ﵁ قال: "قتل مصعب بن عمير يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة، كما إذا غطينا بها رأسه، خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج
стр. 740
رأسه، فقال رسول الله ﷺ : "غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه شيئًا من الإذخر".
* وإنما قلنا: إنه يصلي عليه؛ لما روي يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة، فيصلي عليهم وعلى حمزة، ثم ترفع العشرة وحمزة موضوع، ثم توضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة، ثم ترفع".
وروى يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير ﵄ نحو ذلك في قتلى أحد.
وروى شعبة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري ﵁ النبي ﷺ "أنه صلى على قتلى أحد وعلى حمزة، يؤتي بتسعة وعاشرهم حمزة، يؤتى بتسعة وعاشرهم حمزة، فيصلي عليهم ﷺ ، ثم يحملون، ثم يؤتى بتسعة، فيصلي عليهم وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله ﷺ ".
وروي عن عقبة بن عامر ﵁ "أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 741
صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين من مقتلهم صلاته على الميت".
وراه الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر ﵁".
روي شداد بن الهاد ﵁ "أن أعرابيًا بايع النبي ﷺ ، فقتل بين يديه، فكفنه ﷺ في جبة النبي ﷺ ، ثم قدمه، فصلى عليه".
* واختلفت الرواية عن أنس ﵁، فروي عنه "أن النبي صلى الل عليه وسلم لم يصل يوم أحد على أحد من الشهداء، إلا على حمزة".
وروي عنه "أنه لم يصل على أحد منهم".
وعن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ لم يصل على قتلى أحد".
стр. 742
وخبر المثبت أولى.
وأيضًا: يحتمل أن يكون النبي ﷺ لم يصل عليهم، وأمر غيره، فصلى عليهم، لما كان اصابه يومئذ من الشجة في وجهه، وكسر رباعيته ﷺ ".
وأيضًا: لو تضادت الأخبار، كان ما يشبه الأصول منها أولى بالإثبات، وخبرنا تشهد له الأصول، فإن في الاصول أن سقوط الصلاة على الميت بانقطاع الموالاة، ووجوب البراءة منه كالكفار وأهل البغي، والقتل على وجه الشهادة يؤكد الموالاة، فكيف يسقط الصلاة؟
فإن قيل لما سقط الغسل، وجب أن تسقط الصلاة.
قيل له: لم يسقط الغسل، وإنما قام مقامه غيره، وهو قتله شهيدًا غير جنب.
فإن قيل: يلزمك عليه أن لا يغسل الشهيد إذا كان جنبًا، لأن القتل على وجه الشهادة قام مقام الغسل.
قيل له: إنما يقوم قتل الشهيد مقام الغسل، الذي يوجبه الموت، فأما غسل وجب قبل الموت، فغن الشهادة لا تسقطه.
стр. 743
مسألة: [يغسل الشهيد عند الارتثاث]
قال أبو جعفر: (ولو حمل قبل موته، أو أكل من مكانه الذي جرح فيه، أو شرب، أو باع، أو ابتاع، أو بات: غسل).
وذلك لأن الشهيد الذي لا يغسل، هو الذي يموت على الحال التي جرح فيهان فإذا مرض، فصار إلى حال أخرى، يغسل؛ لأن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄ قتلا شهيدين وغسلا؛ لأنهما لم يموتا في الحال التي وقعت الجراحة فيها، حتى صار إلى حال التمريض.
وقد روي عن النبي ﷺ في الذي موت تحت الهدم، والمبطون، والمرأة تموت نفساء، أنهم شهداء، ولا خلاف أنهم يغسلون، فكذلك من مرض وخرج عن حال الجراحة إلى حال التمريض غسل.
стр. 744
والأكل والشرب والشراء والبيع ونحوها أشياء من أمور الدنيا، يخرج بها المجروح عن الحال التي كان عليها، فلذلك غسل.
ويدل على ذلك أيضًا: قول النبي ﷺ حين أسرع، لما أخبر بموت سعد بن معاذ ﵁، وقال: "خشيت أن تسبقني الملائكة إلى غسله، كما سبقتنا إلى حنظلة"، فقد كان سعد بن معاذ شهيدًا؛ لأنه جرج يوم الخندق.
[حكم تغسيل الشهيد إن نطق بالوصية]
قال أبو جعفر: (وإن أوصى، ولم يفعل شيئًا مما ذكرنا: لم يغسل).
قال أبو بكر أحمد: روى خلف بن أيوب عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لم يحمل حتى أوصى، فهو بمنزلة المحمول، يعني يغسل.
وقال محمد في "الزيادات": إن أوصى مثل وصية سعد بن الربيع ﵁، أو نحوها، ثم مات: لم يغسل.
وكانت وصية أن قام للرجل الذي لقيه: "اقرئ رسول الله ﷺ مني السلام، وقل له: إن بي كذا وكذا طعنة، كلها قد أصابت المقتل، وأقرئ الأنصار مني السلام وقل لهم: لا عذر لكم إن قتل
стр. 745
رسول الله ﷺ بين ظهرانيكم، وفيكم عين تطرف".
قال محمد: فإن أوصى بمثل ذلك: لم يغسل، فإن كثر ذلك من كلامه في الوصية غسل، وذلك لأن الوصية شيء من أمر الموت، إذا طالت أشبهت أمور الدنيا، فغسل.
مسألة: [القتيل مظلومًا لا يغسل]
قال أبو جعفر: (ومن قتله الخوارج، أو قتل بحديدة مظلومًا لم يغسل).
قال أبو بكر أحمد: الأصل فيه: كل مقتول ظلمًا، لم يجب عن نفسه بدل هو مال: فإنه لا يغسل، ومن وجب عن نفسه يدل هو مال، مثل قتل الخطأ، وشبه العمد، فإنه يغسل، كما يغسل لو قتل بحق.
مسألة: [غسل المرأة زوجها، والعكس]
قال أبو جعفر: (وتغسل المرأة زوجها إذا مات، ولا يغسل الرجل زوجته).
أما غسل المرأة لزوجها، فهو اتفاق من الفقهاء.
وقالت عائشة ﵂: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما
стр. 746
غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه".
وإنما يجوز لها غسله إذا كانت عدتها واجبه بالموت، ولم يحدث هناك تحريم قبل ذلك.
* وإنما لم يجز للرجل غسلها، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينظر الله عز جل إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها".
فلما اتفق الجميع، على أنه جائز له أن يتزوج ابنتها قبل غسلها، إذا لم يكن قد دخل بها، فينظر إلى فرجها، علمنا أنظره إليها محرم عليه، إلا كما ينظر الأجنبي.
وأيضًا: قول الله تعالى ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾، فلو جوزنا له النظر إلى فرجها، وفرج أختها بان يتزوجها، كان فيه جمع بين الأختين في بعض أحكام النكاح، وذلك محرم بظاهر الكتاب.
* ومن وجه النظر: أن جواز نكاح أختها دليل على وقوع الفرقة،
стр. 747
وارتفاع الزوجية، لأن نكاحها لو كان باقيًا، لما جاز له نكاح أختها، ألا ترى أنه لو طلقها في الحياة طلاقًا رجعيًا لم يكن له أن يتزوج أختها ما كانت في عدتها، لبقاء نكاحها.
وإنما إذا انقضت عدتها، جاز له أن يتزوج أختها، لارتفاع النكاح وأحكامه بينهما.
والفرق بينهما وبين المرأة، أن حكم النكاح باق مع بقاء عدة الموت، والدليل عليه أنه لا يجوز لها أن تتزوج لبقاء حكم النكاح.
فإن قيل: لو كانت هذه علة بقاء النكاح، لوجب أن يبقى مع وقوع البينونة قبل الموت مادامت في العدة.
قيل له: لم نقل إن العدة على الإطلاق توجب بقاء النكاح مع ووقع الفرقة، وإنما قلنا إن الموت لا يوجب التحريم مع وجوب العدة، وغير ممتنع في الأصول بقاء النكاح لأجل العدة.
ألا ترى أن من طلق امرأة واحدة قبل الدخول، أن النكاح يبطل فيما بينهما، لأجل عدم العدة، ولو كانت مدخولاً بها: كان النكاح باقيًا بينهما ما بقيت العدة، فكذلك الموت ليس يوجب التحريم مع بقاء العدة، ويوجبه مع عدمها بالدلالة التي قدمنا.
فإن قيل: ما يوجب التحريم لا يختص به أحد الزوجين دون الآخر فيما يوجبه من تحريم النظر، فلما وجدنا فرقة الموت لا يمنعها النظر إليه، كذلك وجب أن لا يمنعه النظر إليها، لأنه سبب واحد في حكم الفرقة، فوجب ان يستويا جميعًا فيما يتعلق به من حكم التحريم.
قيل له: هذا غلط؛ لأن الموت إنما يوجب الفرقة مع عدم العدة، ولا يوجبها مع وجودها، كالطلاق سواء، على حسب ما بينا.
стр. 748
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه دخل على عائشة ﵂، وهي تقول: وارأساه: فقال ﷺ : "لا عليك، لو مت قبلي فغسلتك، وكفنتك، وحنطتك، ودفنتك".
فأخبر بغسله لها بعد الموت.
قيل له: أما الأخبار الصحيحة، فليس في شيء منها ذكر الغسل، وإنما ذكر فيها الدفن.
ولو ثبت ذكر الغسل، لما دل على قولك، لأنه يحتمل أن يكون مراده الأمر بغسلها، كما روي أن العباس والفضل ورجلاً من الأنصار ﵃ غسلوا النبي ﷺ مع علي ﵁، وإنما علي ﵁ غسله وحده، وأعانه هؤلاء في الغسل، فأضيف الغسل إلى جماعتهم.
وقال الله تعالى: ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم﴾، ومعلوم أنه لم يكن يباشر
стр. 749
القتل، وإنما كان يأمر به، وذلك شائع في اللغة، غير مدفوع ولا مستنكر.
وأيضًا: فقد قيل: إن نساء النبي ص حرمن على المؤمنين، وكن أمهاتهم؛ لأنهن نساءه في الجنة، فكان حكم الزوجية قائمًا بينهما بعد الموت، فلذلك جاز له غسلها.
وأيضًا: روي عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة ﵂ في مرضه: "هون على وجهي أن جبريل ﵇ أخبرني أنك زوجتي في الجنة".
فإن قيل: قد روي أن عليًا غسل فاطمة ﵂.
قيل له: لأنها كانت زوجته في الدنيا والآخرة. فقال النبي ﷺ : "كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي".
стр. 750
فعلمنا أن السبب الذي كان بينهما لم يقطعه الموت.
فإن قيل: ثبوت الميراث بينهما دلالة على جناز الغسل أيهما كان الميت.
قيل له: إن الحال التي يستحق فيها الميراث، ليست مما لا يأتي فيها الغسل، ولا تزويج الأخت؛ لأن الميراث يجب بعد الموت بلا فصل، وذلك حال تنقصه الحال الثانية والثالثة وما بعدها من الأوقات التي لا يستحق بها ميراث، وهي الحال التي ينافيها الغسل، وتحريم نكاح الأخت، ولا اعتبار بالميراث في إباحة الغسل.
يدل على هذا: أن الزوج لو مات بعد ذلك، لم يبطل ميراثه منها؛ لأن هذه الحال ليست حال ميراثه منها.
مسألة: [يغسل المسلم قريبة الكافر]
قام أبو جعفر: (ويغسل المسلم ذا قرابته من الكفار).
وذلك لما روي "أن عليًا ﵁ أتى النبي ﷺ فأخبره بأن أبا طالب مات، فأمره بغسله ودفنه".
وأيضًا: فإن ما جاز أن يفعله به في حياته من الغسل والكسوة، جاز بعد موته مثله.
стр. 751
مسألة: [مؤونة التكفين من رأس المال]
قال أبو جعفر: (والكفن والحنوط من رأس المال).
وذلك لأنه بمنزلة نفقته في حال حياته، فلماك انت النفقة على نفسه متبدءًا بها في حياته على ديون الغرماء، وجب أن يكون كذلك بعد الموت، وإذا كان الكفن مقدمًا على الدين، فعلى الوصية والميراث أولى.
مسألة: [المشي بالجنازة]
قال أبو جعفر: (والمشي بالجنازة ما دون الخبب).
وذلك لما روي عن الحسن بن صالح بن حي عن يحيي الجابر عن أبي ماجد عن ابن مسعود ﵁ قال: سألنا نبينا عن السير بالجنازة، فقالك "دون الخبب، الجنازة متبوعة، وليست تابعة، ليس معها من تقدمها".
مسألة: [أحق الناس بالصلاة على الميت]
قال أبو جعفر: (وأحق الناس بالصلاة على الميت سلطان بلده).
стр. 752
لقول النبي ﷺ في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: "ولا يؤم رجل رجلاً في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه".
* قال: (وقد روي عن أبي يوسف: أن الولي أحق، فإن لم يكن: فإمام حيه).
وذلك لأنه يصلي بالأحياء، فهو أولى بالصلاة على الموتى؛ لأنه قد استحق الولاية في الصلوات المكتوبات التي هي أوجب من صلاة الجنائز، ففي صلاة الجنازة أولى.
* قال: "فإن لم يكن إمام الحي: فأبوه، فإن لم يكن: فابنه".
قال أبو بكر أحمد: الولاية للابن، لأنه أقرب الأولياء، ولكنه يكره له أن يتقدم أباه أو جده، فاستحبوا له تقديمه، وهو رواية عن أصحابنا.
* قال أبو جعفر: (فإن كان فيهم أخوان لأب وأم، أم ولدان أو عمان متساويان في القرابة، وأحدهما أكبر من الآخر سنًا: فهو أولى بالصلاة عليه).
وذلك لأن النبي ﷺ جعل الحق للأكبر في حال المساواة، وجعله اولى بالإمامة في الصلاة المكتوبة، فصلاة الجمازة بذلك أحرى.
стр. 753
مسألة: [مقام الإمام في الصلاة على الميت]
قال أبو جعفر: (ويقوم المصلي على الرجل والمرأة حذاء الصدر منهما، وقال أبو يوسف: يقوم من الرجل عند رأسه، ومن المرأة عند وسطها).
وجه القول الأول: ما روى سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ "أنه صلى على جنازة امرأة، فقام عليها وسطها".
وجه القول الأول: ما روى سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ "أنه صلى على جنازة امرأة، فقام عليها وسطها".
وذهب أبو يوسف إلى ما روى أبو غالب عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان يقوم عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة".
ويحتمل أن يكون تارة قريبًا من الرأس، وتارة من الوسط، فظن أنس ﵁ أن ذلك لاختلاف حال الرجل والمرأة، فإذا لا دلالة فيما روي فيه على اختلاف المقام في الصلاة عليهما.
والنظر يدل على ذلك أيضًا؛ لأنهما غير مختلفين في سائر سنن الصلاة عليهما.
стр. 754
مسألة: [الأوقات التي لا يصلى فيها على الجنازة]
قال أبو جعفر: (ولا يصلي على جنازة عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ولا عند قيامها).
وذلك لحديث عقبة بن عامر ﵁: "نهانا رسول الله ص أن نصلي في ثلاث ساعات، وأن نقبر فيهن موتانا"، وذكر هذه الساعات.
ومعلوم أن الدفن غير مكروه في هذه الساعات، فعلمنا أن المراد به الصلاة على الجنازة.
مسألة: [صفة الصلاة على الميت]
قال أبو جعفر: (والصلاة على الجنازة أربع تكبيرات، لا يرفع يديه إلا في الأولى، ثم يسلم، يحمد الله بعد التكبيرة الأولى، ويثنى عليه، وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ ، وفي الثالثة يدعو للميت، ويشفع له، ثم يسلم بعد الرابعة).
قال أبو بكر: وذلك لما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ "أنه صلى على النجاشي، فكبر عليه أربعًا".
стр. 755
و "أنه صلى على عثمان بن مظعون، فكبر عليه أربعًا"
وسئل عبد الله بن مسعود ﵁ عن تكبيرات الجنازة فقال: "كل ذلك فعل، ورأيت الناس قد أجمعوا على أربع".
وروي "أن عليًا ﵁ صلى على يزيد بن المكفف، فكبر عليه أربعًا".
مسألة: [لا قراءة في صلاة الجنازة]
قال أبو جعفر: (ولا قراءة في الصلاة على الجنازة، ولا استفتاح ولا تشهد).
وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "لم يوقت لنا على الجنازة قول والقراءة، كبر ما كبر الإمام، واختر من أطيب الكلام".
стр. 756
وروي عن أبي هريرة ﵁ نحو ذلك.
وروى حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄ "أنه كان لا يقرأ على الميت".
وعن كل بن شماخ قال: شهدت أبا هريرة ﵁، وسأله مروان: كنت سمعت النبي ﷺ يلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة ﵁: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها"، وذكر دعاء، ولم يذكر قراءة.
وروى يحيي بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ صلى على جنازة، فقال: "اللهم أغفر لحينا وميتنا"، وذكر الدعاء إلى آخره.
وروى يونس بن ميسرة عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته
стр. 757
يقول: "اللهم إن فلانًا في ذمتك، فقه فتنة القبر"، وذكر دعاء.
فهذان قد رويا عن النبي ﷺ الدعاء في الصلاة على الجنازة، ولو كان قرأ فيها بفاتحة الكتاب، لذكراها، كما ذكر الدعاء في الصلاة على الجنازة.
فإن فيل: فقد روي عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت مع ابن عباس ﵄ على جنازة، فقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وقال: "إنها من السنة".
وروي جابر ﵁ "أن النبي ﷺ قرأ بأم القرآن في الصلاة على الجنازة".
قيل له: أما حديث جابر ﵁: فلا أصل له، ما نعلم أدًا من أهل العلم رواه.
وأما حديث ابن عباس ﵄، فلا حجة فيه؛ لأنه لم يقل له: إنها سنة النبي ﷺ ، فقد تكون السنة لغير النبي ﷺ ، كما قال: "من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة".
стр. 758
ولو كان ذلك في سننها، لورد النقل به متواترًا، كوروده في سائر الصلوات.
فإن قيل: قال النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
قيل له: لا يتناولها اسم الصلاة على الإطلاق، وإنما تسمى صلاة بتقييد، كما يسمى منتظر الصلاة مصليًا.
* ومن جهة النظر: إنها لو كانت مسنونة، لجازت قراءتها بعد كل تكبيرة، كما جازت في كل ركعة؛ لأن كل تكبيرة محلها محل ركعة، ألا ترى أن مدرك الإمام في التكبيرة الثالثة، يكبرها معه، ويقضي ما سبق به بعد فراغ الإمام، كمدرك بعض ركعات الصلاة، فدل على ان كل تكبيرة بمنزلة ركعة في حكم النقل، فلما اتفقوا على أنه لا يقرأ بعد كل تكبيرة فتحة الكتاب، دل على أن القراءة غير مسنونة في الصلاة على الجنازة.
وأيضًا: فلو كانت مسنونة وحدها دون السورة، كانت بمنزلة الدعاء، كما يفعل في الأخيرتين من الظهر.
ويدل على أنها دعاء: أن قارئها يعقبها بآمين، وإذا كانت دعاء، وهي مسنونة، وجب أن يقرأها في الثالثة؛ لأنها موضع الدعاء.
ويدل على أنها ذكر من أذكار الصلاة المفروضة، وهو القيام، فأشبهت سجدة التلاوة، فوجب أن لا قراءة فيها.
стр. 759
مسألة: [لا يصلى على الجنازة مرتين]
قال أبو جعفر: (ولا يصلى على جنازة مرتين، إلا أن يكون الذي صلى عليها غير وليها، فيعيد وليها الصلاة عليها إن كانت لم تدفن، فإن كانت قد دفنت: أعادها على القبر).
وإنما لم يصلى عليها مرتين؛ لأن الصلاة الثانية تطوع؛ لأن المفروض هي الأولى، ولا يتطوع بالصلاة على الميت؛ لأنه لو جاز ذلك، لجازت الصلاة على قبر النبي ﷺ ، فلما اتفق الجميع على امتناع جواز الصلاة على قبر النبي ﷺ ، دل على أنه لا يجوز أن يتطوع بالصلاة على الميت.
فإن قيلك فقد صلى على النبي ﷺ جماعة بعد جماعة.
قيل له: لأن المفروض كان على كل واحد من الحاضرين في نفسه الصلاة عليه، ألا ترى أنه صلى عليه بغير إمام تقدمهم، وكان كل واحد من الحاضرين مؤديًا لفرضه، ومن لمي حضر لم يلزمه ذلك، فلذلك لم يصل على قبره من حضر بعد دفنه ﷺ .
فإن قيل: روي "أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد
стр. 760
بعد ثمان سنين"، و "على المرأة المسكينة بعد ما صلى عليها، ودفنت"، و "صلى على النجاشي، وهو بالمدينة".
قيل له: أما صلاته على النجاشي، فلم تكن بعد الدفن، ولا بعد ما صلى عليه غيره؛ لأنه ﷺ أخبرهم بموته في الوقت الذي مات فيه.
ولو كان صلى عليه بعد الدفن، لم يدل على ما ذكرت من وجوه:
أحدهما: أنه مات في أرض الكفر، ولم يصل عليه أحد حتى دفن، وكذلك نقول فيمن دفن قبل أن يصلى عليه.
ولأن لصلا ة النبي ﷺ مزية ليست لصلاة غيره، وكان هو مخصوصًا بها؛ ولأنه ﷺ قال: "إن القبور مملوءة ظلمة حتى اصلى عليها".
فلهذه المعاني صلى على قبر النجاشي.
وأما صلاته على قتلى أحد، فكيف يحتجون بها، وهم لا يرون الصلاة على الشهيد رأسًا؟! فإن كان ذلك سنة ثابتة، فقد خالفوها؛ ولأن أحدًا لا يقول في موتانا أنه يصلى عليهم بعد ثمان سنين.
وأما صلاته على قبر المسكينة بعد ما صلى عليها أصحابه قبل الدفن،
стр. 761
فوجهها عندنا: ما رواه حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ على قبر بعد ما دفن، فقال: "إن القبور مملوءة ظلمة حتى اصلي عليها".
وفي حديث أخر أنه قال: "لا يصلى على موتاكم - ما دمت بين طهرانيكم - غيري".
فلم يكن فرض الصلاة على الميت يسقط بصلاة غيره حينئذ، فلذلك أعاد الصلاة عليها، وكذلك أعاد الذين صلوا على المسكينة الصلاة عليها مع النبي ﷺ .
وقد روي "أن البي ﷺ صلى على حمزة ﵁ صلاة بعد صلاة"، و "صلى على أم سعد ﵂ بعد شهر كان متغيبًا"، وذلك خصوصية النبي ﷺ ، لا يشاركه فيها غيره؛ لأنه لو جاز ذلك، لجاز بعد سنة، وعشرين سنة، وذلك يمتنع عند الجميع.
стр. 762
* وأما إذا صلى عليه غير الولي بغير إذن الولي، فللولي أن يعيدها؛ لأنه من حق الولي التقدم في الصلاة عليه، فليس لأحد أن يبطل حقه، فصار في حقه كما لم يصل عليه.
مسألة: [المشي خلف الجنازة أفضل]
قال أبو جعفر: (المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، وكل ذلك مباح).
قال أبو بكر: وذلك لما رواه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: "قال أبو سعيد الخدري لعلي ﵄: يا أبا الحسن! أخبرني عن المشي مع الجنازة، أي ذلك أفضل: المشي أمامها أم خلفها؟
فقال علي ﵁: إن فضل المشي خلفها على المشي أمامها، كفضل صلاة المكتوبة على التطوع.
قال: يا أبا الحسن! أبرأيك تقول أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟
قال: بل شيء سمعته من رسول الله ﷺ ".
قال أحمدك وقد روي هذا الحديث عن علي ﵁ غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، بل هو موقوف عليه من قوله، ولا يضره
стр. 763
ذلك عندنا، ولو لم يكن مسندًا، لعلمنا أنه لم يقله إلا توقيفًا، لأن مقادير ثواب الأعمال، لا تعلم إلا ع طريق التوقيف، ولا تعلم من جهة الاجتهاد.
وروي عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، ليس معها من تقدمها".
وعن البراء ﵁ "أن النبي ﷺ أمر باتباع الجنازة"، والمتبع للشيء، وهو المتأخر عنه؛ لأن المتقدم أمامه.
فإن قيل: روى الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ أنه كان يمشي أمام الجنازة، فقالك "كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃".
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ " أن النبي ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها".
стр. 764
وقال ربيعة بن عبد الله: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يقدم الناس أمام جنازة زينب ﵂، وفعل ذلك بحضرة الصحابة"، فدل على موافقتهم إياه، إذ لم يعلم من أحد منهم خلافه.
قيل له: أما ما روي عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر ﵄، فلا دلالة فيه على موضع الفضل، وإنما فيه الإباحة لا غير، ونحن لا ننكر إباحة المشي أمامها.
وخبرنا أولى بالاستعمال في إثبات التفضيل؛ لأن فيه بيان موضع الفضل، فاستعملنا الخبرين على ما وردا، فثبت أحدهما في الإباحة، والآخر في الفضل.
وقد روى يونس عن الزهري عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄، كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها".
فذكر في هذا الخبر المشي في الموضعين، وغير جائز أن يكون المراد التفضيل، لاستحالة ذلك، وإنما المراد منه إباحة الأمرين، فكذلك الخبر الذي فيه المشي أمامها، إنما دل على الإباحة، ولا دلالة فيه على موضع الفضل.
وأما خبر المغيرة ﵁، فيدل على صحة قولنا؛ لأنه أخبر أن "الراكب يمشي خلفها"، وهذا أمر يقتضي ظاهره الإيجاب.
стр. 765
"والماشي حيث شاء منها": فإنما أفاد الإباحة، ولا دلالة فيه على موضع الفضل، إلا أنه إذا صح هذا الخبر، أن الأفضل للراكب أن يكون خلفها، كان كذلك حكم الماشي من وجهين:
أحدهما: أنا لا نعلم أحدًا فصل بينهما في موضع الفضل.
والثاني: أن الراكب والماشي مستويان في كونهما متبعين للجنازة.
وأما حديث عمر ﵁ في جنازة زينب ﵂، فإنه جائز أن يكون فعل ذلك لعارض، وهو كثرة النساء مع الرجال خلف الجنازة، وكره الرجال مخالطتهن، كما روى إبراهيم عن الأسود "أنه كان إذا كان مع الجنازة نساء أخذ بيدي، فيقدمنا نمشي أمامها، وإذا لم يكن معها نساء، نمشي خلفها".
مسألة:
قال أبو جعفر: "يسجى قبر المرأة بثوب، ولا يسجى قبر الرجل).
قال أبو بكر: "وذلك لما روي عن عمير بن سعد ﵁ قال: "مدوا على قبر يزيد بن المكفف ثوبًا، فأخذه علي ﵁ وقال: هو رجل".
وأيضًا: كما تستر المرأة بنعش، ولا يستر الرجل، فكذلك في حال الدفن.
стр. 766
مسألة:
قال أبو جعفر: "تسنم القبور، ويرش عليها الماء).
قال أبو بكر: وذلك لما روى ابن الزبير عن جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تجصصوا القبور، ولا تبنوا عليها"، والتربيع يشبه البناء، والتسنيم يخالفه.
وقد روى أن قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ مسنم.
مسألة: [التعزية، والإخبار بالجنازة]
قال: (ولا بأس بتعزيه أهل الميت، والإذن للجنازة).
وذلك لأن التعزية فيها وعظ وتذكير ودعاء، وذلك مستحب، وقد روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأي امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: "اتقي الله، وأصبري"، فذلك تعزية منه لها.
* وأما الإذن: فقد ال في أمر المرأة المبتلاة، التي كانت في ناحية
стр. 767
المدينة: "إذا ماتت فآذنوني".
مسألة: [وإباحة البكاء على الميت، دون النياحة]
قال: (ولا بأس بالبكاء على الميت، من غير أن يخلط ذلك يندب أو نياحة).
وذلك لما روي أن النبي ﷺ بكى حين مات ابنه إبراهيم، وقال: "القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون".
وحدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن عاصم الأحوال قال: سمعت أبا عثمان عن أسامة بن زيد ﵄ أن ابنة النبي ﷺ أرسلت إليه، وأنا معه وسعد:
أن ابنتي أو ابني قد حضر، فاشهدنا، فأرسل يقرئ السلام، وقال: "قل: لله ما أخذ وما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل".
فأرسلت تقسم عليه، فأتها، فوضع الصبي في حجر رسول الله ﷺ ، ونفسه تقعقع، ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا؟ فقال له: "إنها رحمة يضعها الله في قلوب من شاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
стр. 768
* وأما ما روي عن النبي ﷺ : "أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه".
فإن العرب تسمى التعديد والنوح بكاء، وكانوا في الجاهلية يعددون على الموتى بأفعالهم في الشرك، فجائز أن يكون رأي قومًا يعددون على مشرك بأفعاله التي كان يفعلها، مما يعدونه مفاخر ومآثر، وهي معاصٍ وشرك، فأخبر ﷺ أنه يعذب في قبره بهذه الأفعال التي يذكرونها.
وقالت عائشة ﵁ في ذلك: "إنكم لتحدثون عن غير كذابين - لما ذكر لها هذا الحديث - ولكن السمع يخطئ، وإنما مر النبي ﷺ على قوم يبكون على يهودي فقال: "إنكم لتبكون عليه، وإنه ليعذب، قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ".
وأما النوح، فقد نهى عنه النبي ﷺ ، وأوعد عليه في أخبار كثيرة مشهورة.
*****
стр. 769
كتاب الزكاة
باب صدقة الإبل
[مسألة: نصاب زكاة الإبل]
قال أبو جعفر: (وليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، فإذا كانت خمسًا سائمة قد حال عليها الحول، وهي كذلك في ملك من هي له، من رجل أو امرأة، من البالغين الأحرار المسلمين: ففيها شاة، إلى تسع، فإذا كانت عشرًا: ففيها شاتان ...) إلى آخر ما ذكر.
стр. 770
قال أبو بكر أحمد: لا خلاف بين الفقهاء في ذلك إلى عشرين ومائة، وقد وردت به آثار عن رسول الله ﷺ متظاهرة مستفيضة.
وقد روى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁: "في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه".
قال يحيي بن آدم: "سمعت سفيان الثوري يقولك كان علي ﵁ أفقه من أن يقول هذا، وإنما هذا من قبل الرجال".
قال أبو بكر أحمد: ويحتمل أن يكون علي ﵁ أخذ من خمس وعشرين خمس شياه، على جهة القيمة عن بنت مخاض، فظن الراوي أنه رآها فرضًا.
واختلف أهل العلم فيها إذا زادت عل عشرين ومائة:
فقال أصحابنا: فيها باستئناف الفريضة، وهو قول علي بن أبي
стр. 771
طالب، وعبد الله بن مسعود ﵄.
وقال بعض أهل المدينة: حتى تتزيد وتبلغ الزيادة عشرًا، فيكون فيها ابنتا لبون وحقه.
وقال الشافعي ﵁: إذا زادت واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون.
وقد روي عن النبي ﷺ فيها أخبار مختلفة، ذهب كل فريق منهم إلى بعضها.
* فأما ما روي فيها مما يدل على صحة قولنا، فما رواه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فإذا كانت الإبل مائة وعشرين: ففيها حقتان، فإذا كانت أكثر من ذلك: فاعدد في كل خمسين
стр. 772
حقة، وما كان أقل من خمس وعشرين، ففي كل خمس شاة".
وليس يخلو ما ذكره في أقل من خمس وعشرين، من أن يكون المراد به الابتداء، أو الزيادة على المائة والعشرين، أو هما جميعًا، ولا يجوز أن يكون المراد الابتداء فحسب؛ لأنه قد تقدم ذكره مفسرًا، وحمله عليه يسقط فائدته.
ولأن الحكم الكلام أن يرجع إلى ما يليه، ولا يرجع إلى ما تقدمه إلا بدلالة، والذي يليه ذكر المائة والعشرين، فقد سقط هذا الوجه، فلم يبق إلا أن يعود على ما يليه، أو عليهما، فكيفما تصرفت الحال فما بعد المائة والعشرين مراد.
فإن قيل: قد روي في حديث عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ : "وإذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت ليون".
قيل له: لم يبين فيه مقدار الزيادة، وهما مستعملان جميعًا عندنا؛ لأن الزيادة إلى تمام الخمسين والمائة يوجب في كل خمسين حقة، وفي تسعين ومائة ثلاث حقاق وبنت لبون.
فإن قيل: ليس فيه إيجاب بنت لبون في الأر بعين بعد المائة والخمسين، لأنك توجبها في ست وثمانين ومائة.
стр. 773
قيل له: لا يخرجه ذلك مما قلنا، كما روي عن النبي ﷺ في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: "وفي أربعين سائمة بنت لبون"، وإنما هي واجبة في ست وثلاثين.
وكما قال: "في مائتي شاة شاتان"، والوجوب في مائة وإحدى وعشرين، ولكن لما كان فرضها واحدًا، جاز أن يقول: ذلك كذلك، لما وصفنا.
وروى الخصيب بن ناصح عن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن أبي بكر بن حزم أن النبي ﷺ كتب لجده عمرو بن حزم ﵁ في ذكر فرائض الإبل، وكان في ذلك:
"وأن الإبل إذا كانت أكثر من عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة، فما فضل فإنه ليعاد إلى أولى فريضة الإبل، فما كان أقل من خمس وعشرين، ففيه الغنم، في كل خمس ذود شاة".
فبين أن استئناف الفريضة فيما فضل على عشرين ومائة، وهذا الحديث وإن كان مرسلاً، فإن إرساله لا يضره عندنا؛ لأن الموصول والمقطوع عندنا سواء.
ومما يدل على صحة قولنا: ما روى شريك عن مخارق عن طارق
стр. 774
قال: خطبنا علي ﵁ فقال: "والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة، قلنا: وما فيها؟ قال: أسنان الإبل، أخذتها من رسول الله ﷺ ".
وروى منذر الثوري عن محمد بن الحنفية أن عليًا ﵁ قال له: خذ هذه الصحيفة، فإن فيهلا سنن رسول الله ﷺ ، وذلك حين جاءه سعاة عثمان ﵁ يشكونه.
وروى عطية عن ابن عمر ﵄ قال: بعث علي إلى عثمان ﵄ بصحيفة فيها كناب، فقال لهك "مر سعاتك أن يعملوا بما في هذه الصحيفة".
فثبت بهذه الأخبار أن عليًا ﵁ أخذ أسنان الإبل عن رسول الله ﷺ ، ثم ثبت عن علي ﵁ من مذهبه استئناف الفريضة، فدل على أه مما أخذه عن رسول الله ﷺ .
فإن قيلك روي عن علي ﵁: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة.
стр. 775
قيل له: هو صحيح، ومعناه: أنه إذا كانت الزيادة إلى تمام الخمسين والمائة.
* واحتج من قال بتغير الفرض بزيادة الواحدة، بحديث رواه سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ كتب كتاب الصدقة، فقرنه بسيفهن ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فعلم به أبو بكر، ثم عمر ﵄. فكان فيه: فإذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل خمسين: حقة، وفي كل اربعين: بنت لبون".
وهذا حديث فاسد السند، وقد قيل: إن سفيان بن حسين أوهم فيه، وقد رواه كبار أصحاب الزهرين فذكروه عن سالم "أنه كان في كتاب عند آل عمر"، وفي بعضه: "في كتاب الصدقة".
فحصل هذا الحديث مرسلاً لا يصح للمخالف الاحتجاج به.
ولو ثبت على ما ادعوه، لم يعارض به ما روينا من استئناف الفريضة، لأنه يبين فيه مقدار الزيادة، فنستعملها على حسب ما تقدم من بيان
следующие страницы →