Полный текст (3 930 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
طالب، وعبد الله بن مسعود ﵄.
وقال بعض أهل المدينة: حتى تتزيد وتبلغ الزيادة عشرًا، فيكون فيها ابنتا لبون وحقه.
وقال الشافعي ﵁: إذا زادت واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون.
وقد روي عن النبي ﷺ فيها أخبار مختلفة، ذهب كل فريق منهم إلى بعضها.
* فأما ما روي فيها مما يدل على صحة قولنا، فما رواه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فإذا كانت الإبل مائة وعشرين: ففيها حقتان، فإذا كانت أكثر من ذلك: فاعدد في كل خمسين
стр. 772
حقة، وما كان أقل من خمس وعشرين، ففي كل خمس شاة".
وليس يخلو ما ذكره في أقل من خمس وعشرين، من أن يكون المراد به الابتداء، أو الزيادة على المائة والعشرين، أو هما جميعًا، ولا يجوز أن يكون المراد الابتداء فحسب؛ لأنه قد تقدم ذكره مفسرًا، وحمله عليه يسقط فائدته.
ولأن الحكم الكلام أن يرجع إلى ما يليه، ولا يرجع إلى ما تقدمه إلا بدلالة، والذي يليه ذكر المائة والعشرين، فقد سقط هذا الوجه، فلم يبق إلا أن يعود على ما يليه، أو عليهما، فكيفما تصرفت الحال فما بعد المائة والعشرين مراد.
فإن قيل: قد روي في حديث عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ : "وإذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت ليون".
قيل له: لم يبين فيه مقدار الزيادة، وهما مستعملان جميعًا عندنا؛ لأن الزيادة إلى تمام الخمسين والمائة يوجب في كل خمسين حقة، وفي تسعين ومائة ثلاث حقاق وبنت لبون.
فإن قيل: ليس فيه إيجاب بنت لبون في الأر بعين بعد المائة والخمسين، لأنك توجبها في ست وثمانين ومائة.
стр. 773
قيل له: لا يخرجه ذلك مما قلنا، كما روي عن النبي ﷺ في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: "وفي أربعين سائمة بنت لبون"، وإنما هي واجبة في ست وثلاثين.
وكما قال: "في مائتي شاة شاتان"، والوجوب في مائة وإحدى وعشرين، ولكن لما كان فرضها واحدًا، جاز أن يقول: ذلك كذلك، لما وصفنا.
وروى الخصيب بن ناصح عن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن أبي بكر بن حزم أن النبي ﷺ كتب لجده عمرو بن حزم ﵁ في ذكر فرائض الإبل، وكان في ذلك:
"وأن الإبل إذا كانت أكثر من عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة، فما فضل فإنه ليعاد إلى أولى فريضة الإبل، فما كان أقل من خمس وعشرين، ففيه الغنم، في كل خمس ذود شاة".
فبين أن استئناف الفريضة فيما فضل على عشرين ومائة، وهذا الحديث وإن كان مرسلاً، فإن إرساله لا يضره عندنا؛ لأن الموصول والمقطوع عندنا سواء.
ومما يدل على صحة قولنا: ما روى شريك عن مخارق عن طارق
стр. 774
قال: خطبنا علي ﵁ فقال: "والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة، قلنا: وما فيها؟ قال: أسنان الإبل، أخذتها من رسول الله ﷺ ".
وروى منذر الثوري عن محمد بن الحنفية أن عليًا ﵁ قال له: خذ هذه الصحيفة، فإن فيهلا سنن رسول الله ﷺ ، وذلك حين جاءه سعاة عثمان ﵁ يشكونه.
وروى عطية عن ابن عمر ﵄ قال: بعث علي إلى عثمان ﵄ بصحيفة فيها كناب، فقال لهك "مر سعاتك أن يعملوا بما في هذه الصحيفة".
فثبت بهذه الأخبار أن عليًا ﵁ أخذ أسنان الإبل عن رسول الله ﷺ ، ثم ثبت عن علي ﵁ من مذهبه استئناف الفريضة، فدل على أه مما أخذه عن رسول الله ﷺ .
فإن قيلك روي عن علي ﵁: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة.
стр. 775
قيل له: هو صحيح، ومعناه: أنه إذا كانت الزيادة إلى تمام الخمسين والمائة.
* واحتج من قال بتغير الفرض بزيادة الواحدة، بحديث رواه سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ كتب كتاب الصدقة، فقرنه بسيفهن ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فعلم به أبو بكر، ثم عمر ﵄. فكان فيه: فإذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل خمسين: حقة، وفي كل اربعين: بنت لبون".
وهذا حديث فاسد السند، وقد قيل: إن سفيان بن حسين أوهم فيه، وقد رواه كبار أصحاب الزهرين فذكروه عن سالم "أنه كان في كتاب عند آل عمر"، وفي بعضه: "في كتاب الصدقة".
فحصل هذا الحديث مرسلاً لا يصح للمخالف الاحتجاج به.
ولو ثبت على ما ادعوه، لم يعارض به ما روينا من استئناف الفريضة، لأنه يبين فيه مقدار الزيادة، فنستعملها على حسب ما تقدم من بيان
стр. 776
جهة الاستعمال.
وأيضًا: ليس فيه ما يوجب الحكم؛ لأنه ليس فيه أمر م النبي ﷺ : "كتبه، ولم يخرجها إلى عماله"، ولو كان الحكم به ثابتًا، لأمر به، ولأخرجها إلى عماله.
وأيضًا: قد روي عن عمر ﵁ استئناف الفريضة نحو قولنا، ولو كان ذلك عنده ثابتًا عن النبي ﷺ ، لمي كن يخالفه إلى غيره.
* واحتجوا أيضًا بحديث محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: بعثني أبو بكر الصديق ﵁ إلى البحرين وكتب: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر بها رسوله، وقال فيه:
"فإذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة".
وهذا حديث أصله مرسل، رواه حماد بن سلمة فقال: "أخذت من ثمامة كتاب أنس بن عمر أن ابا بكر كتبه لأنس".
ولو ثبت كان تأويله ما وصفنا.
стр. 777
* واحتجوا أيضًا بما روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في كتاب النبي ﷺ إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم ﵁ وفيه:
"في الإبل إذا زادت على خمسين ومائة، ففي كل خمسين: حقة".
وعلى هذا الوجه يرويه سليمان بن داود عن الزهرين وهو ضعيف عندهم جدًا، ويدل على ضعفه ووهاه، أن أصحاب الزهري الأثبات منهم، كيونس وغيره رووه عن الزهري عن الصحيفة التي عند آل عمر، ولو كان عند الزهري بهذا الإسناد، لما لجأ في روايته إلى صحيفة.
ولو ثبت: كان مستعملاً مع خبر استئناف الفريضة على الوجه الذي بينا.
وقد روى يونس عن الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهو عند آل عمر، وأقرأنيها
стр. 778
سالم، وفيه: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون".
وهذا منقطع، لا يرويه غير يونس بهذا اللفظ.
وجائز أن يكون الأصل ما روي في الأخبار الأخر، التي لم يبين فيها مقدار الزيادة، وحمله الراوي على المعنى عنده، ولم يراع اللفظ، ولما كان المعنى عنده أن أقل الزيادة واحد، عبر عنه: فإن في واحد وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون.
كما روى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها".
قال الزهري: "فنرى أن الجمعة من الصلاة"، ثم رواه بعضهم عن لزهري بإسناده عن النبي ﷺ : "من أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى"، فعبر عما اشتمل عليه اللفظ عنده، وعزاه إلى النبي ﷺ .
وقد روي عن النبي ﷺ في أخبار أخر غيرها: "فإذا كثرت الإبل، ففي كل خمسين: حقة، وفي كل أربعين: بنت لبون".
стр. 779
وهذا يضاد ما في خبر يونس؛ لأن زيادة الواحد لا يكثر بها الإبل.
وقد روى عمرو بن حزم عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري: أن في كتاب النبي ﷺ ، وفي كتاب عمر ﵁ في صدقة الإبل: "أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، فليس فيما دون العشر شيء حتى تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وابنتا لبون".
وهذا الحديث أيضًا ينفي تغير الفرض بزيادة الواحد، ويعارض جميع ما رواه مخالفنا فيه، وإذا تعارضت هذه الأخبار، كان أقل أحوالها أن تسقط، ويسلم لنا خبر استئناف الفرض.
فإن قيل: هو يعارض أخبارك أيضًا في استئناف الفرض.
قيل لهك لخبرنا مزية توجب له أن يكون أولى بالاستعمال من سائر الأخبار، وذلك لأنه لا يوجب تغيير الفرض المتقدم، ولا يعترض عليه، وأخبارهم يعترض عليها، ويغير، فلذلك كان خبرنا أولى.
وأيضًا: فلو تعارضت الأخبار كلها وسقطت، كان مذهبنا أولى بالصواب؛ لأنا لا نغير الفرض المتقدم الذي قد أجمعوا على ثبوته وصحته باستئناف الفريضة، ومخالفونا قد غيروه، فكان الفرض الأول باقيًا، إذا لا جائز نقله إلى غيره إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق.
فلما عدمنا ذلك لم نغير الفرض الأول، وإذا ثبت الفرض الأول
стр. 780
وجب استئناف الفرض؛ لأن كل من بقي الفرض الأول على حاله قال باستئناف الفرض، فلما صح عندنا بقاء الفرض الأول على ما بينا، صح استئناف الفريضة عليه.
ومما يدل على فساد مذهب من اعتبر زيادة الواحد: أن الواحد الزائد على العشرين والمائة لا يخلو من أن يكون الوجوب فيما قبله، وهو عفو في نفسه، أو يكون الوجوب فيه وفيما قبلهن فإن كان الوجوب فيه وفيما قبله، فإنما أوجب القائل به في كل أربعين وثلاث: بنت لبون، لهذا خلاف الخبر؛ لأن في الخبر: "في كل أربعين: بنت لبون".
فإن قيل: إنه يخالف الخبر، لأنك تقول: في الأربعين من الإبل ابنة لبون، والوجوب في ستة وثلاثين.
قيل له: ليس الأمر كما ظننت، من قبل أني إذا أوجبت ابنة لبون في الإبل، فالأكثر لا محالة ذلك واجب فيه.
وإذا كان النبي ﷺ إنما أوجب بنت لبون في الأربعين، ثم قلت: "لا يجب إلا في الأربعين والثلاث"، فقد منعت الوجوب في المقدار الذي ورد فيه الخبر.
ثم رجعنا إلى القسم الاخر الذي اقتضاه كلامنا بدءًا، وهو أن يكون الوجوب في كل أربعين، والواحد عفو، وإن كان كذلك فينبغي أن يتغير به الفرض بما قبله؛ لأن في أصول الزكوات أن العفو لا يغير الفرض، ومن غير الفرض بالعفو، فقوله خارج من الأصول، فلم يخل قائل هذا القول من مخالفة نص الخبر أو الأصول التي بني عليها فروض الصدقات
* ويدل من جهة النظر على ما قلنا: أن الزيادة لو كانت موجبة لبنات
стр. 781
اللبون، لأوجبتها حيثما وجدت، كالخمسين لما كانت موجبة للحقة، أوجبتها حيث وجدت، فلما اتفق الجمعي على أن المائة والعشرين لا يجب فيا ثلاث بنات لبون، علمنا أن الأربعين لا توجب بنات لبون، ولا يتعلق حكمها بها.
فصل:
وإذا لم توجد بنت مخاض، أخذ ابن لبون إذا كانت قيمته مثل قيمة بنت مخاض؛ لأن الأصل بنت المخاض، وابن لبون مأخوذ على أنه قائم مقام بنت مخاض في قيمته.
وما روي عن النبي ﷺ :" فإن لم توجد بنت مخاض: فابن لبون ذكر": محمول على هذا المعنى، ولأن قيمته حينئذ كانت مثل قيمة ابنة المخاض.
والدلي على ذلك: أنه لما اختلفت القيمة فيما بين بنت مخاض وبنت لبون، أمر بأخذ بنت البون، ورد ما بين القيمتين، وهي شاة، أو عشرون درهمًا.
*****
стр. 782
باب صدقة البقر
[مسألة: نصاب زكاة البقر]
قال: (وليس فيما دون ثلاثين من البقر السائمة صدقة، فإذا كانت ثلاثين، وحال عليها الحول: ففيها تبيع أو تبيعة، فإذا كانت أربعين: ففيها مسنة.
ثم اختلفت الرواية عن أبي حنيفة فيما زاد على الأربعين، فروى عنه أبو يوسف أن ما زاد عليها فبحساب ذلك، وروي أسد بن عمرو وغيره عنه أنه قال: لا شيء في الزيادة حتى يكون البقر ستين، فإذا كانت ستين: ففيها تبعيان، وهو قول أبي يوسف ومحمد).
ثم لا خلاف أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ سبعين.
ثم قال: (في كل أربعين: مسنة، وفي كل ثلاثين: تبيع).
قال أبو بكر أحمد: وقد روي عن أبي حنيفة أنه لا شيء في الزيادة على الأربعين حتى تبلغ خمسين: فيكون فيها مسنة وربع مسنة، ثم ليس في الزيادة شيء حتى تبلغ ستين: فيكون فيها تبيعان.
стр. 783
والأصل في ذلك ما روي معاذ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "في كل ثلاثين: تبيع، وفي كل أربعين: مسنة".
وهذا متفق عليه، إلا فيما بين الأربعين إلى الستين، فإنهم مختلفون فيه على ما بينا.
وأما وجه قول أبي حنيفة فيما زاد على الأربعين: فهو أن هذا مال قد ثبت الحق في جملته، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، فأوجب عمومه أخذ الحق من جميعه، حتى تقوم الدلالة على تخصيص شيء منه.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، كلام مجمل، لا يصح اعتبار العموم فيه.
قيل له: هذا غلط من وجهين:
أحدهما: أن لفظ المال غير مجمل، بل هو عموم يقتضي أخذ الحق من الجميع، وإنما الإجمال في قوله: "صدقة".
ثم إذا وجب الحق في الزيادة بالعموم، كان مقدار الواجب بقسط المسنة من أربعين بالإجماع.
стр. 784
والآخر: أنه لو كان مجملاً، كان حصول الاتفاق على وجوب الأخذ من أربعين موجبًا لدخولها في المراد، وإذا حصل هذا المال مرادًا باللفظ جاز اعتبار العموم فيه.
* ودليل أخر: وهو أنا لو أثبتنا فيما زاد على الأربعين وقصًا، لم يخل من أن يكون تسعة، أو تسعة عشر، ولم نجد في أوقاص البقر تسعة عشر؛ لأن أوقاصها تسعة تسعة بالاتفاق، وفي إثبات الوقص تسعة عشر، مخالفة لأصول أو قاص البقر، وإن جعلناه تسعة كان الذي انتقل إليه كسرًا، ولم نر في أصول الزكوات انتقال الفرض بالكسر، فلما خرج الوجهان جميعًا من موافقة الأصول، وكان ذلك جملة مال قد وجبت فيه الزكاة بالاتفاق، وجب الحق في قليل الزيادة وكثيرها.
فإن قيل: وإيجابك الزكاة في الزيادة من غير وقص، مخالف للأصول، إذ ليس فيها إيجاب صدقة بعد الفرض إلا وبينهما وقص، وتخالفها أيضًا من جهة إيجاب الصدقة بالكسور.
قيل له: إذا ثبت أن هذه الجملة مزكاة، لم يثبت الوقص إلا بتوقيف، والوجوب قد تقرر فيه قبل ذلك، وانتظمه عموم لفظ الآية، ولا يحتاج في إثباته إلى أكثر من ذلك.
وقد أوجب مخالفنا فيما زاد على المائتين من الورق بحساب، ولم يثبت عفوًا، فلم يمتنع ثبوته فيما وصفنا.
стр. 785
وزعم الشافعي فيمن له ستة وعشرون من الإبل، استفاد في بعض الحول عشرًا، أن فيه عشر أجزاء من ستة وثلايين جزءًا من بنت لبون.
فإن احتجوا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا ابن يوسف بن شاهين قال: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: حدثنا البخاري عن يحيي بن أبي أنسة عن الحكم عن يحيي بن الحراز عن الحكم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ على الصدقة إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا"، وذكر الحديث.
قال: فعرض على أهل اليمن أن يعطوني فيما بين الخمسين والستين، وما بين الستين والسبعين، فلم آخذ، وسألت رسول الله ﷺ فقال: "هي الأوقاص، لا صدقة فيها".
قيل له: كذلك يقول أبو حنيفة في إحدى الروايات عنه، وهي التي يقول فيها: "إنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين، فيكون فيها مسنة وربع مسنة".
وأيضًا: فإن الوقص ما بين الفريضتين، وهو الذي ينتقل من سن إلى
стр. 786
سن، أو إلى عدد، وليس ذلك حكم ما زاد على الأربعين؛ لأنه يوجب فيه الكسر، فلم يدخل في الخبر.
وأيضًا: فإن هذا الخبر يعارضه ما روى عمرو بن دينار عن طاوس عن معاذ ﵁ قال: طلم يقل لي رسول الله ﷺ في الاوقاص شيئًا".
فأخبر أنه لم يتفه، ولم يوجبه.
*****
стр. 787
باب صدقة الغنم
[مسألة: نصاب زكاة الغنم]
قال: (وليس فيما دون الأربعين من الغنم صدقة، فإذا كانت أربعين: ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة: ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة: ففيها ثلاث شياه، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أربعمائة، فيكون فيها أربع شياه، ثم كذلك أبدًا في كل مائة شاة).
قال أبو بكر أحمد: وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العلم، وقد وردت بها آثار متواترة عن النبي ﷺ .
* قال: (والماعز والضأن سواء في الزكاة).
وذلك لأن اسم: (الغنم): يجمع الصنفين جميعًا، وينتظمها قول النبي ﷺ : "في كل أربعين من الغنم شاة".
стр. 788
* قال: (ولا يؤخذ في ذلك إلا الثني فصاعدًا)
وذلك لأن المأخوذ منها الوسط، وما دون الثني فهو في حد الصغار.
وقال سفيان بن عبد الله ﵁ وكان عاملاً لعمر بن الخطاب ﵁ إن أصحاب الأموال يقولون لنا: إنكم تظلموننا، تعدون علينا الصغار، ولا تأخذونها، فقال عمر: عد عليهم السخلة، وإن راح بها الراعي على كفه، وقل لهم: قد تركنا لكم المخاض، والربي، وفحل الغنم.
* قال أبو جعفر: ولا يؤخذ في الزكاة الربى ولا الماخض، ولا فحل الغنم، ولا الأكولة".
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ رضي الله
стр. 789
عنه: "إياك وكرائم أموالهم".
وقال ف حديث أنس ﵁: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم".
فمنع أخذ الفحل؛ لأنه من خيار المال.
مسألة: [الدين يمنع وجوب الزكاة بمقداره]
قال أبو جعفر: (ومن حال عليه أحوال في ماشيته، ولم يؤذ زكاتها: أدى زكاة الحول الأول منها، ثم نظر إلى ما بقي، فإن كانت فيها زكاة: زكاة للحول الثانين وإلا لم يزكه).
قال أبو بكر أحمد رحمه الله تعالى: الأصل في ذلك أن الدين عندهم يمنع وجوب الزكاة في مقداره، ويكون المقدار المستحق بالدين كأنه غير مالكه فيما يمنع من تعلق وجوب الزكاة فيه، وجعلوا كل حق لله تعالى في المال مما له مطالب من الآدميين، بمنزلة دين الآدميين، وصدقات المواشي لها مطالب من الآدميين، وهو الإمام، فأشبه ديون الآدميين.
وأما حقوق الله تعالى مما لا مطالب له من الآدميين، نحو النذور، والكفارات، والحج ونحوها، فإن وجوبها لا يمنع وجوب الزكاة، ولا نعلم في هذا الفصل خلافًا بين الفقهاء.
стр. 790
والدليل على أن الدين يمنع وجوب الزكاة بمقداره قول الله تعالى ﴿وإنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين﴾، فأمر بإعطاء الغارمين من الصدقة.
وقال النبي ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم".
فحصل لنا بمجموع الآية والخبر، أن الغارم فقير، فصار المقدار المستحق بالدين، كأنه في غير ملكه في جاز إعطائه الصدقة، وكونه في حكم من لا يملك.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن على الطالب زكاة ما يقبضه للحول الماضي، فحصل المقبوض بعينه في حكم الملك للطالب في ذلك الحول، واستحال إثبات حكم الملك فيه للمطلوب في باب وجوب الزكاة عليه، لاستحالة ثبوت الملك لهما جميعًا في حول واحد في جميع المال، فمن حيث وجبت زكاة على الطالب، وجب أن ينتفي وجوبها عن المطلوب.
وأيضًا: هو أن الطالب أخذ المال بغير إذن المطلوب، كان أولى به منه، فلما كانت العين مستحقة للطالب من هذا الوجه، حتى إذا أخذها لم
стр. 791
يجبر على ردها، ثبت بذلك حقه فيها، وصار ملك الغريم كملك المكاتب في المقدار المستحق بالدين، فوج بأن ينتفي عنه وجوب الزكاة.
وأيضًا: قال عثمان بن عفان ﵁ على المنبر في شهر رمضان: "أيها الناس، هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه الدين فليؤده، ثم ليزك بقية ماله".
فأخبر بوجوبها في بقية المال بعد الدين، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلاف من غيره عليه.
مسألة: [زكاة الخلطة والشركة]
قال: (والخليطان في المواشي كغير الخليطين، يعتبر ملك كل واحد منهما على حياله، ولا يعتد بالشركة).
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا، زعم أن أبا بكر كتبه لأنس ﵃، وعليه خاتم رسول الله ﷺ ، فإذا فيه:
"فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله بها نبه، فمن سئلها من المسلمين، على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه ... "، وذكر الحديث إلى أن قال: "وإن
стр. 792
لم تبلغ سائمة الرجل أربعين: فليس فيها شيء".
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا أبو خالد بد العزيز بن معاوية القرشي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ بنحو ذلك.
[مسألة:]
وقال: (ومن لم تكن له إلا أربعة من الإبل: فليس فيها صدقة).
وقال في صدقة الغنم: فإذا كانت سائمة الرجل تنقص من أربعين شاة واحدة: فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
وحدثنا بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سليمان بن داود المهري، قالك أخبرنا ابن وهب قال أخبرني جرير بن حازم- وسمى أخر- عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعوار عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول: ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون ذلك عشرين دينارًا، وحال عليها الحول: ففيها نصف دينار".
стр. 793
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد اله بن محمد النفيلي قال: حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن علي ﵁، قال زهير: أحسبه عن النبي ﷺ قال: "في كل الغنم من كل أربعين شاة، فإن لم يكن إلا تسع وثلاثون: فليس عليك فيها شيء".
وروى سعيد بن سليمان الواسطي قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد اله ﵁ يقولك قال رسول الله ﷺ : "ليس على امرئ صدقة فيما دون خمس ذود".
فنص في هذه الأخبار على حكم الواحد إذا نقص ماله من النصاب، ولم يفرض بين الخليط وغيره، واقتضى عمومه استعمال الحكم في الحالين.
وأيضًا قوله ﵊: "وليس فيما دون خمس ذود صدقة".
وجائز إطلاق اللفظ في أحد الشريكين إذا كان بينهما خمس أن يقال: له دون خمس من الإبل: فانتفى وجوب الصدقة عنه بعموم اللفظ.
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "في خمس من الإبل
стр. 794
شاة"، وهو ينتظم حال الشركة والانفراد.
قيل له: لا دلالة فيه على ما ذكرت؛ لأن ذلك إنما يقتضي وجوب الشاة في خمس ما، ولا يقتضي وجوبها في كل خمس، فسقط اعتبار عمومه في كل خمس، ومتى أوجبنا شاة في خمس ما، فقد قضينا عهد اللفظ.
وأيضًا في تقسيم كل خمس نصف عارضة قوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"؛ لأن عموم كل واحد من الخبرين يدفع عموم الآخر، وإذا تعارضا سقطا، وانفرد لنا قوله: "فإذا نقضت سائمة الرجل من أربعين شاة: واحدة، فليس فيها صدقة" بلا معارض؛ لأنه وارد في بيان حكم ملك كل واحد.
وقوله: "في خمس من الإبل شاة": ليس فيه بيان حكم المالك، فوجب أن يكون قاضيًا عليه.
стр. 795
وأيضًا: لما اتفق الجميع على أن لا شيء في خمس من الإبل بين ذمي وسلم، أو مكاتب وحر، مع وجود الخمس، علمنا أن الاعتبار بوجود النصاب في ملك واحد، دون غيره.
فإن قيل: لما قال: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية": دل بذلك على أن أول الخطاب جار على حال الخلطة وغيرها، وهو قوله: "في خمس من الإبل شاة".
قيل له: أما قوله: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع": فليس يخلو من أن يكون المراد به الاجتماع والتفرق في المكان، أو في الملك، أو في المال والمكان، فلما اتفق الجميع على أن من له خمس من الإبل في مكانين، وجبت عليه الصدقة لاجتماعهما في ملكه، سقط بذلك اعتبار المكان رأسًا.
فصار كأنه قال: لا يفرق بين مجتمع في الملك: فقلنا من أجل ذلك: إذا كان له مائة وعشرون شاة في أماكن متفرقة، فلو فرقها المصدق لأجل افتراقها في المكان: وجب ثلاث شياه، فمنع النبي صلى الله عليه
стр. 796
وسلم ذلك بقوله: "لا يفرق بين مجتمع".
وأما قوله: "لا يجمع بين متفرق": فالرجلان يكون بينهما ثمانون شاة، لكل واحد أربعون، فيكون على كل واحد منهما شاة واحدة، فيجمعان ليكون عليهما شاة واحدة، فإذا فعل ذلك، فقد جمع بين متفرق في الملك، وقد اتفق الجميع على أن قوله: "لا يفرق بين مجتمع" قد أريد به الملك دون المكان، فوجب أن يكون قوله: "ولا يجمع بين متفرق" كذلك؛ لأنه خطاب واحد معطوف بعضه على بعض، وقد أضمر في أحدهما الملك، فوجب أن يكون ذلك مضمرًا في الآخر، إذ لا بد له من ضمير غير ما أضمر في الآخر.
وعلى أن قوله: "لا يجمع بين متفرق": ينفي عمومه الجمع بينهما إذا كانا متفرقين في الملك، فمن حيث أراد مخالفنا الاحتجاج به علينا، لزمه في الملك مثل ما ألزمنا.
وأيضًا: فإن قوله: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق": لما لم يرد حقيقة اللفظ، افتقر في إثبات حقيقة اللفظ، افتقر في إثبات حكمه إلى بيان من غيره؛ لأنه مجاز، والمجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه، وقد ذكر في بعض الأخبار: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة".
стр. 797
وقد يجوز أن يكون هذا خطابًا للمصدق تارة، ولرب المال أخرى، فيعني كثرة الصدقة من رب المال، وفي قلتها من المصدق، فأما المصدق فهو أنه لا يفرق بين ثمانين مجتمعة في ملك واحد، فيأخذ من كل أربعين شاة، خشية قلة الصدقة، ولا يجمع بين متفرق أرعين لرجلين.
وإذا أراد رب المال: فمائة وعشرون بين ثلاثة، لا يكتم، فيجعلها لواحد، خشية كثرة الصدقة.
وأما قوله: "فما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية": ففيه دليل على صحة قولنا أيضًا؛ لأنه استأنف ذكر الخليطين وحكمهما، فدل على أن أول الخطاب لم يشتمل على الخليطين، ولولا ذلك لم يستأنف ذكرهما، ولم يجعلهما بعض من دخل في اللفظ.
والتراجع عندنا يجب إذا كان بين رجلين مائة وعشرون شاة أثلاثًا، فأخذ المصدق شاتين من الجملة، فيرجع صاحب الثلثين على صاحب الثلث بثلث شاة، ويجوز له أن يأخذ الشاتين من الجملة إذا كان الشريكان قد تراضيا بذلك، وأذن صاحب الأكثر لصاحب الأقل بأن يؤدي بعض صدقته من نصيبه.
وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول: جائز أن يكون بقاؤهما على الشركة، مع العلم بوجوب الزكاة، إذنا لكل واحد منهما لصاحبه أن يؤدي الواجب من الجملة.
دليل آخر: وهو قوله ﷺ : "أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائكم، ,أردها في فقرائكم".
стр. 798
فجعل الناس صنفين: غني مأخوذ منه الصدقة، وفقير ترد عليهن ولا يؤخذ منه؛ لأن ذكر الصدقة ههنا للجنس، فاستغرق جميعها، فإذا كان جميع الصدقة مأخوذًا من الأغنياء، فقد نفي وجوب أخذها من الفقراء، وإذا ثبت ذلك، وكان من لا يملك النصاب فقيرًا باتفاق الجميع على ذلك، على أنه لو كان منفردًا، لم يجب عليه، فانتفى وجوب الصدقة عليه بالشركة إذا لم تكسبه الشركة غنى.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن لا صدقة على المفرد إذا نقص ماله عن النصاب، والمعنى عدم النصاب في ملكه، وذلك موجود في حال الخلطة.
وأيضًا: لما لم يصر الرجل غنيًا بملك غيره في حال الخلطة والانفراد، وجب أن يستويا في سقوط الزكاة، ويدل عليه اتفاق الجميع في الخلطة بين المسلم والكافر، وبين الحر والمكاتب، والمعنى عدم النصاب لكل واحد بانفراد.
فإن قيل: وجدنا الحكم يتغير بالشركة والاجتماع في كثير من الأصول، كصلاة الجمعة، لا تصح للمنفردين، وتصح للمجتمعين باشتراكهم فيها، وكالشفعة تجب للشريك دون الجار، وكالسخال لا تجب فيها صدقة على الانفراد عندك، ولو كان معها المسان وجبت فيها.
стр. 799
قيل له: هذا السؤال ساقط من وجوه:
أحدها: أنه غير مقرون بعلة ولا دلالة.
والثاني: أن الجمعة والشفعة وما ذكرت، لا يجوز أن يكون أصلاً لما ذكرنا؛ لأن العلة الواحدة لا توجب حكمين مختلفين، ولأن الفروع إنما ترد إلى الأصول قياسًا، للجمع بينهما في حكم واحد، فأما مع اختلاف الأحكام، فلا يصح القياس.
وعلى أنا نبين الفصل بين ذلك، وإن لم يلزمنا، لحق النظر، فنقول: إن علة وجوب الصدقة في الأصل، إنما هي وجود الغني بالنصاب على الشرائط الموجبة لها، وعلة سقوطها: فقد النصاب، وذلك لا يتغير بوجود الخلطة ولا عدمها، ألا ترى أمن له نصاب وجبت عليه الزكاة مع عدم الخلطة.
وأما الجمعة فإن من شرائطها صحتها الجماعة، ألا ترى أن المنفرد لا يفعلها بحال.
وأما الشفعة فإنها تجب في حال الشركة والجوار جميعًا، إلا أن الشريك أولاهما، فلم يكن لعدم الشركة تأثير في إسقاطها، وإنما تأثيرها في كون الشريك أولى من الجار، وليست علة كون الشريك أولى من الجار هي علة أصحاب الزكاة بالخلطة، لأنهما حكمان مختلفان، لا يجوز أن تجمعهما علة واحدة.
وأما السخال إذا انفردت أو كانت مع المسان، فلأن النصب لا تؤخذ
стр. 800
قياسًا، وإنما سبيل إثباتها التوقيف، أو الاتفاق، فلما عدمنا التوقيف والاتفاق في السخال منفردة، لم نوجبها فيهان وأوجبناها عند الاجتماع، لأن عموم قوله: "في أربعين شاة: شاة": ينتظمها جميعًا، ولا ينظم السخال منفردة، ولاتفاق الفقهاء على وجوبها.
ودليل آخر: وهو أن الزكاة حق مضمن بالمال كالحج، فكما لم تؤثر الخلطة في إيجاب الحج، فكذلك في الزكاة.
فإن قيل: لأن وجوب الحج متعلق بوجود الاستطاعة.
قيل له: ووجوب الزكاة متعلق بوجود الغنى، والخلطة لا تفيده غنى، كما لا تفيده استطاعة.
ودليل أخر: وهو أن ما يمضي من الحول على المال في ملك غيره، لا يضم إلى حول في ملكه، كذلك لا يكمل نصاب ماله بملك غيره، ألا ترى أن رجلاً لو ملك مائتين درهم ستة أشهر، ثم ملكها غيره، فمضت عليه ستة أشهر أخرى، أنا لا نكمل حول الثاني بما مضى من الوقت في ملك الأول، كذلك لا يكمل نصابه بملك غيره، والعلة الجامعة بينهما أن كل واحد من الحول والنصاب سبب في وجوب الزكاة؛ لا تجب إلا بوجودهما.
стр. 801
مسألة: [من لا تجب عليه زكاة]
قال أبو جعفر: (ولا زكاة على طفل، ولا على مجنون في مواشيهما، ولا في ذهبهما وفضتهما، وكذلك المكاتب، والذمي).
قال أبو بكر أحمد: يروى نحو قول أصحابنا في نفي زكاة مال اليتيم عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، في آخرين من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.
ويحكى عن ابن شبرمة أنه لا يزكي الذهب والفضة من مال اليتيم، ويزكي الإبل والبقر والغنم
стр. 802
ويروى عن علي، وعمر، وابن عمر، وعائشة ﵃ أنه يزكي الجميع، وهو قول الشافعي.
والحجة لنفيها عنهم قول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم".
فوجب بهذا الظاهر نفي الزكاة عن ماله؛ لأن إيجابها ينافي رفع القلم
فإن قيل: إنما يدل ذلك على زوال التكليف عنه، فما الدليل على أنه ليس علي وليه إخراجها عنه؟
قيل له: قول الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، وقوله: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾، فنفي وقوع الأداء عن الصبي إذا
стр. 803
لم يكن ذلك فعله، فلما انتفى الوجوب بالخبر، وانتفى الأداء بالآية، سقط قول من أوجبها:
وعلى أنه يحتاج أن تثبت الزكاة أولاً، ثم يجب الأداء، لأنه لا يجب أداء زكاة لم تجب على مالك.
وإن سئلنا على هذا زكاة الفطر؟ قلنا: العموم بنفيها، وخصصناها بدلالة.
ودليل آخر: وهو قول أبي بكر الصديق بحضرة الصحابة ﵃، من غير نكير من أحد منهم عليه: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة".
وموج بالزكاة عليه دون الصلاة: مفرق بينهما.
فإن قيل: المكاتب عليه الصلاة، ولا زكاة عليه.
قيل له: فإذا كان من عليه الصلاة لا زكاة عليه، فمن لا صلاة عليه، أحرى بأن لا يكون عليه زكاة؛ إذ الصلاة أكد في باب اللزوم من الزكاة.
دليل آخر: وهو أن الزكاة عبادة محضة، لا يلزم أحدًا عن غيره، فأشبهت الحجج والصلاة والصوم، فمن حيث لم تلزم الصبي هذه العبادات، لم تلزمه الزكاة، للعلة المانعة من وجوب الصلاة ونظائرها، وهي الصغر.
فإن قيل: الزكاة مخالفة للصلاة؛ لأنها حق في المال، فيلزمه كالغصوب والنفقات.
стр. 804
قيل له: والحج حق قد يجب في المال ولا يلزمه، والذمي والمكاتب يلزمها الغصوب والنفقات، ولا يلزمهما الزكاة.
فإن قيل: قد ألزمته صدقة الفطر، وعشر الأرضين.
قيل له: أما عشر الأرضين، فليس موضوعه موضوع العبادات، لوجوبه في أرض الوقف على المساجد، وأرض المكاتب، والذمي على مذهب المخالف.
ولا خلاف أن الزكاة متعلق وجوبها بالمالك، على جهة أنها عبادة محضة.
وأما صدقة الفطر، فليست عبادة محضة، وهي تلزم الأب عن ابنه الصغير، وعن عبده، فأشبهت النفقات التي تلزم الإنسان لغيره، وزكاة المال لا تلزمه عن غيره، فأشبهت الحج والصلاة والصوم.
ودليل آخر: وهو أن الصبي ليس له اعتقاد الإيمان، فأشبه الكفر.
وأيضًا: فإن الصبي لا يتصرف فيه بالمعروف، من نحو القر ض والهبة، فأشبه المكاتب، فلما لم يكن في مال المكاتب زكاة، كان كذلك مال الصبي، لوجود هذا المعنى.
فإن احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "من ولى يتيمًا له مال، فليتجر فيه، ولا
стр. 805
يتركه فتأكله الصدقة".
قيل له: معلوم أن الزكاة الواجبة لا تأتي على جميع المال، فثبت أن المراد: لا تأكل منه الصدقة، فحينئذ لا يكون خصمنا أولى بصرفة إلى الزكاة، منا إذا صرفناه إلى زكاة الفطر، والصدقات التي كانت واجبة عند القسمة، وعند الحصاد ونحوه.
وإذا كان المعنى ما وصفنا، سقط الاحتجاج به، لأنا متى أوجبنا صدقة ما، فقد قضينا عهدة الخبر.
وقد قيل: إن أصل الحديث إنما هو عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر ﵁ موقوفًا عليه، وأن من رفعه، فهو غالط.
وأيضًا: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ال: "إن المسلم إذا أنفق نفقة على أهله، كانت له صدقة".
стр. 806
وروى سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ حث على الصدقة، فقال رجل: عندي دينار، فقال: "تصدق به على نفسك".
فجعل نفقته على نفسه صدقة، فإن صح الخبر: كان مراده النفقة عليه، وعلى أهله إذا كانت هذه النفقة صدقة، فعبر عنها بها.
* وأما الذمي والمكاتب، فلا خلاف بين أهل العلم في نفي الزكاة عن مالهما.
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الفضل بن العباس الصواف قال: حدثنا يحيي بن غيلان قال: حدثنا عبد الله بن بزيع عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق".
مسألة: [تعجيل الزكاة]
قال أبو جعفر: (ويجوز تقديم الزكاة بعد وجود النصاب قبل الحول).
стр. 807
وذلك لما روى حجية عن علي أن العباس بن عبد المطلب ﵄ سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك".
وفي خبر آخر عن العباس ﵄: أنه استسلف منه صدقة عامين.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في شأن العباس ﵁ حين منع الصدقة فقال: "هي علي، ومثلها معها"، يعني لسنة مستقبلة.
ويد لعليه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، ولم يخصها بوقت.
وأيضًا: لما وجد السبب، وهو النصاب، وجب أن يجوز الأداء.
وقد أجاز مالك بن أنس ﵁ تعجيل الكفارة قل الحنث؛ لأن عنده أن اليمين سبب لها، والصدقة أولى بالجواز، لوجود النصاب.
وعندنا أن اليمين ليست سببًا للكفارة، فلذلك لم نجزها.
стр. 808
مسألة: [مقارنة النية إخراج الزكاة]
قال أبو جعفر: (ولا تجزئ الزكاة عمن أخرجها إلا بنية مخالطة لإخراجه إياها).
قال أبو بكر أحمد ﵀: قد ذكر هشام عن محمد أنه إن صر مقدار الزكاة على حدة، ونوى أن يكون من زكاة ماله، ثم دفع، ولم تحضره النية عند الدفع: إني أرجو أن يجزئه إذا كان نوى أن ما أعطى من الصرة، فهو من الزكاة.
وإنما لم تجز الزكاة إلا بنية؛ لأنها فرض مقصود بعينه، كالصلاة والصيام ولا نعلم مع ذلك فيه خلافًا بين الفقهاء.
مسألة: [لو أخذ الإمام الزكاة كرهًا: أجزأت]
قال أبو جعفر: (ومن امتنع من أدائها، فأخذ الإمام منه كرهًا، فوضعها في أهلها: أجزأت عنه).
وذلك لأن للإمام ولاية في أخذ الصدقات، فقام أخذه مقام دفع المالك، كما أن الأب لما كانت له ولاية في دفع صدقة الفطر عن
стр. 809
الصغير، جازت مع عدم نية الصغير، لوجود نية من يستحق الولاية في الدفع.
مسألة: [لا زكاة في الحملان والفصلان والعجاجيل منفردة]
قال أبو جعفر: (ولا زكاة في الحملان، والفصلان، والعجاجيل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف ر حمه الله: فيها وليدة منها).
قال أبو بكر أحمد: وقال زفر فيها مسنة.
قال أبو بكر أحمد: والمسألة في الحملان أن يكون له أربعون شاة في أول الحول، فتوالدت أو استفاد أربعين حملاً قبل الحول بشهر أو نحوه، ثم ماتت المسان، وبقيت الحملان، لا تصح مسألة الحملان إلا على هذا، لأنها لو بقيت في ملكه حولاً، كان مسان، تجب فيها الصدقة عند الجميع إذا حال عليها حول بعد ما صارت مسان.
والحجة لأبي حنيفة ما حدثنا أبو الحسن الكرخي ﵀ قال:
стр. 810
حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا يعقوب يعني الدورقي ومحمد بن هشام قالا: حدثنا هشيم قال: أخبرنا هلال بن خباب عن ميسرة أبي صالح عن سويد بن غفلة ﵁ قال: أتانا مصدق رسول الله ﷺ ، فأتيته، فجلست إليه فسمعته يقول: "في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن".
يدل هذا الحديث على معنيين:
أحدهما: نفي الحق عن الصغار.
والآخر: أنها لا تؤخذ في الصدقة، فانتفى به قول القائلين بأخذ واحدٍ منها، وقول من قاله بأخذ مسنة.
وأيضًا قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس من الإبل، ولا فيما دون أربعين من الغنم شيء".
والفصلان والحملان لا يتناولها اسم الإبل والغنم، بل هي دونها، فانتفى وجوب الحق فيها، لظاهر الخبر.
وأيضًا: قول النبي ص في خبر أنس: "في أربعين شاة: شاة، وفي خمس من الإبل: شاة".
следующие страницы →