Полный текст (3 930 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وأعلى ما يقدر به القطن: حمل، ثم ما بعده تضعيف الأحمال، فجعل نصابه خمسة أحمال.
وأعلى مقادير العسل: الفرق، وما بعده تضعيف، فجعل نصابه خمسة أفراق، فهذا أصل محمد في ذلك.
* وأما أبو يوسف فإنه اعتبر فيما لا يوسق: أن يخرج منه ما قيمته خمسة أوسق من أدنى ما تخرجه الأرض، فإذا بلغ ذلك وجبت الصدقة، ولا تجب فيما دونه.
стр. 842
وذلك لأن النبي ﷺ لما جعل من أخرجت أرضه خمسة أوسق من أدنى الموسقات غنيًا بذلك، وجعل ذلك له نصابًا فيما يجب عليه من الزكاة: وجب اعتبار ما لا يوسق منه بقيمة الموسق.
كما أنه لما جعل نصاب الذهب والفضة عشرين دينارًا، أو مائتي درهم، اعتبرنا عروض التجارة ببلوغ قيمتها هذا القدر، لحصول الغنى له في جنس ما يتعلق به الوجوب.
وهذا أصل تجري عليه مسائله، إلا في العسل، فإنه ترك اعتبار هذا
стр. 843
الأصل، وقال: إذا بلغ عشرة أرطال: ففيه رطل، لحديثٍ رواه عن النبي ﷺ فيه.
* * *
стр. 844
باب زكاة الذهب والورق
[مسألة: نصاب الذهب والفضة]
قال أبو جعفر: (وليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم من الورق، صدقة، فإذا بلغ الذهب عشرين مثقالًا، والورق مائتي درهم: ففيه ربع العشر بعد أن يحول عليه الحول، وصاحبه حر بالغ عاقل مسلم لا دين عليه).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾.
وقال النبي ﷺ : "ما من صاحب مال لا يؤدي زكاته، إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع يطوقه، ويقول: أنا كنزك الذي بخلت به".
* وأما المقدار: فروى عن علي ﵁ عن النبي ﷺ : "في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالًا".
стр. 845
ورواه أبي سعيد ﵁ أيضًا.
وأما الفضة: فالآثار فيها متواترة عن النبي ﷺ ، في اعتبار مائتي درهم منها، ولا خلاف بين أهل العلم فيه.
* وأما اعتبار الحول، فلما روي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
ولأنه لا خلاف في أن من استفاد نصابًا، فأدى زكاته، أنه لا زكاة عليه ثانية، حتى يحول عليه حول.
وإنما قال بعض الناس: إنه يزكيه في أول ما يستفيده، ثم يعتبر الحول بعد ذلك، وعموم قول النبي ﷺ ينفيه، كما نفى وجوبها ثانية إلا بعد حول.
стр. 846
مسألة: [حكم ما زاد على نصاب الذهب والفضة]
قال أبو جعفر: (وما زاد على خمس أواق من الورق: فلا شيء فيه حتى يكون أربعين درهمًا، فيكون فيها درهم، ثم يعتبر في كل زيادة أربعين درهمًا، وهو قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: ما زاد فبحسابه).
قال أبو بكر أحمد: يروى نحو قول أبي حنيفة عن عمر بن الخطاب ﵁، والحسن، والشعبي.
وروى نحو قولهما عن علي ﵁.
والحجة للقول الأول: ما روى يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: حدثني المنهال بن الجراع عن حبيب بن نجيح عن عبادة بن نسي عن معاذ بن جبل ﵁ "أن رسول الله ﷺ أمره حين وجهه إلى اليمن، أن لا يأخذ من الكسور شيئًا، إذا بلغ الورق مائتي درهم أخذ منها خمسة دراهم، ولا يأخذ مما زاد حتى تبلغ أربعين درهمًا، فيأخذ منها درهمًا".
стр. 847
وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "في كل خمس أواق خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهمًا درهم".
وفي حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ عن النبي ﷺ : "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهمًا، وليس فيما دون مائتي درهم شيء".
فلما ذكر المائتين وما دونها على الانفراد، دل على أن قوله: "من كل أربعين درهمًا درهم": فيما زاد على المائتين، وإلا خلا من الفائدة.
وهذا نظير قوله: "فإذا كثرت الغنم، ففي كل مائة شاة: شاة".
* ومن جهة النظر: أن المواشي لما كان لها نصاب في الابتداء، كان بعده عفو، فلما كان للذهب والفضة نصاب في الابتداء، وجب أن يكون بعده عفو.
وأيضًا: ليس في صدقة السوائم كسور بعد النصاب، فوجب أن تكون الدراهم مثلها، والعلة الجامعة بينهما، أن لكل واحد منهما عفوًا في الابتداء.
стр. 848
فإن قيل: في حديث أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهمًا درهم، وليس فيما دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين: ففيهما خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك".
قيل له: معناه: فعلى حساب كل أربعين درهمًا درهم، بدلالة الأخبار التي قدمنا.
مسألة: [ضم أحد النقدين إلى الآخر]
قال: (ويضم الذهب إلى الفضة، ويكمل النصاب منهما بالقيمة في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضمان بالأجزاء).
قال أبو بكر أحمد: إذا كان عنده مائة درهم، وخمسة دنانير، والدنانير تساوي مائة درهم، وجبت الزكاة عند أبي حنيفة؛ لأنه يضم الذهب إلى الفضة، ولا تقوم الدراهم هاهنا؛ لأنه لو ضمها بالقيمة إلى الذهب، لم يكمل نصاب، فما أمكنه إكمال النصاب فعل.
ألا ترى أن عروض التجارة تقوم على هذا الاعتبار، فإن قومت بالدراهم: كمل النصاب، وإن قومت بالدنانير: لم يكمل، فقوموها بالدراهم لحظ المساكين، إن كان غنيًا بهذا القدر من المال.
* وأما أبو يوسف ومحمد: فيعتبران كمال النصاب بأن تجتمع من أجزاء كل واحد منهما ما يكمل به النصاب إذا ضممناهما.
стр. 849
* أما الحجة في وجوب الضم، فهي قول لله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليم﴾.
وقال النبي ﷺ : "كل مال أديت زكاته: فليس بكنز".
واقتضت الآية وجوب الزكاة فيهما عند الاجتماع؛ لأن الواو للجمع. فإن قيل: قال النبي ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، وهو عام في حال الانفراد والاجتماع.
قيل له: هذا فيمن لا يملك غيرها؛ لأن في حديث أنس في كتاب أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال: "في الرقة ربع العشر، فإذا لم يكن مال الرجل إلا تسعين ومائة:
стр. 850
فليس فيها صدقة".
ومن جهة النظر: اتفاقهما جميعًا في أنهما أثمان للأشياء، وبهما تقوم المستهلكات، فأشبها الدراهم المختلفة الأوصاف في باب وجوب ضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب.
ودليل آخر: وهو أنهما لما اتفقا في أن زكاة كل واحد منهما ربع العشر، وتثبيت في الذمة بغير صفة، وجب ضم أحدهما إلى الآخر، كعروض التجارة، لما اتفقت في وجوب ربع العشر: وجب الضم مع اختلاف الأجناس.
فإن قيل: إنما يضم العروض بعضهما إلى بعض، إذا كان ما اشتري به من الثمن جنسًا واحدًا.
قيل له: ولو اشتري بعبدٍ للخدمة عروض للتجارة، وجب ضم بعضها إلى بعض، وإن لم يكن الأصل مما تجب فيه الزكاة.
وعلى أن الثمن ليس في ملكه، فكيف يجوز اعتباره؟ وعلى أنه لا اعتبار بالثمن؛ لأنها إنما تزكى بالقيمة.
فإن قيل: لأن زكاة العروض تجب في قيمتها، والقيم متفقة إما دراهم وإما دنانير.
قيل له: هذا غلط؛ لأن القيمة ليست في ملكه، وإنما يعتبر نصابها بالقيمة، وكذلك يقول أبو حنيفة في الذهب والفضة، أنهما يضمان بالقيمة.
стр. 851
فإن قيل: يعتبر نصابهما بأنفسهما لا بقيمتها؛ لأن لكل واحد منهما نصابًا في نفسه، وهما مختلفان، فلا يضمان، والعروض تضم؛ لأن نصابها معتبر بقيمتها، والقيمة غير مختلفة.
قيل له: قد اتفقنا على أن من له مائة درهم، وعروضًا للتجارة تساوي مائة درهم: أن عليه الزكاة، فقد ضم الجميع الدراهم إلى العروض، وإن كانت الدراهم نصابًا في نفسها، كذلك الذهب يضم إليها، كما ضمت إلى العروض.
فإن قيل: كما لا تضم الغنم إلى الإبل، لاختلاف الجنسين، كذلك الدراهم إلى الدنانير.
قيل له: هذه علة منتقضة بضم العروض إلى العروض، وإلى الدراهم.
فصل:
وإنما ضم أبو حنيفة ﵀ بالقيمة دون الأجزاء، كما ضمت عروض التجارة بالقيمة.
فإن قيل: ليس للعروض نصاب من أنفسها، وللذهب والفضة نصاب من أنفسهما، فينبغي أن يعتبر في الضم وجود أجزاء النصاب في ملكه، كما لو كان له إبريق من فضة وزنه مائة درهم، وهو يساوي عشرين دينارًا، لم تجب فيها الزكاة بالقيمة، كذلك لا يصح ضم بعضها إلى بعض بالقيمة.
قيل له: كما جاز إكمال النصاب بضم أحد المالين إلى الآخر، وإن لم يكن عنده من واحد منهما نصاب كامل، ولم يسقط الضم اعتبارًا بالإبريق
стр. 852
الذي ذكرت إذا كان منفردًا، كذلك يجوز اعتبار الضم بالقيمة.
وأما قوله: إن له نصابًا في نفسه: فإنه يوجب منع الضم رأسًا إذا لم يوجد نصاب نفسه، وهذا ساقط عند الجميع، فكذلك لا يعترض على اعتبار الضم بالقيمة، قياسًا على العروض.
مسألة: [وجوب زكاة الحلي]
قال: (والزكاة واجبة في الذهب والفضة كيفما وجدا، من حلي وغيره).
قال أبو بكر أحمد: روي وجوب زكاة الحلي عن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبي أمامة وعبد الله بن شداد وجابر
стр. 853
بن زيد ﵃.
وقال عطاء ومكحول والزهري: مضت السنة أن في الحلي زكاة.
وروى عروة عن عائشة ﵂: لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته.
وروي عنها: أنها كانت لا تزكي حلي بنات أخيها، وهن يتامى في حجرها".
وهذا عندنا؛ لأنه مال اليتيم.
وروي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "يزكى الحلي مرة واحدة".
стр. 854
* وروي عن جابر، وابن عمر، والحسن، والقاسم ﵃: "أن لا زكاة فيه".
وقال الشعبي: "زكاته عاريته".
* والحجة لأصحابنا في وجوبها قول الله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليم﴾.
فعلق الوجوب بالاسم، وذلك موجود في الحلي.
والدليل على أن المراد به الزكاة: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا عتاب عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة ﵂ قال: كنت ألبس أوضاحًا
стр. 855
من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنزٌ هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي: فليس بكنز".
فأخبر ﵊: "أن ما أدي زكاته: فليس بكنز"، فصار تقدير الآية على هذا المعنى: والذين لا يؤدون زكاة الذهب والفضة فبشرهم بعذاب أليم.
وروي في خبر آخر: "كل مال أديت زكاته: فليس بكنز وإن كان مدفونًا، وما لم تؤد زكاته: فهو كنز وإن كان ظاهرًا على وجه الأرض".
فصار الكنز في الشرع: اسمًا لما لا تؤدى زكاته.
* ويدل عليه أيضًا قول الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾؛ لأنه عموم في أصناف الأموال.
* ومن جهة السنة: حديث أم سلمة الذي قدمناه في الأوضاح التي كانت تلبسها.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ ، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب،
стр. 856
فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ ".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ابن ناجية قال: حدثنا أحمد بن حاتم قال: حدثنا علي بن ثابت قال: حدثنا يحيى بن أبي أنيسة الجزري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود "أن زينب الثقفية امرأة عبد الله ﵄، سألت رسول الله ﷺ فقالت: "إن لي طوقًا فيه عشرون مثقالًا، أفأؤدي زكاته؟ قال: "نعم. أدي نصف مثقال.
قالت: فإن في حجري بني أخ لي أيتام، فأجعله، أو أفأضعه فيهم: قال: نعم".
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازي قال: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق قال: حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن عائشة ﵂ قالت:
"دخل علي رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات
стр. 857
من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله! قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله. قال: هو حسبك من النار.
قال أبو داود: قيل لسفيان الثوري: كيف تزكيه؟ قال تضمه إلى غيره.
* ويدل عليه أيضًا: قول النبي ﷺ : "في الرقة ربع العشر"، وهو عموم في الحلي وغيره.
فإن قيل: الحلي لا تسمى رقة؛ لأن الرقة اسم للورق، وهو الدراهم المضروبة.
قيل له: هذا خطأ؛ لأن في حديث عائشة ﵂: "فرأى في يدي فتخات من ورق": يعنى من فضة؛ لأن الفتخة لا تكون مضروبة، وإنما هي حلقة شبه الخاتم.
فإن قيل: زكاة الحلي عاريته.
قيل له: قد اتفق الجميع على أن العارية غير واجبة، وأنها لا تستحق الوعيد بتركها، ولو كان كذلك لوجب إذا كان الحلي لرجل، أن تكون زكاته عاريته.
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على وجوب الزكاة في الدراهم
стр. 858
والدنانير والنقرة والسبائك وإن لم يكن يرصده للنماء: فعلمنا أن وجوب الزكاة فيها متعلق بأعيانها، لا بانضمام معنى آخر إليها، فوجبت في الحلي بوجوب العين.
وإن شئت قلت: لأنهما من جنس الأثمان التي عليها تدور البياعات.
فإن قيل: الحلي بمنزلة العوامل من الإبل والبقر؛ لأنه غير مرصد للنماء.
قيل له: هذا منتقضٌ بالسبائك وتبر الذهب والفضة وأواني الذهب والفضة، وينتقض أيضًا بالحلي إذا كان لرجل لا يريد به التجارة.
وقد تكلمنا فيها في "مسائل الخلاف" بأكثر من هذا.
مسألة: [حول المال المستفاد هو حول الأصل]
قال: (وما استفاده في الحول من ذهب أو فضة، وعنده نصاب: زكاه لحول الأصل، وكذلك في المواشي).
والحجة لذلك قول النبي ﷺ : "في خمس وعشرين: بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة: ففيها بنت لبون".
стр. 859
ولم يفرق بين وجود الزيادة في أول الحول أو في آخره.
ويدل عليه حديث أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ عن النبي ﷺ في صدقة المواشي: "ويعد صغيرها وكبيرها".
لم يفرق بين أن يكون منها، أو من غيرها.
وكذلك قال عمر ﵁: "عد عليهم السخلة وإن راح بها الراعي على كفه".
ويدل عليه حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أعلموا من السنة شهرًا تؤدون فيه زكاة أموالكم، فما حدث من مال بعد: فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس السنة".
فأشار في الوجوب إلى رأس سنة معرفة، وهي حول الأصل،
стр. 860
وذلك نص في سقوط اعتبار حول مستقبل للفائدة.
فإن قيل: كل هذا يخصه قوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
قيل له: بل يؤكد ما قلنا؛ لأنه أشار إلى حول معرف بالألف واللام، وهو الحول الذي تعلق حكمه بالنصاب الذي عنده، وليس يمتنع أن يقال: إن ذلك الحول قد حال على جميع الأصل، والفائدة؛ لأن حلول الحول اسم لوجود آخر جزء منه، ألا ترى أنك تقول: حال الحول على مالي اليوم: ويكون ذلك عبارة صحيحة، ومعلوم أن الموجود منه في اليوم ليس جميع الحول، بل آخره.
فقوله: حتى يحول عليه الحول: بمنزلة قوله: حتى يوجد آخر جزء من الحول المتعلق بنصاب الأصل.
وأيضًا: فإنا نجعل قوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول": على النصاب المنفرد دون الفائدة، لتجري الأخبار الأخر على العموم، ولا نخصه بالاحتمال.
كما أن قوله: "ليس فيما دون خمس من الإبل شيء"، وقوله: "ليس في أقل من خمس أواق صدقة": في المال المنفرد دون الفائدة.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على ضم الأولاد الحادثة في الحول
стр. 861
إلى الأمهات مزكاة بحولها، والمعنى فيها: أنها زيادة ملك في الحول على نصاب من جنسه، وهذا المعنى موجود في الفائدة من غيرها.
فإن قيل: العلة في الأولاد أنها من الأمهات، فوجب الحق فيها من طريق السراية.
قيل له: هذه العلة فاسدة، لكونها مقصورة على موضع الاتفاق، غير متعدية إلى فرع.
وعلى أن هذه لو كانت علة صحيحة، لم تعارض اعتلالنا؛ لأنهما يوجبان حكمًا واحدًا، إلا أن إحداهما أخص من الأخرى في إيجاب حكمها، كالخبرين إذا وردا في حكم واحد، وأحدهما أعم من الآخر، فلا يمنع الخاص استعمال العام.
وأيضًا: فقد وجبت في الأمهات لأجل الأولاد، وليست هي من الأولاد، ألا ترى أن من كانت له مائة وعشرون شاة، فولدت واحدة منها قبل الحول: كان فيها شاتان، فصار حدوث الولد موجبًا للحق في أمه، في سائر الغنم التي ليس منها.
وأيضًا: لو كان هذا الحق واجبًا في الأولاد من طريق السراية، لكان مقصورًا على اتصالها بالأمهات، فكان يجب إذا ولدت بعد الحول، أن يجب الحق فيه للحول الماضي، وكان حدوثه قبل الحول يمنع من وجوب الحق فيه بالحول؛ لأنه بائن منها، والحق الواجب في الأصل لا يسري في الأولاد البائنة، كالعتق وسائر الحقوق.
стр. 862
ودليل آخر: وهو أن الحول والنصاب جميعًا سببا وجوب الزكاة، فلما سقط اعتبار النصاب في الفائدة، سقط اعتبار الحول، والعلة الجامعة بينهما أن كل واحد منهما سبب للوجوب، فمن حيث سقط اعتبار أحدهما، سقط اعتبار الآخر.
يدل عليه خمس الغنائم، وخمس المعادن، لما سقط فيها اعتبار الحول، سقط اعتبار النصاب.
فإن قيل: فأبو حنيفة يعتبر المقدار فيما زاد على المائتين، ولا يعتبر الحول فيه.
قيل له: ما زاد على المائتين لا يراعى فيه نصاب؛ لأن النصاب هو ما يتعلق به حكم الوجوب ابتداء، وليس كل مقدار اعتبر كان نصابًا.
مسألة: [وجوب الخمس فيما يخرج من معدن الذهب والفضة]
قال أبو جعفر: (وفيما يخرج من معدن الذهب والفضة الخمس، ولا زكاة فيه إلا بعد حولٍ على شرائط وجوب الزكاة).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ في أخبار مستفيضة أنه قال: "وفي الركاز الخمس"، والركاز: اسم يتناول المعدن والمدفون.
والدليل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن سعيد بن
стр. 863
أبي سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "في الركاز الخمس". قالوا: يا رسول الله ﷺ وما الركاز؟ قال: "الذهب والفضة اللذين خلقهما الله في الأرض يوم خلقت".
ويدل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عما يوجد في الخرب العادي؛ فقال: النبي ﷺ : "فيه، وفي الركاز الخمس".
فدل على أن الركاز هو المعدن؛ لأنه أخبر بدءًا عن المدفون، ثم عطف عليه الركاز.
ويدل عليه ما حكاه محمد بن الحسن عن العرب أنها تقول: ركز المعدن: إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة، فدل على أن أصل الركاز هو المعدن.
стр. 864
ويدل عليه أيضًا: أن الركاز اسم لما غيب في الأرض وأخفي فيها، ومنه قولهم: ركز رمحه في الأرض، ومنه: الركز، وهو الصوت الخفي. قال الله تعالى: ﴿أو تسمع لهم ركزًا﴾.
فلما كان ذهب المعدن مغيبًا في الأرض، كان ركازًا، كما كان المدفون ركازًا.
فإن احتجوا بما رواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه ﵁ "أن رسول الله ﷺ أخذ من معادن القبلية الصدقة، وأنه أقطع لبلال بن الحارث العقيق أجمع".
قيل لهم: لا دلالة في هذا الخبر على منع وجوب الخمس؛ لأن الخمس عندنا صدقة.
стр. 865
وقد رواه محمد عن ربيعة "أن رسول الله ﷺ أقطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم".
وهذا إسناده مقطوع، ولا دلالة في متنه على قول المخالف في أخذ الزكاة من المعدن في حال إخراجه؛ لأنه يحتمل أنه لا يؤخذ منها إلا الزكاة على شرائطها من حول أو ضم إلى نصاب قد تعلق به حكم الحول.
وأيضًا: فإن بلالًا كان قد ملكها بالإقطاع، وكذلك يقول أبو حنيفة في المعادن المملوكة أنه لا شيء فيها.
وأيضًا: فإن ذهب المعادن وفضتها مال مظهور عليه بالإسلام، فلا فرق بينها وبين المدفون، والعلة الجامعة بينهما أن موضع المعدن ليس بملك، وهو مظهور عليه كالمدفون سواء.
مسألة: [حكم ما يستخرج من الأرض أو البحر]
قال أبو جعفر: (ولا شيء فيما يوجد في الجبال، ولا في البحار في
стр. 866
قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: في العنبر واللؤلؤ وكل حلية تخرج من البحر: الخمس).
قال أبو بكر أحمد: ما يستخرج من الأرض فعلى أربعة أوجه:
أحدها: الذهب والفضة، نوما ينطبع من الحديد والرصاص ونحوها: ففيها الخمس، والأصل في هذه الجواهر ما قدمنا من وجوبه في الذهب والفضة، والمعنى في جميعها أنها تنطبع.
والثاني: الماء، ولا خلاف في أنه لا شيء فيه، وقاسوا عليه القير، والنفظ ونحوهما.
والثالث: الحجر: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا زكاة في حجر".
ومعلوم أنه لم ينف به زكاة الحجارة؛ لأنها واجبة فيه كوجوبها في غيره، وكل ما كان من تربة الأرض، فحكمه حكمه، نحو الطين والتراب
стр. 867
والرمل واليواقيت والفصوص والفيروزج.
والرابع: السمك، وهو من حيوان البحر، ولا شيء فيه بالاتفاق، وقياسه اللؤلؤ والعنبر؛ لأن اللؤلؤ من الصدف، وهو من حيوان البحر؛ والعنبر زعموا أنه روث دابة من دواب البحر، فكان في معنى سائر حيوان البحر، فلا شيء فيه.
ووجه آخر فيما يخرج من البحر: وهو أن موضع البحر غير مظهور عليه؛ لأنه مما لا يصح ثبوت اليد فيه، فصار بمنزلة من أخذ معدنا من دار الحرب: فلا شيء فيه؛ لأن الموضع غير مظهور عليه بالإسلام.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ في العنبر روايتان:
إحداهما: أنه لا شيء فيه، وقال: "إنما هو شيء دسره البحر".
والأخرى: أن فيه الخمس.
* وأما أبو يوسف: فإنه يوجب الخمس في اللؤلؤ والعنبر، وكل حلية تخرج من البحر؛ لأن موضع البحر من دار الإسلام، فهو كالفلوات والمفاوز، ألا ترى أنه في حيز الإسلام.
стр. 868
مسألة: [مصارف خمس الركاز]
قال أبو جعفر: (ويوضع خمس الركاز المدفون في موضع خمس الغنيمة).
وذلك لما وصفنا من أن وجوبه تعلق بكون الموضع مظهورًا عليه غير مملوك، وكذلك المعدن منه.
مسألة: [حكم الركاز إذا وجد في دار]
قال أبو جعفر: (فإن وجد الركاز في دار قد اختطت، فإن أبا حنيفة ومحمدًا قالا: هو لصاحب الخطة، وفيه الخمس، وقال أبو يوسف: هو للذي وجده).
لأبي حنيفة ومحمد أن صاحب الخطة هو الذي استحق اليد بدءًا في الموضع، والركاز يملك باليد والحيازة، كالغنائم، فلما حصلت الحيازة واليد بدءًا في الموضع لصاحب الخطة: ملك ما فيه من الركاز باليد.
ثم لا ينتقل ملكه عنه بانتقال ملك الموضع؛ لأنه ليس من تربة الأرض، ولا هو بمنزلة متاع موضوع فيه، فإذا استخرج كان لصاحب الخطة.
* وقال أبو يوسف: إنما يصير الركاز مغنومًا بالإظهار، فمن أظهره واستخرجه: فهو أولى به، كالغنائم هي لمن أحرزها.
стр. 869
ويجب الخمس فيه عندهم جميعًا، لكون الموضع مظهورًا عليه.
مسألة: [زكاة المعادن المملوكة]
قال أبو جعفر: (ومن وجد معدنًا في داره، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: لا شيء عليه فيه، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: فيه الخمس).
لأبي حنيفة حديث بلال بن الحارث المزني ﵁ حين أقطعه النبي ﷺ المعادن القبلية، ولم يأخذ منها الخمس؛ لأنه كان قد ملك الموضع قبل إظهار المعدن، والمعدن من تربة الأرض.
واختلف حكم المعدن والركاز المدفون عنده من وجهين:
أحدهما: أنه أوجب الخمس في الركاز المدفون، وجعله لصاحب الخطة، ولم يوجب في المعدن في الدار شيئًا، وجعله للمالك الذي استخرجه، دون صاحب الخطة.
فأما جهة الفرق بينهما في جعله الركاز لصاحب الخطة، والمعدن للواجد، فقد بيناها بما قلنا، إن الركاز قد ملكه صاحب الخطة بثبوت بدء عليه، ثم لم ينتقل ملكه عنه بانتقال ملك الأرض؛ لأنه كمتاع موضوع هناك، والمعدن من تربة الأرض، فانتقل الملك فيه بانتقال ملك الموضع، كسائر ترب الأرض.
وأما افتراقهما في باب سقوط الخمس عن المعدن في الدار، وفي
стр. 870
وجوبه في الركاز، فهو: أن الركاز قد صار غنيمة بالخطة والظهور على الموضع، فوجب فيه الخمس، كوجوبه في سائر الغنائم إذا أحرزت؛ لأن الركاز المدفون للكفار، وقد صار لصاحب الخطة بظهور الإسلام وغلبته، فكان كالرجل يدخل دار الحرب مغيرًا بإذن الإمام، فيخمس ما يصيبه.
وأما المعدن فلما كان من تربة الأرض، وملكه الإمام الأرض بتربتها، صار كالغنيمة إذا باعها من إنسان، سقط عنها حق سائر الناس؛ لأنه قد ملكها بذلك.
فإن قيل: فإن كانت تربة المعدن مملوكة بالعقد على الأرض، فالواجب أن يكون لها حصة من الثمن.
قال أبو بكر أحمد: كان أبو الحسن الكرخي ﵀ يروي عن أبي حنيفة اعتبار ما في التربة من الذهب، فإن كان مثل الثمن: فسد البيع إذا كان الثمن ذهبًا.
قال أحمد: وفرق في الجامع الصغير بين الدار والأرض، فأوجب الخمس في المعدن إذا وجده في أرضه، ولم يوجبه إذا وجده في داره.
وسوى بينهما في كتاب الزكاة من الأصل، ولم يوجب في واحد منهما شيئًا، وهذه الرواية أقيس وأشبه بما روي في حديث بلال بن
стр. 871
الحارث ﵁.
وأما جهة الفرق على الرواية الأخرى، فهي: أن صحة الملك في الأرضين لا تقطع عنها حق المساكين؛ لأنها لا تخلو من وجوب عشر أو خراج، فجاز أن يبقى حقهم في المعدن مع حصول ملك الأرض.
فإن قيل: إن المعدن إنما يصير على غنيمة بالإظهار؛ لأنه قبل ذلك ليس في ملك أحد ولا يده، كالصيد إذا تكنس في أرضه، أو في داره، ولا يصير هو أحق به من غيره.
قيل له: لما كان المعدن من تربة الأرض، ملك بملك الأرض، وليس الصيد من الأرض، فيدخل في العقد عليها.
ويدل على الفصل بينهما: أنه لا يصح الإمام تمليك الصيد الممتنع، ولا إقطاعه، ويصح منه إقطاع الأرضين الموات، فكذلك تربة الأرض من المعدن، قد ملكها المشتري كما ملك الأرض، ولا يملكه إلا من أخذه وصار في يده.
مسألة: [حكم الركاز بجده في دار الحرب، وقد دخلها مستأمنا]
قال أبو جعفر: (ومن وجد ركازا في دار الحرب، وقد دخلها بأمان، فإن كان وجده في دار بعض هم: رده عليهم، وإن وجده في صحراء: فهو له، ولا شيء فيه).
стр. 872
أما إذا وجده في دار بعضهم، فإنه قد أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، كما أعطوه: فلا يجوز له أن يأخذ شيئا من أيديهم بغير إذنهم، وما في دار الرجل فهو في يده، فلا يأخذه؛ لأن فيه خفر الأمان.
وإذا وجده في صحراء، فلم يأخذه من يد أحد: فليس عليه رده عليهم.
فإن قيل: ينبغي أن يرده عليهم؛ لأن براريهم في أيديهم، كما أن برارينا في أيدينا، ومن أجله وجب الخمس.
قيل له: ليست برارينا في يد أحد، وإنما يجب فيها الخمس بالظهور والغلبة، وإن لم تكن في أيدينا، ألا ترى أنها قد صارت في حيز الإسلام، فوجب فيها الخمس من حيث كانت غنيمة مغلوبا عليها بظهور الإمام والمسلمين.
وبراري أرض الحرب كذلك هي ليست في يد أحد، فلذلك لم يجب رده عليهم، ولم يجب عليه فيه الخمس؛ لأنه لم يأخذه بظهور الإمام ولا بنصرته، كرجل دخل دار الحرب مغيرا بغير إذن الإمام، فلا يخمس ما يغنمه.
والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وما أفاه الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾، فلم يوجب فيه الخمس؛ لأنه لم يوجفوا عليه،
стр. 873
ولم يجعل لهم فيه حقا.
ويدل عليه قصة المغيرة بن شعبة ﵁، حين قتل قوما كان معهم في الجاهلية، وأخذ أموالهم، ثم أسلم، وأتى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فقد قبلناه، وأما المال فإنه مال غدر، ولا حاجة لنا فيه".
فدل ذلك على معنيين:
أحدهما: أن المستأمن يملك ما يأخذه من أهل الحرب، وإن كان غادرا فيه.
والثاني: أنه لا خمس فيه، فصار ذلك أصلا فيمن دخل مغيرا دار الحرب، أنه لا خمس فيما يغنمه إذا دخل بغير إذن الإمام.
قال أبو بكر أحد: وكان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أخذه من دار بعضهم، فهو للواجد، ولا يرده عليهم، وهذا صحيح على أصله فيمن وجد في دار غيره ركازا في دار الإسلام، أنه للواجد.
مسألة: [لا زكاة في الزئبق].
قال أبو جعفر: (قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: لا شيء في الزئبق. قال: فلم أزل به حتى قال: فيه الخمس، ثم رأيت بعد ذلك أن لا شيء فيه).
стр. 874
قال أبو بكر أحمد: وهذا يوجب أن لا يكون بينهما خلاف في المعنى؛ لأن أبا حنيفة لم يوجب فيه بدءا الخمس؛ لأنه كان عنده أنه لا ينطبع، وأنه بمنزلة النفط والقي، فلما قيل له: إنه ينطبع كالرصاص: أوجب فيه، فحصل جواب المسألة موقوفا عنده على أنه ينطبع أو لا ينطبع عندهما جميعا.
стр. 875
باب زكاة التجارة
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وفي عروض التجارة الزكاة).
وذلك لما روي عن عمر ﵁ أنه قال لحماس بن عمرو: "أين زكاة مالك. قال: إن مالي الحعاب، والأدم". قال: قومها، وأد زكاتها".
وروي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أيضا زكاة
стр. 876
العروض، ولم يرو عن غيرهم من السلف خلافه، فصار إجماعا، وروى سمرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يأمر أن تخرج الصدقة من الرقيق الذي يعد للبيع.
ومن جهة النظر: أن مالك بن أنس، وهو الذي يخالفنا في زكاة العروض، قد وافقنا أنه إذا باعها بعين، اعتد بما مضى من الحول، وهو عرض، فلولا أنها مما تجب فيه الزكاة، لما اعتد بالوقت الذي مضى عليها، وهي عروض ليست بعين.
[يعتبر كمال النصاب عند طرفي الحول فقط].
قال أبو جعفر: (وإذا كانت في أول الحول ناصبا، ثم نقص في وسط الحول، فحال الحول، وهو نصاب: وجبت فيه الزكاة، ولا اعتبار بالنقصان الحادث في الحول، وكذلك الدراهم والدنانير).
وذلك لأنه لا خلاف بين الفقهاء في أن نقصان العروض التي هي
стр. 877
للتجارة عن النصاب في بعض الحول، لا يوجب استئناف حول، فكذلك الدراهم.
والعلة الجامعة بينهما بقاء حكم النصاب الذي تعلق به حكم الحول، وكماله في آخره، وليس النقصان كهلاك الأصل، كما لم يكن نقصان قيمة العرض في الحول، كهلاك الأصل.
ودليل آخر: وهو أنه قد صح عندنا ضم الفائدة إلى حول الأصل، والمعنى فيه وجود بعض السبب الذي تعلق به حكم الزكاة في الأصل، وهو الحول، فلما وجد جزء من النصاب الذي هو سبب الوجوب، وجب أن يضم باقي الحول إليه، ويجعله كأنه كان موجودا فيه، إذ كان الحول والنصاب جميعا سببي وجوب الزكاة، فمن حيث ضممنا بعض الحول إلى الجميع، كذلك يضم بعض النصاب إلى جميعه الموجود في آخر الحول.
مسألة: [مبادلة سلعة التجارة بأخرى لا تبطل الحول]
قال أبو جعفر: (وإذا باع سلعة للتجارة بسلعة غيرها، وليس له فيها نية التجارة ولا غيرها، فالثانية للتجارة).
قال أبو بكر أحمد: لأنه بدل من مال كان للتجارة، فحكمه حكم المبدل عنه.
ولأن التاجر بصرفه في مال التجارة: للتجارة، حتى ينقله عنها بالنية
стр. 878
إلى غيرها، كما أن تصرف المضارب في مال المضاربة: للمضاربة، دون غيرها، حتى ينوي غيرها.
مسألة: [عروض التجارة تصير للقنية بمجرد النية]
قال أبو جعفر: (ما كان للتجارة فإنه يصير للقنية بالنية، وما كان للقنية لم يصر للتجارة بالنية حتى يبيعه، فيكون بدله للتجارة)
وذلك لأن التجارة تصرف، فلا تصير للتجارة إلا بالفعل، وأما القنية، فإنه ترك التصرف، وهو موجود، فيصير كذلك بالنية دون الفعل.
وهذا يشبه السفر والإقامة، غي أن المسافر يصير مقيما بنية الإقامة؛ لأن الإقامة ليسن أكثر من ترك السفر، ولا يصير المقيم مسافرا إلا بالنية والعمل جميعا؛ لأن السفر عمل لا يوجد بوجود النية، والإقامة ترك السفر، وهو موجود عند انضمام النية إليه.
مسألة: [ما يكون للتجارة بمجرد النية]
قال أبو جعفر: (ولو ورث سلعة، فنواها للتجارة: لم تكن للتجارة).
لأن التجارة تصرف، وهي لم تدخل في ملكه بتصرفه ولا قبوله.
قال أبو جعفر: (ولو وهبت له، أو خلع عليها، أ, صالح من دم
стр. 879
عمد عليها، أو كانت امرأة فزوجت عليها، وهي تنوي بها التجارة: فإن أبا يوسف قال: تكون للتجارة كالذي يشتريه وهو ينوي به التجارة).
وذلك لأنها دخلت في ملكه بتصرفه وقبوله، فإذا انضافت إليه النية، كانت للتجارة كالمشتراة.
* قال: (وقال محمد: لا يكون شيء من ذلك للتجارة، وهو كالموروثة).
وذلك لأن هذه العقود ليست من عقود التجارة، ألا ترى أن الإذن في التجارة لا يملك به التصرف في هذه العقود، ولا يملكها المضارب ولا العبد المأذون له في التجارة، وهما يملكان التصرف في عقود التجارات.
стр. 880
باب زكاة الدين
[مسألة: زكاة الدين]
قال أبو جعفر: (وإذا كان له مائتا درهم دينا على رجل مقر بها مليء، فحال عليها الحول: لم يكن عليه أن يزكيها حتى يقبضها، فإن قبض بعضها: لم يزك حتى يقبض أربعين، فيزكيها بدرهم. هذا قول أبي حنيفة).
قال أحمد: الدين عن أبي حنيفة على ثلاثة أوجه:
فمنه ما ملك بغير بدل، نحو الميراث، أو ببدل ليس بمال، نحو المهر والجعل في الخلع، ودية الخطأ، والعمد إذا صالح عنه، فإنه لا يزكي في هذه الوجوه حتى يقبض، ويحول عليه حول بعد القبض.
والقسم الثاني: ما كان بدلا عن مال في يده إلا أنه لو بقي لم تجب فيه زكاة، نحو عبد الخدمة، وثياب الكسوة إذا باعها، ثم قبض ثمنها بعد حول، فهذا فيه روايتان:
إحداهما: أنه لا زكاة عليه حتى يقبض، ويحول عليه الحول بعد
следующие страницы →