← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

العروض، ولم يرو عن غيرهم من السلف خلافه، فصار إجماعا، وروى سمرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يأمر أن تخرج الصدقة من الرقيق الذي يعد للبيع. ومن جهة النظر: أن مالك بن أنس، وهو الذي يخالفنا في زكاة العروض، قد وافقنا أنه إذا باعها بعين، اعتد بما مضى من الحول، وهو عرض، فلولا أنها مما تجب فيه الزكاة، لما اعتد بالوقت الذي مضى عليها، وهي عروض ليست بعين. [يعتبر كمال النصاب عند طرفي الحول فقط]. قال أبو جعفر: (وإذا كانت في أول الحول ناصبا، ثم نقص في وسط الحول، فحال الحول، وهو نصاب: وجبت فيه الزكاة، ولا اعتبار بالنقصان الحادث في الحول، وكذلك الدراهم والدنانير). وذلك لأنه لا خلاف بين الفقهاء في أن نقصان العروض التي هي

стр. 877

للتجارة عن النصاب في بعض الحول، لا يوجب استئناف حول، فكذلك الدراهم. والعلة الجامعة بينهما بقاء حكم النصاب الذي تعلق به حكم الحول، وكماله في آخره، وليس النقصان كهلاك الأصل، كما لم يكن نقصان قيمة العرض في الحول، كهلاك الأصل. ودليل آخر: وهو أنه قد صح عندنا ضم الفائدة إلى حول الأصل، والمعنى فيه وجود بعض السبب الذي تعلق به حكم الزكاة في الأصل، وهو الحول، فلما وجد جزء من النصاب الذي هو سبب الوجوب، وجب أن يضم باقي الحول إليه، ويجعله كأنه كان موجودا فيه، إذ كان الحول والنصاب جميعا سببي وجوب الزكاة، فمن حيث ضممنا بعض الحول إلى الجميع، كذلك يضم بعض النصاب إلى جميعه الموجود في آخر الحول. مسألة: [مبادلة سلعة التجارة بأخرى لا تبطل الحول] قال أبو جعفر: (وإذا باع سلعة للتجارة بسلعة غيرها، وليس له فيها نية التجارة ولا غيرها، فالثانية للتجارة). قال أبو بكر أحمد: لأنه بدل من مال كان للتجارة، فحكمه حكم المبدل عنه. ولأن التاجر بصرفه في مال التجارة: للتجارة، حتى ينقله عنها بالنية

стр. 878

إلى غيرها، كما أن تصرف المضارب في مال المضاربة: للمضاربة، دون غيرها، حتى ينوي غيرها. مسألة: [عروض التجارة تصير للقنية بمجرد النية] قال أبو جعفر: (ما كان للتجارة فإنه يصير للقنية بالنية، وما كان للقنية لم يصر للتجارة بالنية حتى يبيعه، فيكون بدله للتجارة) وذلك لأن التجارة تصرف، فلا تصير للتجارة إلا بالفعل، وأما القنية، فإنه ترك التصرف، وهو موجود، فيصير كذلك بالنية دون الفعل. وهذا يشبه السفر والإقامة، غي أن المسافر يصير مقيما بنية الإقامة؛ لأن الإقامة ليسن أكثر من ترك السفر، ولا يصير المقيم مسافرا إلا بالنية والعمل جميعا؛ لأن السفر عمل لا يوجد بوجود النية، والإقامة ترك السفر، وهو موجود عند انضمام النية إليه. مسألة: [ما يكون للتجارة بمجرد النية] قال أبو جعفر: (ولو ورث سلعة، فنواها للتجارة: لم تكن للتجارة). لأن التجارة تصرف، وهي لم تدخل في ملكه بتصرفه ولا قبوله. قال أبو جعفر: (ولو وهبت له، أو خلع عليها، أ, صالح من دم

стр. 879

عمد عليها، أو كانت امرأة فزوجت عليها، وهي تنوي بها التجارة: فإن أبا يوسف قال: تكون للتجارة كالذي يشتريه وهو ينوي به التجارة). وذلك لأنها دخلت في ملكه بتصرفه وقبوله، فإذا انضافت إليه النية، كانت للتجارة كالمشتراة. * قال: (وقال محمد: لا يكون شيء من ذلك للتجارة، وهو كالموروثة). وذلك لأن هذه العقود ليست من عقود التجارة، ألا ترى أن الإذن في التجارة لا يملك به التصرف في هذه العقود، ولا يملكها المضارب ولا العبد المأذون له في التجارة، وهما يملكان التصرف في عقود التجارات.

стр. 880

باب زكاة الدين [مسألة: زكاة الدين] قال أبو جعفر: (وإذا كان له مائتا درهم دينا على رجل مقر بها مليء، فحال عليها الحول: لم يكن عليه أن يزكيها حتى يقبضها، فإن قبض بعضها: لم يزك حتى يقبض أربعين، فيزكيها بدرهم. هذا قول أبي حنيفة). قال أحمد: الدين عن أبي حنيفة على ثلاثة أوجه: فمنه ما ملك بغير بدل، نحو الميراث، أو ببدل ليس بمال، نحو المهر والجعل في الخلع، ودية الخطأ، والعمد إذا صالح عنه، فإنه لا يزكي في هذه الوجوه حتى يقبض، ويحول عليه حول بعد القبض. والقسم الثاني: ما كان بدلا عن مال في يده إلا أنه لو بقي لم تجب فيه زكاة، نحو عبد الخدمة، وثياب الكسوة إذا باعها، ثم قبض ثمنها بعد حول، فهذا فيه روايتان: إحداهما: أنه لا زكاة عليه حتى يقبض، ويحول عليه الحول بعد

стр. 881

القبض، كما قلنا في الميراث، والمهر. ورواية أخرى: أنه إذا قبض منها مائتي درهم بعد حول: زكاها لما مضى، وهي دين، وإن قبض أقل منها لم يزك. والرواية الأولى أصح على أصله. والقسم الثالث: ما كان بدلا عن مال لو بقي في يده وجبت فيه الزكاة، وهو عبد التجارة، وبدل دراهم استهلكها غاصب، أو أقرضها غيره، ثم قبضها بعد حول، فإذا قبض أربعين درهما، زكى الأربعين للحول الماضي، فإن قبض أقل منها لم تكن عليه زكاة، حتى يقبض تمام الأربعين. * وأما أبو يوسف ومحمد، فيعتدان بالحول الماضي في وجوب الزكاة في الدين، إلا في الكتابة والدية إذا لم يقبضها، فإنه لا زكاة فيها عندهما أيضا حتى يقبض ذلك، ويحول عليها الحول بعد القبض. والأصل في ذلك عند أبي حنيفة: أن النصاب لا سبيل إلى إثباته إلا من طريق التوقيف، أو الاتفاق، ولا سبيل إليه من طريق القياس، والنصاب المتفق عليه هو اجتماع الملك واليد جميعا، فإذا انفرد الملك عن اليد، فهو نصاب مختلف في أنه نصاب، فلم نثبته إلا من الجهة التي بها يصح إثبات النصاب، كالميراث لم يملك إلا وهو دين، وكذلك المهر ونظائره، فلم يحصل إثباته إلا بالقبض، فحينئذ يعتد بالحول. وأما ما كان في يده من عبد للخدمة، ثم باعه، فهو بهذه المنزلة؛ لأنه لم يصر من جنس الأموال التي للزكاة إلا وهو دين، ولو بقي العبد في يده

стр. 882

زمانا لم يعلق به حكم الزكاة، فصار بدله كالمهر والديه ونحوهما في إحدى الروايتين، وهي أصحهما. وفي الرواية الأخرى: أن ذلك بدل عن مال كان في يده، وبتصرفه صار دينا، ومن جنس أموال الزكوات، فتعلق به حكم الوجوب، إلا أنه لم يجب الأداء إلا بعد قبض المائتين، كما يتعلق الوجوب في الابتداء بالمائتين. وأما بدل عبد التجارة، فتجب فيه الزكاة، وهو دين؛ لأن أصلة كان من أموال الزكوات، وبتصرفه صار دينا، فلم يسقط عنه حق المساكين، إلا أن الزكاة مع ذلك متعلقة بالعين؛ لأنها لو تويت: سقطت الزكاة، فلم يجب الأداء إلا بعد القبض، ثم اعتبر حكم الأداء بالوجوب فيما زاد على النصاب، وهو أربعون. * وأما أبو يوسف ومحمد، فاعتبرا وجود الملك في كل دين صحيح، ومال الكتابة والدية قبل القضاء بهما ليسا دينا صحيحا، فلم يكمل الملك فيهما إلا بعد القبض. مسألة: [زكاة الدين المجحود] قال أبو جعفر: (وإذا كانت على رجل جاحد لها، فلا زكاة عليه فيها لما مضى وإن قبضها بعد حول). وذلك لأنه مال تاو، هو لا يقدر على التصرف فيه، ولا على

стр. 883

أخذه، فكان بمنزلة مال ليس في ملكه، وبمنزلة ما لو ضاع منه، ثم وجده بعد زمان، فلا تجب عليه زكاة لما مضى. ألا ترى أما ليس بدين صحيح، مثل الكتابة والدية، لا تجب فيها الزكاة، والدين المجحود أضعف من ذلك، فهو أولى بأن لا تكون فيه زكاة. [مسألة: زكاة الدين إن كان على معدم] قال أبو جعفر: (وإن كانت له على مقر بها، غير أنه معدم، فحال عليها الحول، ثم قبضها: فإنه يزكيها لما مضى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف). قال أبو بكر أحمد: وهو صحيح على أصل أبي حنيفة؛ لأنه لا يرى التفليس. وأبو يوسف جعله بمنزله المال المؤجل في باب سقوط المطالبة به. فلا تسقط الزكاة. وأما محمد فإنه جعله بمنزلة المال التاوي، والمجحود بمنزلة ما ضاع من ماله، بحيث لا يقدر عليه.

стр. 884

باب صدقة الفطر [مسألة: مقدار زكاة الفطر] قال أبو جعفر: (زكاة الفطر نصف صاع من بر، أو دقيق بر، أو سويق بر، أو زبيب، أو صاع من تمر، أو شعير في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. وروى أسد بن عمرو والحسن عن أبي حنيفة أن الزبيب في ذلك كالشعير، وهو قول أبي يوسف ومحمد من رأيهما). قال أبو بكر أحمد: روي نصف صاع من بر عن النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن

стр. 885

مسعود، وجابر، وعائشة، وابن الزبير، وأبي هريرة، وأسماء بنت أبي بكر، وقيس بن سعد ﵃ أجمعين وعلى التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة بأنه لا يجزى نصف صاع من بر.

стр. 886

رواه عن النبي ﷺ ابن عباس، وأبو هريرة، وأوس بن الحدثان، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ ، والزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه عن النبي ﷺ ، وسفيان بن حسين عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . وقالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: "كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ عن الحر والمملوك مدين من حنطة. أو

стр. 887

صاعا من تمر". ولا نعلم أحدا روى عن النبي ﷺ صاعا من بر. وقد روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعا من طعام، وكان طعاما يومئذ الشعير". وفي خبر آخر: "أو صاعا من تمر أو شعير". وهذا لا يعارض ما قدمنا؛ لأنه ليس فيه قول من النبي ﷺ ، ولا أن النبي ﷺ أقرهم عليه. وقول القائل: كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ ، لا يثبت به شيء، وقد بينا ذلك في مواضع. وأيضا لو ثبت أن النبي ﷺ أخرج صاعا، لما دل على تقدير الواجب؛ لأن فعل النبي ﷺ لا يقتضي

стр. 888

الوجوب، فكيف يجب بفعل الصحابي. وأيضا يحتمل أن يخرج الصاع عن اثنين، كما روي في بعض أخبار ثعلبة بن صعير ﵁: "أو صاعا من بر بين اثنين". وأما الزبيب، فإنما أوجبه نصف صاع عن قيمة نصف صاع بر، وكذلك كانت قيمته يومئذ، وهي الرواية المشهورة. وأما الرواية الأخرى: فصاع، لما روي في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "أو صاع من زبيب". وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: نادى منادي رسول الله ﷺ في فجاج مكة: "ألا إن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، صغير أو كبير، ذكر أو أنثي، حر أو عبد: نصف صاع من بر، وصاع مما سواه". وفي حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄" "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير أو زبيب".

стр. 889

وقد روي عن النبي ﷺ أيضا: "صاع من أقط". مسألة: [الذين تجب عليهم زكاة الفطر] قال أبو جعفر: (ويجب على الرجل أن يؤدي زكاة الفطر إذا كان غنيا عن نفسه، وولده الصغار، ومماليكه الذين لغير التجارة، مسلمين كانوا أو كفارا). وذلك لقول النبي ﷺ : "أدوا عن كل حر وعبد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى". ولا خلاف بأن عليه أن يؤدي عن ولده الصغير إذا لم يكن للصغير مال؛ وعن عبده للخدمة. والأصل فيمن يلزمه ذلك عندنا، أن كل من استحق بنفسه الولاية على الغير، فعليه أن يؤدي عنه إذا لم يكن للمولى عليه مال؛ بدلالة أن عليه أن يؤدي عن ولده الصغير؛ لأنه استحق الولاية عليه بنفسه، لا

стр. 890

من جهة غيره. وعن عبده للخدمة لوجود هذه العلة، وعن نفسه أيضا لهذا المعنى وليس على الجد أن يؤدي عن ابن ابنه؛ لأنه لا يستحق الولاية عليه بنفسه، وإنما استحقها من جهة غيره، وهو الأب، فأشبه الوصي. * وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أن على الجد أن يؤدي عن ابن ابنه إذا لم يكن للابن مال؛ لأنه كالأب. * وأما العبيد الكفار: فيؤدي عنهم لهذه العلة أيضا، ولقول النبي ﷺ : "أدوا عن كل حر وعبد"، ولم يفرق فيه بين العبد الكافر والمسلم. فإن قيل: روى ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثي من المسلمين". قيل له: كذلك نقول، يؤدي عن المسلمين بهذا الخبر؛ وعن الكفار والمسلمين بالخبر المطلق الذي لم يخص فيه المسلم؛ لأنه لم ينف بقوله: "من المسلمين": وجوبها عن الكفار. وهذا كنهيه عن بيه الطعام قبل القبض، ونهيه عن بيع ما لم

стр. 891

يقبض، فنستعملها جميعا، إذ لم ينف أحدهما ما أوجبه الآخر، لأنهما وردا جميعا في حكم واحد، إلا أن أحدهما أعم من الآخر. ويدل عليه أن ابن عمر ﵄ –وهو راوي الخبر- كان يخرج عن عبيده الكفار صدقة الفطر. وأيضا: قوله: "من المسلمين": تخصيص لمن لزمه الأداء، لا للمؤدى عنه. * وأيضا من جهة النظر: أن المولى لما كان هو المخاطب بالأداء دون العبد؛ أو هو المستحق للثواب بالأداء، والمستحق للوم بتركه: وجب اعتباره دون اعتبار العبد، إذ ليس مخاطبا بالأداء، ألا ترى أن المولى لما كان هو المخاطب بأداء الزكاة، لم يختلف حكم العبيد الكفار والمسلمين إذا كانوا للتجارة في باب وجوب الأداء عنهم، وأما عبيد التجارة، فليس عليه أن يؤدي عنهم صدقة الفطر؛ لأنهما جميعا حقان الله تعالى، فلا يجوز اجتماعهما، كما لا تجتمع زكاة التجارة وصدقة السوم، وكما لا يجتمع العشر والخراج على ما بينا.

стр. 892

ويدل عليه قول النبي ﷺ : "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، إلا أن في الرقيق صدقة الفطر". رواه عراك بن مالك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . فحين أوجب صدقة الفطر، نفى كل صدقة سواها، فدل على أنه لا تجب معها صدقة أخرى. * وليس عليه أن يؤدي عن امرأته، ولا عن ولده الكبار، وذلك لأنه لا ولاية له عليهم، فهم بمنزلة الأجنبيين. فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد"، وقال: "ممن تمونون". قيل له: إن صح كان معناه: ممن تمونونه بالولاية، بدلالة ما ذكرنا، ألا ترى أنه ليس عليه أن يؤدي عن أبيه، وإن كان يمونه، ولا عن أخيه وذوي قرابته والأجانب إذا مانهم، وأن العبد والمكاتب يلزمها نفقة نسائهما، ولا يلزمهما الصدقة عنهن، فدل أن المعنى ممن تمونونه بالولاية عليه.

стр. 893

مسألة: (ولا تجب صدقة الفطر على فقير). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله! أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها، فأعرض رسول الله ﷺ عنه، ثم أتاه من قبل يمينه، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ ، فخذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو عقرته، ثم قال رسول الله ﷺ : "يأتي أحدكم بما يملك يقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". وفي بعض ألفاظه: "وإنما الصدقة عن ظهر غنى، خذها إليك، فأخذ الرجل ماله، وذهب". وحدثنا دعلج قال: حدثنا عبد الله بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق قال: أخبرنا يعلى بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم عن

стр. 894

عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن جابر ﵁ مثله. فقوله: "إنما الصدقة عن ظهر غنى": ينفي وجوب الصدقة على الفقير؛ لأن: الصدقة: معرفة بالألف واللام، تتناول الجنس، فلا صدقة إلا وهي داخلة في اللفظ، فانتفى بذلك وجوب الصدقة على الفقير. وأيضًا: بين النبي ﷺ في هذا الخبر المعنى الذي من أجله لم تقبل صدقته، وهو أنه يحتاج بعدها إلى الناس، وهذه العلة موجودة في صدقة الفطر، فنفت وجوبها. وأيضًا: لما كانت صدقة الفطر فرضًا مبتدءًا، لا لسبب من جهة العبد، وجب أن لا يلزم إلا الغني، قياسًا على زكاة المال. وفارقت النذر من قبل أن وجوبه تعلق بقوله، ليس بمبتدأٍ من قبل الله تعالى. مسألة: [وقت وجوب زكاة الفطر] قال أبو جعفر: (ومن ولد له، أو ملك قبل طلوع الفجر من يوم الفطر: أدى عنه صدقة الفطر، ومن ولد له بعد طلوع الفجر: لم يؤد عنه). وذلك لما روى ابن عمر ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من شهر رمضان"، والفطر من شهر

стр. 895

رمضان بطلوع الفجر من يوم الفطر. والدليل عليه قول عمر ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن صيام يومين: يوم فطركم من صيامكم، ويوم تأكلون فيه لحم نسككم": فأخبر أن الفطر من الصوم بطلوع الفجر من يوم الفطر، فدل أنه وقت الوجوب. فإن قيل: الفطر يقع بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان. قيل له: غروبها من هذا اليوم، ومن سائر الأيام سواء، إذ لا يصح فيه صوم بحال، وإنما الفطر من شهر رمضان في الوقت الذي كان يصام في مثله من شهر رمضان، فأمر بالإفطار فيه. وأيضًا: لما أضيف اليوم إلى الفطر، دل على أن الفطر من شهر رمضان فيه يقع، كما قيل: يوم النحر، ويوم الجمعة، ويوم العيد، ولا تقع هذه الأشياء قبله، بل تقع فيه. فإن قيل: ليلة الفطر من شوال ليست من شهر رمضان، فينبغي أن يكون الفطر فيها. قيل له: إنها وإن كانت من شوال، فإن الفطر من شهر رمضان لا يقع فيها، إذ لا يصح في مثله الصوم. مسألة: [زكاة فطر الصغير الغني] (وإذا كان للصغير مال، جاز للأب أن يؤدي عنه من ماله في قول أبي

стр. 896

حنيفة وأبي يوسف، وقال زفر ومحمد، يؤدي الأب عنه من مال نفسه، وإن أدى من مال الصغير: ضمن). الحجة لأبي حنيفة: أن هذه الصدقة تجري مجرى النفقة، بدلالة وجوبها على الأب عن الابن إذا لم يكن للصغير مال، فإذا كان للصغير مال: جاز أن يؤدي عنه من ماله، كما ينفق عليه من ماله، وإن كان فيها حق لله تعالى، كما أن الختان فيه حق لله تعالى، ويلزم الأب إذا لم يكن للصغير مال، فإن كان له مال: جاز له أن ينفق عليه في الختان من ماله. * وجعله زفر ومحمد بمنزلة سائر الصدقات، ولا يلزم الصغير. مسألة: [زكاة الفطر يسقطها الموت] قال أبو جعفر: (ومن مات وعليه زكاة الفطر، أو زكاة مال: لم يؤخذ ذلك من تركته إلا أن يشاء ورثته أن يتبرعوا بها عنه، وإن أوصى بها: كانت من الثلث). وذلك لأنها عبادة يسقطها الموت، والدليل عليه سائر العبادات؛ ولأن الميت لا يجوز أن يبقى عليه حكم العبادات في أحكام الدنيا.

стр. 897

والدليل على ذلك أيضًا: ما حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا [...] قال: حدثنا عمر بن أبي بكر قال: حدثنا عمرو بن علي بن أبي جناب الكلبي عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له مال يبلغ حج بيت الله، فلم يفعل، ومن كان له مال يبلغ الزكاة، فلم يزكه: سأل الرجعة عند الموت". فقال له رجل: اتق الله يا ابن عباس! إنما يسأل الكافر الرجعة. فقال: أنا أقرأ به عليك قرآنًا ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (٩) وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾. فلولا فوات الأداء بالموت لما سأل الرجعة؛ لأنه حينئذ يتخول في المال، فلا يلحقه تفريط، وينتقل ما كان له إلى الورثة، وهذا يدل على سقوطها وحصول التفريط فيها. فإن احتجوا بما روي أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه؟ فقال النبي ﷺ : "أرأيت لو كان

стр. 898

على أبيك دين فقضيته كان يجزئ عنه؟ " قال: نعم. قال: "فدين الله أحق". قالوا: فلما سماه دينًا، وجب أن يبدأ به على الميراث؛ لقول الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾. قيل له: قوله: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾: يتناول ما يسمى دينًا على الإطلاق، والحج إنما سماه النبي ﷺ دينًا بالتقييد، فلا يدخل في الإطلاق. مسألة: [وزن الصاع الشرعي] قال أبو حنيفة وزفر ومحمد: الصاع الذي تقدر به الكفارات، وصدقة الفطر: ثمانية أرطال بالعراقي. وكان أبو يوسف يقول بذلك أيضًا، ثم رجع عنه فقال: هو خمسة أرطال وثلث.

стр. 899

قال أبو بكر أحمد: قد ثبت أنه كان للنبي ﷺ صيعان مختلفة. قال ابن عمر ﵄: "كنا نخرج صدقة الفطر بالصاع الأول". واختلفوا في الصاع الذي كان يغتسل به النبي ﷺ ، فقالت عائشة ﵂: "كنت أنا ورسول الله ﷺ نغتسل من إناء واحد، هو الفرق، وهو ثلث آصع". وقال أنس ﵁: "وكان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، والمد رطلان"، فإذا كان المد رطلين، فالصاع ثمانية أرطال؛ لأن المد ربع صاع بالاتفاق. وعن أنس ﵁ أيضًا: "أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكي".

стр. 900

وقال مجاهد: أخرجت إلينا عائشة ﵂ عسًا فقالت: "كان النبي ﷺ يغتسل بمثل هذا". قال مجاهد: "فحزرته ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال". فلم يشك في الثمانية، وشك في الزيادة، فلما كان للنبي ﷺ صيعان مختلفة، ومعلوم أن كل صاع منها على حالة، لا يجوز أن تقدر به الكفارات والصدقات على الانفراد، وأن المقدر به من هذه الصيعان واحد منها. ثم رأينا عمر بن الخطاب ﵁ قدر الصاع لإخراج الكفارات ثمانية أرطال، بحضرة الصحابة من غير نكير من واحد منهم عليه: صح أن هذا هو الصاع المقدر به للكفارات، والصدقات، إذ كان في نقصانه وزيادته إبطال تقدير النبي ﷺ للكفارات. قال موسى بن طلحة، وإبراهيم النخعي: "الحجاجي هو

стр. 901

صاع عمر" وقال عمر ليرفأ غلامه: "إذا حنثت في يميني، فأطعم عني عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر". فأمره بإخراج الكفارة، وعلى صاعه الذي ثبت أنه ثمانية أرطال. فإن قيل: قد نقل أهل المدينة الصاع الذي في أيديهم، وهو خمسة أرطال وثلث، وعزوه إلى رسول الله ﷺ ، كما نقلوا القبر والمنبر وذا الحليفة ونحوها، فصاع النبي ﷺ أولى بالاعتبار من صاع عمر ﵁. قيل له: لو كان نقلهم للصاع كنقلهم للقبر والمنبر، لما جاز وقوع

стр. 902

الخلاف فيما بين الناس، كما لم يقع في هذه الأشياء، فإذا كان ذلك كذلك، علمنا أن ذلك دعوى منهم في هذا الوقت، وتقليد لبعض أسلافهم بغير علم. ويدل عليه أن يزيد بن أبي زياد ذكر عن ابن أبي ليلى أنه قال: "عيرنا صاع أهل المدينة، فوجدناه يزيد على الحجاجي مكيالًا". وذكر عبد الله بن داود أنه سأل مالك بن أنس عن صاعهم الذي في أيديهم ما أوله؟ قال: "هو تحري عبد الملك بن مروان على صاع عمر بن الخطاب"، والتحري يخطئ ويصيب. وصاع أهل العراق هو صاع عمر ﵁ بغير تحري، على ما ذكره موسى بن طلحة وإبراهيم النخعي، فهو أولى. وعلى أنه لو ثبت أن ما في أيديهم صاع النبي ﷺ ، لما دل ذلك على موضع الخلاف؛ لأنه يحتاج أن يثبت أنه الصاع الذي كان لإخراج الكفارات والصدقات. وأيضًا: لما قال النبي ﷺ في صدقة الفطر: "صاعًا

стр. 903

من تمر": كان ذلك لفظًا يتناول أكثر ما يقع عليه الاسم، كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، فلا يجوز الاقتصار على أقل الصيعان مقدارًا، كما لا يجوز أن يقال في قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾: أنه على أقل ما يقع عليه الاسم. مسألة: ويجوز إعطاء القيمة في صدقة الفطر والزكوات. والحجة فيه: حديث أبي بن كعب ﵁ حين بعث النبي ﷺ مصدقًا، فأتى على رجل قد وجبت في إبله ابنة مخاض، فأعطاه ناقة فتية سمينة. قال: "فأبيت أن آخذها، فخرج معي، حتى قدمت على رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ ذلك عليك. فإن تطوعت خيرًا آجرك الله فيه، وقبلناه منك"، فأمر رسول الله ﷺ بقبضها. فأخبر ﷺ أن بعض الناقة تطوع، وبعضها فرض مكان ابنة مخاض، وليس في فروض الصدقات بعض الناقة، فثبت أن أخذه كان على وجه البدل.

стр. 904

وأيضًا: ما روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس أن معاذًا ﵁ قال لأهل اليمن: "إيتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الصدقة من الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة". ولا يؤخذ الثياب عن الذرة والشعير إلا على وجه البدل. ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وقوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾. ويدل عليه قوله ﷺ في صدقة الفطر: "أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم"، والغنى يقع بالقيمة. وإن قيل: قال النبي ﷺ في صدقة الفطر: "صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير". قيل له: نجيز الجميع؛ لأن النبي ﷺ لم ينف بذلك غيرها.

стр. 905

دليل آخر: وهو ما في حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ في الصدقات: "ومن بلغت عنده صدقة بنت ليون، وليست عنده إلا حقة: فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت صدقة حقة، وليست عنده إلا بنت لبون: فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا". وهذا يدل من وجوه على جواز أخذ البدل في الصدقات: أحدها: إجازته لأخذ بنت مخاض عن بنت لبون، وأخذ الشاتين عن البعض الآخر. والثاني: أنه خير بين شاتين، وبين عشرين درهمًا، فدل أن الحكم ليس بمقصور على المذكور دون القيمة؛ لأن ذكر الدراهم للتقويم في إقامتها مقام الشاتين. والثالث: قوله "إن استيسرتا": فدل أنه ذكر الغنم والدراهم؛ لأنه كان أيسر عندهم من غيرها. والرابع: أنه أجاز أخذ الحقة عن ابنة اللبون، وأمر المصدق برد شاتين أو عشرين درهمًا، ومعلوم أن بعض الحقة مشترى بالشاتين أو بالعشرين درهمًا؛ لنه جعلهما بدلًا عن ذلك، والبعض الباقي أقامه مقام بنت اللبون، فدل ذلك على جواز أخذ البدل من وجهين: أحدهما: أنه ليس في سائر فروض الصدقات بعض الحقة، فلا يصح أخذه عن بنت اللبون إلا على جهة البدل.

стр. 906

والثاني: أنه إذا جعل البعض الباقي مشترى بالشاتين أو عشرين درهمًا، وما كان شراء فمعلوم أنه لا يصح بينهما إلا بالتراضي، وأن لهما أن يعقدا إن شاءا، وإن شاءا لم يعقدا: دل على أن لهما أن يقتصرا على أخذ بعض الحقة عن بنت اللبون بالقيمة من غير أن يرد عليه شيئًا. والدليل على أن الشاتين أفضل قيمة مما بين بنت اللبون والحقة: أنه لو كانت عنده حقة عجفاء لا تساوي بنت اللبون: لم يجز للمصدق أخذه لما دون شاتين، فدل أن ذلك مأخوذ على جهة القيمة. فإن قيل: لما قال: فإن لم يوجد كذا وكذا دل على أن الثاني عند عدم الأول، كقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وقوله: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾، ونحوها من الفروض المنقولة إلى الأبدال عند عدم الأصول. قيل له: لما كان عموم الآيات والسنن التي قدمنا في أصل المسألة يقتضي جواز الكل، استعملناه مع ما ورد من التوقيف، وجعلنا قوله: فإن لم يوجد كذا وكذا: على وجه التيسير على رب المال، وتسهيل الأمر عليه، كما قال لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارًا، أو عدله مغافر".

стр. 907

ولم يمنع ذلك جواز أخذ القيمة في الجزية؛ لأن عموم قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يدٍ﴾: انتظم الجميع. وكما قال تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾: فلم يمنع أخذ القيمة من الكسوة والطعام. وأما قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وقوله: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾، ونحوهما من الآي، فلم يرد فيهما ما يقتضي جواز الأداء من كل شيء، وإنما حكمها مأخوذ من هذه الآي، فلم يتعد منها موضع النص. وقد روى عن النبي ﷺ "أنه أمر أن لا نجتزئ في الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار"، ثم اتفق الجميع أن الخزف والخشب ونحوهما يقوم مقام الأحجار في جواز الاستنجاء بها، لوقوع الإنقاء بها

стр. 908

حسب وقوعها بالأحجار. كذلك الصدقة لما كانت لسد الخلة، والقيمة تقوم مقامها في ذلك، وجب أن يجوز أداؤها. وإنما لم يجز إعطاء القيمة من الهدايا والضحايا والرقاب؛ لأن القربة التي هي في الهدي: في إراقة الدم، وليست معنى يتقوم، وكذلك العتق هو إتلاف الملك ونفي الرق، وليس هو معنى يتقوم، فلذلك سقط فيه اعتبار التقويم. ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على جواز أداء بعير عن خمس من الإبل، وقد نفى النبي ﷺ أن يكون في خمس من الإبل إلا شاة؛ لأنه قال: "في خمس من الإبل شاة، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ عشرًا، فدل على أن البعير مأخوذ على وجه البدل. * * * * *

стр. 909

باب مواضع الصدقات [مسألة: مصرف الفقراء والمساكين] قال أبو جعفر: (الفقراء الذين ذكرهم الله تعالى في آية الصدقات هم في المسكنة أكثر من المساكين الذي ليسوا فقراء). قال أبو بكر أحمد: روى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل، وهذا يوجب أن يكون المسكين في الجملة أضعف حالًا من الفقير. وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: المسكين هو الذي لا شيء له، والفقير الذي له أدنى بلغة، ويحكي ذلك عن أبي العباس ثعلب. قال: وقال أبو العباس ثعلب: حكي عن بعضهم أنه قال: قلت لأعرابي: أفقيرٌ أنت؟ قال: لا، بل مسكين، وأنشد ابن الأعرابي:

стр. 910

أما الفقير الذي كانت حلوبته .... وفق العيال فلم يترك له سبد فسماه فقيرًا مع وجود الحلوبة. قال: وحكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس النحوي قال: "الفقير الذي يكون له بعض ما يغنيه، والمسكين الذي لا شيء له". قال أبو الحسن: ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد ما يغنيه". قال: فنفى المبالغة في المسكين عمن ترده التمرة والتمرتان، وأثبتها لمن لا يجد ذلك، وسماه مسكينًا.

стр. 911

قال: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أو مسكينًا ذا متربة﴾، وروي في التفسير أنه الذي قد لزق بالتراب، وهو عار لا يواريه عن التراب شيء، فدل ذلك على أن المسكين في غاية الحاجة والعدم. فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾، فأثبت لهم ملك السفينة، وسماهم مساكين. قيل له: روي أنهم كانوا أجراء يعملون فيها، وأنها لم تكن ملكًا لهم، وإنما أضافها إليهم بالتصرف، والكون فيها، كما قال الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وقرن في بيوتكن﴾، فأضاف البيوت تارة إلى النبي ﷺ ، وتارة إلى أزواجه، ومعلوم أنها لم تكن ملكًا له ولهن جميعًا، لكل واحدٍ على حياله، لاستحالة ذلك؛ وأن الإضافة إنما صحت لأجل التصرف والسكنى.

стр. 912

وكما يقال: هذا منزل فلان: وإن كان ساكنًا فيه غير مالك، وهذا مسجد فلان، ولا يرد به الملك. مسألة: [مصرف العاملين والمؤلفة قلوبهم] قال أبو جعفر: (والعاملون على الصدقات هم السعاة، والمؤلفة قلوبهم قد ذهبوا). وذلك لأن الله تعالى قد أعز الدين وأهله، واستغنوا عن تأليف الكفار بالمال، وذلك لأنهم قد كانوا يتألفون بالمال لجهتين: إحداهما: لدفع معرتهم، وكف أيديهم عن المسلمين، والاستعانة بهم على غيرهم من الكفار. والثانية: لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار إلى الدخول في الإسلام. مسألة: [مصرف الرقاب]: قال: (والرقاب هم المكاتبون). قال أبو بكر: قال مالك: هم رقاب يبتاعون من الزكاة ويعتقون، ويكون ولاءهم لجماعة المسلمين، دون المعتقين.

стр. 913

والحجة للقول الأول ما روى عبد الرحمن بن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من أعان مكاتبًا في رقبته، أو غارمًا في عسرته، أو مجاهدًا في سبيل الله: أظله الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله". فدل أن الصدقة على المكاتب معونة في رقبته حتى يعتق، وهذا موافق لقوله: ﴿وفي الرقاب﴾. وروى البراء بن عازب ﵁، أن رجلًا قال: يا رسول الله! علمني عملًا يدخلني الجنة. قال: "لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد عرضت المسألة. أعتق النسمة، وفك الرقبة". قال: أو ليسا سواء؟ قال: "لا عتق النسمة يكون تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها". فجعل ﷺ عتق النسمة غير فك الرقبة، فوجب أن يكون قوله: ﴿وفي الرقاب﴾: غير الموقع، بل هو المعونة في فك الرقبة

стр. 914

بأداء الكتابة. وأيضًا: لما ثبت أن الولاء لمن أعتق، وجب أن يكون ولاء المعتق من الصدقة المعتقة، وذلك ينفي جوازه عن الصدقة. وأيضًا: فليس في العتق تمليك، وإنما فيه إتلاف الملك، وشرط الزكاة التمليك. مسألة: [مصرف الغارمين] قال أبو جعفر: (والغارمون هم المدينون). وذلك لأن الغرم: الدين، وروي "أن النبي ﷺ كان يستعيذ بالله من المأثم والمغرم، فقيل له في ذلك: فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف"، فأخبر أن الغرم الدين. وعموم اللفظ يوجب جواز إعطائها كل من عليه دين، إلا أن الدلالة قد قامت على أنه إذا فضل ماله عما عليه من الدين بمقدار ما يكون به غنيًا، لم يعط من الصدقة. مسألة: [مصرف سبيل الله] (وفي سبيل الله هم أهل الجهاد من الفقراء). قال أبو بكر: وقد روي عن محمد: أن من أوصى بثلث ماله في سبيل

стр. 915

الله، أنه يجوز أن يجعل في الحاج المنقطع به. وروي عن أبي يوسف: أنهم الغزاة. وروي عن ابن عمر ﵁ مثل قول محمد. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "الحج والعمرة من سبيل الله". والأظهر مما يقتضيه إطلاق اللفظ: أن يكون الغزاة، وعلى ذلك أكثر ما جاء من ألفاظ القرآن في سبيل الله. منه قوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. قال أبو أيوب الأنصاري ﵁: "نزلت فينا –معاشر الأنصار- حين استفلنا لعمارة الأرضين، فأنزل الله: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾: في ترك الجهاد". * وإنما كان لفقرائهم، لقول النبي ﷺ : "أمرت أن
следующие страницы →