Полный текст (3 930 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
قال: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أو مسكينًا ذا متربة﴾، وروي في التفسير أنه الذي قد لزق بالتراب، وهو عار لا يواريه عن التراب شيء، فدل ذلك على أن المسكين في غاية الحاجة والعدم.
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾، فأثبت لهم ملك السفينة، وسماهم مساكين.
قيل له: روي أنهم كانوا أجراء يعملون فيها، وأنها لم تكن ملكًا لهم، وإنما أضافها إليهم بالتصرف، والكون فيها، كما قال الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وقرن في بيوتكن﴾، فأضاف البيوت تارة إلى النبي ﷺ ، وتارة إلى أزواجه، ومعلوم أنها لم تكن ملكًا له ولهن جميعًا، لكل واحدٍ على حياله، لاستحالة ذلك؛ وأن الإضافة إنما صحت لأجل التصرف والسكنى.
стр. 912
وكما يقال: هذا منزل فلان: وإن كان ساكنًا فيه غير مالك، وهذا مسجد فلان، ولا يرد به الملك.
مسألة: [مصرف العاملين والمؤلفة قلوبهم]
قال أبو جعفر: (والعاملون على الصدقات هم السعاة، والمؤلفة قلوبهم قد ذهبوا).
وذلك لأن الله تعالى قد أعز الدين وأهله، واستغنوا عن تأليف الكفار بالمال، وذلك لأنهم قد كانوا يتألفون بالمال لجهتين:
إحداهما: لدفع معرتهم، وكف أيديهم عن المسلمين، والاستعانة بهم على غيرهم من الكفار.
والثانية: لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار إلى الدخول في الإسلام.
مسألة: [مصرف الرقاب]:
قال: (والرقاب هم المكاتبون).
قال أبو بكر: قال مالك: هم رقاب يبتاعون من الزكاة ويعتقون، ويكون ولاءهم لجماعة المسلمين، دون المعتقين.
стр. 913
والحجة للقول الأول ما روى عبد الرحمن بن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من أعان مكاتبًا في رقبته، أو غارمًا في عسرته، أو مجاهدًا في سبيل الله: أظله الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله".
فدل أن الصدقة على المكاتب معونة في رقبته حتى يعتق، وهذا موافق لقوله: ﴿وفي الرقاب﴾.
وروى البراء بن عازب ﵁، أن رجلًا قال: يا رسول الله! علمني عملًا يدخلني الجنة. قال: "لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد عرضت المسألة. أعتق النسمة، وفك الرقبة". قال: أو ليسا سواء؟ قال: "لا عتق النسمة يكون تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها".
فجعل ﷺ عتق النسمة غير فك الرقبة، فوجب أن يكون قوله: ﴿وفي الرقاب﴾: غير الموقع، بل هو المعونة في فك الرقبة
стр. 914
بأداء الكتابة.
وأيضًا: لما ثبت أن الولاء لمن أعتق، وجب أن يكون ولاء المعتق من الصدقة المعتقة، وذلك ينفي جوازه عن الصدقة.
وأيضًا: فليس في العتق تمليك، وإنما فيه إتلاف الملك، وشرط الزكاة التمليك.
مسألة: [مصرف الغارمين]
قال أبو جعفر: (والغارمون هم المدينون).
وذلك لأن الغرم: الدين، وروي "أن النبي ﷺ كان يستعيذ بالله من المأثم والمغرم، فقيل له في ذلك: فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف"، فأخبر أن الغرم الدين.
وعموم اللفظ يوجب جواز إعطائها كل من عليه دين، إلا أن الدلالة قد قامت على أنه إذا فضل ماله عما عليه من الدين بمقدار ما يكون به غنيًا، لم يعط من الصدقة.
مسألة: [مصرف سبيل الله]
(وفي سبيل الله هم أهل الجهاد من الفقراء).
قال أبو بكر: وقد روي عن محمد: أن من أوصى بثلث ماله في سبيل
стр. 915
الله، أنه يجوز أن يجعل في الحاج المنقطع به.
وروي عن أبي يوسف: أنهم الغزاة.
وروي عن ابن عمر ﵁ مثل قول محمد.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "الحج والعمرة من سبيل الله".
والأظهر مما يقتضيه إطلاق اللفظ: أن يكون الغزاة، وعلى ذلك أكثر ما جاء من ألفاظ القرآن في سبيل الله. منه قوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾.
قال أبو أيوب الأنصاري ﵁: "نزلت فينا –معاشر الأنصار- حين استفلنا لعمارة الأرضين، فأنزل الله: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾: في ترك الجهاد".
* وإنما كان لفقرائهم، لقول النبي ﷺ : "أمرت أن
стр. 916
أخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم".
مسألة: [إعطاء العاملين على الصدقة منها]
قال أبو جعفر: (وينبغي للإمام أن يجعل للعاملين على الصدقة من الصدقة ما يكفيهم ويكفي أعوانهم).
وذلك لأن كل من قام بشيء من أمور المسلمين يستحق على قيامه رزقًا، كالقضاة والمقاتلة، وليس ذلك على وجه الإجارة؛ لأنها لا تجوز إلا على عمل معلوم، أو مدة معلومة، وأجر معلوم، وقد كان النبي ﷺ والخلفاء بعده يبعثون عمالًا على الصدقات وغيرها، فلم يرد عن أحد منهم أنه استأجر العمال عليها.
مسألة: [صرف الزكاة لصنف واحد]
قال: (وإن أعطيت الصدقات صنفًا واحدًا: أجزأ).
قال أبو بكر: روي عن عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس ﵃.
стр. 917
وروى الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل ﵁ "أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض في الزكاة، ويجعلها في صنف واحد من الناس".
وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وأبي العالية.
ولا يروى عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فصار إجماعًا لا يسع خلافه.
ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾، وهذا عام في جميع الصدقات؛ لأنه اسم للجنس، لدخول الألف واللام عليه، وتضمنت الآية جواز إعطائها الفقراء، وهم صنف من الأصناف المذكورين في الآية الأخرى.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم (٢٤) للسائل
стр. 918
والمحروم﴾، واقتضى جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما، وذلك ينفي وجوب قسمها على ثمانية.
ويدل عليه ما روي في حديث سلمة بن صخر ﵁ حين "ظاهر من امرأته، فأمره النبي ﷺ أن ينطلق إلى صاحب صدقة بني زريق ليدفع إليه صدقاتهم".
فأباح ﷺ دفع صدقاتهم إلى سلمة بن صخر ﵁، وإنما هو من صنف واحد.
وقال النبي ﷺ للرجلين اللذين سألاه من الصدقة: "إن شئتما أعطيتكما"، ولم يقل لهما من أي الأصناف أنتما، ليحسبهما من الصنف الذي هما منه.
ويدل على أنه مستحقة بالفقر: قوله ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم".
стр. 919
فأخبر أن المعنى الذي يستحق به جميع الأصناف هو الفقر؛ لأنه عم جميع الصدقة، وأخبر أنها مصروفة إلى الفقراء، وهذا اللفظ مع ما تضمن من الدلالة على أن المعنى المستحق به الصدقة، فإن عمومه يقتضي جواز دفع جميع الصدقة إلى الفقراء، حتى لا يعطي غيرهم، بل ظاهر اللفظ يقتضي وجوب ذلك بقوله: "أمرت".
فإن قيل: فالعامل يستحقه لا بالفقر.
قيل له: لأنه لا يستحقه ولا أحد صدقة، وإنما قلنا: إن من يستحق الصدقة لا يستحقها إلا بالفقر، وإنما تحصل للفقراء، ثم يأخذه العامل عوضًا عن عمله، كفقير أطعم صدقة، فأعطاها غيره عوضًا عن عمل عمله له.
وهو كما قال النبي ﷺ حين سألته عائشة عن بريرة ﵂، وأنه يتصدق عليها، فتهدي لنا فقال: "هي لها صدقة، ولنا هدية".
وأما ذكر الأصناف في الآية فإنما جاء لبيان أسباب الفقر، والدليل عليه أن الغارم وابن السبيل والغازي لا يستحقونها إلا بالفقر والحاجة،
стр. 920
دون غيرهما، فدل على أن المعنى الذي يستحق به هو الفقر.
فإن قيل: روي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن أنعم أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي يقول: أمرني رسول الله ﷺ على قومي فقلت: أعطني من صدقاتهم، ففعل وكتب لي بذلك كتابًا، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره حتى يحكم فيها من السماء، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك".
قيل له: هذا يدل على ما قلنا؛ لأنه قال: "إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك"، فبان أنها مستحقة لمن كان من هذه الأجزاء.
وفيه: أن النبي ﷺ كتب للصدائي بشيء من صدقة قومه، ولم يسأله من أي الأصناف هو؟ فدل ذلك على أن قوله: "فجزأها ثمانية أجزاء": معناه ليوضع في كل جزء منها جميعها إن رأى ذلك الإمام، ولا يخرجها عنهم.
وأيضًا: فإن قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ...﴾ إلى آخر الآية: ينتظم جميع الصدقات، لا صدقة واحدة، ومعلوم أنه لم يرد به أن يكون كل جزء منها بين الأصناف، لاتفاق المسلمين على أنه جائز أن يعطي
стр. 921
فقيرًا واحدًا من الصدقة بعينه، ويقطع عنه حق سائر الفقراء، كما أعطى النبي ﷺ سلمة بن صخر ﵁ صدقات بني زريق.
فإذا كان ذلك كذلك، فقد تضمنت الآية دفع صدقة عام واحد إلى صنف واحد؛ لأنه قد بقي من الصدقات في مستقبل الأوقات ما يغطي الأصناف الأخر، إذ لم تتضمن الآية قسمة الصدقة لسنة واحدة بين الأصناف، وإنما أوجبت قسمة الصدقات كلها على الأصناف.
وأيضًا: فليس تخلو الصدقات من أن تكون مستحقة بالاسم أو بالحاجة أو بهما جميعًا، وفاسد أن يقال: أن يستحقه بمجرد الاسم لوجهين:
أحدهما: أنه كان يجب أن يستحقها كل غارم وكل ابن سبيل، وإن كان غنيًا.
والثاني: أنه كان يجب أن يكون لو كان فقيرًا وابن السبيل: أن يستحق سهمين، فلما بطل هذان الوجهان، صح أنها مستحقة بالحاجة.
وأيضًا: لما اتفق الجميع على جواز إعطاء بعض الفقراء، وإن سمى الله تعالى في الآية الفقراء بلفظٍ يعم جميعهم، كذلك يجوز إعطاء بعض الأصناف؛ لأن المعنى فيه سد خلة الفقير، وذلك موجود في وضعها في صنف واحد، كوجوده في وضعها في بعض الفقراء.
стр. 922
فإن قيل: قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء ...﴾ الآية: تقتضي إيجاب الشركة، فلا يجوز إخراج صنف منها، كما لو أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو وخالد، لم يخرج واحد منهم.
قيل له: كذلك يقتضي اللفظ؛ إلا أنه في جميع الصدقات يقتضيه، وإنما الخلاف بيننا وبينكم في صدقة واحدة هل يستحقها الأصناف كلها؟ وليس في الآية بيان حكم صدقة واحدة، وإنما فيها حكم الصدقات كلها، وكذلك نقول فيه، فنعطي صدقة هذه السنة لصنف واحد، ثم يعطى كل صنف على حدة في صدقة عام آخر، فنكون قد وفينا حق الآية، وبهذا انفصلت الصدقات عن الوصية بالثلث لأعيان؛ لأن الثلث محصورًا لأبدان تستحقه بالشراكة.
وأيضًا: فلا خلاف أن الصدقات غير مستحقة على وجه الشركة للمسلمين، لاتفاق الجميع على جواز إعطاء بعض الفقراء، ولا جائز إخراج بعض الموصى لهم.
وأيضًا: لما جاز التفضيل في الصدقات من بعض الفقراء على بعض، ولم تجز الوصايا إذا كانت مطلقة، كذلك جاز الحرمان.
وأيضًا: لما كانت الصدقة حقًا لله تعالى، لا لآدمي، بدلالة أنه لا مطالبة لآدمي بعينه يستحقها لنفسه، فأي صنف أعطى، فقد وضعها موضعها، والوصية لأعيان، حق لآدمي لا مطالبة لغيرهم بها، فاستحقوها كلهم.
стр. 923
ويدل على ذلك: أن الله سمى في الكفارة إطعام مساكين، ولو أعطى الفقراء جاز، ولو أوصى لزيدٍ: لم يعط عمرو.
مسألة:
(ولا يعطى من الزكوات إلا مسلم).
قال أبو بكر: كل صدقة أخذها إلى الإمام: لم يعط منها غير مسلم، كصدقات المواشي وعشور الأرضين وزكوات الأموال.
وقد كانت زكوات الأموال يأخذها الإمام في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان زمن عثمان ﵁ قال في رمضان: "هذا شهر زكواتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، ثم ليزك بعده ماله".
فجعل الأداء إلى الملاك، وحق الإمام عندنا لم يسقط في أخذها، إلا أن أرباب الأموال بمنزلة الوكلاء للإمام في أدائها.
[مسألة: جواز إعطاء الصدقات من غير الزكاة لأهل الذمة]
وأما سائر الصدقات، من نحو صدقة الفطر والكفارات، فيجوز إعطاؤها أهل الذمة.
стр. 924
وروي عن أبي يوسف: أن كل صدقة واجبة: لا يجوز أن يعطى أهل الذمة منها.
الحجة لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾، وقوله: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾.
وقال النبي ﷺ في صدقة الفطر: "نصف صاع من بر، أو صاع من تمر": ولم يفرق بين المسلم والكافر.
وأيضًا: لما روي أن المسلمين كرهوا الصدقة على غير أهل دينهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾:
فقال النبي ﷺ : "تصدقوا على أهل الأديان".
فعموم الآية، ولفظ النبي ﷺ ، كل واحد يجيز دفع الصدقات إلى أهل الذمة، فلما قامت الدلالة على تخصيص زكوات
стр. 925
الأموال: خصصناها، وبقي حكم العموم فيما عداها.
ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾.
وروي أنها نزلت في شأن أسماء بنت أبي بكر ﵂، وأمها جاءت وهي مشركة تستمنحها، وسألت النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وعمومها يقتضي جواز دفع الصدقات التي وصفناها إلى الذمي؛ لأنها من البر والإقساط.
وقال الله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾، والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا كافرًا، فدل على أن الصدقة عليهم قربة.
стр. 926
* ومن جهة النظر: أن الصدقة عليهم لما كانت قربة، ولم يكن أخذ الكفارات وصدقة الفطر إلى الإمام: جاز إعطاؤهم كما يعطون التطوع.
مسألة: [عدم جواز صرف الزكاة إلى بني هاشم أو مواليهم]
قال أبو جعفر: (ولا يعطى أحد منها من بني هاشم، ولا مواليهم).
وذلك لما يروى عن النبي ﷺ من جهات أنه قال: "إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
وقال ابن عباس ﵄: "ما خصنا رسول الله دون الناس إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمير على الخيل".
فإن قيل: روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "قدمت عير المدينة، فاشترى منها النبي ﷺ متاعًا، فباعه بربح أواقي فضة، فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب، ثم قال: لا أعود أن أشتري بعدها شيئًا، وليس ثمنه عندي".
стр. 927
قيل له: إنما تصدق عليهم بصدقة تطوع، وقد يجوز عندنا أن يعطى من التطوع.
وأيضًا: يحتمل أن تكون أرامل غير هاشميات.
فصل:
قال أصحابنا: تحل الصدقات لبني عبد المطلب، وليسوا كبني هاشم، بل هم كسائر قريش؛ لأنه لا خلاف أن بني أمية تحل لهم الصدقة، وأنهم ليسوا من آل النبي ﷺ ، فكذلك بنو عبد المطلب؛ لأنهم جميعًا في القرب من النبي ﷺ سواء، والصدقة إنما حرمت بالقرب من النبي ﷺ في النسب.
فإن قيل: إن النبي ﷺ أدخل بني عبد المطلب في سهم ذوي القربى، كما أدخل بني هاشم، ولم يدخل سواهم من بطون قريش.
قيل له: لم يعطهم لقرب نسبهم منه فحسب؛ لأنه لو كان كذلك لأعطى بني أمية؛ لأنهم مساوون لهم في قربهم منه، ألا ترى "أن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم ﵄ لما قالا للنبي ﷺ : "هؤلاء بنو هاشم فضلهم الله تعالى بك، فما بالنا وبنو المطلب،
стр. 928
وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد؟ ".
فقال: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام".
فأخبر أنه لم يخصهم به دونهم للقرب فحسب، دون النصرة.
وموالي بني هاشم بمنزلتهم في تحريم الصدقة، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن أرقم بن أبي الأرقم الزهري ﵁ كان على الصدقات، فاستتبع أبا رافع ﵁، فقال رسول الله ﷺ : "إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد، وإن موالي القوم من أنفسهم".
وروى عطاء بن السائب عن أم كلثوم بنت علي عن مولى لهم يقال له:
стр. 929
كيسان، أن رسول الله ﷺ قال له: "إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة، وإن موالي القوم من أنفسهم، فلا تأكل الصدقة".
مسألة: [حد الغنى المحرم للصدقة]
قال: (والغني الذي تحرم عليه الصدقة: هو الذي يملك المقدار الذي تجب عليه به صدقة الفطر، وهو من يملك فضلًا عن مسكنه وخادمه وكسوته، وما يتأثث به في منزله ما يساوي مائتي درهم).
قال أبو بكر: روي في ذلك أخبار مختلفة.
روى أبو كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سأل الناس عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم". قلت: يا رسول الله! ما ظهر غنى؟ قال: "أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم".
وروى عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال: أتيت رسول الله ﷺ فسمعته يقول لرجل: "من سأل الناس منكم وعنده أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافًا".
والأوقية يومئذ أربعون درهمًا.
стр. 930
وروى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يسأل عبد مسألة وعنده ما يغنيه، إلا جاءت شيئًا، أو كدوحًا، أو خدوشًا في وجهه يوم القيامة". قيل: يا رسول الله!
وما غناه؟ قال: "خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب".
وروى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مزينة أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من سأل وله عدل خمس أواقي: سأل إلحافًا".
وقد ذهب إلى كل مقدار روي في هذه الأخبار قوم، وليس في شيء منها دلالة على إثبات من يحل له أخذ الصدقة الواجبة؛ لأن أكثر ما فيها كراهية المسألة، ونحن نكرهها أيضًا، ولا نكره له أخذها بغير مسألة، كما قال النبي ﷺ في حديث عمر ﵁: "من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة، ولا إشراف
стр. 931
نفس، فليقبله".
* والدليل على صحة قول أصحابنا: قول النبي ﷺ "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم".
فجعل الناس صنفين: أحدهما أغنياء مأخوذ منهم، والآخر فقراء مردود عليهم، ومن ملك أقل من مائتي درهم، فلا زكاة عليه بالاتفاق، فدل أنه في حيز الفقراء.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أعطوا السائل وإن جاء على فرس".
وعمومه يقتضي جواز إعطائه سائر الصدقات، فهذا يدل على أن فرس الركوب لا يعتد به في حصول الغنى، فقلنا على هذا: كذلك المسكن والخادم؛ لأن الحاجة إليهما أمس منها إلى الفرس.
ويجوز أن يعطى الفقير من الزكاة، مكتسبًا قويًا كان أو غير ذلك، وذلك لقول الله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾، وقال:
стр. 932
﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾، ولم يفرق بين القوي في بدنه والضعيف منهم.
وهذا يدل أيضًا على أن من له المسكن والخادم وثياب الكسوة يجوز أن يعطى من الصدقة؛ لأن الجاهل بحالهم لا يحسبهم أغنياء إلا ما ظهر من حالهم في الكسوة والأثاث مما يشبه حال الأغنياء.
وقال النبي ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم".
ولم يفرق بين الضعيف والقوي.
وقد كانت الصدقات تحمل إلى النبي ﷺ فيعطيها أهل الصفة، وهم أقوياء يحضرون المغازي مع رسول الله ﷺ ، ويقاتلون فيها.
وأمر النبي ﷺ صاحب صدقة بني زريق بأن يعطي
стр. 933
صدقاتهم سلمة بن صخر ﵁، وكان صحيحًا قويًا.
ومن لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا يتصدق الناس على الفقراء الأصحاء، ويضعون فيهم زكوات أموالهم من غير نكير من أحد من السلف والخلف على فاعله، فصار إجماعًا.
وروى عبد الله بن عدي بن الخيار عن رجلين من قومه أنهما أتيا النبي ﷺ ، فسألاه من الصدقة، فرآهما جلدين، فصعد فيهما النظر وصوب، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب"، فدل على معنيين:
أحدهما: جواز الصدقة على القوي الصحيح.
والآخر: كراهة المسألة لمن كانت هذه صفته؛ لأنهما لو لم يجز أن يعطيا لما قال لهما: "إن شئتما أعطيتكما".
ومعنى ما روي عن النبي ﷺ من قوله: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي": فإنه في ذي المرة السوي على وجه
стр. 934
الكراهة، لا على الحتم، للدلائل التي ذكرنا.
مسألة: [عدم جواز إعطاء الزكاة للوالد أو الولد]
قال أبو جعفر: (ولا يعطى الرجل من زكاة ماله والدًا وإن علا، ولا ولدًا وإن سفل).
والأصل فيه أن كل من لا تجوز له شهادته: لا يجوز أن يعطيه الزكاة؛ لأنه لما جعل ما شهد به له، كأنه حصله لنفسه بشهادته، وكان عليه أن يخرج الزكاة عن ملكه إخراجًا صحيحًا، إذ جعلت شهادته به له، كشهادته فيما يحصله لنفسه.
مسألة: [حكم إعطاء أحد الزوجين زكاة ماله للآخر]
قال: (ولا تعطي المرأة زوجها من زكاة مالها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: تعطيه).
لأبي حنيفة: ما قدمنا من بطلان شهادتها له، وكما لم يعطها هو لهذه العلة، كذلك لا تعطيه لوجودها.
فإن قيل: سألت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ النبي ﷺ عن الصدقة عليه، وعلى أيتام لأختها في حجرها،
стр. 935
فقال: "لك أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة".
قيل له: كانت صدقة تطوع، وألفاظ الحديث تدل عليه؛ لأن ذلك كان في حال ما حث النبي ﷺ النساء على الصدقة، فقال: "تصدقن ولو من حليكن"، وهذا يدل على أنها كانت تطوعًا.
فإن قيل: قد روي "أنها سألته عن طوق لها فيه عشرون مثقالًا ذهبًا: فأؤدي زكاته؟ قال: نعم. نصف مثقال. فقالت: فإن في حجري بني أخ لي أيتامًا، أفأجعله فيهم. قال: نعم"، فأخبر أنه كان من الزكاة.
قيل له: ليس في هذا الحديث ذكر إعطاء الزوج، وإنما ذكر إعطاء بني أخيها، ونحن نجيز ذلك، والحديث الذي فيه ذكر الزوج ليس فيه ذكر الزكاة.
مسألة: [دفع الزكاة خطأ لمن لا يستحقها]
قال أبو جعفر: (ومن دفع زكاته إلى رجل على أنه فقير، ثم تبين بعد ذلك أنه غني، أو أنه ذمي، أو ابن المعطي: أجزأه في قوله أبي حنيفة ومحمد).
قال: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يجزيه في الكافر، والابن).
стр. 936
قال الشيخ: والصحيح من قوله هو الأول.
* (وقال أبو يوسف: لا يجزيه في شيء من ذلك).
لأبي حنيفة: حديث معن بن يزيد ﵄ "أن أباه أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل، فأخذها، فقال: والله ما إياك أردت، فقال النبي ﷺ : يا معن لك ما أخذت، ويا يزيد لك ما نويت".
فهذا يدل من وجهين على ما قلنا:
أحدهما: أنه لم يسأله عن الصدقة من أي وجه هي؟
والثاني: قوله: "لك ما نويت": فدل على جوازها إذا نوى الزكاة.
* ومن وجه النظر: أن الصدقة على هؤلاء قد تكون صدقة صحيحة بحال من غير ضرورة، وهي التطوع، فإذا أرادها باجتهاد: أجزأه، كالصلاة إلى غير الكعبة، لما كانت قد تكون صلاة صحيحة بحال، جازت إذا أداها باجتهاد وإن تبين له أنه صلاها إلى غير جهتها.
فإن قيل: الصلاة في الثوب النجس صحيحة بحال وهي عدم الماء، ولو صلى في ثوب على أنه طاهر، ثم تبين له أنه نجس: لم تجزئه.
قيل له: لا يلزم على اعتلالنا؛ لأنا قلنا: إنها تكون صدقة صحيحة من
стр. 937
غير ضرورة، والصلاة في الثوب النجس لا تجزئ إلا من ضرورة. وصدقة التطوع تجزئ على الأب والأم والذمي والغني من غير ضرورة، كما تجزئ صلاة الراكب إلى غير القبلة تطوعًا من غير ضرورة.
* * * * *
آخر كتاب الزكاة
стр. 938
كتاب الصيام
مسألة: [رؤية هلال رمضان]
قال أبو جعفر: (وإذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا طلب الهلال، فإن رئي: فقد وجب الصوم، وإن لم ير: أكمل شعبان ثلاثين يومًا، ثم استقبل الصيام).
وذلك لما حدثنا دعلج قال: حدثنا إبراهيم بن طالب قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس قال: سمعت عائشة ﵂ تقول:
"كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه: عد ثلاثين يومًا، ثم صام".
стр. 939
وروى حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبين منظره سحاب أو قترة فعدوا ثلاثين".
وروى منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة".
وقد روي في بعض الأخبار: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا شعبان ثلاثين".
وقد أفادت هذه الأخبار معاني:
منها: أن الشهر حكمه أن يكون ثلاثين، إلا أن يرى الهلال قبل ذلك، فيكون تسعة وعشرين، وهذا يجب اعتباره في سائر الشهور.
ومنها: أن يوم الشك محكومٌ له أنه من شعبان، لقوله صلى الله عليه
стр. 940
وسلم: "صوموا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا شعبان ثلاثين".
ويدل عليه قوله: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال".
مسألة: [النية للصوم]
قال أبو جعفر: (ويحتاج من عليه الصيام أن ينويه من ليلة كل يوم، أو فيما بعدها من ذلك اليوم قبل الزوال).
قال أبو بكر: الصوم على ثلاثة أضرب:
صوم مستحق العين، وهو شهر رمضان، والرجل يقول: لله علي صوم غد، أو يوم بعينه: فهذا يجوز فيه ترك النية من الليل إذا نواه قبل الزوال.
والثاني: صوم التطوع، وهو بمنزلة الصوم المستحق العين في جواز ترك النية فيه من الليل إذا نواه قبل الزوال.
والثالث: ما كان منه في الذمة، فهذا لا يجزي إلا أن ينويه من الليل، مثل قضاء رمضان، وصوم الكفارات، والنذور، ونحوها.
فلنبدأ بالكلام في وجوب النية لصوم شهر رمضان، إذ كان أهل العلم مختلفين فيه:
فمنهم من لا يوجب النية فيه رأسًا، وهو قول زفر بن الهذيل.
ومنهم من يوجبها في أول ليلة من الشهر دون سائر الأيام، وهو مالك
стр. 941
بن أنس، والدليل على أن من شرط الصيام النية، أنه فرض مقصود لعينه، كالصلاة والزكاة والحج وسائر الصيام الذي في الذمة.
فإن قيل: الوضوء وغسل الجنابة فرضان ويجزيان بغير نية.
قيل له: من قبل أنهما ليسا فرضين مقصودين لأعيانهما، وإنما يلزمان لأجل الصلاة، فلا تلزم على ما ذكرنا.
ووجه آخر: وهو أن صوم شهر رمضان شرطه أن يكون قربه، ولا يصير قربة إلا بالنية.
والدليل على ذلك أن من أمسك عما يمسك عنه الصائم في غير شهر رمضان، لم يكن صائمًا تطوعًا ما لم يكن منه نية للصوم، فدل على أن من شرط صحة الصوم: وجود النية.
فإن قيل: لما كان صوم شهر رمضان مفروضًا في وقت بعينه، أشبه أعضاء الطهارة من حيث تعين الفرض فيها، فلم يحتج إلى وجود النية في صحة وقوعها.
قيل له: قد بينا أن الطهارة ليست مقصودة لعينها، وإنما قيل لنا: لا تصلوا إلا وأنتم على طهارة، كما قيل لنا: لا تصلوا إلا مع ستر العورة، ولا تصلوا إلى على مكان طاهر، فلا يقتضي ذلك إيجاب النية في صحة وقوع هذه الأشياء، والصوم فرض مقصود لعينه لا يتميز مما ليس بفرض إلا بالنية.
ألا ترى أن من أمسك عما يمسك عنه الصائم من غير نية الصوم، لم
стр. 942
يكن صائمًا تطوعًا، ومن تطهر يريد به التبرد أو تعليم غيره: كان متطهرًا يجوز به أداء الصلاة مع عدم نية الطهارة.
وإنما قلنا إنه يحتاج لكل يوم إلى نية مجددة؛ لأنه يخرج من الصوم بدخول الليل، قال النبي ﷺ : "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم".
وإذا خرج من الصوم بالليل، احتاج إلى دخول فيه في اليوم الثاني، والدخول في الصوم لا يصح إلا بالنية، كما لا يصح في ابتداء الشهر إلى بوجود النية، ألا ترى أن من صام الشهرين المتتابعين، لما تخلل كل يومين منه ليل يخرج من الصوم، افتقر في صحته إلى تجديد النية لكل يوم.
فإن قيل: لما لم يتخلل شهر رمضان صوم من غيره، أشبه أربع ركعات الظهر، لما لم تكن تتخللها صلاة غيرها، اكتفي فيها بإيجاد النية في أول الصلاة، ولم يحتج إلى تجديدها لكل ركعة، كذلك صوم شهر رمضان.
قيل له: هذا منتقض بصوم الظهار؛ لأنه لا يتخلله صوم من غيره، ولم يستغن مع ذلك عن تجديد النية لكل يوم.
وأيضًا: فإن ركعات صلاة الظهر مفعولة بتحريمة واحدة، فاكتفي فيها بنية واحدة، إذ لم يخرج منها بانقضاء كل ركعة، وأما صوم شهر رمضان فإنه يحصل مفطرًا منه بالليل حتمًا، فيحتاج إلى دخول مبتدأ لليوم الذي
стр. 943
يليه، فأشبهت الصلاة الصلاتين من هذا الوجه، وصوم الكفارة وسائر الفروض.
فصل:
وإنما قلنا إنه يجوز ترك النية من الليل في صوم شهر رمضان إذا نواه قبل الزوال، لما روي عن النبي ﷺ أنه بعث يوم عاشوراء إلى أهل العوالي فقال: "من أكل: فليمسك، ومن لم يأكل: فليصم بقية يومه".
فأمر الآكلين بالإمساك، ومن لم يأكل بابتداء الصيام من بعض النهار، فصار ذلك أصلًا في جواز ترك النية من الليل في كل صوم مستحق العين، إذ كان صوم عاشوراء مستحق العين للفرض في ذلك الوقت، لما روى ابن عمر، وعائشة ﵃ "أن النبي ﷺ أمر الناس بصيام يوم عاشوراء أول ما قدم المدينة، ثم نسخ بشهر رمضان".
وفي بعض الألفاظ: "فلما نزل شهر رمضان: كان من شاء صام، ومن شاء أفطر"، ومعلوم أنه لم ينسخ إباحة فعل الصوم، ولا كونه قربة، وإنما نسخ الإيجاب.
فإن قيل: قد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث أنه قال: "من أكل
стр. 944
فليصم بقية يومه": فإن جاز أن يؤمر بالصيام مع الأكل، ولم يدل ذلك على أن ترك الأكل ليس من شرائطه، فكذلك يجوز أن يكون الذين لم يأكلوا مأمورين بالصوم، ولا يدل ذلك على أن وجود النية من الليل في الصوم المستحق العين ليس من شرائطه.
قيل له: ما روي من قوله ﷺ : "من أكل فليصم": معناه: فليمسك، على ما روي في الخبر الآخر؛ لأن الصوم هو الإمساك، ولم يكن ذلك صومًا شرعيًا على الحقيقة، وذلك لأنه قد روي في بعض الأخبار "أن النبي ﷺ أمر الآكلين بقضاء يوم".
وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه قال: أتيت النبي ﷺ يعني يوم عاشوراء، فقال: "صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا. قال: "فأتموا يومكم هذا، واقضوا".
فثبت أن الآكلين منهم لم يكن لهم صوم، وأنهم إنما أمروا بالإمساك من غير صوم.
فإن قيل: إنما جاز لهم ترك النية من الليل؛ لأنه كان صومًا مبتدءًا لزمهم فرضه في بعض النهار، ولم يكن وجوب الفرض متقدمًا، فيلزمهم تقديم النية من الليل، فلذلك جاز أن يؤمروا بابتداء صيام في بعض النهار.
стр. 945
قيل له: لو كان وجود النية من الليل من شرائط صحة الصوم، لكان عدمها مانعًا من الصوم، ولم يكن يختلف فيه الفرض المبتدأ والفرض الذي تقدم وجوبه، كما أن ترك الأكل لما كان من شرائط صحة الصوم، كان وجوده مانعًا من صوم عاشوراء، ولم يختلف فيه حكم الفرض المبتدأ والمتقدم الوجوب، فلما أجاز الصوم مع ترك النية من الليل، ولم يجزه مع وجود الأكل، دل على أن ما كان مستحق العين من الصوم لم يفتقر في صحته إلى وجود النية من الليل.
فإن قيل: يجوز أن يكون النبي ﷺ أمر الذين لم يأكلوا بالصوم الذي هو الإمساك كما أمر الآكلين.
قيل له: لا يجوز ذلك من وجهين:
أحدهما: أن الأمر بالصوم يقتضي أن يكون صومًا شرعيًا صحيحًا، ولا يجوز حمله على إمساك ليس بصوم شرعي إلا بدلالة.
والثاني: أنه أمر الآكلين بالقضاء دون غيرهم، ولو لم يكن صوم، لم يتقدم فيه الأكل منهم صومًا صحيحًا، لكانوا مأمورين بالقضاء، فهذا يدل على سقوط هذا السؤال.
فإن قيل: كيف يستدل بصوم عاشوراء على صوم شهر رمضان، وهو منسوخ قد ارتفع حكمه؟
قيل له: جهة الدلالة على ما قلنا صحيحة، من قبل أن الأمر بصوم عاشوراء قد انتظم أحكامًا، منها: لزوم فرضه، ومنها: أن كل صوم مستحق العين يجوز ترك النية فيه من الليل، فإذا نسخ الوجوب، لم ينسخ
стр. 946
كل صوم مستحق العين ما انتظمه من الأحكام الأخر.
ألا ترى أن الصلاة إلى بيت المقدس منسوخة، ولم يوجب نسخ التوجه إليه نسخ سائر أحكام الصلاة، وكذلك فرض صلاة الليل منسوخ، ولم يوجب ذلك نسخ أحكام الصلاة كلها.
وليس يمتنع الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرءان﴾: على وجوب قرض القراءة في سائر الصلوات، وإن كان فرض صلاة الليل قد نسخ، فكذلك ما وصفنا من أمر صوم يوم عاشوراء.
فإن قيل: لما كانت النية شرطا في صحته، كان عدم النية في أوله كوجود الأكل منه، فلما كان وجود الأكل منه مانعا من صحة باقي آخر النهار صوما، فكذلك عدم النية.
قيل له: ليس كذلك، من قبل أنه قد جاز صوم التطوع بنية مبتدأة في بعض النهار، ولم يكن عدم النية في أول النهار بمنزلة فيه، فدل على فساد اعتلالك، وصح أن عدم النية في أول النهار لا يمنع كون باقي آخر النهار صوما صحيحا فيما كان مستحق العين.
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على جواز صوم التطوع بنية مبتدأة في بعض النهار، والمعنى فيه أن الذي يحتاج إليه في صحة صوم التطوع إنما هي نية الصوم فحسب.
стр. 947
وكذلك عندنا في صوم شهر رمضان الذي يحتاج إليه منه وجود نية الصوم فحسب، فوجب أن تكون نية مبتدأة في بعض النهار قبل الزوال.
وإن شئت نصبت المعنى في التطوع أنه متعلق بالعين ليس في الذمة، وكذلك صوم رمضان متعلق بالعين لا في الذمة، فكان بمنزلة التطوع في جواز ترك النية فيه من الليل.
فإن احتجوا بما روت حفصة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل".
قيل له: هذا محمول على ما كان في الذمة من الصوم، بالدلائل التي قدمنا؛ لأنه متى أمكننا الجمع بين دلائل الأخبار وإثبات فوائدها، لم يجز لنا إسقاط بعضها ببعض، والاقتصار على حكم واحد منها دون سائرها.
وكما لم يمنع هذا الخبر من صحة صيام التطوع بنية يبتدئها في بعض النهار، كذلك لا يمنع صحة صيام شهر رمضان بنية يبتدئها من بعض النهار.
وأيضا يحتمل أن يريد: لا صيام تام كامل إلا أن ينويه من الليل؛ لأنه يستحق عليه كمال ثواب الصوم إذا تقدمت له النية من الليل، وإذا نوى في بعض النهار: لم يستحق الثواب على ما تقدم من الإمساك في آخر النهار قبل نية الصوم.
* وإنما شرط أصحابنا وجود النية قبل الزوال، ولم يعتبروا وجودها
стр. 948
بعد الزوال، من قبل أن موجبي النية لكل يوم من صيام شهر رمضان على قولين:
منهم من شرطها في الليل، ومن أجاز تركها من الليل، وشرطها في بعض النهار، فإنما أجزها إذا نواه قبل الزوال، ولم يقل منهم أحد أنه يجزيه بعد الزوال، فسقط هذا القول، وثبت أنها مشروطة قبل الزوال من حيث كان ما عداها من شرطها بعد الزوال خلاف الإجماع.
[النية لصوم التطوع:]
* وأما صوم التطوع: فإن الأصل في جواز ترك النية فيه من الليل ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن السلمي البلخي قال: حدثنا عمر بن هارون عن يعقوب بن عطاء عن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ كان يصبح ولم يجمع الصوم، فيبدو له، فيصوم".
وروي عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان ربما دخل عليها فيقول: هل عندكم شيء؟ فيقولون: لا، فيقول: فإني إذا صائم".
[النية لصوم ما في الذمة:]
* وأما ما كان في الذمة من الصيام، فإنما احتيج فيه إلى إيجاد النية
стр. 949
من الليل، لقول النبي ﷺ : "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل".
وعمومه ينتظم سائر الصيام، إلا أنا خصصنا منه الصوم المستحق العين والتطوع بما ذكرنا، وفي حكم العموم ما كان في الذمة.
مسألة: [إذا نوى الصوم ثم أغمي عليه قبل الفجر]
قال أبو جعفر: (ومن نوى الصوم في الليل من شهر رمضان، فأغمي عليه قبل الفجر، وأصبح كذلك: أجزأه صوم ذلك اليوم).
لأن النية قد صحت له من الليل، وليس شرط صحة الصوم أن تكون النية مقارنة لأوله؛ لأنه لو نوى، ثم نام وانتبه بعد ما أصبح: صح له الصوم، كذلك الإغماء في هذا بمنزلة النوم.
مسألة:
قال: (ومن سافر قبل الفجر: فله الإفطار).
لقول الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
стр. 950
* قال: (ومن سافر بعد الفجر: لم يفطر ذلك اليوم، فإن أفطر من عذر أو من غير عذر: كان عليه القضاء، وليس عليه الكفارة).
وإنما لزمه صوم ذلك اليوم؛ لأنه قد دخل في الجزء الأول منه، فلزمه تصحيحه بصوم باقي آخر النهار، لقول الله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾، وفي إفطاره إبطال للجزء المفعول من الصوم أن يكون صوما شرعيا، إذ لا يصح صوم أوله إلا بصوم باقي أجزائه.
وإنما لم تجب عليه كفارة: من قبل أن كفارة شهر رمضان تسقط بالشبهة كالحدود؛ لأنها عقوبة.
والدليل على ذلك: أنها لا تستحق إلا بضرب من المأثم، فلما كانت الحدود مما تسقط بالشبهة، كان كذلك كفارة شهر رمضان.
وإذا ثبت ذلك: قلنا: إن حال السفر في الأصل لما كانت حالا تبيح الإفطار، صار وجودها شبهة في سقوط الكفارة؛ وإن لم تبح له الإفطار في هذا اليوم بعينه في السفر، كما أن الملك والنكاح لما كانا سببين لإباحة الوطء له، كان وجودهما مانعا من وجوب الحد، وأيضا: لم يبحا الوطء في حال الحيض والنفاس.
مسألة: [من أكل أو شرب ناسيا لم يفطر]
قال: (ومن أكل أو شرب أو أتى ما سوى ذلك مما يمنع منه الصائم
следующие страницы →