Полный текст (3 930 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
كل صوم مستحق العين ما انتظمه من الأحكام الأخر.
ألا ترى أن الصلاة إلى بيت المقدس منسوخة، ولم يوجب نسخ التوجه إليه نسخ سائر أحكام الصلاة، وكذلك فرض صلاة الليل منسوخ، ولم يوجب ذلك نسخ أحكام الصلاة كلها.
وليس يمتنع الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرءان﴾: على وجوب قرض القراءة في سائر الصلوات، وإن كان فرض صلاة الليل قد نسخ، فكذلك ما وصفنا من أمر صوم يوم عاشوراء.
فإن قيل: لما كانت النية شرطا في صحته، كان عدم النية في أوله كوجود الأكل منه، فلما كان وجود الأكل منه مانعا من صحة باقي آخر النهار صوما، فكذلك عدم النية.
قيل له: ليس كذلك، من قبل أنه قد جاز صوم التطوع بنية مبتدأة في بعض النهار، ولم يكن عدم النية في أول النهار بمنزلة فيه، فدل على فساد اعتلالك، وصح أن عدم النية في أول النهار لا يمنع كون باقي آخر النهار صوما صحيحا فيما كان مستحق العين.
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على جواز صوم التطوع بنية مبتدأة في بعض النهار، والمعنى فيه أن الذي يحتاج إليه في صحة صوم التطوع إنما هي نية الصوم فحسب.
стр. 947
وكذلك عندنا في صوم شهر رمضان الذي يحتاج إليه منه وجود نية الصوم فحسب، فوجب أن تكون نية مبتدأة في بعض النهار قبل الزوال.
وإن شئت نصبت المعنى في التطوع أنه متعلق بالعين ليس في الذمة، وكذلك صوم رمضان متعلق بالعين لا في الذمة، فكان بمنزلة التطوع في جواز ترك النية فيه من الليل.
فإن احتجوا بما روت حفصة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل".
قيل له: هذا محمول على ما كان في الذمة من الصوم، بالدلائل التي قدمنا؛ لأنه متى أمكننا الجمع بين دلائل الأخبار وإثبات فوائدها، لم يجز لنا إسقاط بعضها ببعض، والاقتصار على حكم واحد منها دون سائرها.
وكما لم يمنع هذا الخبر من صحة صيام التطوع بنية يبتدئها في بعض النهار، كذلك لا يمنع صحة صيام شهر رمضان بنية يبتدئها من بعض النهار.
وأيضا يحتمل أن يريد: لا صيام تام كامل إلا أن ينويه من الليل؛ لأنه يستحق عليه كمال ثواب الصوم إذا تقدمت له النية من الليل، وإذا نوى في بعض النهار: لم يستحق الثواب على ما تقدم من الإمساك في آخر النهار قبل نية الصوم.
* وإنما شرط أصحابنا وجود النية قبل الزوال، ولم يعتبروا وجودها
стр. 948
بعد الزوال، من قبل أن موجبي النية لكل يوم من صيام شهر رمضان على قولين:
منهم من شرطها في الليل، ومن أجاز تركها من الليل، وشرطها في بعض النهار، فإنما أجزها إذا نواه قبل الزوال، ولم يقل منهم أحد أنه يجزيه بعد الزوال، فسقط هذا القول، وثبت أنها مشروطة قبل الزوال من حيث كان ما عداها من شرطها بعد الزوال خلاف الإجماع.
[النية لصوم التطوع:]
* وأما صوم التطوع: فإن الأصل في جواز ترك النية فيه من الليل ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن السلمي البلخي قال: حدثنا عمر بن هارون عن يعقوب بن عطاء عن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ كان يصبح ولم يجمع الصوم، فيبدو له، فيصوم".
وروي عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان ربما دخل عليها فيقول: هل عندكم شيء؟ فيقولون: لا، فيقول: فإني إذا صائم".
[النية لصوم ما في الذمة:]
* وأما ما كان في الذمة من الصيام، فإنما احتيج فيه إلى إيجاد النية
стр. 949
من الليل، لقول النبي ﷺ : "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل".
وعمومه ينتظم سائر الصيام، إلا أنا خصصنا منه الصوم المستحق العين والتطوع بما ذكرنا، وفي حكم العموم ما كان في الذمة.
مسألة: [إذا نوى الصوم ثم أغمي عليه قبل الفجر]
قال أبو جعفر: (ومن نوى الصوم في الليل من شهر رمضان، فأغمي عليه قبل الفجر، وأصبح كذلك: أجزأه صوم ذلك اليوم).
لأن النية قد صحت له من الليل، وليس شرط صحة الصوم أن تكون النية مقارنة لأوله؛ لأنه لو نوى، ثم نام وانتبه بعد ما أصبح: صح له الصوم، كذلك الإغماء في هذا بمنزلة النوم.
مسألة:
قال: (ومن سافر قبل الفجر: فله الإفطار).
لقول الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
стр. 950
* قال: (ومن سافر بعد الفجر: لم يفطر ذلك اليوم، فإن أفطر من عذر أو من غير عذر: كان عليه القضاء، وليس عليه الكفارة).
وإنما لزمه صوم ذلك اليوم؛ لأنه قد دخل في الجزء الأول منه، فلزمه تصحيحه بصوم باقي آخر النهار، لقول الله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾، وفي إفطاره إبطال للجزء المفعول من الصوم أن يكون صوما شرعيا، إذ لا يصح صوم أوله إلا بصوم باقي أجزائه.
وإنما لم تجب عليه كفارة: من قبل أن كفارة شهر رمضان تسقط بالشبهة كالحدود؛ لأنها عقوبة.
والدليل على ذلك: أنها لا تستحق إلا بضرب من المأثم، فلما كانت الحدود مما تسقط بالشبهة، كان كذلك كفارة شهر رمضان.
وإذا ثبت ذلك: قلنا: إن حال السفر في الأصل لما كانت حالا تبيح الإفطار، صار وجودها شبهة في سقوط الكفارة؛ وإن لم تبح له الإفطار في هذا اليوم بعينه في السفر، كما أن الملك والنكاح لما كانا سببين لإباحة الوطء له، كان وجودهما مانعا من وجوب الحد، وأيضا: لم يبحا الوطء في حال الحيض والنفاس.
مسألة: [من أكل أو شرب ناسيا لم يفطر]
قال: (ومن أكل أو شرب أو أتى ما سوى ذلك مما يمنع منه الصائم
стр. 951
في شهر رمضان نهارا، ناسيا لصومه: فلا قضاء عليه، ومضى في صومه).
وذلك لما حدثنا عن الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا هوزة بن خليفة قال: حدثنا عوف عن حلاس ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا صام أحدكم يوما فنسي فأكل وشرب: فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".
وحدثنا دعلج بن أحمد حدثنا ابن أحمد الحضرمي قال: حدثنا محمد بن مرزوق قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل ناسيا في شهر رمضان: فلا قضاء عليه ولا كفارة".
وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني نسيت فأكلت وشربت وأنا صائم، فهل علي قضاء؟ قال: "ذلك طعام أطعمك الله وسقاك".
стр. 952
فهذه الآثار تنفي وجوب القضاء على الناسي؛ لأن قوله: "فليتم صومه": يقتضي أن يكون صومه الأول باقيا حتى يصح إتمامه، ونص في الخبر الآخر على نفي القضاء.
وأيضا: قد اتفق فقهاء الأمصار على أن أكل الناسي لا يفسد صوم التطوع، فوجب أن يكون الفرض مثله؛ إذ لا يختلفان في أن ترك الأكل من شرائط صحتها.
والقياس عند أصحابنا يوجب القضاء على الأكل ناسيا، كما لو أكل في صلاته ناسيا، أو جامع فيها ناسيا؛ لأن أكثر أحوال النسيان أن يكون عذرا في إباحة الأكل، والعذر لا يسقط القضاء كالمريض والمسافر، وكما لو نسي الصوم رأسا، أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غابت، ثم علم أنها لم تغب، أو تسحر وعنده أن الفجر لم يطلع وقد طلع؛ إلا أنهم تركوا القياس للأثر، وقد بينا فيما سلف أن الأثر مقدم على النظر.
فإن قيل: فهلا قست عليه المكره على الأكل، والذي يفطر وهو يرى أن الشمس قد غابت، بعلة أنه لم يقصد إلى إفساد الصوم بالأكل.
قيل له: هذا السؤال ساقط عنا من وجهين:
стр. 953
أحدهما: أنا لا نقيس على المخصوص إلا أن تكون علته مذكورة في الخبر، وليس في خبر الأكل ناسيا علة توجب القياس.
فإن قيل: قوله: "إن الله أطعمك وسقاك": تنبيه على العلة.
قيل له: فهذه العلة غير موجودة في الأكل والشرب مكرها.
والوجه الآخر: أن هذه العلة منتقضة لوجودها في الحيض، مع انتقاض الصوم به.
فإن قيل: قد جعلت الجماع كالأكل والشرب في حال النسيان.
قيل له: لم نلحقه به من جهة القياس، وإنما جعلناه مثله بالاتفاق؛ لأن الناس في ذلك على قولين:
منهم من يقول يفطره الأكل ناسيا، وكذلك الجماع.
ومنهم من يقول: لا يفطره واحد منهما.
فاتفق الجميع على اتفاق حكم الأكل والجماع في صحة الصوم معهما أو فاسده.
فلما صح عندنا أن الأكل ناسيا لا يفطره: كان الجماع مثله بالاتفاق.
مسألة: [وجوب القضاء والكفارة في الجماع والأكل عامدا]
قال أبو جعفر: (ولو فعل ذلك عامدا: كان عليه في الجماع في الفرج والأكل والشرب القضاء والكفارة، ولم يكن عليه فيما سوى ذلك إلا القضاء خاصة بلا كفارة).
стр. 954
وأما وجه إيجاب الكفارة على الآكل والشارب، فهو ما:
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن طلق بن حبيب عن سعيد بن المسيب ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني أفطرت يوما في شهر رمضان. قال: "أعتق رقبة". قال: لا أجدها. قال: "فصم شهرين متتابعين". قال: لا أستطيع. قال: "أطعم ستين مسكينا". قال: لا أجده. فأتي النبي ﷺ بكيل نحو خمسة عشر صاعا، أو عشرين صاعا، فقال: "تصدق بها". فقال: يا رسول الله! ما بين لابتيها احد أحوج مني ومن أهلي. قل: "فأطعه أهلك، وصم يوما مكانه".
فلما لم يسأله النبي ﷺ عن الجهة التي بها وقع الإفطار، صار ذلك بمنزلة عموم لفظ من النبي ﷺ في إيجاب الكفارة بكل ما يوجب الإفطار، إلا ما قام دليه.
وقد روى في أخبار أخر من أخبار أبي هريرة ﵁ "أن رجلا قال: جامعت أهلي، فأمره النبي ﷺ بالكفارة".
стр. 955
ولا يجب حمل الخبرين على معنى واحد، بل نحمل كل واحد منهما على فائدة مجددة غير فائدة الآخر، فيكون هذا أولى من الاقتصر بها كلها على فائدة واحدة، إذ لم يثبت أن راوي الخبرين واحد، وأنهما خبر واحد.
ويدل على صحة قولنا: اتفاق الجميع من فقهاء الأمصار على أن وجوب الكفارة غير مقصور على الجماع الذي ورد به الأثر؛ لأن مالك بن أنس يوجبها على كل مفطر غير معذور، والشافعي يوجبها بالإيلاج في إحدى السبيلين من الرجل والمرأة، ومن البهيمة أيضا، وهذا لم يرد فيه أثر.
وأصحابنا يوجبونها بحصول إفساد صوم شهر رمضان بضرب من المأثم، فحصل من اتفاق الجميع: أن هناك معنى به تعلق وجوب الكفارة، غير ما ورد به الأثر الذي ذكر فيه الجماع، فاحتجنا أن ننظر أي هذه المعاني أولى بالاعتبار في إيجاب الكفارة به، فقلنا: لما كانت هذه الكفارة مستحقة بالمأثم، اعتبرنا المأثم الذي استحقه بالجماع، فوجدنا مثله في الأكل والشرب، فوجب أن يكون عليه فيهما من الكفارة مثل ما في الجماع.
والدليل على أن مأثم الأكل مثل مأثم الجماع: أنه ينتهك من حرمة
стр. 956
الصوم، ويحصل به من كفران النعمة مثل ما فعله بالجماع، وذلك أن نعمة الله على الآكل في تمكينه من الأكل، أعظم من نعمته عليه في تمكينه من الجماع؛ لأن في فقد الأكل تلف النفس، وليس في فقد الجماع أكثر من فقده لذته، فهو يستحق لا محالة بترك الأكل في الصوم من الثواب، أكثر مما يستحقه بترك الجماع، فكان بإفساده للصوم بالأكل مبطلا لما كان يستحقه من الثواب، فبان بذلك أن المفطر بالأكل أعظم مأثما من المفطر بالجماع.
فلما كانت هذه الكفارة متعلقة بالمأثم، وكان مأثم الأكل مثل مأثم الجماع، وجب أن يكون عليه من الكفارة مثل ما على المجامع، فكان اعتبار ذلك أولى من اعتبار الإيلاج في أحد السبيلين، إذ لم يكن لذلك تأثير في جهة المأثم ليس لغيره.
وهو أولى من اعتبار الإفطار لغير عذر أيضا، من قبل أن مأثم المجامع فيما دون الفرج، والمستقيء عمدا، أقل من مأثم المجامع في الفرج، فكان بمنزلة الجماع فيما دون الفرج في امتناع وجوب الحد به.
وكفارة شهر رمضان مشبهة للحد في باب تعلقها جميعا بالمأثم، واستحقاقها على جهة العقوبة.
وأيضا: فإن من يوجبها بالجماع فيما دون الفرج، فإنما يوجبها قياسا على الجماع في الفرج، ولا يجوز عندنا إثبات الكفارات بالقياس.
فإن قيل: فأنتم توجبونها بالأكل والشرب قياسا.
قيل له: ليس كذلك؛ لأنا إنما أثبتنا المعنى باتفاق الجميع على أن وجوبها غير مقصور على الجماع الذي ورد فيه الأثر، وأن هناك معنى مرادا بالخبر، به تعلق الحكم، غير ما ورد الأثر فيه.
стр. 957
ثم استدللنا على ذلك المعنى بالأصول، وقلنا: إنه أولى بالاعتبار من غيره، وليس في ذلك إثبات كفارة بقياس، وإنما فيه الاستدلال على أنه أول بالاعتبار من غيره، وليس في ذلك إثبات كفارة بقياس، وإنما فيه الاستدلال على المعنى بما وصف وصفنا.
قال الشيخ أحمد: ومن الناس من لا يرى إيجاب الكفارة على المفطر في شهر رمضان رأسا، منهم ابن علية وغيره، وإنما نفوها لورودها من جهة أخبار الآحاد، وليس من أصلهم قبولها.
ويدفعون وجوبها أيضا من جهة أن النبي ﷺ قال للمفطر حين أعطاه طعام الكفارة، فشكا الحاجة، فقال له: "كله أنت وعيالك"، ولو كانت كفارة واجبة ما جاز له أن يأكل منها.
وهذا لا يدل على ما قالوا؛ لأنه لم يقل له: "كله أنت وعيالك، ولا شيء عليك".
ويجوز أن يكون أباح له أكله، وتكون الكفارة في ذمته إلى أن يقضيها.
* وأما وجوب القضاء؛ فلما رواه ابن أبي أويس عن أبيه عن الزهري
стр. 958
عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للذي وقع على امرأته في شهر رمضان: "صم يوما مكانه".
وروى عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ مثله.
وروى هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله.
فصل: [كفارة الفطر عمدا في رمضان]
قال أبو جعفر: (والكفارة في ذلك: عتق رقبة يجزئ فيها المؤمن وغير المؤمن، فإن لم يجد: فصياح شهرين متتابعين، فإن لم يستطع: أطعم ستين مسكينا).
وذلك لما روى الأوزاعي وابن عيينة في آخرين عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال للرجل الذي قال: جامعت أهلي في شهر رمضان: "أعتق رقبة". قال: لا أجد. قال: "صم شهرين متتابعين". قال: لا أستطيع. قال: "أطعم
стр. 959
ستين مسكينا".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن محمد بن داود الدقاق قال: حدثنا محمد بن خليد قال: حدثنا مالك عن الزهري بإسناده مثله.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا هشيم عن إسماعيل بن سالم عن مجاهد قال: "أمر رسول الله ﷺ الذي أفطر يوما من شهر رمضان بمثل كفارة الظهار".
فإن قيل: روى القعنبي عن مالك عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة ﵁ "أن رجلا أفطر في شهر رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينا".
قيل له: لم يذكر فيه لفظ النبي ﷺ ، وإنما قال: "أمره بكيت وكيت"، ويحتمل أن يكون مراده أن يعتق إن وجد، أو يصوم إن لم يجد، أو يطعم إن لم يقدر على الصوم، والأخبار التي قدمنا أولى بالاستعمال؛ لأنها مفسرة.
стр. 960
وقد ذكر مجاهد أن النبي ﷺ أمره بمثل كفارة الظهار.
[مسألة: جواز عتق رقبة غير مؤمنة في الكفارة]
وإنما جاز غير المؤمنة؛ لقول النبي ﷺ : "أعتق رقبة"، من غير شرط الإيمان، فهو عام في الجميع.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾، والكافر خبيث.
قيل له: الذي أنفقه هو العتق، وعتقه ليس بخبيث، ولا رقبته، وإنما الخبيث منه كفره، ولا خلاف في أن عتق الكافر قربة، فكيف تكون القربة خبيثا.
فإن قيل: فهلا قستها على كفارة القتل؟
قيل له: لا يجوز ذلك عندنا من وجهين:
أحدهما: أنا لا نزيد في النص بالقياس.
стр. 961
والثاني: أنه لا يجوز إثبات الكفارات قياسا.
فإن قيل: ما أنكرت أن يحوز الخاص صفة بالمنصوص قياسا، كما جعلت التيمم إلى المرفقين قياسا على الوضوء.
قيل له: لم نوجبه كذلك قياسا، بل بالنص لما في حديث عمار، والأسلع ﵄.
مسألة: [مقدار الطعام في كفارة رمضان]
قال أبو جعفر: (ويطعم كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر).
وذلك لما روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي.
ذكر صخر ﵁ قصة ظهاره من امرأته، وأن رسول الله ﷺ قال له: "انطلق إلى صاحب صدقات بني زريق، فانظر ما اجتمع عنده من صدقاتهم، فأطعم وسقا ستين مسكينا، واستعن بسائره عليك وعلى عيالك"، ففعلت ذلك.
وروى يحيى بن زكريا عن محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله
стр. 962
عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: حدثتني خولة بنت مالك بن ثعلبة ﵂ "أن رسول الله ﷺ أعان زوجها حين ظاهر منها بفرق من تمر، وأعانته هي بفرق آخر، وذلك ستون صاعا، فقال رسول الله ﷺ : "تصدق به".
فإن قيل: قد روى عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار ﵁ "أن رسول الله ﷺ أعطى سلمة بن صخر قريبا من خمسة عشر صاعا، فقال: "تصدق بهذا".
قيل له: لم يقل له: يجزيك عن جميع الكفارة، فلا دلالة فيه على الخلاف.
وأيضا فإنما كان على وجع المعونة ببعض الكفارة، كما روى إسحاق عن يزيد بن زيد أن زوج خولة ﵂ ظاهر منها، فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعا.
فإن احتجوا بما رواه عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن معمر عن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خولة ﵂ "أن زوجها ظاهر منها، فأمره رسول الله ﷺ أن يتصدق بخمسة عشر صاعا على ستين مسكينا".
قيل له: لم يقل: إنه يجزي من الكفارة، وإنما هي بعضها، بدلالة
стр. 963
الأخبار التي ذكرنا.
وأيضا: ففي أخبارنا زيادة، فهي أولى.
وإذا ثبت ذلك في الظهار، كانت كفارة شهر رمضان مثلها؛ لأن أحدا لك يفرق بينهما في مقدار الطعام.
* ولما ثبت من التمر صاع، وجب أن يكون من البر نصف صاع، لأن كل من أوجب من التمر صاعا، أوجب من البر نصف صاع.
وأيضا: هي بمنزلة صدقة الفطر، لما كان التمر صاعا: كان البر نصف صاع عندنا، وكذلك هذا قياسا عليها، والمعنى الجامع بينهما أنها صدقة مقدرة من الطعام.
مسألة: [تداخل كفارات رمضان]
قال: (ومن أفطر يوما من شهر رمضان، فلم يكفر حتى أفطر يوما آخر منه: لم يلزمه إلا كفارة واحدة).
وذلك لأن السائل قال للنبي ﷺ : "جامعت"، وقال: "أفطرت"، وذلك يتناول المرات الكثيرة، كما يتناول المرة الواحدة، ثم لم يسأله النبي ﷺ عن عدد ما أفطر منه، ألزمه كفارة واحدة، فصار كعموم لفظ من النبي ﷺ في إيجاب كفارة واحدة على كل من أفطر مرة، أو مرارا.
وأيضا: لما كانت كفارة شهر رمضان واجبة لحرمة الشهر، لا لانتهاك حرمة الفرض، بدلالة أنها غير واجبة في قضاء شهر رمضان، ثم كانت
стр. 964
للشهر حرمة واحدة؛ لأنه لم يتخلله صوم من غيره، وحصلت تلك الحرمة منهكة، لم تبق هناك حرمة للشهر في الحكم يتعلق بها وجوب الكفارة.
ألا ترى أن حرمة الشهرين المتتابعين في الظهار لما كانت حرمة واحدة في حكم التتابع، لأنهما لا يتخللهما صوم من غيرهما، كان متى انتهك بإفساده الصوم: أبطل ذلك حكم التتابع، حتى لم يبق له حكم، كذلك حرمة شهر رمضان التي يتعلق وجوب الكفارة بها، متي ما انتهكها، لم تبق للشهر حرمة تنتهك، كما لم تبق في صوم الشهرين حكم التتابع، فلم تجب به كفارة أخرى.
وليس يلزمنا على هذا القضاء؛ لأن إيجاب القضاء غير متعلق بانتهاك الحرمة، وإنما هو متعلق بإفساد الفرض، بدلالة أن المعذور وغيره يستويان في لزوم القضاء، ويختلفان في لزوم الكفارة.
وأما إذا كفر، فقد جبر ما انتهكه من حرمة الشهر، فصار بمنزلة من لم ينتهك، فوجب عليه كفارة أخرى بالجماع الثاني.
ودليل آخر: وهو أن كفارة شهر رمضان لما كانت مستحقة للمأثم، وتسقطها الشبهة، أشبهت الحدود، فلما كان اجتماع الحدود من جنس واحد، مما له حرمة واحدة، يوجب الاقتصار على واحد منها، وإسقاط سائرها، كان كذلك حكم كفارة شهر رمضان.
ألا ترى أن من زنى مرارا، لم يجب عليه إلا حد واحد.
فإن قيل: فلو زنى بامرأتين، لم يجب إلا حد واحد، ولو أفطر في شهر رمضان لزمته كفارتان.
قيل له: إنما اختلفتا في هذا الوجه من قبل أن حرمة الزنى لم تتعلق
стр. 965
بأعيان النساء، وإنما تعلقت بالفعل، وحرمة الكفارة تعلقت بأعيان الشهور، فصار في كل شهر كالحدود المختلفة، فلا يسقط بعضها بعض
مسألة: [إباحة التقبيل للصائم إذا أمن على نفسه]
قال أبو جعفر: (وللصائم أن يقبل زوجته إذا أمن على نفسه ما سوى ذلك).
وذلك لما روى جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب ﵄ قال: هششت يوما، فقبلت وأن صائم، فجئت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت له: إني صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم. فقال: "أرأيت إن تمضمضت من الماء"؟ فقال: إذا لا يضر. قال: "فصم".
وروى علي بن أبي طالب وعائشة وحفصة ﵃ أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم. قال عائشة رضي الله
стр. 966
عنها: وكان أملككم لإربه، فدل هذا علي معنيين:
أحدهما: إباحة القبلة للصائم، وأن ذلك مقصور على الحال التي يملك فيها إربه.
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: "رخص النبي ﷺ في القبلة للصائم".
ويدل على أن إباحة القبلة مقصورة على الحال التي لا يخاف فيها على نفسه من سواها: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل عن أبي العنبس عن الأغر عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن المباشر للصائم. قال: "فرخص له"، وأتاه آخر فسأله، فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال: حدثنا موسى بن داود الضبي قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي
стр. 967
حبيب عن قيصر التجيبي عن عبد الله بن عمرو أن شابًا سأل النبي ﷺ عن القبلة للصائم، فنهاه، وسأله شيخ فرخص له، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله ﷺ : "قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض"، وقال: "إن الشيخ يملك نفسه".
فدلت هذه الآثار على افتراق حال من يملك نفسه، ومن لا يملكها في حال إباحة القبلة وحظرها.
فإن قيل: روي عن سالم عن أبي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فرأيته لا ينظرني، فناديته يا رسول الله ما شأني؟ فالتفت إلي، فقال: "أو لست المقبل وأنت صائم؟ " فقلت: والذي نفسي بيده، لا قبلت امرأة وأنا صائم أبدًا.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا إسرائيل عن زيد بن جبير عن ميمونة بنت عتبة مولاة النبي ﷺ "أن
стр. 968
رسول الله ﷺ سئل عن رجل قبل امرأة وهما صائمان". قال: "هذا فطر".
قيل له: أما حديث عمر هذا، فلا يجوز إثبات حكم به رأسًا؛ لأن الأحكام لا تثبت بالمنامات.
وعلى أن ما رواه عمر ﵁ عن النبي ﷺ في اليقظة، أولى مما رواه عنه في حال النوم بعد موته؛ لأن الشريعة الثابتة في حال حياة النبي ﷺ لا يجوز ورود النسخ عليها بعد موته.
وأما حديث ميمونة بنت عتبة، فيحمل على أن يكون المقبل أنزل، فأوجب عليه القضاء من أجله، فيجمع بينه وبين الأخبار التي روينا.
ولأنا لا نعلم خلافًا بين أهل العلم أن القبلة لا تفسد الصوم ما لم
стр. 969
يحدث عنها إنزال.
فإن قيل: لما كان الصائم ممنوعًا من الجماع، وجب أن يمنع القبلة واللمس كالمحرم.
قيل له: المحرم ممنوع من الجماع ودواعيه، بدلالة أن ممنوع من الطيب، والصائم غير ممنوع من دواعي الجماع، ألا ترى أنه غير ممنوع من الطيب.
فصل: [إن قبل الصائم فأنزل]
قال أبو جعفر: (فإن قبل فأنزل وهو ذاكر لصومه: فعليه القضاء، ولا كفارة عليه).
وإنما لزمه القضاء؛ لما روي في حديث ميمونة بنت عتبة ﵂ في إيجاب الإفطار بالقبلة، ومعلوم أنه كان لأجل الإنزال.
وأيضًا: فإن الإنزال لما حصل عن مباشرة، وجب أن يفسد الصوم كالجماع فيما دون الفرج.
* ولا تجب الكفارة؛ لأن مأثمه دون مأثم المجامع في الفرج، فلم تجب فيه كفارة.
ألا ترى أن الجماع فيما دون الفرج لا يوجب الحد وإن كان من أجنبية، وكفارة شهر رمضان يشبه الحد؛ لأن كل واحد منهما واجب على وجه العقوبة، بدلالة أنهما يستحقان المأثم، وتسقطها الشبهة.
стр. 970
مسألة: [لا كفارة على من أكل وهو يرى أن عليه ليلًا]
قال: (ومن أكل وهو يرى أن عليه ليلًا، ثم علم أنه أكل نهارًا: كان عليه القضاء، ولا كفارة عليه).
والأصل في ذلك: أن كل مفطر معذور، فعليه القضاء ولا كفارة عليه، والدليل عليه المسافر والمريض لما عذرهما الله في الإفطار، أوجب عليهما القضاء، ولم يوجب الكفارة.
* ويمسك بقيه يومه، وإن كان مفطرًا، والأصل فيه: أن كل مفطر طرأت عليه حال في بعض النهار، مما لو كان موجودًا في أوله: لزمه الصوم، كذلك إذا طرأت عليه في بعض النهار: لزمه الإمساك.
وكل حال طرأت عليه في بعض النهار مما لو كان موجودًا في أوله: لم يلزمه معه صوم، كذلك إذا طرأ عليه وهو مفطر: لم يلزمه معه الإمساك عن الأكل والشرب.
ومن أجل ذلك قلنا في المسافر إذا قدم مصره في بعض النهار وقد أفطر: أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم؛ لأن حال الإقامة لو كانت موجودة في أول النهار: لزمه معها الصوم.
* وكذلك الحائض إذا ظهرت في بعض النهار: لزمها الإمساك؛ لأن الطهر من الحيض لو كان موجودًا في أول النهار: لزم معه الصوم.
стр. 971
فأما الحائض إذا حاضت في آخر النهار: فليس عليها الإمساك؛ لأن الحيض لو كان موجودًا في أول النهار: لم يجب معه صوم.
فإن قيل: المقيم إذا سافر لا يجوز له الإطار، ولو كانت حال السفر موجودة في أول النهار لجاز له الإفطار.
قيل له: إنما جعلنا على ما ذكرناه علة للإمساك، وتركه للمفطر، فأما علة إباحة الإفطار أو حظره، فمعنى آخر غير ما وصفنا.
والدليل على صحة الأصل الذي قدمنا ذكره: ما روي عن النبي ﷺ أنه بعث يوم عاشوراء إلى أهل العوالي، فقال: "من أكل منكم: فليمسك بقية يومه، ومن لم يأكل: فليصم".
فأمر الآكلين بالإمساك مع كونهم مفطرين؛ لأنهم لو لم يكونوا أكلوا، كانوا مأمورين بالصيام، فصار ذلك أصلًا فيما وصفنا من نظائره من المسائل:
مسألة: [عدم الإفطار بالحجامة]
قال أبو جعفر: (ولا بأس بالحجامة للصائم)
وذلك لما حدثنا دعلج قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا المعتمر بن سليمان عن حميد الطويل عن
стр. 972
أبي المتوكل عن أبي سعيد ﵁ قال: "رخص النبي ﷺ في القبلة للصائم، والحجامة".
وقد قيل: إنه لم يرفعه عن حميد إلا المعتمر بن سليمان، وهو في الثقات.
وحدثنا دعلج قال: حدثنا علي بن إسحاق بن عيسى الطماع قال: حدثنا يعلى بن داود بن زكريا الواسطي قال: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "رخص رسول الله ﷺ في الحجامة للصائم".
وحدثنا دعلج قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام".
стр. 973
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبيد بن شريك البزاز قال: حدثنا أبو المهاجر قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه، بإسناده مثله.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن حنيفة الفضي بواسط قال: حدثنا الحسن بن جبلة، قال: حدثنا سعد بن سالم عن الثوري عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يفطر الصائم القيء ولا الحجامة، ولا الاحتلام".
وروى ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم".
* وأما ما روى ثوبان وشداد بن أوس ﵄ "أن النبي ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
стр. 974
فلا دلالة فيه على الإفطار بالحجامة؛ لأنه إنما أشار به إلى عين، كذا روي في الخبر أنه مر على رجل يحجمه آخر في شهر رمضان فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
فكان ذكر الحجامة فيه لتعريف العين، لا أنه علق الحكم بها، وهو كقولك: أفطر القائم، وأفطر القاعد: إذا أشرت به إلى شخص بعينه، لم يعد إيجاب الإفطار لأجل القيام والقعود، ومثل قولك: أفطر زيد.
وعلى أن خبر الإباحة متأخر عن الحظر، وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم قال: حدثنا عيسى بن يونس عن أيوب بن محمد اليمامي عن المثنى بن عبد الله عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ صبيحة ثماني عشرة من شهر رمضان برجل وهو يحتجم، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، ثم أتاه رجل بعد ذلك فسأله عن الحجامة في شهر رمضان فقال: "إذا تبيغ بأحدكم
стр. 975
الدم، فليحتجم".
وروى أبان بن أبي عياش عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، فشكا إليه الناس الدماء، فرخص للصائم أن يحتجم.
فتبين في هذا الخبر تأخر الإباحة عن الحظر، فكان أولى.
فإن قيل: قد روي عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم، ثم كرهها بعد للصائم".
قيل له: ذكر مقسم عن ابن عباس ﵃ "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، فغشي عليه، فلذلك كرهه، والكراهية لا توجب الإفطار.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "أفطر الحاجم والمحجوم": إبطال ثواب الصوم؛ لأنهما كانا يغتابان على ما روي في بعض الأخبار.
стр. 976
كما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن الصفر بن هلال العسكري قال: حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا بقية عن محمد بن الحجاج عن جابان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، والنظرة بالسوء، واليمين الكاذبة".
وأيضًا: لو تعارضت الأخبار، كان ما تشهد له الأصول أولى بالاستعمال، والأصول شاهدة بنفي الإفطار بالحجامة، وذلك لأنه لا خلاف أن الفصد والجراحة وسائر ما يوجب إخراج الدم من البدن لا يوجب الإفطار، فوجب أن تكون الحجامة مثله.
مسألة: [الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفًا من ضرر الصيام]
قال أبو جعفر: (وإذا خافت الحامل والمرضع على ولديهما: أفطرتا، وكان عليهما القضاء، ولا إطعام عليهما مع ذلك).
وذلك لأنهما معذورتان في الإفطار، ويرجى لهما القضاء، فأشبهتا المريض والمسافر في وجوب القضاء، وسقوط الإطعام.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام
стр. 977
مسكين﴾.
قيل له: قد اتفق الجميع على أن فيه إضمارًا؛ لأن إطاقة الصوم لا توجب الفدية بحال، ألا ترى أنه إذا لم يفطر لم تجب عليه فدية.
وإذا ثبت أن في الآية ضميرًا، احتيج إلى دلالة من غيرها في إثبات حكمها؛ لأنه ليس أحد الخصمين أولى بدعوى مراد الضمير من صاحبه، وعندنا أن الضمير فيها: "وعلى الذين يطيقونه ثم يعجزون".
وروي نحو ذلك عن ابن عباس ﵄.
وأيضًا: قد روي عن عبد الله بن مسعود وسلمة بن الأكوع ﵄ أن الآية منسوخة، وأنها كانت في الصحيح المقيم؛ إن شاء صام، وإن شاء أفطر وفدى، ونسخها قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.
فإذا أخر هذان أنها منسوخة بما ذكرا، ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأي؛ لأنه حكاية حكم كان عليهم فنسخ، فصار ذلك توفيقًا.
وأيضًا: فمن أوجب الفدية من السلف على الحامل والمرضع، لم
стр. 978
يوجب عليهما القضاء، وهو مذهب ابن عمر ﵄، وإيجاب القضاء مع الفدية مخالف لمقتضى الآية وموجبها؛ لأن الفدية ما قام مقام الشيء، كقوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾: يعني أقمناه مقامه في الذبح، وقال: ﴿ففدية من صيام﴾: أي قائم مقام الحلق حتى يصير كأنه لم يكن.
فإذا كان ذلك كذلك، امتنع وجوب القضاء والإطعام؛ لأن الإطعام فدية قائمة مقام الصوم، ومتى أوجبنا القضاء: لم يكن الإطعام فدية.
وأيضًا: غير جائز أن تكون الآية في الحامل والمرضع، لما في سياقها من الدلالة على أنهما لم تردا بها، وهو قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خيرٌ لكم﴾، والحامل والمرضع لا تخلوان من أن يضر صومهما بالولد أو لا يضر، فإن لم يضر: لم يجز لهما الإفطار، وإن كان يضر بالولد: لم يكن الصيام خيرًا لهما، والآية وردت فيمن إذا صام كان الصوم خيرًا له من تركه، فعلمنا أنه لم يرد بها الحامل والمرضع.
стр. 979
مسألة: [صيام الشيخ الفاني]
قال: (ومن كبر فعجز عن الصوم، ويئس من القدرة عليه في المستأنف: أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، مثل ما يطعم في صدقة الفطر).
وذلك لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾: "أنه الشيخ والشيخة".
وقال ابن عباس ﵁:"هم الذين يتكلفونه ولا يستطيعونه: الشيخ والشيخة".
وأيضًا: لما كان ميؤوسًا منه الصوم مع بقاء التكليف عليه، صار كالذي عليه قضاء شهر رمضان، فيموت قبل أن يقضيه، فتكون عليه الفدية.
مسألة: [وجوب قضاء الصوم على الحائض والنفساء]
قال أبو جعفر: (وإذا حاضت المرأة، أو نفست، فأفطرت: قضت
стр. 980
أيام النفاس والحيض إن شاءت متتابعة، وإن شاءت متفرقة، فإن لم يمكنها القضاء حتى ماتت: فلا شيء عليها".
وذلك لأنها معذورة كالمريض والمسافر، وقال تعالى فيهما: ﴿فعدة من أيام أخر﴾.
فإن أدركا الأيام: كفرا بالإطعام إذا ماتا قبل القضاء، وإذا لم يدركا الأيام: لم يكن عليهما شيء؛ لأنهما لم يلحقا وقت الفرض، وهو العدة من أيام أخر، فكانا بمنزلة من مات قبل مجيء شهر رمضان، فكذلك الحائض والنفساء.
* وإنما كان لها أن تتابع إن شاءت، أو تفرق، لقول الله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، فأوجبه في أيام منكورة غير معينة، واقتضى ذلك جواز فعله في أي أيام شاءت، ولو أوجبنا عليها التتابع: كنا قد عينا في الفرض في وقت بعينه؛ لأنه إذا صام يومًا لزمه صوم ما بعده في أيام تليه، وذلك خلاف موجب الآية.
ومن جهة السنة ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن عبد ربه البغلاني قال: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني قال: حدثنا بقية بن الوليد عن سليمان بن أرقم عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال
стр. 981
رجل: يا رسول الله! علي أيامٌ من شهر رمضان: فأفرق بينه؟ قال: نعم. أرأيت لو كان عليك دين فقضيته متفرقًا، أكان يجزيك؟ قال: نعم. قال: فإن الله أحق بالتجاوز والعفو.
* ومن جهة النظر: أن التتابع صفة زائدة لا يجوز إيجابها إلا باللفظ؛ لأن فيه زيادة في النص، ولا تجوز الزيادة في النص إلا بنص مثله.
[مسألة: أمكنها القضاء فلم تقض حتى ماتت]
قال أبو جعفر: (وإن أمكنها القضاء، ففرطت في ذلك حتى ماتت: فقد وجب عليها أن يطعم عنها بكل يوم مسكينًا، كما يطعم في صدقة الفطر).
وذلك لما روي عن عائشة ﵂: "أنهن كن يؤمرن على عهد رسول الله ﷺ إذا حضن بقضاء الصوم، ولا يقضين الصلاة".
وإذا أدركت الأيام التي يمكنها فيها الصوم، فلم تصم، جعل الصوم في ذمتها، فإذا ماتت قبل القضاء: وجب عليها أن يقضى بالطعام.
وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن بشر بن مطر أخو خطاب قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سعد المستملي قال: حدثنا
стр. 982
إسحاق الأزرق عن شريك عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وعليه شهر رمضان فلم يقضه، فليطعم عن مكان كل يوم نصف صاع لمسكين".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن راشد –كوفي- قال: حدثنا عمر عن أشعث عن سوار عن محمد عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "سئل النبي ﷺ عن رجل مات وعليه صوم رمضان؟ قال: يطعم عنه لكل يوم مسكينًا".
وفي الحديث الأول: "نصف صاع": فثبت أنه بمنزلة صدقة الفطر في مقدار الطعام.
فإن قيل: روى ابن عباس ﵄ "أن امرأة أتت النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضيه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى".
стр. 983
وروى عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام: صام عنه وليه".
قيل له: أما حديث ابن عباس ﵄ فإنما فيه ذكر القضاء، والقضاء يقع بالإطعام، فلا دلالة فيه على جواز الصوم عنها.
وأيضًا: لفظ حديث عائشة ﵂ في أن وليه يصوم عنه، محتمل أن يكون المراد منه الإطعام الذي يقوم مقام الصوم، فأطلق أن وليه يصوم عنه، ومعناه يقضي عنه ما يقوم مقام الصوم.
* ومن جهة النظر: أن الصوم عبادة على البدن، فأشبه الصلاة والإيمان، لما لم يجز أن يقوم عنه فيه غيره: كذلك الصوم.
فإن قيل: فقد يقضى عنه الحج بعد موته، وهو عبادة على البدن.
قيل له: الحج عندنا يقع عن الحاج، وإنما يلحق الميت أجر النفقة.
ويدلك على أن الحج يقع للحاج، أن شرطه: أن يكون قربة له، ألا ترى أنهم لو أحجوا عنه ذميًا: لم يصح؛ لأنه لا يكون قربة له، فدل على أن الحج يقع عن الحاج، وإنما يلحق بالميت أجر النفقة.
[مسألة:]
* قال أبو جعفر: (فإن أوصت بذلك: كان من الثلث).
وذلك لما بينا فيما سلف من مسائل الزكاة، في أن كل ما كان طريقه العبادات: فإنه يسقط بالموت.
стр. 984
* قال: (فإن لم توصِ بذلك: لم يُخرج عنها من مالها، إلا أن يتبرع بذلك وراثُها).
وذلك لما بينا، وإن تبرع وارثها: جاز، لما روي "أن سعد بن عبادة ﵁ سأل النبي ﷺ أن أمه ماتت ولم توص، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم".
فصل: [إن أمكنها قضاء بعض ما عليها، ثم ماتت]
قال أبو جعفر: (وإن أمكنها قضاء بعض ما عليها، ولم يمكنها قضاء بعضه حتى ماتت ولم تقض ما أمكنها قضاؤه: فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: هذا والأول سواء، وقال محمد: لا يجب عليها من الأيام إلا مقدار ما قدرت على قضائه منها).
قال أبو بكر أحمد: هذا الخلاف الذي ذكره لا نعرفه عنهم، بل المشهور من قولهم جميعًا: أنه لا يلزمها إلا قضاء ما أدركت من الأيام.
ووجه ذلك: أن الله تعالى لما أعذر هؤلاء في الإفطار، ألزمهم القضاء في أيام أخر بقوله: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، فمن لم يلحق العدة: لم يلزمه، كمن مات قبل مجيء شهر رمضان، ومقدار ما أدرك من العدة قد ثبت في ذممهم، فلزمهم القضاء.
والجواب الذي ذكره أبو جعفر عن أبي حنيفة وأبي يوسف، إنما نعرفه
стр. 985
فيمن قال وهو مريض: لله علي اعتكاف شهر، ثم مات قبل أن يبرأ، فلا يلزمه شيء، فإن صح يومًا ثم مات: فالواجب عليه قبل الموت أن يوصي بأن يقضى عنه جميع الشهر بالإطعام.
وهذا صحيح، وليس من مسألة قضاء شهر رمضان في شيء، من قبل أن قضاء شهر رمضان متعلق في وجوبه بلحاق العدة، لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾.
أما النذر، فإنه ثبت في الذمة إذا كانت الذمة صحيحة، فلما نذر في حال المرض: لم يلزمه في ذمته في الحال؛ لأنها ليست ذمة صحيحة في باب ثبوت الصوم، فإذا برأ بعد ذلك: صحت ذمته، فكان بمنزلة من أوجب اعتكاف شهر وهو صحيح: يلزمه في ذمته، فإن حذره الموت بعد ذلك بساعة، كان عليه أن يوصي بأن يطعم عنه لكل يوم مسكين، وليس لزوم ذلك من حيث نذر الاعتكاف، إنما هو من جهة الصوم الذي تضمنه الاعتكاف.
مسألة: [إباحة الفطر للمريض إذا ضره المرض]
قال: (ومن خاف أن تزداد عينه وجعًا، أو يزداد حماه شدة: أفطر وقضى).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدةٌ من
следующие страницы →