أثر آخر فيه
(٨) قال أبو عبيد (١): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سليمان بن مُرَّة (٢)،
عن خَرَشة بن الحُرِّ، عن عمرَ: أنَّه سُئل عن المذي (٣)؟ فقال: هو الفَطْرُ، وفيه الوُضوءُ.
قال أبو عبيد: مأخوذٌ مِن فَطَرتُ الناقةَ، أَفْطُرُها فَطْرًا، وهو الحلبُ
стр. 107
بأطراف الأصابع، فلا يَخرجُ اللَّبنُ إلا قليلاً، وكذلك يخرجُ المذيُّ، فأما المنيُّ، فإنَّه يَخرجُ خَذْفًا، يقال: أَمْنى الرجلُ يُمني: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ (١). وأما المذي، فيقال فيه: أمذى ويُمذي، لغتان.
قال: وأما الوَدْي: فهو شيءٌ يَخرجُ من الذَّكَر بعد البول، ولم أسمع بفعلٍ اشتُقَّ منه إلا في حديثٍ يُروى عن عائشةَ (٢).
حديث آخر
(٩) عن يزيد بن هارون أنَّه قال: أنا عمرو، عن عمران بن مسلم، عن سُوَيد بن غَفَلة قال: كنتُ عند عمرَ، وعنده عليّ ﵄ فقالا: سمعنا رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يجبُ على مسلمٍ وُضوءٌ من طعامٍ أَحلَّ اللهُ له أكلَه».
هكذا رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي (٣) في «مسند عمر» من حديث يزيد بن هارون (٤).
стр. 108
(١٠) وذَكَر البخاري في «صحيحه» (١)
أثرًا معلَّقًا في معناه، فإنَّه قال: وأَكَل أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ ﵃ لحمًا، فلم يتوضَّأوا.
стр. 109
أثر عن عمر
(١١) قال عبد الرزاق (١): عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن
стр. 110
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر: أنَّ عاتِكَةَ ابنةَ زيد قبَّلَتْ عمرَ بن الخطاب، وهو صائمٌ، فلم يَنهَهَا. قال: وهو يريدُ إلى الصلاة، ثم مضى وصلَّى، ولم يتوضَّأ.
صحَّحه أبو عمر ابن عبد البر في «الاستذكار» (١).
(١٢) وقال أبو القاسم البغوي: ثنا الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن زيد بن واقِد، حدثني بُسر بن عبيد الله (٢) قال: كانت تحتَ عمرَ بن الخطاب امرأةٌ تسمَّى عاصيةً، فسمَّاها رسولُ الله ﷺ : جميلةً -وكانت امرأةً جميلةً-، وكان عمرُ يحبُّها، فكان إذا خَرَج إلى صلاةٍ مَشَت معه من فراشها إلى الباب، فإذا / (ق ٩) أراد الخروجَ قبَّلَتْهُ، ثم مضى، ورَجَعتْ إلى فراشِها.
وهذا إسناد رجاله كلُّهم ثقات، إلا أنَّ بُسرًا لم يُدرك أيام عمر.
وقد رواه أسد بن موسى، عن قيس بن الرَّبيع، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عمرَ ... ، فذَكَره.
وسيأتي في العقيقة (٣).
стр. 111
ومن زوجات أمير المؤمنين عمر: جميلةُ بنت ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، أخت عاصم، أمير سَريَّة الرَّجيع، وهي: أُمُّ عاصم بن عمر، فلعلَّها هذه (١)، والله أعلم.
ثم رأيت حماد بن سَلَمة قد روى عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: كان اسم أُمِّ عاصم: عاصيَة، فسمَّاها رسولُ الله ﷺ جميلةً (٢).
وهذا صحيح.
وهذا يقتضي أنَّ عمرَ كان لا يرى القُبْلةَ ناقضةً للوُضوءِ.
لكن قد روى الدارقطني (٣) عنه ما يقتضي خلاف هذا، فقال:
(١٣) ثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن شَبيب، حدَّثني يحيى بن إبراهيم بن أبي قُتيلة، حدَّثني عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: إنَّ القُبْلةَ من اللَّمسِ، فتوضَّأؤا منها.
وهذا بهذا الإسناد لا يثبت؛ لأنَّ عبد الله بن شَبيب هذا: ضعَّفه الحافظ أبو أحمد الحاكم، وابن حبان، وابن عدي، وغيرهم (٤)، حتى قال فَضْلَك الرازي: يَحِلُّ ضَرْبُ عُنُقِهِ (٥)!
стр. 112
ومع هذا، فقد رواه الإمام مالك (١)،
وعبيد الله العُمَري (٢)، وعبد الرزاق (٣)، عن معمر. كلُّهم عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمرَ، قولَه. وهذا أصح.
стр. 113
(١٤) وقال أبو بكر بن أبي شيبة (١):
ثنا هشيم، وحفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عُبيدة قال: قال عبد الله: القُبْلةُ من اللَّمسِ، وفيها الوُضوءُ.
حديث آخر
(١٥) قال الإمام أحمد (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لَهِيعة، عن
стр. 114
أبي النضر، عن أبي سَلَمة، عن ابن عمرَ أنَّه قال: رأيتُ سعدَ بن أبي وقاص يَمسحُ على خُفَّيه بالعراق حين يتوضَّأ، فأَنكَرْتُ ذلك عليه، قال: فلما اجتَمَعنا عند عمرَ، قال لي: سَلْ أباك عمَّا أَنكَرْتَ عليَّ من مسحِ الخُفَّين. قال: فذَكَرتُ ذلك له، فقال: إذا حدَّثك سعدٌ بشيء فلا تَرُدَّ عليه، فإنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَمسحُ على الخُفَّين.
هذا حديث جيد الإسناد، محفوظ من حديث أبي النضر سالم مولى أبي أميَّة المديني أحد الأئمَّة الثقات.
فقد رواه عبد الله بن أحمد (١) / (ق ١٠)، عن هارون بن معروف، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، به.
ولهذا الحديث طرق أخر عن عمرَ ﵁، فمنها:
(١٦) قال الإمام أحمد (٢): ثنا عبد الرزاق (٣)، ثنا عبد الله (٤) بن عمر، عن نافع قال: رأى ابنُ عمر سعدَ بن مالك يَمسحُ على خُفَّيه،
стр. 115
فأنكره عليه (١)، حتى اجتَمَعا عند عمرَ ... ، فذَكَره.
قال نافع: فكان ابنُ عمر يَمسحُ على الخُفَّين ما لم يَخلَعْهُما، ولم يوقِّت لذلك وقتًا.
قال عبد الرزاق: فحدَّثت به معمرًا، فقال: حدَّثنيه أيوب، عن نافع، مثله.
قلت: هذا ظاهره أنَّه منقطع، وهو في المعنى متَّصل؛ لأن نافعًا إنما سَمِعَه من ابن عمر (٢).
وهكذا وقع في رواية ابن ماجه (٣)، فإنَّه قال:
(١٧) حدثنا عمران بن موسى اللَّيثي، ثنا محمد بن سَوَاء، ثنا سعيد
стр. 116
بن أبي عَروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّه رأى سعدَ بن مالك يَمسحُ على الخُفَّين، قال: إنكم لتفعلون ذلك؟! فاجتَمَعا عند عمرَ، فقال سعدٌ لعمرَ: أَفْتِ ابنَ أخي في المسحِ على الخُفَّين. فقال عمرُ: كنا مع النبيِّ ﷺ نمسحُ على خفافِنا، لم نَرَ بذلك بأسًا. فقال ابن عمر: وإنْ جاء من الغائط؟ قال: نعم.
طريق أخرى
(١٨) قال الإمام أحمد (١): ثنا عفَّان، ثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبيه، أو عن جدِّه، عن عمرَ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ بعد الحَدَثِ توضَّأ، / (ق ١١) ومَسَح على الخُفَّين.
ثم رواه (٢) عن أبي داود الطيالسي (٣)، عن شريك، عن عاصم، عن أبيه، عن عمرَ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَمسحُ على الخُفَّين.
وقال -أيضًا- (٤): ثنا وكيع، عن حسن بن صالح، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمرَ قال: قال عمرُ ﵁: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَمسحُ على خُفَّيه في السَّفرِ.
إسناده جيد (٥).
стр. 117
طريق أخرى
(١٩) قال أبو يعلى الموصلي (١): ثنا أبو كُرَيب، ثنا زيد بن الحُبَاب، ثنا خالد بن أبي بكر بن عبيد الله العُمَري، ثنا سالم، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يأمُرُنا بالمسحِ على الخُفَّين، للمسافرِ ثلاثةُ أيامٍ ولياليهِنَّ، وللمقيمِ يومٌ وليلةٌ.
قال الإمام علي ابن المديني: لم يَرفَعْ هذا الحديثَ أحدٌ إلا شيخٌ ضعيفٌ، يقال له: خالد بن أبي بكر بن عبيد الله (٢)، فقد رواه سالم، ونافع، وعبد الله بن دينار، وأبو سَلَمة، فلم يَرفعوه (٣).
وقال الدارقطني (٤): ليس هذا الحديث بالقوي.
قلت: إنما يُنكَر من هذا الحديث ذِكرُ التوَّقيت فيه، وإلا فأصلُه محفوظ، ثم إنَّ المحفوظَ عن عمرَ ﵁ عدمُ التوَّقيت في مسح الخُفَّين:
(٢٠) كما رواه الدارقطني في «سننه» (٥): حدثنا أبو بكر النَّيسابوري، ثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني حَيوة، سَمِعتُ يزيد بن
стр. 118
أبي حبيب، حدثني عبد الله بن الحكم، عن عُلَي بن رباح: أن عُقبة بن عامر حدَّثه: أنَّه / (ق ١٢) قَدِمَ على عمرَ بفتح دمشق، قال: وعليَّ خُفَّان، فقال لي عمر: كم لك يا عُقبةُ، منذ (١) لَم تَنْزع خُفَّيك؟ فذَكَرتُ (٢) من الجمعة إلى الجمعة، فقلت: منذُ ثمانيةِ أيامٍ؟ فقال: أَحسنتَ، وأَصبتَ السُّنَّةَ.
ورواه ابن ماجه (٣) من حديث أبي عاصم، عن حَيوة بن شُريح، عن يزيد بن أبي حبيب، به (٤).
ورواه الدارقطني -أيضًا- (٥)، عن أبي بكر النَّيسابوري، عن سليمان بن شعيب، عن بِشر بن بكر، عن موسى بن عُلَي، عن أبيه، عن عُقبة، به.
وقال فيه: أَصبتَ السُّنَّةَ.
ثم قال: وقال أبو بكر النَّيسابوري: هذا حديث غريب.
قال الدارقطني: وهو صحيح الإسناد.
وقال الدارقطني في «العلل» (٦): وهكذا رواه مفضَّل بن فضالة، وابن
стр. 119
لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البَلَوي، عن عُلَي بن رباح، عن عُقبة، عن عمرَ، به (١).
وكذا رواه موسى بن عُلَي، عن أبيه.
وقال يحيى بن أيوب (٢): عن يزيد، عن عُلَي بن رباح. لم يَذكر عبد الله بن الحكم.
وكلُّهم قالوا: «أَصبتَ السُّنةَ».
وقال عمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب، والليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم، عن عُلَي بن رباح، عن عُقبة، عن عمرَ: أنَّه قال: «أَصبتَ».
ولم يقولوا: «السُّنَّةَ».
قال الدارقطني: وهو المحفوظ (٣).
قلت: هذا مذهب طائفة من العلماء عدم توقيت المسح، وهو المشهور عن مالك (٤)، وقول قديم للشافعي (٥).
ولكنَّ الجمهور على التَّوقيت (٦).
стр. 120
ورخَّص بعضُهم في عدم التَّوقيت في السَّير الجادِّ، كما فعل عُقبة بن عامر، واستَصوَبَه عمرُ ﵁.
وإن صحَّ قولُه: «أَصبتَ السُّنةَ»؛ كان في حكم المرفوع عند جمهور الأصوليين، وغيرهم.
(٢١) وله شاهد من حديث أُبَي بن عُمَارة ﵁، / (ق ١٣) كما سيأتي (١) عند أبي داود (٢)، وابن ماجه (٣)،
وإن كان في إسناده غرابة.
стр. 121
حديث آخر
(٢٢) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزَّار (١): ثنا الحسين بن مهدي، ثنا عبد الرزاق (٢)، ثنا معمر، عن عبد الكريم، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: رآني رسولُ الله ﷺ وأنا أبولُ قائمًا، فقال: «مَه!» . قال عمرُ: فما عُدتُ لها بعدُ.
ورواه ابن ماجه (٣)، عن محمد بن يحيى الذُّهْلي، عن عبد الرزاق، به (٤)، ولفظه: قال: رآني رسولُ الله ﷺ وأنا أبولُ قائمًا، فقال: «يا عمرُ، لا تَبُلْ قائمًا». فما بُلْتُ قائمًا بعدُ.
وقال الترمذي (٥): عبد الكريم بن أبي المُخارِق أبو أُميَّة هذا: ضعيف عند أهل الحديث (٦).
قال: وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: قال عمرُ: ما بُلْتُ قائمًا منذُ أسلمتُ (٧).
стр. 122
وهذا أصح. كذا قال.
وقد قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي:
(٢٣) ثنا أحمد بن إبراهيم الشُلاثائي، ثنا إبراهيم بن بشَّار، ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنَّ عمرَ أتى سُباطة (١) قومٍ، فبال قائمًا، ففَجَجَ (٢)، حتى رَحِمتُهُ.
وهذا إسناد جيد قوي (٣).
طريق أخرى
(٢٤) قال عبد الرزاق (٤): عن ابن عيينة، عن الأعمش، عن زيد بن
стр. 123
وهب قال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب يَبولُ قائمًا، ففَرَّجَ حتى رَحِمتُهُ.
وهذا -أيضًا- صحيح.
أثر آخر
(٢٥) قال عبد الرزاق (١): عن ابن عيينة، عن مُطرِّف، عن سعيد بن عمر (٢)
بن سعيد قال: قال عمرُ بن الخطاب: البولُ قائمًا أحصنُ للدُّبُر.
قال: وأَحسَبُهُ قال: والبولُ جالسًا أَرخى للدُّبُر.
رواهما أبو بكر ابن زياد النَّيسابوري (٣)، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق.
وقد روي البول قائمًا عن علي (٤)،
стр. 124
وابن عمر (١)، وزيد بن ثابت (٢).
وروي عن حذيفة، عن النبيِّ ﷺ في «الصحيح» (٣).
أثر آخر
(٢٦) قال أبو عبيد في كتابه «الغريب» (٤): ثنا ابن عُليَّة، عن أيوب،
стр. 125
عن ابن سيرين، عن عمرَ: أنَّه خَرَج من الخلاء فدعا بطعامٍ، فقيل له: ألا تتوضَّأُ؟ فقال: لولا التَّنَطُّسُ لما بالَيتُ ألا أَغسِلَ يَدَيَّ.
فسُئل ابن عُليَّة عن التَّنَطُّس، فقال: هو التَّقذُّر.
وقال الأصمعي: هو المبالغة في الطُّهور، وكُلُّ مَن أدقَّ النَّظرَ في الأمور واستَقصَى عِلمَها، فهو مُتَنَطِّسٌ، ومنه قيل: طبيبٌ نِطَاسِيّ، ونِطِّيسُ.
أثر آخر
(٢٧) قال أبو القاسم البغوي: ثنا هُدبة، ثنا حماد بن سَلَمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين (١): أنَّ عمرَ بن الخطاب خَرَج من الخلاء، فقرأ القرآنَ، فقال له أبو مريم: يا أميرَ المؤمنين، أتقرأُ وأنت غيرُ طاهرٍ؟ / (ق ١٤) فقال له: مُسَيلمةُ أَمرَكَ بهذا؟
إسناد جيد، وفيه انقطاع (٢).
стр. 126
أثر في الاستطابة بالماء
(٢٨) قال عبد الرزاق (١): عن معمر، عن الزهري (٢): أنَّ عمرَ بن الخطاب أتى الغائطَ وهو في سَفَر، ثم استطاب بالماء بين راحلتين، فجعل أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَضحكون، ويقولون: يَتَوضَّأُ كما تَتَوضَّأُ المرأةُ!
هذا منقطع، بل معضل بين الزهري وعمر (٣).
وإنما أَنكَروا من ذلك ندوره، لأنهم كان يَغلِبُ عليهم الاستنجاءُ بالحجارة، لا سيَّما في الأسفار، وإلا فقد ثَبَتت السُّنةُ بذلك في غير ما حديثٍ عن أنس (٤)، وغيره.
стр. 127
أثر آخر
(٢٩) قال عبد الرزاق (١): عن عبد الله بن كثير، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان عمرُ بن الخطاب يبولُ، ثم يَمسحُ ذَكَره بحَجَر أو بغيره، فإذا توضَّأ لم يمسَّ ذَكَرَه بالماء.
هذا أثر جيد الإسناد، مع أنَّ فيه انقطاعًا (٢)
على قول، والله أعلم.
وقد روي مثلُه عن جماعة من السَّلف، وليس فيه نزاع.
стр. 128
حديث آخر
(٣٠) قال الإمام أحمد (١): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ : كيف يَصنعُ أحدُنا إذا هو أَجنَبَ ثم أراد أن ينامَ قبل أن يَغتَسِلَ؟ قال: فقال رسولُ الله ﷺ : «لِيَتَوضَّأْ وُضوءَهُ للصلاة، ثم لِيَنَمْ».
ثم رواه أحمد (٢)، عن عَبيدة بن حميد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: سُئل رسولُ الله ﷺ : أَيَرقُدُ الرجلُ إذا أَجَنبَ؟ قال: «نعم، إذا توضَّأَ».
وكذا رواه مسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥) من حديث عبيد الله.
وأخرجه النسائي -أيضًا- (٦) من حديث أيوب.
كلاهما عن نافع، به.
قال الترمذي: وهو أحسن وأصح.
طريق أخرى
(٣١) قال أحمد (٧): ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ،
стр. 129
عن عمرَ: أنَّه سأل رسولَ الله ﷺ : ينامُ أحدُنا وهو جُنُبٌ؟ قال: «يَتَوضَّأُ، وينامُ إنْ شاءَ».
قال سفيان مرَّة: «لِيَتَوضَّأ، وَلْيَنَمْ».
إسناد صحيح.
ورواه أحمد -أيضًا- (١)، عن أبي أحمد الزُّبيري، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، به.
طريق أخرى
(٣٢) قال النسائي (٢): ثنا هلال بن العلاء، عن معلَّى بن أسد، عن أيوب (٣)، عن أبي قِلاَبة عبد الله بن زيد الجَرمي البصري (٤)، عن عمرَ: أنَّه سأل رسولَ الله ﷺ : أينامُ أحدُنا وهو جُنُبٌ ... ؟ الحديث.
وهذا منقطع، فإن أبا قِلاَبة لم يُدرك عمرَ ﵁.
طريق أخرى
(٣٣) رواه النسائي (٥) من حديث الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن ابن عمرَ، عن عمرَ ... ، فذَكَره.
стр. 130
طريق أخرى
(٣٤) قال / (ق ١٥) النسائي (١): ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المُخرِّمي، عن قُرَاد أبي نوح، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ، عن عمرَ: أنَّه سأل النبيَّ ﷺ : أينامُ أحدُنا وهو جُنُبٌ؟ فقال: «اغْسِلْ ذَكَركَ، ثم توضَّأ ونَمْ».
هكذا رواه من حديث مالك.
وقد رواه جماعة عن مالك (٢)، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ، فجعلوه من مسنده، كما سيأتي بيانه (٣).
وكذا رواه الدَّارمي (٤)، عن عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار.
وكذلك هو في «الصحيح» (٥) من حديث اللَّيث، وعبيد الله، عن نافع،
стр. 131
عن ابن عمرَ من مسنده.
وقد تكلَّم الإمام علي ابن المديني في «علله» في كونه من مسند عبد الله بن عمر أو أبيه بكلام طويل، والأمر في ذلك سهل.
ولعلَّ عبد الله بن عمر سَمِعَ أباه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فتارة يَرويه عن أبيه، وتارة لا يَذكر أباه.
والترمذي (١) يميل إلى أنَّ الحديث من مسند عمر ﵁.
والله أعلم بالصواب.
أثر آخر
(٣٥) قال أبو عبيد القاسم بن سلاَّم ﵀ في كتاب «فضائل القرآن» (٢):
ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سَلَمة، عن عَبيدة السَّلماني، عن عمرَ: أنَّه كَرِهَ للجُنُب أنْ يقرأَ شيئًا من القرآنِ.
هذا إسناد صحيح.
стр. 132
(٣٦) وقال أبو عبيد (١): ثنا ابن أبي مريم، وسعيد بن عُفَير، كلاهما عن ابن لَهِيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة أبي الكَنود، أو: ابن أبي الكَنود. قال ابن أبي مريم، عن مالك بن جُنادة الغافِقِي. وقال ابن عُفَير، عن عبد الله بن مالك: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول لعمرَ: «إذا توضَّأتُ وأنا جُنُبٌ أَكَلتُ وشَربتُ، ولا أُصلِّي ولا أَقرأُ حتى أَغتَسِلَ».
إسناده مقارب (٢).
стр. 133
حديث آخر
(٣٧) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١): ثنا عبيد الله، ثنا معمر (٢) بن سليمان، عن ليث، عن عاصم، عن أبي المُستَهل، عن عمرَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذا أتى الرَّجلُ أهلَه ثم أراد أن يعودَ، فليَغسِلْ فَرْجَهُ».
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأبو المُستَهل هذا: لا أعرفه، ولم يَذكره ابن أبي حاتم (٣).
стр. 134
(٣٨) وله شاهد في «صحيح مسلم» (١) عن أبي سعيد / (ق ١٦): أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا أَتى أحدُكم أهلَه ثم أراد أن يعودَ؛ فليُحدِثْ بينهما وُضوءًا».
حديث آخر
(٣٩) قال الإمام أحمد (٢): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، سَمِعتُ عاصم بن عمرو البَجَلي يحدِّث عن رجل، عن القوم (٣)
الذين سألوا عمرَ بن الخطاب، فقالوا له: إنما أَتيناكَ نسألُكَ عن ثلاثٍ: عن صلاة الرَّجل
стр. 135
في بيته تطوُّعًا، وعن الغُسل من الجنابة، وعن الرَّجل ما يَصلحُ له من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقال: أسُحَّار أنتم؟! لقد سألتُموني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ منذ سألتُ عنه رسولَ الله ﷺ ، فقال: «صلاةُ الرَّجلِ في بيته تطوَّعًا نُورٌ، فمَن شاء نَوَّرَ بيتَه».
وقال في الغُسل من الجنابة: «يَغسلُ فَرْجَه، ثم يتوضَّأُ، ثم يُفيضُ على رأسِه ثلاثًا».
وقال في الحائض: «له ما فوقَ الإزارِ».
قال علي ابن المديني: هذا حديث مرسل، وعاصم بن عمرو لم يلق عمرَ بن الخطاب.
قلت: إنما رواه عن رجل، عن الرَّهط الذين سألوه.
وقد رواه ابن ماجه (١)، عن محمد بن أبي الحسين، عن عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله (٢) بن عمرو الرَّقِّي، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن أبي
стр. 136
إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن عُمَير مولى عمر، عن عمرَ، به.
(٤٠) وقال الحافظ أبو يعلى (١): ثنا أبو خالد (٢)، عن زياد، عن معاوية بن قُرَّة قال: حدَّثني الثلاثةُ الرَّهطُ الذين سألوا عمرَ بقصَّة الصلاة / (ق ١٧) فقط.
فهذه شواهد تدلُّ على صحَّة هذا الحديث (٣)، والله أعلم.
стр. 137
حديث آخر
(٤١) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: ثنا محمد بن عُمَير، ثنا إبراهيم بن الحجَّاج بن نخرة الصَّنَعاني، ثنا محمد بن يوسف الحُذافي، ثنا عبد الملك الذّمَاري، عن أبي عصام رَوَّاد بن الجرَّاح العسقلاني، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية (١)، عن عمرَ قال: قال رجل: يا رسولَ الله، إنَّ امرأتي لا تزالُ تحتاضُ عليَّ، وإني وَقَعتُ عليها في بعض كَذِبها من ذلك، فإذا هي حائضٌ. فأَمَره أن يَتصدَّقَ بخُمس دينار.
إسناده غريب جدًّا، وفيه انقطاع (٢).
стр. 138
حديث في الأمر بغسل الجمعة وتأكيده
(٤٢) قال الإمام أحمد (١): ثنا أسد بن موسى وحسين بن محمد (٢)، قالا: ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة: أنَّ عمرَ بن
стр. 139
الخطاب بَيْنا هو يخطبُ يومَ الجمعةِ، إذ جاء رجلٌ، فقال عمرُ: لم تحتبسونَ عن الصلاة؟ فقال الرجل: ما هو إلا أنْ سَمِعتُ النداءَ فتوضَّأتُ. فقال: أيضًا! أَوَ لَمْ تسمعوا أنَّ رسولَ الله ﷺ يقول: «إذا جاء (١) أحدُكُم إلى الجمعةِ فَلْيَغْتَسِلْ».
ورواه البخاري (٢)، عن أبي نعيم، عن شيبان -وهو: ابن عبد الرحمن-، به.
ثم رواه أحمد (٣)، عن عبد الصمد، عن أبيه، عن حسين المعلِّم.
وعن عبد الصمد، عن حرب بن شدَّاد.
كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، به.
وأخرجه مسلم (٤)، عن إسحاق بن راهويه، عن الوليد / (ق ١٨) بن مسلم، عن الأوزاعي.
وأبو داود (٥)، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلاَّم.
كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، به.
طريق أخرى
(٤٣) رواه الإمام أحمد (٦)، والبخاري (٧) من حديث مالك، عن الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ بن الخطاب بينما هو قائمٌ
стр. 140
في الخطبة يومَ الجمعةِ، إذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأوَّلين من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، فناداه عمرُ: أيةُ ساعةٍ هذه؟! قال: إني شُغِلتُ فلم أَنقلِبْ إلى أهلي حتى سَمِعتُ التأذينَ، فلم أزد على أن توضَّأتُ. فقال: والوُضوءُ أيضًا! وقد عَلِمتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسلِ.
وهذا لفظ البخاري.
ورواه مسلم (١) من حديث يونس بن يزيد.
والنسائي (٢) من حديث الزُّبيدي.
كلاهما عن الزهري، بمثله.
ورواه الإمام أحمد (٣)، عن عبد الرزاق (٤)، عن معمر، عن الزهري، به.
وقد رواه الترمذي (٥) من حديث معمر، ويونس، عن الزهري، حدَّثني آل عبد الله بن عمر، عن ابن عمرَ، به.
قال الإمام علي ابن المديني: هذا الحديث صالح.
ثم ساقه من طريق المدنيين عن ابن عمرَ.
ومن طريق البصريين، عن أبي هريرة، كما تقدَّم.
ثم قال: ولا يُحفظ عن عمرَ إلا من هذين الوجهين، وقد رواه غيره من الصحابة، عن النبيِّ ﷺ (٦).
стр. 141
قلت: هذا الرجل الذي دخل وعمر يخطب هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، كما جاء مصرَّحًا به (١).
/ (ق ١٩) حديث آخر
(٤٤) قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حبَّان البُستي في «صحيحه» (٢) الموسوم بـ «الأنواع والتقاسيم»: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفي، ثنا الهيثم بن خارجة -وكان يقال له: شعبة الصغير- البغدادي، ثنا محمد بن حِميَر، عن ثابت بن عَجْلان، عن سُليم بن عامر قال: رأيتُ أبا بكرٍ يَخضِبُ بالحنَّاء والكَتَم (٣)، وكان عمرُ بن الخطاب لا يَخضِبُ (٤).
стр. 142
وسَمِعتُهُ يقول: قال رسولُ الله ﷺ : «مَن شاب شَيبةً في الإسلام، كانت له نورًا يوم القيامة». وأنا لا أُغيِّر.
ورواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (١)، عن عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن عبد الله العبدي، عن إسماعيل (٢) بن يوسف، عن محمد بن حِميَر، به.
فهو محفوظ من حديث محمد بن حِميَر الحمصي أحدِ الثقات الذين احتجَّ بهم البخاري في «صحيحه» (٣).
وكذا شيخه ثابت بن عَجْلان أيضًا (٤).
وأما سُليم بن عامر، ويكنى بأبي عامر، فقال أبو حاتم الرازي (٥): روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعمار، وعنه: ثابت بن عَجْلان (٦).
стр. 143
وقد اختار هذا الحديثَ من هذا الوجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبدالواحد المقدسي في كتابه المستخرَج على الصِّحاح (١).
طريق أخرى
(٤٥) قال أبو القاسم الطبراني في «معجمه الكبير» (٢): ثنا إبراهيم بن عمر (٣) بن عِرق الحمصي، ثنا محمد بن مصفَّى، ثنا سُوَيد بن عبد العزيز، ثنا ثابت بن عَجْلان، عن مجاهد، عن ابن عمرَ: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يُغيِّر شيبَه، فقيل: يا أميرَ المؤمنين، ألا تُغيِّر؟ فقد كان / (ق ٢٠) أبو بكرٍ يُغيِّر. فقال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «مَن شَابَ شَيبةً في الإسلامِ، كانت له نورًا يومَ القيامةِ». وما أنا بمُغيِّرٍ شَيبي (٤).
إسناده فيه ضعف (٥)، وهو شاهد للذي قبله.
لكن قد يقال: قد اختُلف فيه على ثابت بن عَجْلان، وقد قال فيه أبو أحمد ابن عدي (٦): له ثلاثة أحاديث غرائب.
والجواب: أنَّه قد روى له البخاري.
وإن صحَّ هذا السند الثاني إليه؛ فلعلَّه عنده من وجهين عن عمرَ ﵁ (٧).
стр. 144
وقد روي من وجه آخر عن عمرَ من غير رفع:
(٤٦) فقال بَحير بن سعد: ثنا خالد بن مَعْدان، حدَّثني عبد الرحمن بن جُبَير -هو: ابن نُفَير-، عن أبيه، عن عمرَ: أنَّه عرَّضت مولاتُه بخضاب لحيته، فقال: ما رَابَكِ إلى أن تُطفئي نوري، كما يُطفئ فلانٌ نورَه (١).
أثر آخر
(٤٧) قال محمد بن سعد كاتب الواقدي (٢)، يرفعه إلى العلاء بن أبي
стр. 145
عائشة: أنَّ عمرَ ﵁ دعا بحلاَّق فحَلَقه، فاستَسرَقَ له (١)،
فقال: إنَّ هذا ليس من السُّنَّة، ولكنَّ النُّورةَ (٢) من النعيم، فكرهتُها.
أثر آخر فيه أنَّ مَن به سَلَس البول أو الاستحاضة أو قُرُوح أو غير ذلك، لا يَنتقض طُهرُهُم، وإن خَرَج منهم شيء.
(٤٨) قال البخاري (٣): وصلَّى عمرُ، وجُرحه يَثعَبُ (٤) دمًا.
رواه هشام بن عروة عن أبيه، عن سليمان بن يَسَار، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة: أنَّه دخل مع ابن عباس ليلةَ طُعِنَ عمرُ، فلمَّا أصبح بالصلاة من الغدِ فزَّعوه، فقالوا: الصلاةَ! ففزع، وقال: نعم، ولاحظَّ في الإسلام