ومن سورة الرحمن
(٨٧٢) قال عَبد بن حميد (١):
ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا حُصين بن عمر، ثنا مُخارِق، عن طارق بن شهاب، عن عمرَ بن الخطاب قال: جاء أناسٌ من اليهود إلى النبيِّ ﷺ ، فقالوا: يا محمد، أفي الجنَّة فاكهة؟ قال: «نعم، فيها فاكهة ونخل ورمان»، قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدُّنيا؟ قال: «نعم، وأضعاف»، قالوا: فيقضون الحوائجَ؟ قال: «لا، ولكنهم يَعرقون ويَرشحون، فيُذهِبُ اللهُ ما في بطونِهم من أذًى».
هذا غريب من هذا الوجه، لأنَّ حصين بن عمر الأحمسي تكلَّموا فيه (٢)، ولكن قد روي من غير هذا الوجه، كما سيأتي في موضعه.
والمشهورُ عن النصارى: إنكارُ التلذُّذ بالطعام والشَّراب في الجنَّة، إنما هو الأصواتُ والمناظرُ الحسنةُ! وإليه ذهب بعض اليهود، كما دل / (ق ٣٣٥) عليه هذا السِّياق، وكما حكاه أصحابُ المقالات عنهم.
وقد ردَّ اللهُ ذلك عليهم في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (٤)،
стр. 1122
وقال تعالى: «يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهي (١) الأنفس وتلذ الأعين» (٢)، في آي كثير من القرآن، وجاءت السُّنَّة المتواترة عن رسولِ الله ﷺ بمثل ذلك -أيضًا-، ولله الحمد والمنَّة.
стр. 1123
أثر في ذِكر العَبقَري (١)(٨٧٣) قال أبو عبيد (٢): حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن تَوبة العَنْبري، عن عكرمة بن خالد، عن عبد الله بن عمَّار: أنَّه رأى عمرَ يَسجدُ على عَبقَري.
قال يحيى بن سعيد: إنما هو: عبد الله بن أبي عمَّار، ولكن كان سفيان يقول كذلك.
قال أبو عبيد: العَبقَري: البُسُط التي فيها الأصباغ والنُّقوش، والعَبقَري: جمعٌ، واحده عَبقَريةٌ، وكذلك الرَّفرَف، واحدتُهُ: رَفْرَفَة، زَعَم ذلك الأحمر.
قال: وهو منسوب إلى بلاد يقال لها: عَبقَر، يُعمَلُ بها الوَشْي.
قال ذو الرُّمَّة:
حتى كأنَّ رياضَ القُفِّ ألبَسَها ... مِن وَشْي عَبقَرَ تَجليلٌ وتَنجيدُ
قال: والعربُ ينسبون إلى هذه البلاد كلَّ شيءٍ يريدون مدحَهُ، ويَرفعون قدرَهُ، وما وَجَدنا أحدًا يدري أين هذه البلاد، ومتى كانت، والله أعلم.
стр. 1124
ومن سورة المجادلة
حديث يُذكر عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١)(٨٧٤) روى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جُنَادة بن محفوظ بن علقمة: حدَّثني أبي، عن نَصر بن علقمة، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: قال عمرُ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: زوِّدني كلمةً أعيشُ بها. قال: «استحِي اللهَ، كما تستحيِّ رجلاً من صالح عشيرتك، لا يُفارقُك».
إسناده غريب.
وفي حديث القَدَر (٢): «فإن لم تكن تَرَاه؛ فإنَّه يَرَاك».
حديث آخر
(٨٧٥) قال الإمام أحمد (٣): ثنا أبو كامل، ثنا إبراهيم، ثنا ابن شهاب، عن أبي الطُّفيل عامر بن واثِلة: أنَّ نافع بن عبدالحارث لَقِيَ عمرَ بن الخطاب بعُسْفان (٤)، وكان عمرُ استعمَلَه على مكة، فقال له عمر: مَن استَخلفتَ على أهل الوادي؟ قال: استَخلفتُ عليهم ابن أَبْزَى، قال: ومَن ابنُ أَبْزَى؟ قال: رجلٌ من موالينا. قال عمرُ: استَخلفتَ عليهم مولىً! فقال: إنَّه قارئٌ لكتاب الله، عالِمٌ بالفرائض،
стр. 1125
قاصٌّ (١). فقال عمرُ: أَمَا إنَّ نبيَّكُم ﷺ قد قال: «إنَّ اللهَ يَرفَعُ بهذا الكتابِ أقوامًا، ويَضَعُ به آخرين».
ورواه مسلم (٢)، عن زُهَير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الزهري، به.
وأخرجه ابن ماجه (٣)، عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم بن سعد، به.
ورواه مسلم -أيضًا- (٤) من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، به.
ورواه علي ابن المديني، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه.
وعن عبد الرزاق، عن معمر (٥).
كلاهما عن الزهري، به.
طريق أخرى
(٨٧٦) ورواه أبو يعلى الموصلي (٦)، عن إبراهيم بن الحجَّاج السَّامي، ثنا حماد بن سَلَمة، عن / (ق ٣٣٦) حميد، عن الحسن بن سَلْم (٧): أنَّ عمرَ بن الخطاب استَعمَلَ ابنَ عبدالحارث على مكةَ ... ، وذَكَر نحو ما تقدَّم.
стр. 1126
طريق أخرى
(٨٧٧) قال أبو يعلى (١): وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سَمِعتُ أبي يقول: ثنا الحسين بن واقِد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت: أنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: خَرَجتُ مع عمرَ بن الخطاب إلى مكة، فاستقبَلَنا أميرُ مكة نافعُ بن علقمة -ويُسمَّى بعمٍّ له يقال له: نافع- فقال: مَن استَخلفتَ على مكة؟ قال: استَخلفتُ عليها عبد الرحمن بن أَبْزَى. قال: عَمَدتَ إلى رجلٍ من الموالي، فاستَخلفتَهُ على مَن بها مِن المسلمين وأصحابِ رسول الله ﷺ ؟! قال: نعم، وَجَدتُهُ أقرأَهم لكتاب الله، ومكةُ أرضٌ مُحتَضَرَة (٢)، فأحببتُ أن يَسْمعوا كتابَ الله من رجلٍ حَسَنِ القراءةِ. قال: نِعْمَ ما رأيتَ، إنَّ اللهَ يرفعُ بالقرآن أقوامًا، ويَضَعُ بالقرآن أقوامًا، وإنَّ عبد الرحمن بن أَبْزَي ممَّن رَفَعَهُ اللهُ بالقرآن.
هذا إسناد جيد، ولم يخرِّجوه (٣).
стр. 1127
ومن سورة الحشر
وكان ابن عباس يقول: سورة بني النَّضير (١).
(٨٧٨) قال أبو داود ﵀ (٢): حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس -المعنى واحد- قالا: حدثنا بِشر بن عمر الزَّهراني، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس قال: أَرسَلَ إليَّ عمرُ حين تعالى النَّهار، فجئتُهُ، فوَجَدتُهُ جالسًا على سرير، مُفضِيًا إلى رمالِهِ (٣)، فقال حين دَخَلتُ عليه: يامَالْ (٤) / (ق ٣٣٧) إنَّه قد دَفَّ أهلُ أبياتٍ (٥) من قومِك، وقد أَمَرتُ فيهم بشيء، فاقسِم فيهم، قلتُ: لو أَمَرتَ غيري بذلك؟ فقال: خُذه.
فجاءه يَرْفَأُ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل لك في عثمانَ بن عفَّان وعبد الرحمن بن عوف والزُّبيرِ بن العوَّام وسعدِ بن أبي وقاص؟ قال: نعم. فأَذِنَ لهم، فدخلوا.
стр. 1128
ثم جاءه يَرْفَأ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل لك في العبَّاسِ وعليٍّ؟ قال: نعم، فأَذِنَ لهم (١)، فدخلوا. فقال العبَّاس: يا أميرَ المؤمنين، اقض بيني وبين هذا -يعني: عليًّا-، فقال بعضهم: أَجَل، يا أميرَ المؤمنين، فاقضِ بينهما، وأَرِحْهُما. -قال مالك بن أوس: خُيِّل إليَّ أنَّهما قَدَّما أولئك النَّفر لذلك-. فقال عمرُ ﵁: اِتَّئِدَا (٢)، ثم أَقبَلَ على أولئك الرَّهط، فقال: أنشدُكم بالله الذي بإذنه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعلمون أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما تَرَكنا صدقةٌ»؟ قالوا: نعم. ثم أَقبَلَ على عليٍّ والعبَّاس-﵄، فقال: أنشدُكما بالله الذي بإذنه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعلمانِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما تَرَكنا صدقةٌ»؟ فقالا: نعم. قال: فإنَّ الله خَصَّ رسولَه بخاصةٍ لم يَخُصَّ بها أحدًا من الناس، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) / (ق ٣٣٨) فكان اللهُ أفاء على رسوله بني النَّضير، فوالله ما استأثَرَ بها عليكم، ولا أخذها دونَكم، فكان رسولُ الله ﷺ يأخذ منها نفقةَ سَنَة، أو نفقتَه ونفقةَ أهله سَنَة، ويجعلُ ما بقي أسوةَ المال.
ثم أَقبَلَ على أولئك الرَّهط، فقال: أنشدُكم بالله الذي بإذنه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم أَقبَلَ على العبَّاس وعليٍّ، فقال: أنشدُكما بالله الذي بإذنه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعلمانِ ذلك؟ قالا: نعم.
стр. 1129
فلمَّا تُوفِّي رسولُ الله ﷺ قال أبو بكرٍ ﵁: أنا وَلِيُّ رسولِ الله ﷺ ، فجئتَ أنت وهذا إلى أبي بكر تطلبُ أنت ميراثَك من ابن أخيك، ويطلبُ هذا ميراثَ امرأتِهِ من أبيها، فقال أبو بكرٍ ﵁: قال رسولُ الله ﷺ : «لا نُورثُ، ما تَرَكنا صدقةٌ»، والله يعلم أنَّه صادقٌ بارٌّ راشدٌ، متابعٌ للحقِّ، فوَلِيَهَا أبو بكرٍ، فلمَّا توفِّي، قلتُ: أنا وَلِيُّ رسولِ الله ﷺ ، ووَلِيُّ أبي بكرٍ ﵁، فوُلِّيتُها ما شاء اللهُ أن أَلِيَهَا، فجئتَ أنت وهذا وأنتما جميع، وأمرُكما واحدٌ، فسَأَلتُمَانِيها، فقلتُ: إنْ شئتُما أن أدفعَها إليكما على أنَّ عليكما عهدَ الله أن تَلِيَاهَا بالذي كان رسولُ الله ﷺ يَلِيَهَا، فأخذتماها منيِّ على ذلك، ثم جئتُماني لأَقضِيَ بينكما بغير ذلك؟! والله لا أقضي بينكما / (ق ٣٣٩) بغير ذلك حتى تقومَ الساعة، فإن عَجِزتُما عنها، فرُدَّاها إليَّ (١).
وقد أخرجه بقيَّة الجماعة إلا ابن ماجه (٢)، من طرق عن الزهري، به.
стр. 1130
ثم قال أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، وأحمد بن عَبدة -المعنى- أنَّ سفيان بن عيينة أخبَرَهما عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمرَ قال: كانت أموالُ بني النَّضير ممَّا أفاء اللهُ على رسوله، ممَّا لم يُوجِفُ المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، كانت لرسول الله ﷺ خالصًا، يُنفِقُ على أهل بيته -قال ابن عَبدة: يُنفِقُ على أهله- قوتَ سَنَته، فما بقي جَعَله في الكُرَاع (٢)، والسِّلاح، عُدَّةً في سبيل الله -
قال ابن عَبدة: في الكُراع والسِّلاح-.
وأخرجوه -أيضًا- من حديث الزهري.
(٨٧٩) ثم قال أبو داود (٣): ثنا مُسدَّد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن الزهري (٤) قال: قال عمرُ ﵁: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال الزهري: قال عمرُ: هذه لرسول الله ﷺ خاصَّةً، قُرًى عربيةً، وكذا وكذا (٥)، ممَّا أفاء اللهُ على رسوله من أهل القرى، فلله، ولرسوله، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم
стр. 1131
وأموالهم، والذين تبوَّؤا الدَّار والإيمان / (ق ٣٤٠) من قبلهم، والذين جاءوا من بعدهم، فاستَوعَبَتْ هذه الناسَ، فلم يَبقَ أحدٌ من المسلمين إلا له فيها حقٌّ -قال أيوب: أو قال: حظٌّ- إلا بعض مَن تملِكون من أرقَّائكم.
стр. 1132
ومن سورة الممتحنة
(٨٨٠) قال علي ابن المديني: ثنا عمر بن يونس اليَمَامي، ثنا عكرمة بن عمَّار، حدثني أبو زُمَيل، عن ابن عباس، عن عمرَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ أدرَك حاطبَ بن أبي بَلتَعة وقد كَتَب كتابًا إلى أهلِ مكةَ، يُخبرهم بمسير رسولِ الله ﷺ إليهم، فقلتُ: دعني يا رسولَ الله فأضربُ عُنُقَه. فقال: «دَعهُ يا عمرُ، فما يُدرِيكَ، لعلَّ اللهَ قد اطَّلَعَ على أهلِ بدرٍ، فقال: اعمَلُوا ما شئتُم، فقد غَفَرتُ لكم» (١).
ثم قال: لم نجده عن عمرَ إلا من هذه الطريق، وقد روي عن عليٍّ من وجوه صحاح.
قلت: حديث علي بن أبي طالب مخرَّج في «الصحيحين» (٢)، وفي
стр. 1133
سياقه نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآيات.
وهذه الطرق جيدة، ولم يخرِّجها أحدٌ من أصحاب الكتب، وهي على شرط مسلم، والله أعلم (١).
стр. 1134
ومن سورة الجمعة
(٨٨١) قال أبو عبيد (١):
ثنا هشيم، ثنا مغيرة، عن إبراهيم، عن خَرَشة بن الحُرِّ: أنَّ عمرَ بن الخطاب رأى معه لوحًا مكتوبًا فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). فقال: مَن
стр. 1135
أَقرأك، أو مَن أملى عليك هذا؟ فقال: أُبَيّ بن كعب. فقال: إنَّ أُبَيًّا كان أقرأنا للمنسوخ، اقرأها: «فامضوا إلى ذكر الله».
إسناد صحيح.
стр. 1136
ومن سورة التغابن
(٨٨٢) قال أبو عبيد (١): ومن حديث جعفر بن عَون، عن مِسْعَر، عن أبي الضُّحى، يُسندُهُ إلى عمرَ: أنَّه سَمِعَ رجلاً يتعوَّذ من الفتن، فقال عمرُ: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الضَّفاطَة، أتسألُ ربَّك ألا يرزقَك أهلاً ومالاً. أو قال: أهلاً وَوَلَدًا.
قال أبو عبيد: معناه عندي: قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٢) فهذا الذي أراده عمر. والضَّفاطَة: ضَعْف الرأي.
стр. 1137
ومن سورة التحريم
(٨٨٣) قال الهيثم بن كُلَيب في «مسنده» (١): ثنا أبو قِلاَبة عبد الملك بن محمد الرَّقَاشي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا جرير بن حازم، / (ق ٣٤١) عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: قال النبيُّ ﷺ لحفصةَ: «لا تُحدِّثي أحدًا، وإنَّ أُمَّ إبراهيمَ عليَّ حرامٌ». فقالت: أَتُحرِّم ما أحلَّ اللهُ لك؟ قال: «فوالله لا أَقرَبُهَا». قلتُ: فلم تَقِرَّ بها نفسُها حتى أخبَرَتْ عائشةَ، فأنزل اللهُ : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢).
هذا إسناد صحيح على شرطهما (٣)، ولم يخرِّجه أحدٌ من أصحاب الكتب، وإنما اختاره الضياء في كتابه.
стр. 1138
حديث آخر
(٨٨٤) قال الإمام أحمد (١): ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَور، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا على أن أسأَلَ عمرَ عن المرأتين من أزواج النبيِّ ﷺ اللَّتين قال الله : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) حتى حجَّ عمرُ، وحَجَجتُ معه، فلمَّا كنَّا ببعض الطريق عَدَل عمرُ وعَدَلتُ معه بالإداوة، فتَبرَّز، ثم أتاني، فسَكَبتُ على يديه، فتوضَّأ، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن المرأتان مِن أزواج النبيِّ ﷺ اللَّتان قال الله : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقال عمرُ: واعجبًا لك يا ابنَ عباس! -قال الزهري: كَرِهَ واللهِ ما سأله عنه، ولم يَكتُمْهُ عنه- قال: هي حفصةُ وعائشةُ.
قال: ثم أخذ يَسوقُ الحديثَ، قال: كنَّا معشرَ قريشٍ قومًا نَغلِبُ النساءَ، / (ق ٣٤٢) فلمَّا قدمنا المدينةَ، وَجَدنا قومًا تَغلِبُهُم نساؤهم، فطَفِقَ نساؤنا يتعلَّمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في بني أميَّة بن زيد
стр. 1139
بالعَوالي، قال: فغضبتُ يومًا على امرأتي، فإذا هي تُراجعني، فأَنكَرتُ أن تُراجعَني، فقالت: ما تُنكِرُ أن أُراجِعَك، فواللهِ إنَّ أزواجَ رسول الله ﷺ لَيُراجِعْنَه، وتَهجُرُه إحداهُنَّ اليوم إلى الليل. قال: فانطلقتُ، فدَخَلتُ على حفصةَ، فقلتُ: أتُراجِعينَ رسولَ اللهِ ﷺ ؟ قالت: نعم. قلتُ: وتَهجُرُه إحداكُنَّ اليومَ إلى الليل؟ قالت: نعم. قلتُ: قد خاب مَن فَعَل ذلك منكنَّ وخَسِرَ، أَفَتأمَنُ إحداكُنَّ أن يغضبَ اللهُ عليها لغضب رسولِه، فإذا هي قد هَلَكت؟ لا تُراجعي رسولَ اللهِ ﷺ ولا تسأليه شيئًا، وسَلِيني ما بدا لكِ، ولا يَغُرَّنَّكِ أن كانت جارَتُكِ هي أوسمَ وأحبَّ إلى رسول الله ﷺ منكِ. يريد: عائشة.
قال: وكان لي جارٌ من الأنصار، وكنَّا نتناوبُ النزولَ إلى رسولِ الله ﷺ ، يَنزلُ يومًا، وأَنزلُ يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك.
قال: وكنَّا نتحدَّث أنَّ غسَّانًا تُنعِلُ الخيلَ لتغزُونَا، فنزل صاحبي يومًا، ثم أتى عشاءً فضَرَب بابي، ثم ناداني، فخَرَجتُ إليه، فقال: حَدَثَ أمرٌ عظيمٌ. فقلتُ: وماذاك، أجاءت غسَّانُ؟ قال: لا، بل أعظمُ من / (ق ٣٤٣) ذلك وأطولُ، طلَّق رسولُ الله عليه وسلم نساءَه. فقلتُ: قد خابَتْ حفصةُ وخَسِرَتْ، قد كنتُ أظنُّ هذا كائنًا، حتى إذا صلَّيتُ الصبحَ شَدَدتُ عليَّ ثيابي، ثم نَزَلتُ، فدَخَلتُ على حفصةَ وهي تبكي، فقلتُ: أطلَّقكنَّ رسولُ الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزلٌ في هذه المَشْربة (١). فأتيتُ غلامًا له أسودَ، فقلتُ: استأذِنْ لعمرَ، فدخل الغلام، ثم خَرَج إليَّ، فقال: قد ذَكَرتُك له فصَمَت، فانطلقتُ، حتى أتيتُ المنبرَ، فإذا عنده رَهْطٌ
стр. 1140
جلوسٌ يبكي بعضُهم، فجَلَستُ قليلاً، ثم غَلَبني ما أجدُ، فأتيتُ الغلامَ، فقلتُ: استأذِنْ لعمرَ، فدخل، ثم خَرَج، فقال: قد ذَكَرتك له فصَمَت. فخَرَجتُ، فجَلَستُ إلى المنبر، ثم غَلَبني ما أجدُ، فأتيتُ الغلامَ، فقلتُ: استأذِنْ لعمرَ، فدخل، ثم خَرَج إليَّ، فقال: قد ذَكَرتك له فصَمَت. فولَّيتُ مدبرًا، فإذا الغلام يَدعوني، فقال: ادخل، قد أَذِنَ لك. فدَخَلتُ، فسلَّمتُ على رسولِ الله ﷺ ، فإذا هو مُتَّكئٌ على رملِ حصير (١) -قال الإمام أحمد: وحدثناه يعقوب في حديث صالح، قال: رمال حصير- قد أَثَّر في جنبه، فقلتُ: أَطلَّقتَ يا رسولَ الله نساءَك؟ فرفع رأسَه إليَّ، وقال: «لا».
فقلتُ: الله أكبر، لو رأيتَنَا يا رسولَ الله، وكنَّا معشرَ قريشٍ قومًا نَغلِبُ النساء، فلمَّا قَدِمنا المدينةَ وَجَدنا قومًا / (ق ٣٤٤) تَغلِبُهُم نساؤهم، فطَفِقَ نساؤنا يتعلَّمن من نسائهم، فتَغَضَّبتُ على امرأتي يومًا، فإذا هي تُراجعني، فأَنكَرتُ أن تُراجعَني، فقالت: ما تُنكر أن أُراجِعكَ؟ فواللهِ إنَّ أزواجَ النبيِّ ﷺ لَيُراجِعْنَه، وتَهجُرُه إحداهُنَّ اليومَ إلى الليل. فقلتُ: قد خاب مَن فَعَل ذلك منكنَّ وخَسِرَتْ، أَفَتأْمَنُ إحداكُنَّ أن يغضبَ اللهُ عليها لغضبِ رسولِهِ، فإذا هي قد هَلَكت؟ فتبسَّم رسولُ الله ﷺ . فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، فدَخَلتُ على حفصةَ، فقلتُ: لا يَغرُّكِ أن كانت جارتُكِ هي أوسمَ وأحبَّ إلى رسولِ الله ﷺ ، فتبسَّم أخرى، فقلتُ: أَستأنِسُ يا رسولَ الله؟ قال: «نعم». فجَلَستُ، فرَفَعتُ رأسي في البيت، فواللهِ ما رأيتُ في البيتِ شيئًا يَرُدُّ البصرَ إلا أَهَبَةً (٢) ثلاثةً، فقلتُ: ادعُ اللهَ يا رسولَ اللهِ أن يوسِّع على أُمَّتك، فقد وَسَّعَ على فارسَ والرومَ، وهم لا يَعبدون اللهَ. فاستوى
стр. 1141
جالسًا، وقال: «أفي شَكٍّ أنت يا ابنَ الخطابِ؟ أولئك قومٌ عُجِّلَت لهم طيباتُهُم في الحياةِ الدُّنيا»، فقلت: استغفِرْ لي يا رسولَ اللهِ.
وكان أقسَمَ ألا يَدخلَ عليهنَّ شهرًا من شدَّة مَوْجِدتِهِ عليهنَّ، حتى عاتَبَه اللهُ .
وهكذا رواه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤) من طرق متعددة، عن الزهري.
منها: ما رواه مسلم في الطلاق، / (ق ٣٤٥) عن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر.
والترمذي، عن عَبد بن حميد.
ثلاثتهم عن عبد الرزاق، عن معمر، به.
وقد روي من غير وجه عن ابن عباس.
(٨٨٥) وأخرجه البخاري (٥) ومسلم -أيضًا- (٦) من حديث يحيى بن
стр. 1142
سعيد الأنصاري، عن عُبيد بن حُنَين، عن ابن عباسٍ قال: قلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن المرأتانِ اللَّتانِ قال اللهُ: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾؟ قال: عائشةُ وحفصةُ ... ، وساق الحديثَ بطوله، ومنهم من اختصره.
طريق أخرى
(٨٨٦) قال مسلم في الطلاق -أيضًا- (١): حدثني زُهَير بن حرب، ثنا عمر بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمَّار، عن سمَاك بن الوليد أبي زُمَيل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمرُ بن الخطاب قال: لمَّا اعتَزَل نبيُّ الله ﷺ نساءَه، دَخَلتُ المسجدَ، فإذا الناس يَنكتون بالحصى (٢)، ويقولون: طلَّق رسولُ الله ﷺ نساءَه! وذلك قبلَ أن يُؤمَرَ (٣) بالحجاب (٤)، فقلت: لأَعلَمنَّ ذلك اليومَ.
فذَكَر الحديثَ في دخوله على عائشةَ وحفصةَ، ووَعْظه إيَّاهما، إلى أن قال: فدَخَلتُ، فإذا أنا برَبَاحٍ غلامِ رسولِ الله ﷺ على أُسكُفَّة (٥)
стр. 1143
المَشْربة (١)، فناديتُ، فقلت: يا رباحُ، استأذِنْ لي على رسول الله ﷺ ، فذَكَر نحو ما تقدَّم.
إلى أن قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، ما يَشُقُّ عليك من أمر النساء؟ فإنَّ كنتَ طلَّقتَهنَّ فإنَّ اللهَ معك، وملائكتَه، وجبريلَ، وميكالَ، وأنا، وأبو بكرٍ، / (ق ٣٤٦) والمنون (٢) معك، وقلَّما تكلَّمتُ وأحمدُ اللهَ بكلامٍ؛ إلا رَجَوتُ أن يكونَ اللهُ يُصدِّقُ قولي، ونَزَلت هذه الآية، آيةُ التَّخيير: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خير منكن﴾، ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾. فقلت: أَطلَّقتَهنَّ؟ قال: «لا»، فقمتُ على باب المسجد، فناديتُ بأعلى صوتي، لم يُطلِّق نساءَه، ونَزَلت هذه الآية: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (٣) فكنتُ أنا استَنْبَطتُ ذلك الأمرَ.
أثر آخر
(٨٨٧) قال أبو جعفر بن ذَرِيح، ثنا هنَّاد بن السَّري (٤)،
стр. 1144
ثنا أبو الأحوص، عن سمَاك، عن النُّعمان بن بشير قال: سُئل عمرُ بن الخطاب عن التوبة النَّصوح، قال: أن يتوبَ الرَّجلُ من العمل السَّيئ، ثم لا يعودُ إليه أبدًا.
إسناد صحيح.
стр. 1145
ومن سورة الحاقة
(٨٨٨) قال الحافظ أبو بكر ابن أبي الدُّنيا ﵀ (١): أنا إسحاق بن إسماعيل، أنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن الحجَّاج قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبوا، وزِنُوا أنفسَكم قبل أن تُوزَنوا، فإنَّه أخفَّ عليكم في الحساب غدًا أن تحاسِبوا أنفسَكم اليومَ، وتَزيَّنوا للعرض الأكبر / (ق ٣٤٧) الأكبر (٢)، يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية.
أثر مشهور، وفيه انقطاع، وثابت بن الحجَّاج هذا جَزَري، تابعي صغير، لم يُدرك عمرَ، ولم يرو عنه سوى جعفر بن بُرقان (٣)، وله عند أبي داود في «السُّنن» حديثان (٤).
حديث آخر
(٨٨٩) قال الإمام أحمد (٥): ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثنا شُريح بن عبيد قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: خَرَجتُ أتعرَّضُ
стр. 1146
رسولَ اللهِ ﷺ قبلَ أن أُسلِمَ، فوَجَدتُهُ قد سَبَقني إلى المسجد، فقمتُ خلفَه، فاستفتَحَ سورةَ الحاقَّة، فجَعَلتُ أعجبُ من تأليف القرآن، قال: فقلت: هذا واللهِ شاعرٌ كما قالت قريش. قال: فقرأ: ﴿إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون﴾. قال: قلتُ: كاهنٌ. قال: ﴿ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين. ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ إلى آخر السورة.
قال: فوَقَع الإسلامُ في قلبي كلَّ موقعٍ.
هذا حديث حسن جيد الإسناد، إلا أنَّ شُريح بن عبيد هذا هو الحضرمي الشَّامي الحمصي، وهو أحد الثقات (١) إلا أنَّه لم يُدرك أيام عمرَ، فيما قاله أبو زرعة الرازي، وغيره (٢).
وأبلغ من ذاك: ما قاله محمد بن عوف / (ق ٣٤٨) الطَّائي الحمصي عنه أنه ثقة، وما أظنُّ أنه سَمِعَ أحدًا من الصحابة.
قلت: وقد ذَكَرنا إسلامَ عمرَ على وجوه عديدة، كما سيأتي في «سيرته» (٣)، إن شاء الله تعالى.
стр. 1147
ومن سورة عبس
(٨٩٠) قال محمد بن سعد (١):
ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنَّا عند عمرَ ﵁ وفي ظَهْر قميصِهِ أربعُ رقاعٍ، فقرأ: ﴿وفاكهة وأبا﴾، فقال: ما الأبُّ؟ ثم قال: إنَّ هذا لهو التَّكلُّف، فما عليك ألا تَدريه.
إسناد صحيح.
стр. 1148
ومن سورة التكوير
(٨٩١) قال أبو بكر أحمد بن جعفر بن حَمدان: ثنا بِشر بن موسى، ثنا خلف بن الوليد، عن إسرائيل، عن سمَاك قال: سَمِعتُ النُّعمانَ بن بشير يقول: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ قال: الفاجرُ مع الفاجر، والصالحُ مع الصالح (١).
حديث آخر
(٨٩٢) قال أبو بكر البزَّار (٢): ثنا الحسين بن مهدي، ثنا
стр. 1149
عبد الرزاق (١)، أنا إسرائيل، عن سمَاك -يعني: ابن حرب-، عن النُّعمان بن بشير، عن عمرَ بن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وإذا الموؤدة سئلت﴾، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي وَأَدتُ بناتٍ لي في الجاهلية، فقال: «أَعتِقْ عن كُلِّ واحدةٍ منهنَّ رَقَبةٍ»، قال: يا رسولَ الله! إني صاحبُ إبلٍ. قال: «فانحَر عن كُلِّ واحدة منهنَّ / (ق ٣٤٩) بَدَنةً».
ثم قال البزَّار: خولف فيه عبد الرزاق، ولم نَكتبه إلا عن الحسين بن مهدي، عنه.
стр. 1150
ومن سورة الغاشية
(٨٩٣) قال الحافظ أبو بكر البَرقاني: ثنا إبراهيم بن محمد المزكِّي، ثنا محمد بن إسحاق السرَّاج، ثنا هارون بن عبد الله، ثنا سيَّار، ثنا جعفر، قال: سَمِعتُ أبا عمران الجَوْني يقول: مَرَّ عمرُ بن الخطاب ﵁ بدير راهب، قال: فناداه: يا راهب! يا راهب! فأشرَفَ، قال: فجَعَل عمرُ يَنظرُ إليه، ويبكي، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، ما يُبكيك من هذا؟ قال: ذَكَرتُ قولَ اللهِ في كتابه: ﴿عاملة ناصبة. تصلي ناراً حامية﴾ فذاك الذي أبكاني (١).
وهذا إسناد جيد.
فأمَّا حديث سؤال عمر ﵁ لعبد الله بن عباس عن تفسير سورة: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وامتحان الصحابة بذلك، فسيأتي (٢)، -إن شاء الله- في مسند ابن عباس، فإنه أليق به، وهو في «الصحيح» (٣) من حديث شعبة، عن أبي بِشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كان عمرُ بن الخطاب يُدنِي ابنَ عباسٍ، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنَّ لنا أبناءً مثلَه، فقال: إنَّه من حيث تَعلَمُ. فسأل عمرُ ابنَ عباس عن هذه الآية:
стр. 1151
﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، قال: أَجَلُ رسولِ اللهِ ﷺ أًعلَمَهُ إيَّاه. قال: ما أعلمُ منها إلا ما تَعلَمُ.
لفظ البخاري (١).
كتاب الجامع
стр. 1152
كتاب الجامع
ما ورد في العلم عنه ﵁
(٨٩٤) قال الإمام أحمد (١): ثنا أبو سعيد، ثنا دُجَين أبو الغصن -بصري- قال: قَدِمْتُ المدينةَ، فلقيتُ أسلمَ مولى عمر بن الخطاب، فقلتُ: حدِّثني عن عمرَ، فقال: لا أستطيعُ، أخافُ أن أزيدَ أو أُنقصَ، / (ق ٣٥٠) كنَّا إذا قلنا لعمرَ: حدِّثنا عن رسولِ الله ﷺ ، قال: أخافُ أن أزيدَ حرفًا أو أُنقصَ، إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَن كَذَب عليَّ فهو في النَّار».
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وله طرق عن رسولِ الله ﷺ متواترة عن نيِّف وثمانين صحابيًا.
ودُجَين بن ثابت هذا: أبو الغصن -بالجيم-، وهو بصري، ضعَّفه البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، وابن حبان، وابن عدي،
стр. 1153
والدارقطني، وغيرهم (١).
وحكى علي ابن المديني (٢)، عن عبد الرحمن بن مهدي -وقد سُئل عنه-، فقال: قال لنا أوَّل مرَّة: حدَّثني مولىً لعمرَ بن عبد العزيز. فقلنا له: إنَّ مولىً عمر بن عبد العزيز لم يُدرك النبيَّ ﷺ ! فتَرَكه، فما زالوا يلقِّنونه، حتى قال: أسلم مولى عمر بن الخطاب! ثم قال عبد الرحمن: لا يُعتمد عليه.
وقال يحيى بن معين (٣): ليس حديثه بشيء.
قلت: وقد توهَّم بعضُهم أنَّ دُجَينًا هذا هو: جُحَا المشهور بالمُجُون (٤)، وأَنكر ذلك ابن حبان، وغيره (٥)، والله أعلم.
أثر آخر
(٨٩٥) قال يونس بن بُكَير (٦): عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: واللهِ ما مات عمرُ ﵁ حتى بَعَث إلى أصحابِ رسولِ الله ﷺ فجَمعَهم جميعًا من الآفاق، حذيفةَ، وابنَ مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، وعُقبةَ بن
стр. 1154
عامر، فقال: ما هذه الأحاديثُ التي أفشيتم عن رسولِ الله ﷺ في الآفاق؟! قالوا: أتتهمُنا؟! قال: لا، ولكن أقيموا عندي، / (ق ٣٥١) ولا تفارقوني ما عشتُ، فنحن أعلمُ بما نأخذ منكم وما نردُّ عليكم. فما فارقوه حتى مات، فما خَرَج ابنُ مسعود إلى الكوفة ببيعة عثمان إلا من سجن عمر.
إسناد جيد (١).
стр. 1155
أثر آخر
(٨٩٦) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في «سننه» (١):
ثنا أحمد بن عَبدة، ثنا حماد بن زيد، عن مُجالِد، عن الشَّعبي، عن قَرَظة بن كعب قال: بَعَثنا عمرُ إلى الكوفة وشَيَّعنا، فمشى معنا إلى موضعٍ يقال له: مُرَار (٢)، فقال: أتدرون لم مشيتُ معكم؟ قال: قلنا: لِحَقِّ صُحبة رسولِ الله ﷺ ، ونحن (٣) الأنصار. قال: لكنِّي مَشَيتُ معكم لحديثٍ أردتُ أن أحدِّثَكم به،
стр. 1156
أردتُ أن تحفظوه لممشايَ معكم، إنَّكم تَقدَمُون على قومٍ للقرآن في صدورهم هَزيزٌ كهَزيز المِرْجَل، فإذا رَأَوكُم مَدُّوا إليكم أَعناقَهم، وقالوا: أصحابُ محمدٍ ﷺ ، فأقلُّوا الروايةَ عن رسولِ الله ﷺ ، وأنا شَريكُكُم.
إسناد جيد (١).
стр. 1157
أثر آخر
(٨٩٧) قال حنبل (١): ثنا قَبيصة بن عُقبة، ثنا سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال: أراد عمرُ بن الخطاب أنْ يكتبَ السُّننَ، فاستخار اللهَ شهرًا، ثم أصبح وقد عُزِمَ له، فقال: ذَكَرتُ قومًا كَتَبوا كتابًا فأقبَلوا عليه وتَرَكوا كتابَ اللهِ .
إسناد جيد قوي، إلا أنَّ عروة لم يلق عمرَ بن الخطاب، والله أعلم.
أثر آخر
(٨٩٨) روى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن السَّائب بن أخت نَمِر، أنَّه سَمِعَ عمرَ يقول: إنَّ حديثَكم شرُّ الحديث، وإنَّ كلامَكم شرُّ الكلام، إنَّكم قد حدَّثتم الناسَ حتى قيل: قال فلان، وقال فلان، وتُرِكَ كتابُ اللهِ، من كان منكم قائمًا؛ فليَقم بكتاب الله، وإلا فليجلس (٢).
(٨٩٩) وبهذا الإسناد: أنَّ عمرَ قال لكعب الأحبار: لتتركنَّ الإخبارَ، أو لألحقنَّك بأرض القردة (٣).
стр. 1158
أثر آخر
(٩٠٠) قال الإسماعيلي: ثنا إبراهيم بن هاشم، ثنا الحسن بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عبد الله بن شُرَحبيل بن حَسَنة، عن عبد الرحمن بن أزهر، قال: سَمِعتُ عمرَ ﵁ يقول: اللهمَّ لا يُدركني أبناءُ الهَمَذَانيات والإِصْطَخْريات (١)، الذين قلوبُهم قلوبُ العجم، وألسنتُهم ألسنةُ العربِ (٢).
أثر آخر
(٩٠١) قال أبو عبيد في كتاب «فضائل القرآن» (٣): ثنا الأنصاري، عن أشعث، عن الحسن قال: مات عمرُ، يعني ... (٤) ولم يجمع القرآنَ.
قال: أموتُ وأنا في زيادة، أحبُّ إليًّ من أن أموتَ وأنا في نقصان.
قال الأنصاري: يعني: نسيان القرآن.
أثر آخر
(٩٠٢) وقال أبو عبيد (٥): ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن الشيباني، عن أُسَير بن عمرو قال: بَلَغ عمرَ بن الخطاب أنَّ سعدًا قال:
стр. 1159
مَن قرأ القرآنَ ألحَقتُهُ في ألفين. فقال عمرُ: أُفٍّ! أُفٍّ! أيعطى على كتاب الله ؟!
إسناد صحيح.
/ (ق ٣٥٢) أثر آخر
(٩٠٣) قال مسلم في مقدمة كتابه «الصحيح» (١): ثنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم، عن سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان النَّهدي، عن عمرَ أنه قال: بحَسْبِ المرء من الكذب أن يُحدِّث بكلِّ ما سَمِعَ.
إسناد صحيح.
حديث آخر
(٩٠٤) قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثني أبو بكر بن عمير، ثنا أحمد بن وهب بن داود بدمشق، ثنا محمد بن اللَّيث، عن معمر، عن محمد بن عمرو اليماني، عن وهب، عن ابن عباس. وأبي تميم الجيشاني، عن عمرَ، وعائشة. وابن طاوس، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «مَن سُئِلَ عن علمٍ فكَتَمَهُ، جاء يومَ القيامةِ مُلَجَّمًا بلجَامٍ من نارٍ».
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي من وجوه عديدة، والله أعلم بصحَّته (٢).
حديث آخر
(٩٠٥) قال عبد الله بن وهب (٣): أخبرني عمرو بن الحارث: أنَّ عبَّاد
стр. 1160
بن سالم حدَّثه عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَهِّمهُ».
وفي لفظ: «يُفَقِّههُ».
وفي لفظ: «مَن يُرِدِ اللهُ يَهِدِهِ، يُفَقِّههُ في الدِّينِ».
هذا حديث جيد من هذا الوجه، فإنَّ عبَّاد بن سالم هذا تجيبي، قال أبو حاتم (١): روى عن سالم، وعنه: عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة.
وهو في «الصحيحين» (٢) من حديث عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن معاوية قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَن يُرِدُ اللهُ به خيرًا يُفَقِّههُ في الدِّينِ».
أثر آخر
(٩٠٦) قال أبو عبد الله البخاري (٣): وقال عمرُ: تفقَّهوا قبل أن تسودوا (٤).
هكذا رواه معلَّقًا بصيغة الجزم، وقد رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاَّم في كتاب «الغريب» (٥)، فقال: ثناه ابن عُليَّة ومعاذ، عن ابن عَون،