عمرَ، بل ولا حذيفة، بل قد نصَّ أحمد بن حنبل (١) على أنَّه لم يَسْمع من ثوبان.
وقال أبو زرعة (٢): روايته عن سعد بن أبي وقاص مرسلة، وهما قد ماتا بعد الخمسين من الهجرة.
لكن قد روي معناه من طريق أخرى:
(٢٢٥) فقال أحمد أيضًا (٣): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة قال: جاء ناسٌ من أهل الشام إلى عمرَ، فقالوا: إنا قد أَصَبْنا أموالاً وخَيْلاً ورَقيقًا نحبُّ أن يكونَ لنا فيها زكاةٌ وطُهورٌ. قال: ما فَعَلَهُ صاحباي قبلي فأَفعَلَهُ. فاستَشَارَ أصحابَ محمدٍ ﷺ ، وفيهم عليّ ﵁، فقال عليّ: هو حَسَنٌ، إن لم يكن جزيةً راتبةً يُؤخَذون بها من بعدِك.
فهذا الإسناد جيد قوي، ولله الحمد والمنَّة.
وقد رواه الدارقطني (٤) من طرق، عن أبي إسحاق، عن حارثة -وهو: ابن مُضَرِّب-، وعاصم بن ضَمرة، كلاهما عن عمرَ، به.
وزاد: فوَضَع على كلِّ فرسٍ دينارًا.
(٢٢٦) وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: ثنا المنيعي، ثنا يحيى بن الربيع المكي، ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن الزهري، عن السائب بن يزيد: أنَّ عمرَ أخذ عن كلِّ فرسٍ شاتين (٥).
стр. 352
حديث آخر
(٢٢٧) قال أبو الحسن الدارقطني ﵀ (١):
قرئ على عليِّ / (ق ٩٠) بن إسحاق المادرائي بالبصرة، وأنا أسمع: حدَّثكم الحارث بن محمد، ثنا عبد العزيز بن أبان، عن محمد بن عبيد الله، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: إنما سَنَّ رسولُ الله ﷺ الزكاةَ في هذه الأربعة: الحنطةِ، والشعيرِ، والزَّبيبِ، والتمرِ.
стр. 353
أثر آخر
(٢٢٨) قال الدارقطني (١): ثنا أبو بكر -يعني: النَّيسابوري-، ثنا عبد الرحمن بن بِشر، ثنا عبد الرزاق (٢)، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ ﵁ قال: فيما سَقَتِ السماءُ والأنهارُ والعيونُ العُشْرُ، وما سُقِيَ بالرِّشاء (٣) نصفُ العُشْرِ.
هذا إسناد صحيح، وقد جاء في أحاديث مرفوعة مثلُه (٤)، ولله الحمد.
стр. 354
حديث في زكاة العسل
(٢٢٩) قال عبد الله بن وهب: ثنا أسامة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ بَطنًا (١) من سَهْمٍ كانوا يؤدُّونَ إلى رسولِ الله ﷺ من نَحْلٍ عندهم العُشْرَ ... ، فذَكَر حديثًا، إلى أنْ قال: وكَتَب إليه -يعني: عمرَ ﵁ إلى سفيان بن عبد الله الثَّقَفي: إنما النَّحْلُ ذُبَابُ غَيْثٍ، يَسُوقُهُ اللهُ رِزقًا إلى مَن شاءَ، فإنْ أدُّوا إليك ما كانوا يؤدُّونَ إلى رسولِ الله ﷺ ؛ فاحْمِ لهم وادِيَهم، وإلا فَخَلِّ بين الناسِ وبينَهُ.
إسناده حسن جيد (٢).
стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 356
أثر في قيام الإمام على نَعَم الصدقة، وخدمتها، وحياطتها
(٢٣٠) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا ﵀ (١): حدَّثني القاسم بن هاشم، عن عبد الله بن بَكر السَّهمي، حدثني الفضل بن عَميرة: أنَّ الأحنفَ بن قيس قَدِمَ على عمرَ بن الخطاب في وفدٍ من العراقِ، قَدِموا عليه في يومٍ صائفٍ، شديدِ الحرِّ، وهو مُحتَجِزٌ بعَبَاءةٍ يَهنَأ (٢) بعيرًا من إبلِ الصدقةِ، فقال: يا أحنفُ، ضَعْ ثيابَكَ، وهلمَّ، فأَعِنْ أميرَ المؤمنينَ على هذا البعيرِ، فإنه / (ق ٩١) لمن إبلِ الصدقةِ، في حقِّ اليتيمِ، والأَرمَلةِ، والمسكينِ. فقال رجلٌ من القوم: يَغفِرُ اللهُ لكَ يا أميرَ المؤمنينَ! فهلاَّ تأمُرُ عبدًا من عبيد الصدقةِ فليكقك (٣) هذا؟ ! قال عمرُ: وأيُّ عبدٍ هو أَعبَدُ منِّي، ومن الأحنفِ؟ إنَّه مَن وَلِيَ أمرَ المسلمينَ في عدِّ (٤) المسلمين يجبُ عليه لهم ما يجبُ على العبدِ لسيدِهِ من النصيحةِ وأداءِ الأمانةِ.
أثر آخر
(٢٣١) وقال ابن أبي الدُّنيا أيضًا (٥): حدثني عبد الله بن أبي بدر، ثنا
стр. 357
يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عمر بن محمد، عن سالم بن عبد الله قال: أَبطَأَ خبرُ عمرَ على أبي موسى، فأتى امرأةً في بطنِها شيطانٌ، فسألها عنه، فقالت: حتى يَجِيءَ إليَّ شيطاني. فجاء، فسألتُهُ عنه؟ فقال: تَرَكتُهُ مُؤتَزِرًا بكساءٍ يَهَنَأُ إبلَ الصدقةِ، وذاك لا يَرَاهُ شيطانٌ إلا خَرَّ لمنخريه، المَلَكُ بين عينيه، وروحُ القُدُسِ يَنطِقُ على لسانِهِ.
إسناده جيد قوي (١).
أثر آخر
(٢٣٢) قال الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵀ (٢): أنا عمِّي، عن الثقة -أحسبه محمد بن عليِّ بن الحسين، أو غيره-، عن مولىً لعثمان قال: بينما أنا مع عثمانَ بالعاليةِ في يومٍ صائفٍ، إذ رأى رجلاً يَسوقُ بَكرَينِ، وعلى الأرضِ مثلُ الفراشِ من الحرِّ، فقال: ما على هذا لو
стр. 358
أقامَ بالمدينةِ حتى يُبرِدَ؟! ثم قال: انظر مَن هو؟ (١) فنَظَرتُ، فإذا هو عمرُ ﵁، فقلت: هذا أميرُ المؤمنين! فقام عثمانُ ﵁ فأَخرَجَ رأسَهُ من الباب، فآذاه لَفْحُ / (ق ٩٢) السَّمومِ (٢)، فأعاد رأسَهُ حتى حَاذَاهُ، فقال: ما أَخَرَجَكَ هذه الساعةَ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: بَكرَانِ (٣) من إبلِ الصدقةِ تَخَلَّفَا، فأَردتُ أنْ أُلحِقَهُمَا بالحِمَى، خشيتُ أن يَضيعا، فيَسأَلُني اللهُ عنهما! فقال: هَلمَّ إلى الماءِ والظلِّ، ونَكفيكَ. فقال: عُدْ إلى ظِلِّكَ. فقال: عندنا مَن يَكفيكَ. ومضى (٤). فقال عثمان ﵁: مَن أحبَّ أنْ يَنظرَ إلى القويِّ الأمينِ؛ فليَنظُرَ إلى هذا. ثم عاد إلينا، فألقَى نفسَهُ، ﵁ وأرضاه.
стр. 359
أثر في زكاة العروض
(٢٣٣) قال الإمام الشافعي (١): أنا سفيان، ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سَلَمة، عن أبي عمرو بن حِمَاس: أن أباه قال: مَرَرتُ بعمرَ بن الخطاب ﵁، وعلى عُنُقي أدمةٌ (٢) أَحمِلُها، فقال عمرُ: ألا تؤدِّي زكاتَكَ ياحماسُ؟ فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما لِي غير هذه التي على ظَهْري، وأهبةٌ في القَرَظ (٣). فقال: ذلك مال، فَضَعْ. قال: فوَضَعتُها بين يديه، فحَسَبَها، فوَجَدَ قد وَجَبَتْ فيها الزكاةُ، فأخذ منها الزكاةَ.
ورواه الدارقطني (٤) من حديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عمرو بن حِمَاس -أو: عن عبد الله بن أبي سَلَمة، عن أبي عمرو بن حِمَاس-، وذَكَر نحوه.
ثم قال الشافعي (٥): وأنا سفيان، ثنا ابن عَجْلان، عن أبي الزِّناد، عن أبي عمرو بن حِمَاس، عن أبيه، مثلَه.
ورواه سعيد بن منصور في «سننه» (٦)، بنحوه.
стр. 360
حديث في جواز سَلَف الإمام الزكاة
(٢٣٤) قال النسائي (١): ثنا عمران بن بكَّار، ثنا علي بن عيَّاش، عن شعيب، عن أبي الزَّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عمرَ بن الخطاب ﵄ قال: أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بصدقةٍ، فقيل: مَنَعَ ابنُ جميلٍ وخالدُ بن الوليد والعباسُ عمُّ رسولِ الله ﷺ ... ، فذَكَر الحديث، كما سيأتي (٢) في مسند أبي هريرة.
كما أخرجه صاحبا «الصَّحيح» (٣) من حديث جماعة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عنه، عن النبيِّ ﷺ .
стр. 361
حديث في غُلُول الصدقة
(٢٣٥) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث: أنَّ موسى بن جُبَير حدَّثه، أنَّ عبد الله بن عبد الرحمن بن الحُبَاب حدَّثه، أنَّ عبد الله بن أُنَيس حدَّثه، أنَّه تذاكر هو وعمرُ بن الخطاب يومًا، فقال عمرُ: ألم تَسمع رسولَ الله ﷺ حين يَذكر غُلُولَ الصَّدقةِ: «مَن غَلَّ منها بعيرًا، أو شاةً، أتى به يومَ القيامةِ يَحمِلُهُ»؟ فقال عبد الله بن أُنَيس: بلى.
ورواه ابن ماجه (١)، عن عمرو بن سوَّاد المصري، عن ابن وهب.
واختاره الضياء في كتابه (٢).
стр. 362
حديث في الفقراء
(٢٣٦) قال أبو حاتم محمد بن حبَّان البُستي في «صحيحه» (١): أنا أبو عَروبة، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحرَّاني، ثنا يحيى بن السَّكَن، ثنا حماد بن سَلَمة، عن داود بن أبي هند، عن الشَّعبي، عن مسروق / (ق ٩٣) قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: قال النبيُّ ﷺ : «مَن سأل النَّاسَ لِيُثْرِيَ به مالَهُ؛ فإنَّما هو رَضْفٌ (٢) من النَّارِ يَتَلقَّفُهُ (٣)، مَن شاءَ فَلْيُقِلَّ، ومَن شاءَ فَلْيُكْثِرْ».
هكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه «المختارة» (٤).
وقد أورده الحافظ أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي (٥)، عن محمد بن محمد بن سليمان الباغَندي، عن أيوب بن سليمان السُّلَمي، عن يحيى بن السَّكَن، به.
ثم قال: تفرَّد به يحيى بن السَّكَن، عن داود (٦)، لا أعلم حدَّث به غيره، وهو حديث صحيح غريب (٧).
فيه دلالة على أن الفقير هو الذي لا يجد ما يكفيه.
стр. 363
حديث في العامل
(٢٣٧) قال الإمام أحمد (١): ثنا أبو اليَمَان: أنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني السائب بن يزيد ابنُ أختِ نَمِر: أنَّ حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى أَخبَرَه أنَّ عبد الله بن السَّعدي أَخبَرَه أنَّه قَدِمَ على عمرَ بن الخطاب في خلافته، فقال له عمر: ألَمْ أُحدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً، فإذا أُعطيتَ العمالةَ كرهتَها؟ قال: فقلت: بلى. فقال عمرُ: فما تريدُ إلى ذلك؟ قال: قلت: إنَّ لي أفراسًا وأعبُدًا، وأنا بخير، وأريدُ أن تكونَ عمالتي صدقةً على المسلمين. فقال عمرُ: فلا تفعل، فإنِّي كنتُ أردتُ الذي أردتَ، وكان النبيُّ ﷺ يعطيني العطاءَ، فأقول: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي، حتى أعطاني مرةً مالاً، فقلت: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي. فقال (له) (٢) النبيُّ ﷺ : «خُذه فتَموَّلْهُ، وتصدَّقْ به، / (ق ٩٤) فما جاءك من هذا المالِ وأنت غيرُ مُشرِفٍ (٣) ولا سائلٍ؛ فخُذْهُ، ومَا لاَ، فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ».
стр. 364
ثم رواه أحمد (١)، عن عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي-، عن معمر (٢)، عن الزهري، به.
وعن عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن الزهري، عن السائب قال: لَقِيَ عمرُ عبد الله بن السَّعدي ... ، فذَكَر معناه، إلا أنَّه قال: «تَصدَّقْ به».
وقال: «لا تُتْبِعْهُ نَفسَكَ».
هذا حديث جليل، قليل النَّظير؛ لأنه اجتمع في إسناده أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض، فإنَّ السائب بن يزيد، وشيخه، وشيخ شيخه، وعمر بن الخطاب كلُّهم صحابة ﵃.
وهكذا رواه البخاري (٤)، عن أبي اليَمَان الحكم بن نافع.
وأخرجه النسائي (٥) من حديثه أيضًا.
ورواه مسلم (٦)، عن أبي الطَّاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، به.
стр. 365
وكذا رواه النسائي (١) من حديث الزُّبيدي، عن الزهري.
ثم رواه مسلم (٢)، والنسائي (٣)، عن قتيبة.
وأبو داود (٤)، عن أبي الوليد الطيالسي.
كلاهما عن الليث، عن بُكَير بن الأشج، عن بُسر بن سعيد، عن ابن السَّاعدي المالكي قال: استعملني عمرُ على الصَّدقة ... ، فذَكَره.
ثم رواه مسلم (٥)، عن هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بُكَير بن الأشج، عن بُسر بن سعيد، عن ابن السَّعدي.
كذا قال الليث: عن ابن السَّاعدي.
وقال غيره: عن ابن السَّعدي (٦).
طريق أخرى
(٢٣٨) قال الحافظ البيهقي في «السُّنن الكبير» (٧): أنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصمّ، ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني هشام بن
стр. 366
سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم أنَّه قال: لمَّا كان عامُ الرَّماداتِ وأَجدَبَتْ بلادُ العربِ، كَتَبَ عمرُ بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: من عبد الله عمر أميرِ المؤمنين، إلى العاصِ بن العاصِ، إنَّكَ لَعَمري ما تُبالِي إذا سَمِنتَ ومَن قِبَلَك، أنْ أَعجَفَ أنا ومَن قِبَلي، ويا غَوثَاهُ ... ، فذَكَر الحديث، وما فيه.
ثم دعا أبا عُبيدة بن الجرَّاح، فخَرَج في ذلك، فلمَّا رجع بعث إليه بألفِ دينارٍ، فقال أبو عُبيدة: إنِّي لم أَعمَلْ لك يا ابنَ الخطاب، إنما عَمِلتُ للهِ، ولستُ آخذُ في ذلك شيئًا. فقال عمرُ: قد أعطانا رسولُ الله ﷺ في أشياءَ بَعَثَنا لها، فكَرِهْنَا ذلك، فأَبَى علينا رسولُ الله ﷺ ، فاقْبَلْهَا أيُّها الرَّجلُ، فاستَعِنْ بها على دينِكَ ودنياكَ، فقَبِلَها أبو عُبيدة.
ثم رواه -أيضًا- (١)، عن الحاكم (٢)،
عن أبي إسحاق إبراهيم بن فراس الفقيه، عن بكر بن سهل، عن شعيب بن يحيى التُّجيبي، عن الليث، بإسناده ومعناه، وذَكَر ما ترك من الأول، فقال: فكَتَب عمرو: السلام (٣)، أمَّا بعدُ، لبَّيكَ، لبَّيكَ، أَتَتكَ عِيْرٌ أوَّلُها عندَكَ، وآخرُها عندي، مع أنِّي أرجو أنْ أجدَ سبيلاً أنْ أَحمِلَ في البحرِ، فلما قَدِمَ أوَّلُ عِيْرٍ دعا عمرُ الزُّبيرَ، فأَمَرَهُ أن يُخرِجَ لِيُفرِّقُها على الأحياءِ، فأَبَى، ثم دعا طلحةَ فأَبَى، فدعا أبا عُبيدة، فخَرَج فيها ... ، وذَكَر بقيَّتَه.
стр. 367
طريق أخرى
(٢٣٩) قال أحمد (١): ثنا أبو اليَمَان، أنا شعيب، عن الزهري، ثنا سالم بن عبد الله: أنَّ عبد الله بن عمر قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: كان النبيُّ ﷺ يعطيني العطاءَ، فأقول: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي، حتى أعطاني مرَّةً مالاً، فقلت: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي. فقال النبيُّ ﷺ : «خُذْهُ فتَموَّلْهُ، وتَصدَّقْ بهِ، فما / (ق ٩٥) جاءك من هذا المال وأنت غيرُ مُشرفٍ ولا سائلٍ، فخُذْهُ، ومَا لاَ، فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ».
ورواه البخاري (٢)، عن الحكم بن نافع أبي اليَمَان.
والنسائي (٣)، عن عمرو بن منصور، عن أبي اليَمَان.
ورواه أحمد (٤)، والبخاري -أيضًا- (٥)، ومسلم (٦) من حديث يونس، عن الزهري، عن سالم، به.
وقد رواه عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، فجعله من مسند عبد الله (٧)، كما سيأتي (٨).
стр. 368
أثر في أن العامل يستعمل بعض ظَهْر الصَّدقة لمصلحته في العمالة
(٢٤٠) قال أبو عبيد (١): يُروى من حديث ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن أسلم: أنَّ عمرَ رآه يَحمِلُ متاعَهُ على بعيرٍ من إبلِ الصَّدقةِ، قال: فهلاَّ ناقةً شَصُوصًا أو ابنَ لَبُونٍ بَوَّالاً؟
النَّاقةُ الشَّصُوص: التي قد انقَطَع لبنُها. وابنُ اللَّبُون البوَّالُ، مع أنَّ كلَّ الإبل تَبولُ: أي: ليس فيه نفعٌ سوى ذلك.
стр. 369
حديث في المؤلَّفة قلوبهم
(٢٤١) قال الإمام أحمد (١): ثنا بكر بن عيسى، ثنا أبو عَوَانة، عن المغيرة، عن الشَّعبي، عن عدي بن حاتم قال: أتيتُ عمرَ بن الخطاب في أناسٍ من قومي، فجعل يَفرِضُ للرَّجل من طيِّئ في ألفين، ويُعرِضُ عنِّي. قال: فاستَقبلتُهُ، فأعرَضَ عنِّي. ثم أَتيتُهُ من حيالِ وجهِهِ، فأَعرَضَ عنِّي. قال: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، أَتعرِفُني؟ قال: فضَحِكَ حتى استَلقى لِقَفَاهُ، ثم قال: نعم والله، إنِّي لأَعرِفُكَ، آمَنتَ إذ كَفَروا، وأَقبَلتَ إذ أَدبَروا، ووَفَّيتَ إذ غَدَروا، وإنَّ أوَّل صدقةٍ بَيَّضَتْ وجهَ رسولِ الله ﷺ ، ووجوهَ أصحابِهِ، صدقةُ طيِّئ، جئتَ بها إلى رسولِ الله ﷺ ، ثم أَخذ يَعتذرُ، ثم قال: إنما فَرَضتُ لقومٍ أَجحَفَتْ بهمُ الفاقةُ، وهم سادةُ عشائرِهِم لما يَنُوبُهُم من الحقوقِ.
ورواه مسلم (٢)، عن زُهَير بن حرب، عن أحمد بن إسحاق الحضرمي، عن أبي عَوَانة، به.
وأخرجه البخاري (٣)، عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عَوَانة، / (ق ٩٦) عن عبد الملك بن عُمَير، عن عمرو بن حُرَيث، عن عدي بن حاتم، به.
فيه دلالة على إعطاء المؤلَّفة، وعلى نقل الزكاة، والله أعلم.
стр. 370
حديث آخر
(٢٤٢) قال علي ابن المديني: ثنا يحيى بن آدم، ثنا عبد الرحمن المحاربي، عن الحجَّاج بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن عَبيدة قال: جاء عيينةُ بن حصن والأقرعُ بن حابِس إلى أبي بكرٍ ﵁، فقالا: يا خليفةَ رسولِ الله، إنَّ عندنا أرضًا سَبِخَةً، ليس فيها كلأٌ ولا منفعةٌ، فإنْ رأيتَ أن تُقطعناها؟ قال: فأَقطَعَها إيَّاهما، وكَتَب لهما عليه كتابًا، وأَشهَدَ عمرَ وليس في القوم، فانطَلَقَا إلى عمرَ ليُشهِدَاهُ، فلمَّا سَمِعَ عمرُ ما في الكتاب تناولَهُ من أيديهما، ثم تَفَلَ فيه، فمَحَاهُ، فتَذَمَّرا، وقالا له مقالةً سيِّئةً. فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَتَألَّفكما والإسلامُ يومئذٍ قليلٌ، وإنَّ اللهَ قد أعزَّ الإسلامَ، فاذهَبَا، فاجْهَدَا جهدَكُما، لا أرعى اللهُ عليكما إنْ أرعيتُمَا، ثم أتى أبا بكرٍ، فقال له: أكُلَّ المسلمينَ رَضُوا بهذا؟ فقال له أبو بكرٍ ﵁: قد قلتُ لك إنَّكَ أقوى على هذا الأمرِ منِّي (١).
ثم قال: هذا حديث منقطع الإسناد؛ لأنَّ عَبيدة لم يُدرك، ولم يرو عنه أنَّه سَمِعَ عمر ولا رآه، والحجَّاج بن دينار واسطي، ولا يحفظ هذا الحديث عن عمرَ بأحسنَ من هذا الإسناد، وقد رواه طاوس مرسلاً، وأوَّل هذا الحديث كوفي، ثم يرجع إلى واسطي، ثم يرجع / (ق ٩٧) إلى بصري، ثم يرجع إلى عَبيدة وهو كوفي. انتهى كلامه ﵀.
стр. 371
حديث آخر
(٢٤٣) قال الإمام أحمد (١): ثنا عفَّان، ثنا أبو عَوَانة، عن سليمان الأعمش، عن شقيق، عن سلمان بن ربيعة قال: سَمِعتُ عمرَ ﵁ يقول: قَسَمَ رسولُ الله ﷺ قسمةً، فقلت: يا رسولَ الله، لَغَيرُ هؤلاءِ أحقُّ منهم: أهلُ الصَّدقةِ (٢). فقال رسولُ الله ﷺ : «إنهم يُخيِّروني بين أن يَسألوني بالفُحشِ، وبين أن يُبخِّلُوني، ولستُ بباخلٍ».
ورواه مسلم (٣)، عن عثمان بن أبي شيبة، وزُهَير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم. ثلاثتهم عن جرير، عن الأعمش، به.
حديث آخر
(٢٤٤) قال أبو يعلى الموصلي (٤): ثنا داود بن رُشَيد، ثنا مُعمَّر بن سليمان، عن عبد الله بن بِشر، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عمرَ قال: دخل رجلانِ على رسولِ الله ﷺ يسألانِهِ في شيءٍ، فأعانَهُما بدينارين، فخَرَجا، فإذا هما يُثنيانِ خيرًا، فدَخَلتُ عليه، فقلت: يا رسولَ الله، رأيتُ فلانًا وفلانًا خَرَجَا من عندِكَ يُثنيانِ خيرًا. قال: «لكنَّ فلانًا ما يقولُ ذاك! وقد أَعطيتُهُ ما بين عشرةٍ إلى مائةٍ، فما يقولُ ذاك، وإنَّ أَحدَكم لَيَخرُجُ بصدقتِهِ من عندي مُتأبِّطُهَا (٥)، وإنما هي له نارٌ». قلت:
стр. 372
يا رسولَ الله، كيف تُعطيه، وقد عَلِمتَ أنها له نارٌ؟ قال: «فما أَصنَعُ، يأتُوني، فيَسألُوني، ويأبَى اللهُ لِيَ البخلُ».
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي عاصم (١)، عن / (ق ٩٨) محمد بن فضيل، عن مُعمَّر بن سليمان، به.
طريق أخرى
(٢٤٥) قال ابن حبان في «صحيحه» (٢):
ثنا محمد بن زُهَير أبو يعلى
стр. 373
بالأُبُلَّة (١)، ثنا سَلم بن جُنَادة، ثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن عمرَ بن الخطاب قال: قلت للنبيِّ ﷺ : إنِّي رأيتُ فلانًا يَدعو ويَذكرُ خيرًا، ويَذكرُ أنَّكَ أَعطيتَهُ دينارين. قال: «لكنَّ فلانًا أَعطيتُهُ ما بين كذا إلى كذا، فما أَثنى، ولا قال خيرًا».
قال الدارقطني (٢): ورواه جرير بن عبد الحميد (٣)، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد.
стр. 374
وروي عن أبي كُرَيب (١)، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ثم ذَكَر رواية أبي يعلى، وابن حبان، والله أعلم.
стр. 375
حديث فيه أنَّه إذا فضل عند الإمام فاضلة من مال الزكاة أو الفيء أنَّ الأولى المبادرة إلى إنفاذها في محالِّها
(٢٤٦) قال الإمام أحمد -في غير مسند عمر- (١): ثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سَمِعتُ الأعمش يحدِّث عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البَختَري، عن عليِّ قال: قال عمرُ بن الخطاب للناس: ما تَرَون في فضلٍ فَضَلَ عندنا من هذا المال؟ فقال الناس: يا أميرَ المؤمنين، قد شَغَلْناك عن أهلِكَ وضَيعتِكَ وتجارتِكَ، فهو لك. فقال لي: ما تقولُ أنت؟ فقلتُ: قد أَشاروا عليك. فقال لي: قُل. فقلتُ: لِمَ تَجعلُ يَقينَكَ ظنًّا؟ فقال: لَتَخرُجَنَّ ممَّا قلتَ. فقلتُ: أجل، واللهِ لأَخرُجَنَّ منه، أَتذكُرُ حين بَعَثَكَ رسولُ الله / (ق ٩٩) ﷺ سَاعيًا، فأتيتَ العبَّاسَ بن عبد المطَّلب فمنَعَك صدقتَهُ، فكان بينكما شيءٌ، فقلتَ لي: انطَلِقْ معي إلى النبيِّ ﷺ ، فوَجَدناهُ خَاثِرًا (٢)، فرَجَعنا، ثم غَدَونا عليه، فوَجَدناهُ طيِّبَ النَّفسِ، فأخبرتَهُ بالذي صَنَع، فقال لك: «أَمَا عَلِمتَ أنَّ عمَّ الرَّجلِ صِنْوُ أبيه؟». وذَكَرنا له الذي رأينا من خُثُورِهِ في اليومِ الأوَّلِ، والذي رأينا من طيبِ نَفْسِهِ في اليومِ الثاني، فقال: «إنكما أتيتُماني في اليومِ الأوَّلِ، وقد بَقِيَ عندي من الصَّدقة ديناران، فكان الذي رأيتُما من خُثُوري له، وأتيتُماني اليومَ الثاني وقد وجَّهتُهُما، فذاك الذي رأيتُما من طيبِ نَفْسي».
стр. 376
فقال عمرُ ﵁: صدقتَ، واللهِ لأَشكُرنَّ لك الأولى والآخرةَ.
هذا حديث حسن الإسناد جيِّده (١)، وهو لائق أن يكون في مسند عليِّ، ولكن لمَّا صدَّقه عمر على ذلك صلح لأن يكون في كلٍّ من المسنَدَين، فأحببنا تقديمه سَلَفًا وتعجيلاً، ولله الحمد والمنَّة.
стр. 377
حديث في الأمر بكثرة الإعطاء
(٢٤٧) قال البزَّار (١): ثنا يحيى بن قطن الأَيلي، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فسأله، فقال: «ما عندي شيءٌ أُعطِيكَ، ولكنْ استَقرِضْ حتى يأتينا شيءٌ فنُعطِيكَ». قال عمرُ: ما كلَّفَكَ اللهُ هذا، أَعطيتَ ما عندك، فإذا لم يكن عندك فلا تَكلَّف. قال: فكَرِهَ رسولُ الله ﷺ قولَ عمرَ حتى عُرِفَ في وجهه، فقال الرَّجل: يا رسولَ الله، بأبي أنت وأُمِّي، فأعْطِ، ولا تَخشَ من ذي العرش إقلالاً. قال: فتبسَّم رسولُ الله ﷺ ، وقال: «بهذا أُمِرتُ».
ثم قال البزَّار: تفرَّد به إسحاق بن إبراهيم -وليس بالحافظ-، عن هشام بن سعد، لا نعلم رواه عنه غيره (٢).
وقد رواه الترمذي في «الشمائل» (٣)،
عن هارون بن موسى الفَرْوي، عن أبيه، عن هشام بن سعد، به. كما رواه إسحاق بن إبراهيم.
стр. 378
حديث في جواز الصَّدقة بجميع المال لمن أطاق الصبر على الفاقة
(٢٤٨) قال الإمام عَبد بن حميد ﵀ (١): ثنا أبو نعيم، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سَمِعتُ عمرَ ﵁ قال: أَمَرنا رسولُ الله ﷺ أنْ نَتَصدَّقَ، ووافَقَ ذلك مالاً عندي، فقلت: اليومَ أَسبِقُ أبا بكرٍ ﵁ إنْ سَبَقْتُهُ / (ق ١٠٠) يومًا، فجئتُ بنصفِ مالي، فقال لي رسولُ الله ﷺ : «ما أَبقيتَ لأهلكَ؟»، فقلتُ: مثلَه. وأتى أبو بكرٍ ﵁ بكلِّ ما عنده، فقال له: «يا أبا بكرٍ، ما أَبقيتَ لأهلكَ؟»، فقال: أَبقيتُ لهم اللهَ ورسولَهُ. قلت: لا أُسابِقُكَ إلى شيءٍ أبدًا.
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٢) عن أبي نعيم.
ورواه أبو داود (٣)، عن أحمد بن صالح وعثمان بن أبي شيبة.
ورواه الترمذي في المناقب (٤)، عن هارون بن عبد الله.
ثلاثتهم عن أبي نعيم، به.
وقال الترمذي: صحيح (٥).
стр. 379
طريق أخرى
(٢٤٩) قال الحافظ ابن عساكر (١): أنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، ثنا رَشَأ بن نظيف، أنا الحسن (٢) بن إسماعيل، ثنا أحمد بن مروان، ثنا محمد بن مسلمة الواسطي، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، ثنا يحيى بن محمد بن حكيم، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَر بالصَّدقة، فقال عمرُ بن الخطاب -وعندي مالٌ كثيرٌ- فقلت: والله لأَفضُلَنَّ أبا بكرٍ هذه المرَّة، فأَخَذتُ نصفَ مالي، وتَرَكتُ نصفَهُ، فأتيتُ به النبيَّ ﷺ ، فقال: «هذا مالٌ كثيرٌ، فما تَرَكتَ لأهلكَ؟»، قال:
стр. 380
تَرَكتُ له (١) نصفَهُ. وجاء أبو بكرٍ بمالٍ كثيرٍ، فقال رسولُ الله: «ما تَرَكتَ لأهلكَ؟»، قال: تَرَكتُ لهم اللهَ ورسولَهُ.
فيه ضعف.
طريق أخرى
(٢٥٠) قال ابن عساكر -أيضًا- (٢): أنا أبو بكر ابن المزرَفي، ثنا أبو الحسين بن المهتدي، أنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن علي الصَّيدلاني، عن يعقوب بن إبراهيم البزَّاز (٣)، ثنا عبيد الله بن الحجَّاج بن المنهال، ثنا أبي، ثنا حماد بن سَلَمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: ما سَابَقتُ أبا بكرٍ إلى شيءٍ إلا سَبَقَني إليه، فأَمَر رسولُ الله ذاتَ يومٍ بالصَّدقة، وحَضَّ عليها. فقلت: هذا اليومُ أَسبِقُ فيه أبا بكرٍ، فقلت: يا رسولَ الله، عندي كذا وكذا، فهو في سبيل ... (٤) أبو بكر، فقال: يا رسولَ الله، عندي كذا وكذا فهو في سبيلِ اللهِ ، ولِي عند الله معادٌ. فقال رسولُ الله: «يا عمرُ، ما وتَرْتَ القوسَ بوَتَرِها (٥)».
فيه انقطاع، وعلي بن زيد بن جُدعان فيه كلام، لكن هذا له شواهد، فهو صحيح.
стр. 381
حديث آخر في الحثِّ على مواساة الفقراء من الجيران وغيرهم
(٢٥١) قال الإمام أحمد (١): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، عن أبيه، عن عَبَاية بن رفاعة، عن عمر قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لا يَشبَعُ الرَّجلُ دونَ جارِهِ».
إسناد صحيح، إلا أنَّ عَبَاية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري لم يُدرك عمر بن الخطاب. قاله أبو زرعة الرازي، والدارقطني (٢).
قال الدارقطني (٣): ورواه قيس بن الربيع، عن سعيد بن مسروق، عن عَبَاية بن رفاعة، عن جدِّه رافع بن خديج، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ . والأوَّل هو الصواب (٤).
стр. 382
وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه (١).
قلت: وقد رواه الإمام أحمد (٢)، بإسناده المتقدِّم في موضع آخر، وفيه قصَّة، فقال: ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن أبيه، عن عَبَاية بن رفاعة قال: بَلَغ عمرَ أنَّ سعدًا لما بنى القصرَ قال: انقطَعَ الصُّوَيْتُ (٣)، فبَعَث إليه محمدَ بن مسلمة، / (ق ١٠١) فلما قَدِمَ أَخرَجَ زَنْدَه (٤)، وأَورَى نارَه، وابتاع حَطَبًا بدرهمٍ، وقيل لسعد: إنَّ رجلاً فَعَل كذا وكذا. فقال: ذاك محمدُ بن مسلمة، فخَرَج إليه، فحَلَف بالله ما قاله، فقال: نؤدِّي عنك الذي تقولُ، ونفعلُ ما أُمِرْنا به. فأَحرَقَ البابَ، ثم أَقبَلَ يَعرِضُ عليه أن يَزوره (٥)، فأَبَى، فخَرَج، فقَدِمَ على عمرَ، فهجَّر إليه (٦)، فسار ذهابُهُ ورجوعُهُ تسعَ
стр. 383
عشرةَ، فقال: لولا حسنُ الظنِّ بك لرأينا أنك لم تُؤدِّ عنَّا. قال: بلى، أَرسَلَ يقرأُ عليك السلامَ يَعتذرُ، ويَحلِفُ بالله ما قالَه. قال: فهل زَوَّدك شيئًا؟ قال: لا. قال: فما مَنَعكَ أنْ تزوِّدني أنت؟ قال: إني كَرِهتُ أن آمُرَ لك، فيكونَ لك الباردُ، ويكونَ لي الحارُّ، وحولي أهلُ المدينة قد قَتَلهم الجوعُ، وقد سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لا يَشبَعُ الرَّجلُ دون جارِه».
ورواه أبو يعلى (١)، عن القَوَاريري، عن ابن مهدي.
واختاره الضياء في كتابه (٢).
أثر في ذلك عن عمر
(٢٥٢) قال ابن أبي الدُّنيا ﵀ (٣): ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا
стр. 384
يحيى بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ قال: كان عمرُ ﵁ يأتي مَجزَرَةَ الزُّبيرِ بن العوَّام بالبقيعِ، ولم يكن بالمدينة مَجزَرَةٌ غيرُها، فيأتي معه بالدِّرَّة، فإذا رأى رجلاً اشترى لحمًا يومين متتابعين ضَرَبَهُ بالدِّرَّة، وقال: ألا طَوَيتَ بطنَكَ لجارِكَ، وابنِ عمِّكَ.
стр. 385
/ (ق ١٠٢) كتاب الصيام
(٢٥٣) قال سعيد بن منصور (١): ثنا أبو عَوَانة، عن هلال بن أبي حميد، عن عبد الله بن عُكَيم الجُهَني قال: كان عمرُ بن الخطاب إذا دخل شهرُ رمضانَ صلَّى لنا صلاةَ المغربِ، ثم تشهَّد لخطبة خفيفة، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنَّ هذا الشهرَ شهرٌ كَتَب اللهُ عليكم صيامَهُ، ولم يَكتب عليكم قيامَهُ، من استطاع منكم أن يقومَ؛ فإنها من نوافل الخير التي قال اللهُ تعالى، ومن لم يستطع منكم أن يقومَ؛ فليَنَمْ على فراشه، وليتقِّ منكم إنسانٌ أن يقولَ: أصومُ إن صام فلانٌ، وأقومُ إن قام فلانٌ، مَن صام منكم أو قام فليَجعل ذلك للهِ تعالى، وأقلِّوا اللَّغوَ (٢) في بيوتِ اللهِ ، واعلموا أنَّ أحدَكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاةَ، ألا لا يتقدَّمنَّ الشهرَ منكم أحدٌ -ثلاث مرات-، ألا لا تصوموا حتى تَرَوه، وألا وإن أُغمِيَ عليكم، فلن يُغَمَّ عليكم العددُ، فعدُّوا ثلاثين ثم أَفطِرُوا، ألا ولا تُفطِرُوا
стр. 386
حتى تَرَوا الليلَ يَغسقُ على الظِّرابِ (١).
هذا إسناد جيد حسن.
стр. 387
أثر فيه استحباب أمر الصبيان بالصيام
(٢٥٤) قال البخاري (١): قال عمرُ لِنَشْوان (٢) في رمضان: ويلك! وصبيانُنا صيام! وضَرَبه.
وهذا الأثر قد رواه الثوري في «جامعه» (٣)، عن عبد الله بن سنان (٤)، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّه أُتِيَ بشيخٍ شرب الخمرَ في رمضانَ، فقال: للمنخرين! للمنخرين! وولدانُنا صيامٌ! ثم ضَرَبه ثمانينَ، وسيَّره إلى الشام.
ورواه أبو عبيد (٥)، عن أبي إسماعيل المؤدِّب، عن الأجلح، عن ابن أبي الهذيل، عن عمر، به.
قوله: للمنخرين: معناه: الدعاءُ عليه، كقوله: بُعْدًا، وسُحْقًا، أي: أَبعَدَهُ اللهُ، وأَسحَقَهُ، وكذلك: كبَّهُ اللهُ للمنخرين.
стр. 388
حديث في رؤية الهلال
(٢٥٥) قال الإمام أحمد ﵀ (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا وَرقاء، عن عبد الأعلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنتُ مع البراءِ بن عازب، وعمرُ بن الخطاب بالبقيع يَنظرُ إلى الهلالِ، / (ق ١٠٣) فأَقبَلَ راكبٌ، فتلقَّاه عمرُ، فقال: من أين جئتَ؟ فقال: من الغَرب، فقال: أَهلَلْتَ؟ قال: نعم. فقال عمرُ: الله أكبر، إنما يَكفي المسلمينَ الرَّجلُ، ثم قام عمرُ فتوضَّأ، ومسح على خُفَّيه، ثم صلَّى المغربَ، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ صَنَع.
وقال أبو النَّضر، عن وَرقاء: وعليه جُبَّةٌ ضيِّقةُ الكُمَّين، فأَخرَجَ يدَه من تحتها ومَسَحَ.
ثم رواه أحمد (٢) عن يزيد، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى -وهو: ابن عامر الثعلبي-، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنتُ عند عمرَ ... ، فذَكَره.
وهذا إسناد جيد قوي.
وعبد الأعلى هذا: ثقة في نفسه، ولكن في حفظه شيء، وقد ضعَّفه أحمد، وأبو زرعة، وغيرهما.
وأنكر يحيى بن معين هذا الحديث، وقال: لم يَسْمع ابن أبي ليلى من عمرَ شيئًا ولم يَرَه.
стр. 389
وكذا قال أبو زرعة، والنسائي (١).
وأما الحاكم أبو عبد الله النَّيسابوري فأخرج هذا الحديثَ في «مستدركه» (٢)، وقال: إسناده على شرط مسلم.
قلت: فيما قاله نظر من جهة اتِّصاله، ومن جهة: أنَّ عبد الأعلى هذا لم يخرِّج له مسلم شيئًا، وإنما روى له أهل السُّنن الأربعة فقط.
وقد رواه الحافظ أبو الحسن الدارقطني (٣) من حديث إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن ابن أبي ليلى قال: كنتُ عند عمرَ فأتاه راكبٌ، فزَعَم أنَّه رأى الهلالَ، فأمر الناسَ أن يُفطِرُوا.
ومن حديث سفيان الثوري، عن عبد الأعلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ عمرَ أجاز شهادةَ رجلٍ واحدٍ في رؤية الهلالِ في فطرٍ أو أضحى.
ثم قال: هكذا رواه عبد الأعلى، وهو ضعيف، وابن أبي ليلى لم يُدرك عمرَ، وقد خالَفَه أبو وائل، رواه عن عمرَ أنَّه قال: لا تُفطِرُوا حتى يشهدَ شاهدان، ثم أَفرَدَهُ -كما سيأتي-، وقال: هو أصح (٤).
стр. 390
أثر في حكمه إذا رؤي نهارًا
(٢٥٦) قال أبو بكر الشافعي (١): ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي (٢)، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: كنا بخانِقين (٣)، فأَهلَلْنا هلالَ شوال (٤)
-يعني: نهارًا-، فمنَّا من صام، ومنَّا من أَفطَرَ، فأتانا كتابُ عمرَ: إنَّ الأهلَّةَ بعضُها أكبرُ من / (ق ١٠٤) بعض، فإذا رأيتم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِرُوا، إلا أن يَشهدَ رجلان أنهما أهلاَّه أمس.