أثر في كراهة صيام رجب كلّه
(٢٨٥) قال سعيد بن منصور في «سننه» (١): ثنا سفيان، عن مِسْعَر، عن وَبرة بن عبد الرحمن، عن خَرَشة بن الحُرِّ قال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب ﵁ يَضرِبُ أيدِيَ الرِّجالَ إذا رَفَعوها عن الطعامِ في رجبٍ حتى يَضَعوها فيه، ويقول: إنما هو شهرٌ كان أهلُ الجاهليةِ يُعظِّمونَهُ.
هذا إسناد جيد.
وكذا روِّيناه من حديث سعدان بن يحيى، وشعبة، وأبي نعيم. كلُّهم عن مِسْعَر، به.
стр. 422
حديث في استحباب صيام أيام الليالي البيض
(٢٨٦) قال الإمام أحمد (١): ثنا أبو النضر، ثنا المسعودي، عن حكيم بن جُبَير، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحَوتكيَّة، قال: أُتِيَ عمرُ بن الخطاب بطعامٍ، فدعا إليه رجلاً، فقال: إني صائمٌ. فقال: وأيَّ الصيامِ تصومُ؟ لولا كراهيةُ أن أَزيدَ أو أَنقُصَ لحدَّثتُكم بحديث النبيِّ ﷺ حين جاءه الأعرابيُّ بالأرنبِ، ولكن أَرسِلُوا إلى عمَّار. فلما جاء عمَّار قال: / (ق ١١٣) أشاهدٌ أنت رسولَ الله ﷺ يوم جاءه الأعرابيُّ بالأرنبِ؟ قال: نعم. قال: إني رأيتُ بها دمًا، فقال: «كُلُوها». قال: إني صائمٌ، قال: «وأيَّ الصِّيامِ تَصومُ؟». قال: أوَّلَ الشهرِ وآخرَه. قال: «إنْ كنتَ صائمًا فصُمْ الثلاثَ عشرةَ، والأربعَ عشرةَ، والخمسَ عشرةَ».
هذا إسناد حسن جيد، وليس في الكتب السِّتة، والمسعودي وشيخه فيهما كلام، وابن الحَوتكيَّة اسمه: يزيد.
وقد رواه يوسف بن يعقوب القاضي، عن محمد بن بكر، عن سفيان بن عيينة (٢)، عن محمد بن عبد الرحمن وحكيم بن جُبَير، كلاهما عن موسى بن طلحة، عن ابن الحَوتكِيَّة قال: قال عمرُ: مَن حاضرنا يوم
стр. 423
القاحَة (١)؟ قال أبو ذر: أنا، أتى رجلٌ بأرنب، فقال رجل: أنا رأيتها تَدمَى (٢)، فكأنَّه اتَّقاها، فأمر أن يأكلوا منها، وكان الرجلُ صائمًا، فقال له رسولُ الله ﷺ ، فذَكَر شيئًا، لا أدري ما هو؟ قال: «فأين أنت عن الغُرِّ البيض: ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ».
وقد رواه حماد بن سَلَمة (٣)،
عن حجَّاج بن أرطاة، عن عثمان بن عبد الله بن مَوهَب، عن موسى بن طلحة، عن يزيد بن الحَوتكِيَّة، به.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (٤): لا أعلم أحدًا سمَّى ابنَ الحَوتكِيَّة غيرَ حجَّاج بن أرطاة.
حكاه الضياء في كتابه «المختارة» (٥) في مسند عمر منها (٦).
стр. 424
قلت: وهذا الحديث مناسَب أن يُذكر في مسند أبي ذرّ، أو عمَّار بن ياسر، وفي مسند عمرَ ﵁، فقدَّمناه سَلَفًا وتعجيلاً.
/ (ق ١١٤) حديث في ليلة القَدر
(٢٨٧) قال الإمام أحمد (١): ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن
стр. 427
عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال عمرُ ﵁: قال رسولُ الله ﷺ : «مَن كان منكم مُلتَمِسًا ليلةَ القَدرِ، فليَلتَمِسْها في العَشرِ الأواخرِ وِترًا».
وهكذا رواه علي ابن المديني، عن حسين بن علي الجُعفِي، به.
وقال: هو حديث صالح، ليس مما يسقط، وليس ممَّا يحتجُّ به، وقد روي عن رسول الله ﷺ تثبيت هذا الحديث (١).
ورواه الهيثم بن كُلَيب الشاشي (٢)، عن عباس بن محمد بن حاتم، عن حسين الجُعفِي، به.
والحافظ أبو يعلى الموصلي (٣)، عن أبي خيثمة، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، به.
(٢٨٨) وقال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة (٤): ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عمرَ قال: لقد عَلِمتُم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «اطلُبُوها في العَشرِ الأواخِر وِتْرًا».
стр. 428
قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبدالواحد المقدسي في كتابه «المختارة» (١): ولهذا الحديث شاهد من حديث ابن عمر (٢)، وابن عباس ﵄ (٣).
стр. 429
حديث في الاعتكاف
(٢٨٩) قال الإمام أحمد (١): ثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ أنَّه قال: يا رسولَ الله، إنِّي نَذَرتُ في الجاهلية أنْ أَعتَكِفَ في المسجدِ الحرامِ ليلةً، فقال له: «فأَوْفِ بنَذرِكَ».
وأخرجه الجماعة (٢) من طرق، / (ق ١١٥) عن عبيد الله بن عمر العُمَري، به.
وقد روى هذا الحديثَ علي ابن المديني، عن يحيى بن سعيد القطَّان -شيخ الإمام أحمد-، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، به، فجعله من مسند عبد الله، ولم يَذكر عمرَ (٣).
وكذلك رواه -أيضًا-، عن سفيان بن عيينة (س ق) (٤)، عن أيوب، عن نافع، عنه.
стр. 430
ثم قال: وحدَّثناه حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ، به (١).
قال: ولم أسمعه عن عمرَ إلا من هذا الوجه، فإن كان حفص حفظه؛ فهو من مسند عمر، وإلا، فإنَّ يحيى قد خالَفَه.
هكذا قال، وقد رواه الإمام أحمد (٢) عن يحيى، فجعله من مسند عمرَ، فالله أعلم.
وقال مسلم بن الحجَّاج في «صحيحه» (٣): ثنا محمد بن عمرو بن جَبَلة، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن نافع (٤)، عن ابن عمرَ، عن عمرَ: أنَّه جعل على نفسه يومًا يعتكفه، فقال النبيُّ ﷺ : «أوْفِ بنَذرِكَ».
فهذه طريق أخرى عن عبيد الله، فيها أنَّه من مسند عمرَ (٥).
وسنورد هذا الحديث بتمام طرقه وألفاظه في مسند عبد الله بن عمر إذا وَصَلنا إليه، إن شاء الله تعالى (٦).
стр. 431
كتاب الحجِّ
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية (١).
ذِكر بيان أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ هو أوَّل من وَضَع التاريخَ، وجعله منوطًا بالأهلَّة الهجرية، ووافقه على ذلك الصحابةُ / (ق ١١٦) رضوان الله عليهم.
(٢٩٠) قال الإمام أحمد (٢):
ثنا خالد بن حيَّان، ثنا فُرَات بن سلمان، عن ميمون بن مِهران قال: رُفِعَ إلى عمرَ ﵁ صَكٌّ (٣) مَحَلُّه في شعبان،
стр. 432
فقال عمرُ: أيُّ شعبانٍ؟ هذا الذي مَضَى، أو الذي هو آتٍ، أو الذي نحن فيه؟ ثم جَمَع أصحابَ رسولِ الله ﷺ فقال: ضَعُوا للناس شيئًا يَعرفونه. فقال قائلٌ: اكتُبُوا على تاريخِ الرُّومِ. فقيل: إنَّه يَطولُ، وإنهم يَكتبون من عند ذي القَرنين. وقال قائلٌ: اكتُبُوا تاريخَ الفُرْسِ، كُلَّما قام مَلِكٌ طَرَح ما كان قبلَه (١). فاجتَمَع رأيُهُم على أن يَنظُرُوا: كم أقام رسولُ الله ﷺ بالمدينة؟ فوَجَدوه أقامَ بها عشرَ سنينَ، فكَتَب أو كُتِبَ التاريخُ على هجرةِ رسولِ الله ﷺ .
(٢٩١) وقال حنبل بن إسحاق (٢):
ثنا هارون بن معروف، ثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني عثمان بن عبيد الله قال: سَمِعتُ سعيدَ
стр. 433
بن المسيّب قال: جَمَع عمرُ بن الخطاب المهاجرينَ والأنصارَ، فقال: متى نكتبُ التاريخَ؟ فقال عليُّ بن أبي طالب: منذُ خَرَج النبيُّ ﷺ من أرض الشِّرك. يعني: من يوم هاجَرَ. قال: فكَتَب ذلك عمرُ بن الخطاب.
(٢٩٢) قال حنبل (١): وحدثني أبي -إسحاق-، ثنا محمد بن عمر، ثنا ابن أبي سَبِرَة، عن عثمان بن عبد الله (٢) بن رافع، عن ابن المسيّب قال: أوَّلُ مَن كَتَب التاريخَ عمرُ لسنتين ونصفٍ من خلافته، فكُتِبَ لستَّ عشرةَ من الهجرة بمشورةٍ من عليِّ بن أبي طالب.
(٢٩٣) / (ق ١١٧) قال محمد بن عمر -وهو: الواقدي- (٣): وحدثنا ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: استشار عمرُ في التاريخ، فأَجمَعوا على الهجرة.
стр. 434
أثر عن عمر في وجوب الحجِّ
(٢٩٤) قال الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ﵀: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، قال: حدثني عبد الرحمن بن غَنم، سَمِعَ عمرَ بن الخطاب يقول: مَن أطاق الحجَّ فلم يحجَّ، فسواءٌ عليه يهوديًا مات أو نصرانيًا.
رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في «مسند عمر» من حديث الأوزاعي (١). وهو إسناد صحيح عنه.
وقد روي من وجوه أخر مرفوعًا (٢)،
والله أعلم.
أثر آخر
(٢٩٥) قال محمد بن إسماعيل البصلاني: أنا محمد بن يحيى القُطَعي، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة قال: ذُكِر لنا أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: لقد هَمَمتُ أنْ أَبعثَ إلى الأمصارِ، فلا يُوجدُ رجلٌ قد بَلَغ سنًّا، وله سَعَةٌ ولم يحجَّ؛ إلا ضَرَبتُ عليه الجزيةَ، والله ما أولئكَ بمسلمينَ. والله ما أولئكَ بمسلمينَ.
ورواه سعيد في «سننه».
هذا منقطع بين قتادة وعمر ﵁.
أثر آخر
(٢٩٦) قال الدارقطني (١): ثنا أبو محمد ابن صاعد، ثنا أبو عبيد (٢) المخزومي، ثنا هشام بن سليمان وعبد المجيد، عن ابن جريج (٣) قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثل قول عمر بن الخطاب: السَّبيلُ: الزَّادُ والراحلةُ.
وقد رواه ابن ماجه في «سننه» (٤) من حديث ابن جريج، حدَّثنيه عمر
стр. 437
بن عطاء، -وهو: ابن وَرَاز، وهو ضعيف-، عن عكرمة، عن ابن عباس، فرَفَعه.
وسيأتي (١) الكلام على ذلك في مسند ابن عباس إن شاء الله.
أثر آخر
(٢٩٧) قال أبو عبيد (٢):
ثنا يحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، عن سَلِيم (٣) بن حيَّان، عن موسى بن قطن، عن أُميَّة بن مُحرِز (٤)، عن عمرَ أنَّه قال: حجُّوا بالذُّريَّة، لا تأكلوا أرزاقَها، وتَذَرُوا أربَاقَهَا في أعناقِها.
قال أبو عبيد: قلت ليحيى: ما وجه هذا الحديث؟ فقال: لا أعرفه. فقلت: إنَّه لم يُرد بالذُّريَّة الصبيانَ، وإنما أراد النساءَ، كما في الحديث: أنَّه رأى امرأةً مقتولةً، فقال: «مُرُوا خالدًا: ألا يَقتُلَ ذُرِيَّةً ولا عَسِيفًا» (٥).
قال: والأرباق: هي التي تُوضَع في أعناق الأسارى.
قال زُهَير:
أَشَمُّ أبيضُ فيَّاضٌ يُفَكِّكُ عن ... أيدي العُناةِ وعن أعناقِها الرِّبقَاَ
стр. 440
حديث في فرضية الحجِّ والعمرة
(٢٩٨) قال الإمام أحمد ﵀ (١): ثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، يحدِّث عن عمر، يَبلُغُ به -وقال سفيان مرَّة: عن النبيِّ ﷺ قال-: «تَابِعوا بين الحجِّ والعمرةِ، فإنَّ مُتابَعةً بينهما يَنفِيانِ الفقرَ والذنوبَ، كما يَنفِي الكِيرُ الخَبَثَ».
وهكذا رواه ابن ماجه (٢)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان / (ق ١١٩) -وهو: ابن عيينة-، به.
ورواه الحافظ أبو يعلى (٣)، عن القَوَاريري، وأبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة، به.
وقد رواه ابن ماجه -أيضًا- (٤)، عن ابن أبي شيبة، عن محمد بن بِشر، عن عبيد الله بن عمر، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر، به.
ورواه علي ابن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم -قال سفيان: مرَّة كان يقول:- عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر! ومرَّة: عن عبد الله بن عامر، عن عمر، ولا يقول: «عن أبيه».
وزاد فيه مرَّة: «ويَزيدانِ في العمرِ».
وضعَّفه سفيان جدًّا.
قال ابن المديني: وعاصم بن عبيد الله: ضعيف.
стр. 441
قلت: عاصم بن عبيد الله هذا هو: العُمَري، وهو ضعيف جدًّا، وقد اختلفوا عليه في هذا الحديث، كما قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀ (١): روى هذا الحديث زُهَير، وابن نُمَير، وعَبدة بن سليمان، وأبو حفص الأبَّار، وأبو بدر، ومحمد بن بِشر، كلُّهم عن عبيد الله بن عمر، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب، به.
وخالَفَهم علي بن مُسْهِر، وأبو أسامة، ويحيى بن سعيد، فرَوَوه عن عبيد الله بن عمر، لم يَذكروا في الإسناد: «عن أبيه».
ورواه سفيان بن عيينة فجوَّد إسنادَه، وبيَّن أن عاصمًا كان يضطَّرب فيه، فمرَّة يُنقص من إسناده رجلاً، ومرَّة يزيد فيه، ومرَّة يَقِفه على عمر.
قال ابن عيينة: وأكثر ذلك كان يقوله: «عن عبد الله بن عامر، عن أبيه، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ».
قال الدارقطني: وعاصم بن عبيد الله: ليس بحافظ.
ثم أَطنَبَ الدراقطنيُّ / (ق ١١٩) في تعليله هذا الحديث، وقد ذَكَرنا من كلامه ما فيه كفاية إن شاء الله، وبه الثقة (٢).
стр. 442
أثر في فضل الحجِّ والعمرة والجهاد
(٢٩٩) قال أبو عبيد (١):
ثنا ابن عُليَّة، عن إسحاق بن سُوَيد، عن حُرَيث بن الربيع -وهو أخو حُجَير بن الرَّبيع-، عن عمرَ أنَّه قال: كَذَب عليكم الحجُّ، كَذَب عليكم العمرةُ، كَذَب عليكم الجهادُ، ثلاثةُ أسفارٍ كَذَبنَ عليكم.
قال ابن عُليَّة: قال إسحاق بن سُوَيد: العرب تقول للمريض: كَذَب عليك العسلُ، كَذَب عليك كذا وكذا، أي: عليك به.
وكذلك حكى أبو عبيد عن الأصمعي: أنَّ معناه: الإغراء.
стр. 443
أثر في استحباب الحجِّ عامًا والغزو عامًا
(٣٠٠) قال أبو عبيد (١): ثنا يحيى بن سعيد، عن ثابت بن يزيد الأودي، عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنَّه قال: حَجَّةٌ ههنا، ثم احْدِجْ ههنا، حتى تَفْنَى.
قال أبو عبيد: قوله: ثم احْدِجْ ههنا: يعني: إلى الغزو، والحَدْجُ: شدُّ الأحمالِ وغيرُها، أَحْدِجُها حَدْجًا.
قال طَرَفَة:
كأنَّ حُدوجَ المالِكِيَّة غُدْوَةً ... خَلايَا سَفينِ بالنَّواصفِ من دَد
قال أبو عبيد: والذي يراد من هذا الحديث أنَّه فضَّل الغزو بعد حجَّة الإسلام على الحجِّ، ولهذا قال: حتى تَفْنَى: أي: تَهرِمَ.
وهذا الذي قاله أبو عبيد ﵀ أَظهر ممَّا ترجمت به الأثر، وإن كان ذاك محتملاً، والله أعلم.
стр. 444
حديث في جواز الحُدَاء في السَّفر من حجٍّ وغيره
(٣٠١) قال الإمام محمد بن عبد الرحمن المخلِّص: ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا محمد بن يحيى بن كثير الحرَّاني بها، ثنا محمد بن موسى بن أَعْين، ثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: قال عمرُ: قال رسولُ الله ﷺ لعبد الله بن رواحة: «لو حَرَّكتَ بنا الرِّكابَ». فقال: لقد تَرَكتُ قولي. فقال له عمر: اسمَعْ وأَطِعْ. فقال:
اللهمَّ لولا أنت ما اهْتَدَينا ... ولا تَصدَّقنا ولا صَلَيْنا
فأَنْزِلَنْ سكينةَ علينا ... وثبِّتِ الأقدامَ إن لاَقَيْنا
فقال رسولُ الله ﷺ : «اللهمَّ ارْحَمْهُ». فقال عمرُ: وجَبَتْ.
ورواه النسائي (١)، عن محمد بن يحيى بن كثير الحرَّاني، به.
واختاره الضياء في كتابه (٢).
стр. 445
أثر في ذلك عن عمر
(٣٠٢) قال الإمام أحمد (١):
ثنا أبو النَّضر، ثنا شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر قال: سَمِعَ عمرُ ﵁ صوتَ ابن المُغتَرِف الحادي في جوف الليل، ونحن منطلقون إلى مكةَ، فأَوْضَعَ عمرُ راحلتَهُ حتى دخل مع القوم، فإذا هو مع عبد الرحمن -يعني: ابن عوف-، فلما طلع الفجرُ، قال عمرُ: الآن اسْكُتْ، الآن قد طلع الفجرُ، اذكروا اللهَ.
أثر آخر
(٣٠٣) قال أبو عبد الله ابن بطَّة ﵀: ثنا ابن أبي العقب، ثنا أبو زرعة، أنا ابن أبي مريم، أنا أسامة بن زيد، عن أبيه، / (ق ١٢٠) عن
стр. 446
جدِّه قال: خَرَجنا مع عمرَ للحجِّ، فسَمِعَ رجلاً يغنِّي، فقيل: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ هذا يغنِّي، وهو مُحرِمٌ! فقال: دَعُوهُ، فإنَّ الغناءَ زادُ الراكبِ (١).
أسامة بن زيد بن أسلم قد تكلَّموا فيه.
أثر آخر
(٣٠٤) قال يعقوب بن سفيان (٢):
ثنا ابن بَشَّار، ثنا محمد بن عبد الله بن الزُّبير، ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: كان عمرُ ينهى أن يُعرِّضَ الحادِي بذِكرِ النساءِ، وهو مُحرِمٌ.
هذا منقطع.
стр. 447
أثر في قلة الكلفة في طريق الحج
(٣٠٥) قال محمد بن إسحاق بن خزيمة (١): ثنا أحمد بن عَبدة، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: خَرَجت مع عمرَ بن الخطاب حاجًّا إلى أن رَجَعنا، فما ضَرَبَ فُسْطاطًا (٢) ولاخِباءً، كان يُلقِي الكساءَ والنِّطعَ على الشجرةِ، فيَستَظِلُّ به.
إسناده صحيح.
стр. 448
أثر آخر في خروج المرأة في الحجِّ مع من تأمن معه على نفسها
(٣٠٦) قال البخاري (١): قال لي أحمد بن محمد: ثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدِّه قال: أَذِنَ عمرُ ﵁ لأزواجِ النبيِّ ﷺ في آخرِ حجَّةٍ حجَّها، فبَعَثَ معهنَّ عثمانَ بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف ﵄.
هذا يُعدُّ من تعليقات البخاري الجيِّدة القوية (٢).
стр. 449
وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ففيه انقطاع بين إبراهيم بن عبد الرحمن وبين عمر (١)، اللهمَّ إلا أن يقال: إنَّه سَمِعَه من أبيه، وهذا هو الظاهر, ولهذا اختاره البخاري من تعليقات كتابه «الصحيح».
/ (ق ١٢١) أثر آخر
(٣٠٧) قال الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي: أنا سعد الخير بن محمد الأنصاري، أنا طُرَاد بن محمد، أنا ابن رَزقويه، أنا محمد بن يحيى بن عمر، ثنا علي بن حرب (٢)
قال: ثنا سفيان بن عيينة،
стр. 450
عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب قال: رَدَّ عمرُ بن الخطاب نسوةً من البَيداءِ خَرَجنَ مُحرِمَاتٍ في عِدَّتِهِنَّ.
стр. 451
حديث في المواقيت
(٣٠٨) قال البخاري (١): ثنا علي بن مسلم، ثنا عبد الله بن نُمَير، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: لما فُتِحَ هذان المِصْران (٢) أَتَوا عمرَ، قالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ رسولَ الله ﷺ حَدَّ لأهلِ نجدٍ قَرْنًا (٣)، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنَّا إنْ أَرَدْنا قَرْنًا شَقَّ علينا. قال: فانظُرُوا حَذْوَهَا من طريقكم، فحَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ (٤).
تفرَّد به البخاري.
وهو في «صحيح مسلم» (٥) عن جابر، كالمرفوع (٦):
أنَّ رسولَ الله ﷺ حَدَّ لأهلِ العراقِ ذاتَ عِرْقٍ.
أثر في كراهية الإحرام قبل الميقات
(٣٠٩) قال محمد بن إسماعيل البصلاني: ثنا محمد بن يحيى القُطَعي، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أنَّ عمرانَ ابن حصين أَحرَمَ من البصرةِ، فقَدِمَ على عمرَ بن الخطاب، فأَغلَظَ له، ونَهَاهُ عن ذلك، وقال: يَتَحدَّثُ الناسُ أنَّ رجلاً من أصحابِ محمدٍ ﷺ أَحرَمَ من مصرٍ من الأمصارِ (١)!
هذا منقطع، اللهمَّ إلا أن يكون الحسن قد سَمِعَه من عمران بن حصين (٢)، والله أعلم.
стр. 457
/ (ق ١٢٢) حديث في أفضلية القِران
(٣١٠) قال الإمام أحمد (١): ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، أنَّ يحيى بن أبي كثير حدَّثه عن عكرمة مولى ابن عباس قال: سَمِعتُ ابن عباس يقول: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول -وهو بالعقيق (٢) -: «أتاني الليلةَ آتٍ من ربِّي ، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المُبارَكِ، وقُل: عمرةً في حجَّةٍ».
قال الوليد: يعني: ذا الحُلَيفة (٣).
ورواه البخاري في الحجِّ (٤)، عن الحميدي، عن الوليد بن مسلم وبِشر بن بكر.
وفي المزارعة (٥)، عن إسحاق بن إبراهيم، عن شعيب بن إسحاق.
وأبو داود في الحج (٦)، عن النُّفَيلي، عن مسكين بن بُكَير.
وابن ماجه (٧)، عن دحيم، عن الوليد بن مسلم.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن مصعب القُرْقُسَاني.
خمستهم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، به.
стр. 458
ورواه البخاري -أيضًا- في كتاب الاعتصام (١)، عن سعيد بن الرَّبيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، به.
وقد رواه علي ابن المديني، عن الوليد بن مسلم، به، وقال: هذا حديث جيِّد الإسناد، وهو صحيح من حديث عمر.
حديث آخر
(٣١١) قال الإمام أحمد (٢): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي وائل: أنَّ الصُّبَيَّ بن مَعبَد كان نَصرانيًا تَغْلِبيًا أَعرابيًا، فأَسلَمَ، (فقال) (٣): أيُّ العملِ أفضلُ؟ فقيل له: الجهادُ في سبيل الله . فأراد أن يجاهدَ، فقيل له: حَجَجتَ؟ فقال: لا. فقيل: حُجَّ واعتَمر، ثم جاهِد في / (ق ١٢٣) سبيل الله. فانطَلَق، حتى إذا كان بالحوائطِ أَهَلَّ بهما جميعًا، فرآه زيد بن صُوْحَان، وسلمان بن ربيعة، فقالا: لَهُوَ أَضلُّ من جَمَلِهِ. أو: ما هذا بأَهدى من ناقتِهِ. فانطَلَق إلى عمرَ، فأَخبَرَه بقولهما، فقال له: هُدِيتَ لسُنَّة نبيِّكَ ﷺ .
قال الحكم، فقلت لأبي وائل: أحدَّثك الصُّبَيُّ؟ فقال: نعم.
ثم رواه أحمد (٤)، عن سفيان (٥)، عن منصور، عن أبي وائل. وعن سفيان (٦)، عن عَبدة بن أبي لُبَابة، عن أبي وائل، به.
стр. 459
وفي آخره: قال عَبدة: قال أبو وائل: كثيرًا ما ذهبتُ أنا ومسروق إلى الصُّبَيِّ نسألُهُ عنه.
ورواه أبو داود (١)، والنسائي (٢) من حديث جرير -زاد النسائي: وزائدة-. كلاهما عن منصور، عن أبي وائل -واسمه: شقيق بن سَلَمة-، قال: قال الصُّبَيُّ بن مَعبَد ... ، فذَكَره.
ورواه النسائي -أيضًا- (٣) من حديث ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد وغيره، عن رجلٍ من أهل العراق، يقال له: شقيق، بمعناه.
ورواه ابن ماجه (٤)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمَّار. كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عَبدة بن أبي لُبَابة، عن أبي وائل، به.
وعن علي بن محمد، عن وكيع، وأبي معاوية، ويعلى بن عبيد. ثلاثتهم عن الأعمش، عن شقيق، بمعناه.
وقال الإمام أحمد -أيضًا- (٥): ثنا يحيى، عن الأعمش، ثنا شقيق، ثنا الصُّبي بن مَعبَد -وكان رجلاً نَصرانيًا من بني تَغْلِب- قال: كنتُ نصرانيًا، فأَسلَمْتُ، فاجتَهَدتُ، فلم آلُ، فأَهلَلتُ بحجَّةٍ وعمرةٍ، فمَرَرتُ بالعُذَيبِ (٦) على سلمان بن ربيعة، وزيد بن صُوْحَان، فقال أحدهما: أبهما جميعًا؟! فقال له صاحبه: دَعْهُ، فلَهُوَ أَضلُّ من بعيره.
стр. 460
قال: فكأَنما بعيري / (ق ١٢٤) على عُنُقي، فأَتيتُ عمرَ ﵁، فذَكَرتُ ذلك له، فقال لي عمر: إنهما لم يقولا شيئًا، هُدِيتَ لسُنَّةِ نبيِّكَ ﷺ .
ورواه أحمد بن مَنيع في «مسنده» (١)، عن هشيم، عن سيَّار، عن أبي وائل، به.
قلت: فهو محفوظ، بل متواتر إلى أبي وائل، وقد صرَّح فيه بالتحديث عن الصُّبَيِّ بن مَعبَد، فهو على شرط البخاري ومسلم، فعَجَبًا لهما إذ لم يخرجاه! والظاهر أنهما عَدَلا عنه، لأنَّه لم يَرو عن الصُّبي بن مَعبَد إلا أبو وائل وحده، لكن في «الصحيحين» من هذا الضرب من الأحاديث قطعة، ثم قد سَمِعَه منه مسروق.
ولهذا قال الإمام علي ابن المديني: لا أعلم أحدًا رواه عن الصُّبَيِّ بن مَعبَد غير أبي وائل، ومما حسَّن الحديثَ: أنَّ مسروقًا سأل الصُّبَيَّ بن مَعبَد عن هذا الحديث، ثم أَسنَدَ ذلك، كما تقدَّم، ثم قال: وهو عندي حديث صحيح، ثم قال:
(٣١٢) ثنا يزيد بن زُرَيع، ثنا سعيد، عن أبي مَعشر، عن إبراهيم النَّخَعي: أنَّ عمرَ بن الخطاب أمَرَ الصُّبَيَّ أنْ يَذبَحَ شاةً.
ثم قال: فهذا مما يقوِّي حديث الصُّبَيِّ، لأن إبراهيمَ من الفقهاء.
قلت: وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البُستي في كتابه «الصحيح» (٢).
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀ (٣)، وقد سُئل عن هذا