/ (ق ١٩٣) حديث في النهي عن العزل (١) عن الحُرَّة إلا بإذنها
(٥٢١) قال الإمام أحمد (٢): ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لَهِيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن محرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن العزل عن الحُرَّةِ إلا بإذنِها.
стр. 702
ورواه ابن ماجه (١)، عن الحسن بن علي الخلاَّل، عن إسحاق بن عيسى، به.
وهذا إسناد حسن جيد (٢)،
والله أعلم.
стр. 703
أثر آخر
(٥٢٢) قال الشافعي (١): أنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة -وكان ثقة-، عن سليمان بن يَسَار، عن عبد الله بن عُتبة: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: يَنكِحُ العبدُ امرأتين، ويُطلِّقُ تطليقتين، وتَعتدُّ الأَمَةُ حيضتين، فإنْ لم تكن تحيضُ فشهرين، أو شهرًا ونصفًا.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٢): وروى الثوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه (٣)، عن علي بن أبي طالب مثلَه (٤)، وروي عن عبد الرحمن بن عوف (٥)
مثل قولهما، ولا يُعرَف لهم مخالِفٌ من الصحابة.
стр. 704
وقال الشافعي (١): هذا قول الأكثر من المفتين بالبلدان.
стр. 705
أثر آخر في الخيار في النكاح
(٥٢٣) قال الشافعي (١) أنا مالك (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب قال: قال عمرُ: أيُّما رجلٌ تزوَّج امرأةً وبها جنونٌ، أو جُذامٌ، أو بَرَصٌ، (٣)، فَمَسَّها، فلها صداقها، وذلك لزوجها غُرْمٌ على وليِّها.
إسناد صحيح.
стр. 706
أثر آخر
(٥٢٤) قال الشافعي (١): أنا ابن عيينة، أنا الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ أنَّه قال في العنِّين: يُؤجَّل سَنَةً، فإنْ قَدَرَ عليها، وإلا فُرِّقَ بينهما.
صحيح أيضًا.
стр. 707
حديث في الصَّداق
(٥٢٥) قال أبو بكر البزَّار (١): ثنا يوسف بن موسى، ثنا الفضل بن دُكَين، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُصدِقْ أحدًا من نسائِهِ أكثرَ من ثنتي عشرةَ وُقِيَّةً.
إسناده جيد، ليس فيه متكلَّم فيه سوى العُمَري وحده (٢).
حديث آخر
(٥٢٦) قال الإمام أحمد (٣): ثنا إسماعيل، ثنا سَلَمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال: نبِّئت عن أبي العَجْفاء السُّلمي قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: ألا لا تَغلُوا في صُدُق النساءِ، فإنها لو كانت مَكرُمةً في الدنيا، أو تقوًى عند الله؛ كان أولاكم بها النبيُّ ﷺ ، ما أَصْدقَ رسولُ اللهِ ﷺ امرأةً من نسائِهِ، ولا أُصدِقَتْ امرأةٌ من بناته أكثرَ من ثنتي عشرةَ أوقيَّةً، وإنْ كان الرَّجلُ لَيُبتَلَى بصَدُقةِ امرأتِهِ، حتى يكونَ لها عداوةٌ في نفسه، / (ق ١٩٤) وحتى يقولَ: كلِّفتُ إليك عَلَقَ القِربة (٤). قال: وكنتُ غلامًا عربيًا
стр. 708
مُولَّدًا (١)، لم أدرِ ما عَلَقُ القِربةِ.
قال: وأخرى تقولونها لمن قُتِلَ في مغازيكم: قُتِلَ فلانٌ شهيدًا، أو مات فلانٌ شهيدًا، ولعله أنْ يكونَ قد أوقَرَ (٢) عَجُزَ دابته، أو دَفَّ (٣) راحلته ذهبًا أو وَرِقًا يلتمسُ التجارةَ، لا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا، كما قال النبيُّ ﷺ : «مَن قُتل أو مات في سبيلِ اللهِ، فهو في الجنةِ».
طريق أخرى
(٥٢٧) قال أحمد (٤): ثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، سَمِعَه من أبي العَجْفاء قال: سَمِعتُ عمرَ يقول ... ، فذَكَره.
طريق أخرى
(٥٢٨) قال أحمد (٥): ثناه إسماعيل مرَّة أخرى، أنا سَلَمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء (٦) قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: ألا لا تُغلُوا
стр. 709
صُدُقَ النساءِ ... ، فذَكَر الحديث.
قال إسماعيل: وذَكَر أيوب، وهشام، وابن عَون، عن محمد، عن أبي العَجْفاء، عن عمرَ، نحوًا من حديث سَلَمة، إلا أنهم قالوا: لم يقل محمدٌ: نُبِّئتُ عن أبي العَجْفاء.
وقد رواه أهل السُّنن في كتبهم بنحوه، فرواه أبو داود (١)، عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد.
والترمذي (٢)، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة.
كلاهما عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء السُّلمي، واسمه: هَرِم بن نُسَيب البصري.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٣).
ورواه ابن ماجه (٤) من حديث ابن عَون، عن محمد بن سيرين، به.
وأخرجه النسائي (٥)، عن علي بن حُجر، عن إسماعيل / (ق ١٩٥) بن عُليَّة، عن أيوب، وابن عَون، وسَلَمة بن علقمة، وهشام بن حسان -دخل حديث بعضهم في بعض-، أربعتهم عن محمد بن سيرين، به.
وفي حديث سَلَمة، عن ابن سيرين قال: نُبِّئتُ عن أبي العَجْفاء ... ، فذَكَره.
стр. 710
ورواه ابن حبان في «صحيحه» (١)، عن الحافظ أبي يعلى، عن زُهَير بن حرب، عن يزيد بن هارون، عن ابن عَون، وهشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء، به.
وقد رواه محمد بن سعيد بن سابق، عن عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن ابن أبي العَجْفاء، عن أبيه، عن عمرَ، وسمَّاه بعضهم: عبد الله بن أبي العَجْفاء (٢).
قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀ (٣): وقد خالف عمرو بن قيس (٤) الحمَّادان، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن عُليَّة، والحارث بن عُمَير، وعبد الوهاب الثَّقَفي، ومعمر، فرووه عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء.
وكذا رواه عن ابن سيرين: ابن عَون، وهشام بن حسان، ومنصور بن زَاذَان، وأشعث بن سوَّار، ومَطَر الوراق، والصَّلت بن دينار، ومحمد بن عمرو الأنصاري، وعوف الأعرابي، وإسماعيل بن مسلم، ومُجَّاعة بن الزُّبير، وعَبيدة بن حسان -هو: السِّنجاري-، وعُقبة بن خالد الشَّنِّي، ويحيى بن عَتيق، وأبو حُرَّة، وأخوه (٥).
قال: ورواه معاذ بن معاذ، عن ابن عَون، عن ابن سيرين، عن أبي
стр. 711
العَجْفاء، أو: ابن أبي العَجْفاء، عن عمرَ.
وقال منصور بن / (ق ١٩٦) زَاذَان، عن ابن سيرين: ثنا أبو العَجْفاء ... ، فذَكَره.
قال الدارقطني: فإنْ كان عمرو بن قيس (١) حفظه عن أيوب؛ فيشبه أن يكون ابن سيرين سَمِعَه من أبي العَجْفاء، وحَفِظَه عن ابن أبي العَجْفاء، عن أبيه -والله أعلم-، وذلك لقول منصور -وهو من الثقات الحفَّاظ-، عن ابن سيرين: حدثنا أبو العَجْفاء، ولكثرة مَن تابَعَه ممن رواه عن ابن سيرين، عن أبي العَجْفاء، والله أعلم.
ثم ذَكَر الدارقطني جماعة رووه من غير طريق أبي العَجْفاء، ثم قال: ولا يصح هذا الحديث إلا عن أبي العَجْفاء (٢).
стр. 712
قلت: بل قد رواه مسروق، عن عمرَ بن الخطاب بنحوه، كما سيأتي (١) في كتاب التفسير، إن شاء الله تعالى.
стр. 713
أحاديث تُذكر في الوليمة، وآداب الطعام
(٥٢٩) قال الحافظ أبو يعلى (١): ثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الكوفي، ثنا عَبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبيد الله، عن ابن عمرَ، عن عمرَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لا يأكلُ أحدُكُم بشمالِهِ، فإنَّ الشيطانَ يَأكلُ بشمالِهِ، ويَشربُ بشمالِهِ».
هذا إسناد صحيح (٢)، وليس هو في الكتب السِّتة، وإنما رواه مسلم (٣) من حديث عبد الله بن عمر، عن النبيِّ ﷺ .
قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀ (٤): وهذا هو المحفوظ.
/ (ق ١٩٧) حديث آخر
(٥٣٠) قال الإمام أحمد (٥): ثنا هارون، ثنا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، أنَّ عمرَ بن السائب حدَّثه، أنَّ القاسم بن أبي القاسمِ السبئي حدَّثه، عن قاصِّ الأجناد بالقسطنطينية، أنَّه سَمِعَه يحدِّث: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: يا أيها الناسُ، إني سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ
стр. 714
يقول: «مَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يَقعُدَنَّ على مائدةٍ يُدَارُ عليها الخمرُ، ومَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يَدخُلِ الحمَّامَ إلا بإزارٍ، ومَن كانت تؤمنُ باللهِ واليومِ والآخرِ فلا تَدخُلِ الحمَّامَ».
هذا إسناد حسن (١)، ليس فيه مجروح، ولم يخرِّجوه.
وعمر بن السَّائب هذا: ذَكَره أبو حاتم الرازي (٢)، فقال: روى عن القاسم بن أبي القاسم، وعنه: عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة.
وقال (٣) في شيخه القاسم بن أبي القاسم: روى عن قاصِّ الأجناد، وعنه: عمر بن السائب. ولم يزد على هذا القدر، وفيه مقنع، والله أعلم.
وقد أَفرَدتُ أحاديث الحمَّام في مُصنَّف على حِدَة (٤)، ولله الحمد والمنَّة.
стр. 715
حديث آخر
(٥٣١) قال الحافظ أبو بكر البزَّار (١): ثنا الفضل بن سهل، ومحمد بن عبد الرحيم قالا: ثنا الحسن بن موسى، ثنا سعيد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ قال: غلا السِّعرُ بالمدينةِ، فاشتدَّ الجَهدُ، فقال رسولُ الله ﷺ : «اصبِرُوا، وأَبشِرُوا، / (ق ١٩٨) فإنِّي قد بارَكتُ على صاعِكم ومُدِّكم، فكُلُوا ولا تَفَرَّقُوا، فإنَّ طعامَ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامَ الاثنين يكفي الأربعة، وطعامَ الأربعةِ يكفي الخمسةَ والسِّتةَ، وإنَّ البركةَ في الجماعةِ، فمَن صَبَرَ على لأوائِها وشِدَّتها كنتُ له شفيعًا، أو شهيدًا يومَ القيامةِ، ومَن خَرَجَ عنها رغبةً عمَّا فيها أَبدَلَ اللهُ به مَن هو خيرٌ منه فيها، ومَن أرادها بِسُوءٍ أذابَهُ اللهُ كما يَذوبُ الملحُ في الماءِ».
وقد روى ابن ماجه (٢) بعضه: «طعامُ الواحدِ يَكفي الاثنين، فكُلُوا جميعًا، ولا تَتَفرَّقُوا ...» الحديث. عن الحسن بن علي الخلاَّل، عن الحسن بن موسى -وهو: الأشيب-، به.
وعمرو بن دينار هذا هو: قَهْرمان آل الزُّبير، وهو ضعيف (٣)،
والله أعلم.
стр. 716
ففيه دلالة على استحباب الاجتماع على الطعام كما هو المألوف من شيم العرب لا التفرُّق فيه، كما هو طريقة العجم من المتصوفة وغيرهم.
стр. 717
أثر فيه أدب كريم
(٥٣٢) قال الحافظ أبو نعيم (١): ثنا عبد الله بن محمد، ثنا أحمد بن الحسين، ثنا الدَّورقي، حدثني عبيد بن الوليد الدمشقي قال: سَمِعتُ سهلاً -يعني: ابن هاشم- يَذكر عن إبراهيم بن أدهم: أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: لؤمٌ بالرَّجلِ أنْ يرفعَ يديه (٢) من الطعامِ قبلَ أصحابِهِ.
هذا منقطع معضل.
أثر آخر
(٥٣٣) قال عبد الله بن المبارك (٣): أنا حماد بن سَلَمة، / (ق ١٩٩) عن رجاء أبي المِقدام الشَّامي، عن حميد بن نعيم: أنَّ عمرَ بن الخطاب وعثمانَ بن عفان دُعيا إلى طعام، فأجابا، فلمَّا خَرَجا قال عمرُ لعثمان: قد شَهِدتُ طعامًا وَدِدتُ أني لم أَشهدهُ. قال: وما ذاك؟ قال: خشيتُ أن يكونَ جُعِلَ مُباهاةً.
стр. 718
حديث آخر غريب
(٥٣٤) رأيت على ظَهر كتاب «الموطأ» -رواية يحيى بن يحيى-، أحضره لي الشيخ الصالح أحمد الواسطي ... (١)، أخبرني أبو عبد الله بن قاسم، ثنا مُطيَّن أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان، ثنا محمد بن العلاء، ثنا مختار بن غسَّان، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن أحمد بن رومان قال: سُئل عمرُ بن الخطاب عن طعام العُرس، قالوا: مالَهُ أطيبُ ريحًا من طعامنا؟ فقال عمرُ: قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ طعامَ العُرسِ مَثَاقيلٌ من ريحِ الجَنَّةِ». قال عمرُ: دعا اللهَ إبراهيمُ خليلُ اللهِ، ونبيُّ الله محمدٌ أنْ يُبارِكَ اللهُ فيه، وأنْ يُطيِّبهُ (٢).
стр. 719
حديث يُذكر في عشرة النساء
(٥٣٥) قال أبو داود الطيالسي (١):
ثنا حماد بن زيد (٢)، عن معاوية بن قُرَّةَ المُزَني قال: أتيتُ المربدَ (٣) زمنَ الأَقِط (٤) والسَّمن، والأعراب يأتون بالبُرقان (٥)، فيبيعونها، فإذا برجلٍ طامحٍ بصرُهُ، ينظرُ إلى الناسِ، فظننتُ أنَّه غريبٌ، فدَنَوتُ منه، فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ السلامَ، وقال لي: أمِن أهل هذه أنت؟ (٦) فجلستُ معه، فقلت: فممَّن أنتَ؟ قال: من بني هلال، واسمي: كَهْمس -أو قال: من بني سَلُول، واسمي: كَهْمس-، ثم قال لي: ألا أحدِّثكَ حديثًا شهدتُهُ من عمرَ بن الخطاب؟ قلت: بلى. قال: بينما نحن جلوسٌ عنده، إذ جاءت امرأةٌ، فجَلَستْ إليه، فقالت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ زوجي قد كثُرَ شرُّه، وقَلَّ خيرُهُ. فقال لها عمر: مَن زوجُكِ؟ قالت: أبو سَلَمة. قال: إنَّ ذاك له صحبةً، وإنَّه لرجلُ صِدقٍ.
стр. 720
ثم قال عمرُ لرجل عنده جالس: أليس كذاك؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، لا نَعرفُهُ إلا بما قلتَ. فقال عمرُ لرجل: قُم، فادعُهُ لي. فقامت المرأة حين / (ق ٢٠٠) أرسَلَ إلى زوجها، فقَعَدتْ خلفَ عمرَ، فلم يَلبث أن جاءا معًا حتى جلسا بين يدي عمر، فقال عمرُ: ما تقول هذه الجالسة خلفي؟ (١) قال: ومَن هذه يا أميرَ المؤمنين؟! قال: هذه امرأتُكَ. قال: تقول ماذا؟ قال: تَزعمُ أنَّه قد قَلَّ خيرُكَ، وكثُرَ شرُّكَ.
فقال: بئس ما قالت يا أميرَ المؤمنين، إنها لمن صالحِ نسائِها، أكثرهُنَّ كُسوة، وأَكثرهُنَّ رفاهيةُ بيتٍ، ولكنَّ فحلُها بَكِيٌّ (٢). فقال عمرُ: يرحمه الله، ما تقولين؟ قالت: صدق. فقام إليها عمر بالدِّرَّة، فتناولها بها، وقال: أي عَدُوَّةَ نفسِهِا، أَكَلتِ مالَهُ، وأَفنيتِ شبابَهُ، ثم أنشأتِ تُخبرينَ بما ليس فيه. فقالت: ياأميرَ المؤمنين، لا تَعجَلْ، فوالله لا أَجلسُ هذا المجلسَ أبدًا. ثم أَمَر لها بثلاثةِ أثوابٍ، فقال: خذي هذا لما صَنَعتُ بكِ، وإيَّاكِ أنْ تشتكي هذا الشيخَ، كأني أنظرُ إليها حين قامت ومعها الثياب، ثم أَقبَلَ على زوجها، فقال: لا يمنعكَ (٣) ما رأيتني صَنَعتُ بها أن تُسيءَ (٤) إليها، انصرِفَا. فقال الرَّجل: ما كنتُ لأفعل. ثم قال عمرُ ﵁: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «خيرُ أُمَّتي القَرنُ الذي أنا منه، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يَنشَأُ قومٌ تَسبِقُ
стр. 721
أيمانُهُم شهادتَهم، يَشهدُون من غيرِ أن يُستَشهَدُوا، لهم لَغَطٌ في أسواقِهم».
قال معاوية: قال لي كَهْمس: أفتخافُ أنْ يكونَ هؤلاءِ من / (ق ٢٠١) أولئك؟ ثم قال لي كَهْمس: إنِّي أتيت النبيَّ ﷺ فأخبرتُهُ بإسلامي، ثم غِبتُ عنه حولاً، ثم أتيتُهُ، فقلت: يا رسولَ الله، كأنَّك تُنكِرني؟ قال: «أَجَل». فقلت: يا رسولَ الله، ما أَفطَرتُ منذُ فارقتُكَ. فقال لي رسول الله ﷺ : «ومَن أَمَرَكَ أن تُعذِّبَ نَفسَكَ؟ صُم يومًا من الشهرِ». قلت: زدني. قال: «فصُم يومين». حتى قال لي: «فصُم ثلاثةَ أيامٍ من الشهرِ».
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
أثر آخر في ذلك
(٥٣٦) قال أبو القاسم البغوي: ثنا أبو رَوْح البَلَدي، ثنا أبو الأَحوص سلاَّم بن سُليم، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: قال عمرُ ﵁: استَعينوا على النساءِ بالعُري، فإنَّ إحداهنَّ إذا كَثُرَت ثيابُها وحَسُنَت زينتُها أَعجَبَها الخروجُ (١).
إسناد صحيح.
حديث آخر
(٥٣٧) قال الهيثم بن كُلَيب (٢): ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان -يعني: ابن بلال-،
стр. 722
عن عبد الله بن يَسَار الأعرج، أنَّه سَمِعَ سالم بن عبد الله يحدِّث عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّه كان يقول: قال رسولُ الله ﷺ : «ثلاثة لا يَدخلون الجَنَّة: العاقُّ لوالديه، والدَّيوثُ (١)، ورَجُلةُ النساءِ».
هذا حديث حسن.
اختاره الضياء في كتابه من هذا الوجه.
وأخو إسماعيل هو: عبد الحميد.
وقد رواه أحمد (٢)، والنسائي (٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٤) من حديث ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ ، كما سيأتي (٥)، إن شاء الله تعالى.
أثر آخر
(٥٣٨) قال الشيخ الإمام أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في كتابه «الاستيعاب لأسماء الصحابة» (٦): أنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا مُضَر بن محمد، ثنا إبراهيم بن عثمان (٧)، ثنا مَخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين: قال: جاءت امرأةٌ إلى
стр. 723
عمرَ بن الخطاب ﵁، فقالت: إنَّ زوجي يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ. فقال: ما تريدينَ؟ أتريدينَ أن أَنهاهُ عن صيامِ النهارِ، وقيامِ الليلِ؟ قال: ثم رَجَعتْ إليه، فقالت: إنَّ زوجي يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ. قال: أفتريدينَ أن أَنهاهُ عن صيامِ النهارِ، وقيامِ الليلِ؟ ثم جاءته الثالثة، فقالت: إنَّ زوجي يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ. فقال: أتريدينَ أن أَنهاهُ عن صيامِ النهارِ، وقيامِ الليلِ؟ قال: وكان عنده كعب بن سُور، فقال كعب: إنها امرأةٌ تَشتكي زوجَها. فقال عمرُ ﵁: أَمَا إذ فَطِنتَ لها، فقُمْ، فاحكُم بينهما. قال: فقام كعب، وجاءت بزوجها، فقالت:
يا أيها القاضي الفقيهُ أَرشَدَهُ ... أَلهَى خليلي عن فراشي مسجِدَه
زهَّدَهُ في مضجعي تعبّدُه ... نهارُه وليلُه ما يَرقُدُه
ولستُ في أَمرِ النساءِ أَحمَدُه ... فاقضِ القَضَا يا كَعبُ لا تَردده
[فقال] الزَّوج:
إني امرؤٌ قد شَفَنِي ما قد نَزَل ... في سورةِ النورِ وفي السَّبعِ الطِّوَل
وفي الحواميمِ الشِّفا وفي النَّحلِ ... وفي كتابِ اللهِ تخويفٌ جَلَل
فرُدَّها عنِّي وعن سُوءِ الجَدَل
فقال كعب بن سُور القاضي ﵀:
стр. 724
إنَّ السعيدَ بالقضاءِ مَن فَصَل ... ومَن قَضَى بالحقِّ حقًّا وعَدَل
إنَّ لها حقًّا عليكَ يا بَعُل ... مِن أربعٍ واحدةٌ لمَن عَقَل
امضِ لها ذاكَ وَدَع عنكَ العِلَل
ثم قال: أيها الرَّجلُ، إنَّ لك أنْ تتزوَّجَ مثنى، وثلاثَ، ورُباعَ، فلك ثلاثةُ أيامٍ، ولامرأتِكَ هذه يومٌ، ومن أربع ليالٍ ليلةٌ، فلا تُصَلِّ في ليلتِها إلا الفريضةَ.
قال: فبَعَثَهُ عمرُ ﵁ قاضيًا على البصرة.
ثم قالت المرأة: يا أميرَ المؤمنين، واللهِ ما بي شوقٌ إلى ما تَشتاقُ إليه النساءُ من الرِّجال، إلا أني رأيتُهُ يقومُ الليلَ يَستغفِرُ اللهَ لوالديه، فرَجَوتُ أن يُخرِجَ اللهُ مني ومنه مَن يَستغفِرُ اللهَ لي وله.
وقد روى وكيع (١)، عن زكريا، عن الشَّعبي مثل هذا، أو نحوه، وليس فيه شِعر، وهو مشهور عند الفقهاء، يَذكرونه في باب القَسْم (٢).
стр. 725
حديث في الخلع
(٥٣٩) قال أبو بكر البزَّار (١): ثنا إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري، ثنا عبد الغفار بن داود، ثنا ابن لَهِيعة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ قال: إنَّ أوَّلَ مختلعةٍ في الإسلام حبيبةُ بنت سهل، كانت تحت ثابت بن قيس بن شمَّاس، فأَتَت النبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله، لا أنا ولا ثابت. فقال لها: «أَتَرُدِّين عليه ما أَخَذتِ منه؟» قالت: نعم. وكان تزوَّجها على حديقةِ نخلٍ، فقال ثابت: أَيطيبُ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: «نعم». قال: ولم يجعل لها نفقة ولا سُكنى.
إسناده حسن (٢)،
ولم يخرِّجوه من هذا الوجه.
стр. 726
حديث في الطَّلاق
(٥٤٠) قال أبو داود الطيالسي (١): ثنا ابن أبي ذِئب، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّه طلَّق امرأتَهُ وهي حائضٌ، فأتى عمرُ ﵁ إلى النبيِّ ﷺ يَذكرُ ذلك له، فجَعَلها واحدةً.
/ (ق ٢٠٢) هذا إسناد قوي، رجاله ثقات.
وهو ظاهر الدلالة لمذهب الجمهور (٢) في نفوذ الطَّلاق في زمن الحيض، والله أعلم بالصواب.
طريق أخرى
(٥٤١) قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٣): أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا عبد الملك بن محمد الرَّقاشي، ثنا بِشر بن عمر، ثنا شعبة، عن أنس بن سيرين ... ، فذَكَره، بنحوه -يعني حديثه عن ابن عمرَ في طلاق الحائض-، غير أنَّه قال: «فَليُطَلِّقهَا إن شاءَ». قال: فقال عمرُ: يا رسولَ الله، أفيُحتَسَبُ بتلك التطليقة؟ قال: «نعم».
стр. 727
وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنَّه قد رواه البخاري في «الصحيح» (١)، عن سليمان بن حرب، عن شعبة. ومسلم (٢) من حديث غُندَر عنه، بدون هذه الزيادة.
وكذلك رواه حجَّاج بن منهال، عن شعبة (٣) بدونها، وقولهم أثبت وأصح، والله أعلم.
طريق أخرى
(٥٤٢) قال الإمام أحمد (٤): ثنا يزيد، أنا عبد الملك، عن أنس بن سيرين قال: قلت لابن عمرَ: حدِّثني عن طلاقِكَ امرأتَكَ، قال: طلَّقتُها وهي حائضٌ، فذَكَرت ذلك لعمرَ، فذَكَره للنبيِّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : «مُرْهُ فَليُرَاجِعْهَا، فإذا طَهُرَت، فَليُطَلِّقها في طُهْرِها».
قال: قلت له: هل اعْتَدَدتَ بالتي طلَّقتَها وهي حائضٌ؟ قال: فمَالي لا أَعتدُّ بها، وإنْ كنتُ قد عَجِزتُ واستَحمَقْتُ.
هكذا رواه أحمد في مسند عمر، وهو عند أصحاب الأطراف (٥) في مسند ابن عمر، كما رواه الشيخان (٦) من حديث شعبة.
стр. 728
ومسلم من طريق عبد الملك هذا، وهو: ابن أبي سليمان.
كلاهما عن أنس بن سيرين، كما سيأتي (١) إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان.
حديث آخر
(٥٤٣) قال عبد بن حميد في «مسنده» (٢): ثنا ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن آدم، عن يحيى بن زكريا، عن صالح بن حي، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن عمرَ: أن رسولَ الله ﷺ طَلَّق حفصةَ ثم رَاجَعَها.
ورواه أبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجه (٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٦) من طرق، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح -وهو: ابن صالح بن حَي الهَمَداني-، به.
وهذا إسناد جيد قويّ ثابت (٧).
стр. 729
/ (ق ٢٠٣) طريق أخرى
(٥٤٤) قال الحافظ أبو يعلى (١): ثنا أبو كُرَيب، ثنا يونس بن بُكَير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمرَ قال: دخل عمرُ على حفصةَ وهي تبكي، فقال لها: مايُبكيكِ؟ لعلَّ رسولَ الله ﷺ طلَّقكِ؟ إنَّه قد كان طلَّقكِ مرَّةً، ثم رَاجَعَكِ من أجلي، والله لئنْ كان طلَّقكِ مرَّةً أخرى لا أُكلِّمكِ أبدًا.
هذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرِّجوه.
فأما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٢)
من حديث عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الطلاقُ على عهد رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةً، فقال عمرُ بن
الخطاب: إنَّ الناسَ قد استَعجَلُوا في أمرٍ كانت لهم فيه أَنَاةٌ فلو أَمضَينَاهُ عليهم. فأَمضَاهُ عليهم؛ فسيأتي (١) في مسند ابن عباس.
وقد اعتمد أكثرُ الأئمَّة على هذا من فعلِ عمرَ ﵁ وإمضائِهِ على الناسِ الثلاثةَ المجموعةَ، كما هو مذهبُ الأئمَّةِ الأربعةِ ﵏ وأصحابِهم قاطبةً، وإنما يُؤثَرُ القولُ بخلافِهِ عن طائفةٍ من السَّلف، واختاره بعض المتأخرين من العلماء، وغيرهم.
стр. 732
أثر (١) يُذكر في طلاق الفارِّ
(٥٤٥) قال الحافظ أبو بكر البزَّار (٢): ثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرة، ثنا وكيع، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنَّ رجلاً من ثقيف طلَّق نساءَه، وأعتَقَ مملوكيه (٣)، فقال له عمر: لَتُرَاجعنَّ مالَكَ ونساءَكَ، وإلا فإنْ مِتَّ لأَرجُمنَّ قبرَكَ، كما رَجَم رسولُ الله ﷺ قبرَ أبي رِغَال.
قال البزَّار: لم يُسنده إلا صالح بن أبي الأخضر، وليس بالقوي (٤)،
والحفَّاظ يَروونه: كما يُرجَمُ قبر أبي رِغَال.
قلت: هذا الرجل الثَّقَفي، هو: غَيْلان بن سَلَمة، الذي أَسلَمَ على عشرِ نسوةٍ، فأَمَرَهُ رسولُ الله ﷺ أنْ يختارَ منهنَّ أربعًا، كما روى ذلك الإمام أحمد (٥)، والترمذي (٦)، وابن ماجه (٧) من حديث معمر، عن
стр. 733
الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وقد علَّل هذا الحديثَ البخاريُّ (١)،
كما سيأتي (١) في مسند ابن عمر.
والغرض: أنَّ الإمام أحمد زاد في آخر هذا الحديث: فلمَّا كان في عهد عمرَ طلَّق نساءَه وقَسَمَ مالَهُ بين بنيه، فبلغ ذلك عمرَ، فقال: إنِّي لأظنُّ الشيطانَ فيما يَستَرِقُ من السَّمع سَمِعَ بموتِكَ، فقَذَفَهُ في نفسِكَ، ولعلَّك لا تَمكثُ إلا قليلاً، وايمُ اللهِ، لَتُراجِعنَّ نساءَك، ولَتُرجِعنَّ مالَكَ، أو لأُوَرِّثَهنَّ منك، أو لآمُرنَّ بقبرك أنْ يُرجَمَ كما رُجِمَ قبرُ أبي رِغَال.
قلت: وأبو رِغَال كان رجلاً من ثمود، وكان قد لجأ إلى الحَرَم عند هلاكِ قومِهِ، فلمَّا خَرَج منه أصابَه حَجَرٌ من السماء، فمات، فلمَّا مَرَّ رسولُ الله ﷺ بقبرِهِ، أَخبَرَهم بشأنِهِ، وأَعلَمَهم أنَّ معه غُصنًا من ذَهَب، فنَبَشوا عنه وأخذوه.
وهذا الحديث في «سنن أبي داود» (٢)،
стр. 738
كما سيأتي في مسند ... (١).
أثر آخر
(٥٤٦) قال الثوري (٢): عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عمرَ في الذي يطلِّق امرأتَه وهو مريضٌ؟ قال: تَرِثُهُ في العِدَّة، ولا يَرِثُها.
стр. 739
فهذا منقطع بين إبراهيم وعمر.
وقال البخاري في «التاريخ» (١):
ليس هذا بثابت عن عمرَ.
يعني: أن الصحيح: ما رواه يحيى بن سعيد القطَّان، عن عُبيدة الضَّبي، عن إبراهيم والشَّعبي: أنَّ ابنَ هُبيرة كَتَب إلى شُريح بذلك. وليس عن عمرَ (٢)، والله أعلم.
стр. 740
أثر آخر يُذكر في طلاق المكره
(٥٤٧) قال أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (١): ثنا يزيد بن هارون، عن عبد الملك بن قدامة بن إبراهيم الجُمَحي، عن أبيه: أنَّ رجلاً تدلَّى يَشتَارُ عَسَلاً، فجاءته امرأته، فوَقَفتْ على الحبلِ لَتَقطَعَنَّهُ، أو لَتُطَلَّقَنَّ ثلاثًا. فذكَّرها اللهَ والإسلام فأَبَتْ إلا ذلك، فطلَّقها ثلاثًا. قال: فرُفِعَ إلى عمرَ ﵁ فأبانَهَا منه.
قال أبو عبيد: وقد روي عن عمرَ خلافُهُ، والحديث منقطع.
قال أبو عبيد: ومعنى يَشتَارُ: يَجتني.
قال: وفيه أنَّ عمرَ أجاز طلاقَ المكرهِ، وهو رأي أهل العراق (٢)، وقد روي عن عمرَ خلافُهُ (٣).