← Книги сунны

Книги сунны · id 16555

مسند الفاروق لابن كثير ت إمام

ابن كثير

Полный текст (1 379 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ويؤيِّدُ قولَ الجمهورِ: ما روي من طرق عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «لو أنَّ أهلَ السماواتِ والأرضِ اشتَرَكوا في قتلِ مسلمٍ، لأكبَّهمُ اللهُ في النَّارِ» (١). وقد بَسَطتُ هذا في كتاب الأحكام، والله أعلم.

стр. 807

أثر فيه القِصَاص من الضَّربة واللَّطمة ونحو ذلك (٦١١) قال البخاري أيضًا (١): وأَقاد أبو بكرٍ (٢)، وابنُ الزُّبير (٣)، وعليٌّ (٤)، وسُوَيدُ بن مُقرِّن (٥) من / (ق ٢١٧) اللَّطمة. وأقاد عمرُ ﵁ من ضَربةٍ بالدِّرَّة (٦). وأقاد عليٌّ من ثلاثةِ أسواطٍ (٧).

стр. 808

واقتصَّ شُريحٌ من سَوطٍ وخُمُوشٍ (١). هكذا أورد ذلك معلَّقًا، وهو صحيحٌ عنهم. وإليه ذهب الإمام أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشَّالَنجي عنه، واختاره بعض أصحابه المتأخرين، وأفتى به. وقد وَهِمَ الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي ﵀ في حكايته الإجماعَ على خلاف ذلك، قال: وإنما يُعدَلُ في مثل هذا إلى التعزير، وكأنه لم يطَّلع على ما نقَلَهُ البخاري ﵀، وهذا تقصيرٌ، والله أعلم. ذِكر الرواية عن عمر بن الخطاب بذلك (٦١٢) قال عبد الرزاق (٢): عن مالك (٣)، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنتُ مع عمرَ في طريقِ مكةَ، فقال تحتَ شجرةٍ، فلمَّا استوتِ الشَّمسُ أخذ عليه ثوبَهُ، وقام، فناداه رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين! ثم حاذ به، فضَرَبَهُ بالدِّرَّة، فقال: عَجِلتَ عليَّ. فأعطاهُ المِخفَقَةَ (٤)، وقال: اقتصَّ. قال: ما أنا بفاعلٍ. قال: والله لَتَفعَلَنَّ. قال: فإنِّي أَغفِرُها. هكذا رواه عبد الرزاق، عن مالك.

стр. 809

ورواه أصحاب الموطَّآت عن مالك، عن عاصم، عن عمرَ، ليس بينهما أحد، والأوَّل أشبه بالصواب. وسنذكر شواهد ذلك في «سيرة عمر»، إن شاء الله تعالى. وسيأتي -أيضًا- حديث (دس) (١) سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أبي فراس النَّهدي، عن عمرَ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ أقصَّ من نفسِهِ. وفي الحديث قصَّة.

стр. 810

أثر آخر فيه تقديم المباشرة على السَّبب (٦١٣) قال عبد الله بن صالح كاتب الليث (١): ثنا موسى بن عُلَي بن رباح، عن أبيه: أنَّ أعمى كان له قائدٌ بصيرٌ، فغَفَلَ البصيرُ، فوقعا في بئرٍ، فمات البصيرُ، وسَلِمَ الأعمى، فجعل عمرُ ﵁ دِيَتَهُ على عاقلةِ الأعمى، فسَمِعتُهُ يقول في الحجِّ: يا أيها الناسُ لَقِيتُ مُنكَرًا ... هل يًعقِلُ الأعمى الصحيحَ المُبْصِرَا خَرَّا معًا كلاهما تَكَسَّرا وأخرجه الدارقطني في «سننه» (٢)، وزاد فيه: فوَقَعا في بئرٍ، فوقع الأعمى على البصير، فمات. وهذا إسناد حسن (٣).

стр. 811

أثر عن عمر في الدَّفع بالأسهل (٦١٤) قال أبو عبيد (١): يُروَى عن مبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن عمرَ أنَّه قال: ورِّعْ اللِّصَّ، ولا تُراعِهِ. قال أبو عبيد: يقول: إذا رأيتَهُ في منزلِكَ فادفَعْهُ، واكْفُفْهُ بما استطعتَ، ولا تنتظر فيه شيئًا، وكلُّ شيءٍ كَفَفْتَهُ فقد وَرَّعْتَهُ. قال أبو زُبَيد: وَوَرَّعْتُ ما يُكْبِي الوُجُوهَ رِعَايةً ... ليُحْضَرَ خيرٌ أو لِيُقْصَرَ مُنكَرُ يقول: وَرَّعْتُ عنكم ما يُكبِى وجوهَكم، يَمتنُّ عليهم. وقوله: لا تُراعِهِ: أي: لا تَنتظِرْهُ، وهذا يقال للصَّائم: يَرعى الشَّمسَ. قال: وهذا رخصةٌ من عمرَ في الإقدامِ عليه بلا انتظارٍ. وهكذا روي عن ابن عمرَ (٢) أنَّه رأى لصًّا في دارِهِ، فطلب السَّيفَ، أو نحوَه من السلاح، ليُقدِمَ عليه.

стр. 812

وكذلك يُروى عن ابن سيرين (١) أنَّه قال: ما كانوا يمسكون عن اللِّصِّ إذا دخل دارَ أحدِهِم تأثُّمًا (٢).

стр. 813

/ (ق ٢١٨) أثر في العاقلة (٦١٥) قال أبو عبيد (١): يُروى عن سفيان بن سعيد، عن عمرَ بن عبد الرحمن المديني، عن أبي سَلَمة بن سفيان المخزومي، عن أبي أميَّة بن الأخنس: أنَّ رجلاً أتى عمرَ، فقال: ابنُ عمِّي شُجَّ مُوضِحَةً. فقال: أَمِنْ أهلِ القرى، أَم من أهلِ الباديةِ؟ فقال: من أهلِ الباديةِ. فقال عمرُ: إنَّا لا نَتَعاقَلُ المُضَغَ بيننا.

стр. 814

قال أبو عبيد: حَمَلَه بعضُ العلماء على أنَّ أَهلَ القرى لا يَعقلونَ عن أهلِ الباديةِ، ولا أهلَ الباديةِ عن أهلِ القرى. ثم قال: وفيه هذا التأويل وزيادة، وأنَّ العاقلةَ لا تَحملُ السِّنَّ، و ... (١)، ولا مادونَ ثُلُثِ الدِّيةِ. وهذا قول أهل المدينة إلى اليوم، وإنما هو في مال الجاني. قال: بخلاف أهل العراق، فإنهم يقولون: المُوضِحةُ فما فوقها على العاقلةِ، وما دونها في مال الجاني. قال أبو عبيد: وسمَّاها مُضَغًا تصغيرًا لها. (٦١٦) وحدثنا (٢) حجَّاج، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن الزُّبير، عن عمرَ قال: لا يَعقِلُ أهلُ القرى ... (٣)، ويَعقِلُها أهلُ الباديةِ. قلت: صحيح، وحُكم غريب جدًّا، والله أعلم.

стр. 815

أثر آخر في دفع الصَّائل (٦١٧) قال علي بن حرب: ثنا سفيان بن عيينة (١)، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عُبيد بن عُمَير: أنَّ رجلاً ضاف ناسًا من هُذَيل، فذَهَبت جاريةٌ لهم تَحتَطِبُ، فأرادَها على نفسِها، فَرَمَتهُ بِفِهْرٍ (٢)، فقَتَلتْهُ، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ، فقال: ذاك قتيلُ اللهِ، والله لا يُودَى أبدًا. ورواه صالح بن كيسان (٣)، عن الزهري، عن القاسم، ولم يَذكر عُبيد بن عُمَير، نحوه. وهو إسناد جيد، وفيه انقطاع (٤)، والله أعلم.

стр. 816

أثر آخر في معناه (٦١٨) قال أحمد بن منصور الرَّمادي (١): ثنا عبد الله بن صالح، حدثني اللَّيث (٢) قال: أُتي عمرُ بن الخطاب يومًا بفتًى أمرد، قد وُجِدَ قتيلاً، مُلقًى على وجهِ الطريقِ، فسأل عمرُ عن أمرِهِ واجتَهَدَ، فلم يَقفْ له على خبرٍ، ولم يَعرفْ له قاتلاً، فشقَّ ذلك على عمرَ، وقال: اللهمَّ اظفِرني بقاتلِهِ، حتى إذا كان رأسُ الحَوْلِ، أو قريبٌ من ذلك، وُجِدَ صبيٌّ مولودٌ مُلقًى بموضعِ القتيلِ، فأُتِيَ به عمرُ ﵁، فقال: ظَفَرتُ بدمِ القتيلِ -إن شاء الله-، فدَفَع الصَّبيَّ إلى امرأةٍ، وقال لها: قومي بشأنِهِ، وخُذي منَّا نفقةً، وانظري مَن يأخذُهُ منكِ، فإذا وَجَدتِ امرأةً تُقبِّله وتضُمُّه إلى صدرِها، فأَعلميني بمكانها. فلمَّا شَبَّ الصبيُّ جاءت جاريةٌ، فقالت للمرأة: إنَّ سيِّدتي بعثتني إليكِ، أنْ تبعثي بالصَّبيِّ لِتَرَاهُ وتَردُّهُ إليكِ، فقالت: نعم، اذهبي به إليها، وأنا معك، فذَهَبت بالصَّبيِّ والمرأةَ معها، حتى دَخَلتْ على سيِّدتها، فلمَّا رأتْهُ أخذتُهُ فَقَبَّلتْهُ، وضَمَّتْهُ إليها، فإذا ابنةُ شيخٍ من الأنصار من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، فأَخَبَرتْ عمرَ خبرَ المرأةِ، فاشتَمَلَ على سيفِهِ، ثم أَقبَلَ إلى منزلها، فوَجَد أباها مُتكِئًا على بابِ دارِهِ، فقال: يا فلانُ، ما فَعَلتْ ابنتُكَ فلانةٌ؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، جَزَاها اللهُ خيرًا، هي من أعرفِ الناسِ لحقِّ اللهِ، وحقِّ أبيها، مع حُسْنِ صلاتِها، والقيامِ بدينِها. فقال عمرُ: قد أَحبَبتُ أنْ أَدخُلَ إليها وأَزيدَها رغبةً في الخير، وأَحُثَّها على ذلك. فقال: جَزَاك اللهُ خيرًا يا أميرَ المؤمنين، امكُثْ مكانَكَ حتى أرجعَ إليكَ، فاستأذَنَ لعمرَ، فلمَّا دخلَ أَمَرَ عمرُ كلَّ

стр. 817

من كان عندها فخَرَج عنها، وبَقِيتْ هي وعمرَ في البيتِ، ليس معهما أحدٌ، فكَشَفَ عمرُ عن السَّيف، وقال: لَتَصدُقِني -وكان عمرُ ﵁ لا يُكذَّب- فقالت: على رِسْلكَ يا أميرَ المؤمنينَ، فوالله لأَصدُقنَّكَ، إنَّ عجوزًا كانت تَدخلُ عليَّ، فاتَّخذتُها أُمًّا، وكانت تقومُ من أَمري بما تقومُ به الوالدةُ، وكنت لها بمنزلةِ البنتِ، فأَمضَتْ بذلك حينًا، ثم إنها قالت: يا بُنيَّة! إنَّه قد عَرَضَ لي سفرٌ، ولي بنتٌ في موضعٍ أتخوَّفُ عليها فيه أنْ تضيعَ، وقد أَحبَبتُ أن أَضمُّها إليكِ حتى أرجعَ من سفري، فعَمَدَت إلى ابنٍ لها شابٍّ أمردَ، فهَيَّأتْهُ كهيأةِ الجاريةِ، فأتتني به، لا أَشكُّ أنَّه جاريةٌ، فكان يرى منِّي ما ترى الجاريةُ من الجارية، حتى اغتَفَلني يومًا وأنا نائمةٌ، فما شَعَرتُ حتى عَلاَني وخَالَطَني، فمَدَدتُ يدي إلى شَفرةٍ كانت إلى جنبي فقَتَلتُهُ، ثم أَمَرتُ به، فأُلقِيَ حيثُ رأيتَ، فاشتَمَلتُ منه على هذا الصَّبيِّ، فلمَّا وَضَعتُهُ أَلقَيتُهُ في موضعِ أبيه، فهذا واللهِ خَبَرُهُما على ما أَعلَمتُكَ. قال عمرُ: صَدَقتِ، باركَ اللهُ فيكِ، ثم أوصاها وَوَعَظَها، ودعا لها وخَرَج، وقال لأبيها، باركَ اللهُ لكَ في ابنتِكَ، فنِعْمَ الابنةُ ابنتُكَ، وقد وَعَظتُها وأَمَرتُها، فقال الشيخ: وَصَلكَ اللهُ يا أميرَ المؤمنينَ، وجَزَاك خيرًا عن رعيتِكَ. هذا أثر غريب، وفيه انقطاع، بل معضل. وفيه فوائد كثيرة، منها: حَذْقُ عمرَ ﵁، وحُسْنِ تأنِّيهِ، وجودةُ فراستِهِ. وفيه: أنَّه يجوز دفع الصَّائل، وأنَّه لا ضمان عليه في قَتْله حيثُ لم يأمر بالدِّية، والله أعلم.

стр. 818

أثر آخر في قتل المرتدِّ (٦١٩) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا (١): حدثنا أبو خيثمة، ثنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: لما أُتي عمرُ بفتح تُسْتَر، قال: هل كان شيء؟ قال: نعم، رجلٌ من المسلمين ارتدَّ عن الإسلام. قال: فما صنعتُم به؟ قالوا: قَتَلنَاهُ. قال: فهلاَّ أَدخلتُمُوهُ بيتًا، وأَغلقتُم عليه بابًا، وأَطعمتُمُوهُ كلَّ يومٍ رغيفًا، واستَتَبتُمُوهُ، فإن تاب؛ و ... (٢) قتلتموه؟ ثم قال: اللهمَّ لم أَشهَدْ، ولم آمُرَ، ولم أَرْضَ إذ بَلَغني. إسناد جيد. وهكذا رواه الإمام الشافعي (٣)، عن الإمام مالك (٤)، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري، عن أبيه قال: قَدِمَ على عمرَ رجلٌ من قِبَلِ أبي موسى، فسأله عن الناس؟ فأَخبَرَه، ثم قال: هل فيكم من مُغَرّبةٍ خبرٌ؟ قال: نعم، رجلٌ كَفَرَ بعد إسلامِهِ. قال: فما فعلتُم به؟ قال: قرَّبنَاهُ، فضَرَبنَا عُنُقَهُ. قال: فهلاَّ حَبَستُمُوهُ ثلاثًا، وأَطعمتُمُوهُ كلَّ يومٍ رغيفًا، واستَتَبتُمُوهُ، لعلَّه يتوبُ، أو يُراجِعُ (٥) أمرَ اللهِ؟! اللهمَّ لم أَحضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أَرْضَ إذ بَلَغني.

стр. 819

ورواه أبو عبيد (١)، عن إسماعيل بن جعفر (٢)، عن عبد الرحمن بن محمد، به. وقال: مُغَرّبة: بكسر الراء وفتحها، وأصلُه فيما نرى من الغَربِ، وهو البُعد (٣). وفيه دلالةٌ على استتابةِ المرتدِّ، وإنْ كان قد وُلِدَ على الفطرةِ؛ لأنَّه لم يستفصل. قال: ولم أسمع التَّوقيتَ بثلاثٍ إلا في هذا. وقد رواه الإمام أحمد (٤) من طريق أخرى، بإسناد صحيح (٥)، عن أنس بن مالك قال: لما افتَتَحنا تُسْتَر، بعثني الأشعريُّ إلى عمرَ بن الخطاب، فلما قَدِمْتُ عليه قال: ما فَعَلَ البكريُّون، حُجَينةُ وأصحابُهُ؟ قال: فأَخَذتُ به في حديثٍ آخرَ، قال: فقال: ما فَعَلَ النَّفَرُ البَكريُّون؟ قال: فلمَّا رأيتُهُ لا يُقلِعُ، قلتُ: يا أميرَ المؤمنين، ما فَعَلوا! إنهم قَتَلوا، ولَحِقُوا بالمشركين، ارتدُّوا عن الإسلام، وقاتَلوا مع المشركين حتى قُتلوا. قال: فقال: لأنْ أَكونَ أخذتُهُم سِلمًا، كان أحبَّ إليَّ ممَّا على وجهِ

стр. 820

الأرضِ من صفراءَ أو بيضاءَ. قال: فقلت: وما كان سبيلُهُم لو أخذتَهُم سِلمًا؟ قال: كنتُ أعرِضُ عليهم البابَ الذي خَرَجوا منه، فإن أَبَوا استودعتُهُم السِّجنَ. وهذا يقتضي أنهم إنما قَتَلوا بعد تمنُّعهم بلحاقهم بالمشركين، فإنه لا يُقتصُّ منهم عند كثيرٍ من العلماء، منهم الإمام أحمد بن حنبل، وإلا فلو قَتَلوا قبل امتناعِهِم، لوَجَبَ القَصاصُ قولاً واحدًا. وأما حَبْسهم حتى يُسلِمُوا، ففيه دلالة لمذهب سفيان الثوري ومَن وافَقَه: أنَّ المرتدَّ يستتابُ، ويُنظرُ ما رُجِيَت توبتُه، وهو معنى قول إبراهيم النَّخَعي. وذهب طاوس وعُبيد بن عُمَير إلى أنَّه يُقتلُ ولا يُستتابُ، لقوله ﵇: «مَن بَدَّلَ دينَهُ فاقتلُوه» (١)؛ ولأنَّ كُفرَه أغلظُ من كُفْر الأسير الحربيِّ، فإذا قُتِلَ هذا بلا استتابةٍ، فالمرتدُّ أولى. وقال الحنفية: الاستتابةُ مستحبةٌ، لكنه إنْ لم يَتب في الحال قُتِلَ، إلاَّ أن يَسأَلَ الإنظارَ، فيُنظَرَ ثلاثةَ أيامٍ. وهذا قول للإمام الشافعي: أنَّ الاستتابةَ مستحبةٌ. وعنه قول آخر: أنها واجبةٌ، لكنَّه يُقتلُ في الحال إنْ لم يَتب في قول. وهو اختيار المُزَني وابن المنذر. والقول الآخر: تجبُ الاستتابةُ، ويُؤجَّلُ ثلاثةَ أيامٍ، وهو مذهب مالك وأحمد.

стр. 821

وقال الزهري وابن القاسم: يُستتابُ ثلاثةَ مرَّاتِ. فهذه حكاية أقوال الأئمَّة في المرتدِّ.

стр. 822

أحاديث الجهاد قد تقدَّم في أوَّل كتاب الزكاة (١) قول عمرَ ﵁ للصِّدِّيق: كيف تُقاتِلُ الناسَ؟ وقد قال رسولُ الله ﷺ : «أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها عَصَمُوا منِّي دماءَهُم وأموالَهُم، إلا بحقِّها وحسابُهُم على اللهِ». أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه (٢). حديث آخر (٦٢٠) قال أبو بكر البزَّار (٣): ثنا عمرو بن علي، ثنا عبيد الله بن عبد

стр. 823

المجيد، ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمرَ: أنَّ الزبيرَ استأذن عمرَ في الجهاد، فقال: اجلس، فقد جَاهَدتَ مع / (ق ٢١٩) رسولِ الله ﷺ . عطية العَوفي: فيه ضعف (١)، ولو صحَّ؛ لدلَّ على أنَّ الجهادَ ليس فرضًا على الأعيان، والله أعلم. حديث آخر (٦٢١) قال أبو يعلى الموصلي (٢): ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثني شعبة، عن يحيى بن هانئ، عن نعيم بن دِجَاجة قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: لا هجرةَ بعد وفاةِ رسولِ الله ﷺ . ورواه النسائي في «سننه» (٣)، عن عمرو بن علي الفلاَّس، عن ابن مهدي، به.

стр. 824

حديث فيه أثر عن عمر في استحباب الإكثار من الغزو (٦٢٢) قال أبو داود في كتاب «المراسيل» (١): ثنا موسى بن إسماعيل، أنا إبراهيم بن سعد، أنا ابن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري: أنَّ جيشًا من الأنصار كانوا بأرضِ فارسَ مع أميرِهِم، وكان عمرُ ﵁ يُعقِّبُ الجيوشَ (٢) في كلِّ عام، فشُغِلَ عنهم عمرُ، فلمَّا مَرَّ الأجلُ، قَفَلَ أهلُ ذلك الثَّغرِ، فاشتدَّ عليهم، وأَوَعَدهم (٣)، وهم أصحابُ رسولِ الله ﷺ ، فقالوا: يا عمرُ، إنَّك شُغِلتَ (٤) عنَّا، وتَرَكتَ فينا الذي أَمَرَ به رسولُ الله ﷺ من إعقابِ بعضِ الغزيةِ بعضًا.

стр. 825

إسناد جيد. حديث في فضل النفقة في الغزو (٦٢٣) قال الإمام أحمد (١): ثنا يونس -يعني: ابن محمد-، ثنا ليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عثمان بن عبد الله -يعني: ابن سُرَاقة-، عن عمرَ بن الخطاب قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «مَن أَظَلَّ رأسَ غازٍ، أَظَلَّهُ اللهُ يومَ القيامةِ، ومَن جَهَّزَ غَازِيًا حتى يَستَقِلَّ كان له مثلُ أَجرِهِ حتى يموتَ أو يَرجِعَ، ومَن بَنَى مسجدًا يُذكَرُ فيه اسمُ اللهِ، بَنَى اللهُ له بَيتًا في الجنَّةِ». ثم رواه أحمد (٢)، عن أبي سَلَمة الخزاعي، عن اللَّيث. وعن الحسن بن موسى (٣)، عن ابن لَهِيعة. كلاهما عن الوليد، به. ورواه ابن ماجه (٤)، عن أبي بكر بن أبي شيبة (٥)، عن يونس بن محمد

стр. 826

-وهو: المؤدِّب-، عن اللَّيث، به. وأخرجه (١) من وجه آخر، عن ابن الهاد، ببعضه. وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢)، عن أبي يعلى (٣)، عن أحمد بن إبراهيم / (ق ٢٢٠) الدَّورقي، عن أبي عبد الرحمن المُقرئ (٤)، عن اللَّيث، به. واختاره الضياء في كتابه (٥).

стр. 827

وقد قال الإمام علي ابن المديني: هذا حديث مرسل؛ لأنَّ عثمان بن عبد الله بن سُرَاقة لم يُدرك عمرَ بن الخطاب (١). قلت: وقد رواه موسى بن يعقوب الزَّمْعي (٢)، عن عبد الرحمن بن

стр. 828

إسحاق المدني، عن الزهري، عن عثمان بن سُرَاقة، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن النبيِّ ﷺ ، به. قال الزهري: ثم أخبرنيه بُسر بن سعيد، فالله أعلم (١).

стр. 829

حديث في فضل الشهادة (٦٢٤) قال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (١): ثنا حماد بن سَلَمة، عن هشام بن عمرو، عن رجل، عن عمرَ ﵁ قال: كنتُ عند رسولِ الله ﷺ ، وعنده قِبضٌ (٢) من الناسِ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ خيرٌ منزلةً عند اللهِ يومَ القيامةِ بعد أنبيائِهِ وأصفيائِهِ؟ فقال: «المجاهِدُ في سبيلِ اللهِ بنفسِهِ ومالِهِ حتى تأتِيَهُ دعوةُ اللهِ وهو على متنِ فَرَسِهِ، وآخِذٌ بعَنَانِهِ». قال: ثم مَن؟ قال: «وامرُؤٌ بناحيةٍ، أَحسَنَ عبادةَ ربِّهِ، وترك الناسَ من شرِّهِ». قال: يا رسولَ الله، فأيُّ الناسِ شرٌّ منزلةً عند اللهِ يومَ القيامةِ؟ قال: «المشركُ». قال: ثم مَن؟ قال: «وإمامٌ جائرٌ، يَجورُ عن الحقِّ، وقد مُكِّنَ له». وحَصَر (٣) رسولُ الله ﷺ أبوابَ الغيبِ، فقال: «سلُوني، ولا تسأَلُوني عن شيءٍ إلاَّ نَبَّأتُكُم بِهِ». فقال عمرُ: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دِينًا، / (ق ٢٢١) وبكَ نبيًّا، وحسبُنا ما أتانا. قال: فسُرِّي عنه. إسناده جيد؛ لكن فيه رجل مبهم لم يُسمَّ، ولم يخرِّجه أحدٌ من أصحاب الكتب السِّتة (٤).

стр. 830

أثر في جواز قتل ذي الرَّحم الكافر في الحرب (٦٢٥) قال الإمام عبد الملك بن هشام النَّحوي (١): حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال لسعيدِ بن العاص ومَرَّ به: إنِّي أراك وكأنَّ في نفسِكَ شيئًا، أُراكَ تظنُّ أنِّي قتلتُ أباك، إنِّي لو قَتَلتُهُ لم أَعتذرْ إليك من قَتْلِهِ، ولكنِّي قَتَلتُ خالي العاصَ بن هشام بن المغيرة، فأمَّا أبوك، فإنِّي مَرَرتُ به، وهو يَبحثُ بحثَ الثَّورِ بِرَوقِهِ (٢)، فَحِدْتُ عنه، فصَمَدَ له (٣) ابن عمِّه عليٌّ، فَقتَلَهُ. وهذا منقطع، وهو كالمشهور. فأمَّا ما يَذكره بعضُ من لا يَعلم من أنَّ عمرَ ﵁ قَتَلَ أباه يومَ بدرٍ، فغلطٌ، ولم يكن أَبوه حيًّا يومئذٍ، بل لم يحضر بدرًا مع المشركين أحدٌ من بني عدي بإجماع أصحاب المغازي. وسعيد هذا هو: ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أُميَّة، وكان [عبدًا سخيًّا رئيسًا] (٤)، وكان أشبهَ خَلْق اللهِ لهجةً برسولِ الله ﷺ ، ولهذا جَعَله عثمانُ فيمن كَتَب المصحفَ الإمامَ ﵃ (٥).

стр. 831

حديث آخر في تقسيم الشُّهداء (٦٢٦) قال أحمد (١): ثنا يحيى بن إسحاق، أنا ابن لَهِيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخَوْلاني قال: سَمِعتُ فَضَالة بن عُبيد يقول: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب ﵁ يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «الشهداءُ أربعةٌ: رجلٌ مؤمنٌ جيِّدٌ الإيمانِ، لَقِيَ العدوَّ، فصَدَقَ اللهَ، فقُتِلَ، فذلك الذي ينظرُ الناسُ إليه هكذا -ورفع رأسَهُ حتى سقطَت قَلَنسُوَةُ رسولِ الله ﷺ ، أو قَلَنسُوَةُ عمرَ-، والثاني: مؤمنٌ لَقِيَ العدوَّ، فكأنَّما يُضرَبُ ظَهْرُهُ بشَوكِ الطَّلحِ، جاءه سَهمٌ غَربٌ فقَتَلَهُ، فذلكَ في الدرجةِ الثانيةِ. والثالثُ: رجلٌ مؤمنٌ خَلَطَ عملاً صالحاً وآخرَ سيِّئًا، لَقِيَ العدوَّ، فصَدَقَ اللهَ حتى قُتِلَ. قال: فذلكَ في الدرجةِ الثالثةِ. والرابعُ: رجلٌ مؤمنٌ أَسرَفَ على نفسِهِ إسرافًا كثيرًا، لَقِيَ العدوَّ، فصَدَقَ اللهَ حتى قُتِلَ، فذلكَ في الدرجةِ الرابعةِ». وهكذا رواه علي ابن المديني، عن أبي داود الطيالسي (٢)، عن ابن المبارك (٣)، عن ابن لَهِيعة (٤)، به. وقال: هذا حديث مصري، وهو صالح. وأخرجه الترمذي (٥)، عن قتيبة، عن ابن لَهِيعة، به.

стр. 832

وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا / (ق ٢٢٢) من حديث عطاء بن دينار، وسَمِعتُ محمدًا -يعني: البخاري- يقول: قد روى سعيد بن أبي أيوب هذا الحديثَ عن عطاء بن دينار، عن أشياخ من خَولان، لم يَذكر فيه (عن أبي يزيد)، وقال: عطاء بن دينار: ليس به بأس (١). وقد روى الإمام أحمد (٢) هذا الحديثَ -أيضًا-، عن أبي سعيد، عن ابن لَهِيعة، به، وقال: «الشهداءُ ثلاثةٌ ...»، ولم يَذكر الرابع. حديث آخر (٦٢٧) قال الإمام أحمد (٣): ثنا هاشم بن القاسم، ثنا عكرمة -يعني: ابن عمَّار-، حدثني سمَاك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمرُ بن الخطاب قال: لمَّا كان يومُ خيبرَ أَقبَلَ نَفَرٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ ، فقالوا: فلانٌ شهيدٌ! فلانٌ شهيدٌ! حتى مرُّوا على رجلٍ، فقالوا: فلانٌ شهيدٌ! فقال رسولُ الله ﷺ : «كلاَّ، إنِّي رأيتُهُ (٤) في بُردَةِ غَلَّها، أو عَبَاءةٍ». ثم قال رسولُ الله ﷺ : «اذهَب، فنادِ في الناسِ: إنَّه لا يَدخلُ الجنَّةَ إلا المؤمنونَ». قال: فخَرَجتُ، فنَادَيتُ: إنَّه لا يَدخلُ الجنَّةَ إلا المؤمنونَ. وهكذا رواه مسلم (٥)، عن زُهَير بن حرب، عن أبي النَّضر هاشم بن القاسم، به.

стр. 833

وأخرجه الترمذي (١)، عن الحسن بن علي، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عكرمة بن عمَّار، به. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. ورواه علي ابن المديني، عن أبي الوليد الطيالسي، عن عكرمة بن عمَّار، به. وقال: لا نحفظه إلا من هذا / (ق ٢٢٣) الوجه، وهو حديث جيِّد الإسناد حسن.

стр. 834

حديث في أنَّ العرب لا يُسترقُّون (٦٢٨) قال الحافظ أبو يعلى (١): ثنا إسحاق بن إسماعيل، وخالي أبوجعفر قالا: ثنا يحيى بن أبي بُكَير، ثنا عبد الله بن عمر القرشي، ثنا سعيد بن عمرو بن سعيد -سَمِعَ أباه-، فزَعَم أنَّه سَمِعَ أباهُ يومَ المَرْج (٢) يقول: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: لولا أني سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنَّ اللهَ سيمنعُ الدِّينَ بنصارى من ربيعةَ على شاطئ الفراتِ؛ ما تَرَكتُ عربيًّا إلا قَتَلتُهُ، أو يُسلِمُ». ورواه النسائي في «سننه» (٣)، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي بُكَير، به. واختاره الضياء في كتابه (٤). وقد تفرَّد به عبد الله بن عمر السَّعدي هذا، وهو في كتاب «الثقات» (٥) لابن حبان.

стр. 835

حديث آخر في فكاك الأسير (٦٢٩) قال أبو يعلى -أيضًا- (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٢)، ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه قال: لَقِيتُ عمرَ -وهو بالموسم- فنادَيتُهُ من وراء الفُسْطاط (٣): ألا إنِّي فلانُ بنُ فلانٍ الجَرْمي، وإنَّ ابنَ أختٍ لنا، له أخٌ عانٍ (٤) في بني فلان، وقد عَرَضنا عليه فريضةَ رسولِ الله ﷺ (٥). قال: فرفع عمرُ جانبَ الفسطاطِ، وقال: أتعرفُ صاحبَكَ؟ قلت: نعم، هو ذاك. قال: انطَلِقَا به حتى يُنفِّذَ لكما فريضةَ (٦) رسولِ الله ﷺ . قال: وكنَّا نَتَحدَّثُ أنَّ الفريضةَ أربعٌ من الإبلِ. هذا إسناد جيد. وقال علي ابن المديني: إسناد صحيح (٧)، وليس فيه كلامٌ من النبيِّ ﷺ نفسه، وإنما حكى القضيةَ القومُ الذين أتوا عمرَ.

стр. 836

حديث آخر في تحريم الغُلُول في المغانم، والعقوبة عليه (٦٣٠) قال الإمام أحمد (١): ثنا أبو سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد، ثنا صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله: أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرضِ الرُّومِ، فوُجد في متاعِ رجلٍ غُلُولٌ، قال: فسأل سالِمَ بن عبد الله، فقال: حدَّثني عبد الله، عن عمرَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَن وَجَدتُم في متاعِهِ غُلُولاً؛ فأَحرِقُوهُ». قال: وأَحسبُهُ قال: «واضرِبُوهُ». قال: فأَخرَجَ متاعَه في السُّوق، فوَجَد فيه مصحفًا، فسأل سالماً، فقال: بِعْهُ، وتَصدَّق بثمنِهِ. وقد رواه علي ابن المديني، عن أُميَّة بن بسطام، عن الدَّرَاوَردِي، به. ثم قال: هذا حديث منكر، يُنكِره أصحاب الحديث، وكان وهيب قد لقي أبا واقِد هذا، وكان يضعِّفه، ويُروى عنه عجائبَ. وأخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣) من حديث الدَّرَاوَردِي. زاد أبو داود: وأبي إسحاق الفَزَاري. كلاهما عن صالح بن محمد أبي واقِد الليثي الصَّغير، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ، به. وفي بعض نسخ الترمذي (٤): عن عبد الله بن عمر، عن النبيِّ ﷺ . فالله أعلم.

стр. 837

ثم قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا عن هذا، فقال: إنما رواه صالح بن محمد، وهو منكر الحديث (١). / (ق ٢٢٤) وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني (٢): أبو واقِد هذا: ضعيف، والمحفوظ: أنَّ سالماً أمر بهذا، ولم يَرفعه إلى النبيِّ ﷺ ، ولا ذَكَره عن أبيه، ولا عن عمرَ (٣).

стр. 838

حديث في قتل الجاسوس (٦٣١) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١): ثنا أبو خيثمة زُهَير بن حرب، ثنا عمر بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمَّار، ثنا أبو زُمَيل، قال: قال ابن عباس: قال عمرُ ﵁: كَتَب حاطبُ بن أبي بلتعة إلى مكةَ، وأَطلَعَ اللهُ عليه نبيَّهُ ﷺ ، فبَعَث عليًّا والزُّبيرَ في أَثَرِ الكتابِ، فأدرَكا المرأةَ على بعيرٍ، فاستَخرَجَاهُ من قُرُونها (٢)، فأتيا به رسولَ الله، فقُرِئَ عليه، فأَرسَلَ إلى حاطبٍ، فقال: «يا حاطبُ، أنتَ كتبتَ هذا الكتابَ؟» قال: نعم. قال: «فما حَمَلَكَ على ذلك؟» قال: يا رسولَ الله، أَمَا واللهِ إنِّي لناصِحٌ للهِ ولرسولِهِ، ولكنْ كنتُ غريبًا في أهلِ مكةَ، وكان أهلي بين ظَهْرانِيهم، وخشيتُ عليهم، فكَتَبتُ كتابًا لا يَضرُّ اللهَ ورسولَهُ شيئًا، وعسى أنْ يكونَ فيه منفعةٌ لأهلي. قال عمرُ: فاختَرَطتُ سيفي، ثم قلت: يا رسولَ الله، أَمكنِّي من حاطب، فإنَّه قد كَفَرَ، فأَضرِبُ عُنُقَه! فقال رسولُ الله ﷺ : «يا ابنَ الخطابِ، ما يُدريكَ، لعل اللهَ اطَّلَعَ على هذه العصابةِ من أهلِ بدرٍ، فقال: اعمَلُوا ما شئتُم، فإنِّي قد غَفَرتُ لكم». وقد رواه الهيثم بن كُلَيب في «مسنده» (٣)، عن العباس بن محمد الدُّوري، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن عكرمة بن عمَّار، به.

стр. 839

وهذا إسناد جيد، اختاره الضياء في كتابه (١). وقال الحميدي: قال البَرقاني: روى مسلم هذا الحديث. قال الحميدي: ولم يَذكره أبو مسعود، ولا خَلَف. قال الضياء (٢): ولا رأيناه في «صحيح مسلم». قلت: وهو في «الصحيحين» (٣) من حديث علي بن أبي طالب.

стр. 840

أحاديث قسم أموال الفيء والغنائم (٦٣٢) قال الإمام أحمد ﵀ (١): ثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: لولا آخرُ المسلمينَ، ما فُتِحَتْ قريةٌ إلا قَسَمتُها، كما قَسَمَ رسولُ الله ﷺ خيبرَ. وهكذا رواه علي ابن المديني، عن عبد الرحمن بن مهدي، به. وقال: هذا حديث صحيح من هذا الوجه. ورواه البخاري -أيضًا- (٢) من حديثه. وأخرجه أحمد -أيضًا- (٣)، عن أبي عامر العَقَدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، به. وكذا رواه البخاري (٤)، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه: أنه سَمِعَ عمرَ يقول: والذي نفسي بيده، لولا أنْ أَترُكَ الناسَ بَبَّانًا (٥) ليس لهم شيءٌ، ما فُتِحَتْ عليَّ قريةٌ إلا قَسَمتُها، كما قَسَم رسولُ الله ﷺ خيبرَ، ولكنِّي أَترُكُها جِرَايةً لهم (٦).

стр. 841

حديث آخر (٦٣٣) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١): ثنا زُهَير، ثنا أبو إسحاق الطَّالْقاني، أخبرني بقيَّة بن الوليد، حدثني الوزير بن عبد الله الخَوْلاني، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهري، عن / (ق ٢٢٥) سعيد بن المسيّب، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَن مَنَحَهُ المشركونَ أرضًا، فلا أرضَ له». وَزِير بن عبد الله هذا: شاميٌّ، قال فيه أبو حاتم الرازي (٢): مجهول. وقال أبو زرعة: ضعيف، وحديثه لا أصل له. أثر آخر (٦٣٤) روى الحافظ أبو بكر البيهقي (٣) من حديث وكيع وغيره، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كَتَب عمرُ ﵁: أنَّ الغنيمةَ لمن شَهِدَ الوقعةَ. إسناده صحيح.

стр. 842

أثر آخر (٦٣٥) قال علي بن حرب الطَّائي (١): ثنا سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن أبي الأرقم (٢) قال: أغارتِ الخيلُ بالشَّامِ، فأَدرَكَتِ العِرَاب (٣) يومها، وأَدرَكَتِ الكوادِن (٤) ضُحَى الغدِ، وعلى الناس ابنُ أبي حميصة الوادعي، فقال: لا نجعلُ مَن أدركَ كمن لا يُدرِكْ، فكَتَب

стр. 843

في ذلك إلى عمرَ، فكَتَب عمرُ: هَبِلَتِ الوادعِيَّ أُمُّهُ (١)! لقد أدركتُ (٢) به، امضُوهَا على ما قال. حديث آخر (٦٣٦) قال الإمام أحمد (٣): ثنا سفيان، عن عمرو ومعمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمرَ قال: كانت أموالُ بني النَّضير ممَّا أَفاء (٤) اللهُ على رسولِهِ ممَّا لم يُوجِفِ المسلمونَ عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، فكانت لرسولِ الله ﷺ خالصةً، فكان يُنفِقُ على أهلِهِ منها نَفَقَةَ سَنَتِهِ -وقال مرَّةً: قُوتَ سَنَتِهِ- وما بَقِيَ جَعَلَهُ في الكُرَاعِ (٥) والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ الله . ورواه الجماعة إلا ابن ماجه (٦) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به.

стр. 844

ورواه مسلم (١)، والنسائي (٢) من حديث سفيان، عن معمر، عن الزهري، به. وجمعهما النسائي (٣) في رواية له -أيضًا-، كما رواه أحمد ﵀. وأتبعه أبوداود (٤) بما رواه عن مُسدَّد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، أنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمرُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (٥). قال الزهري: قال عمرُ: هذه لرسولِ الله ﷺ خاصةً قُرى عُرَينة (٦)، وكذا وكذا، ممَّا أفاء اللهُ على رسولِهِ من أهلِ القرى، فللهِ، وللرسولِ، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابنِ السبيل، وللفقراءِ الذين أُخرجوا / (ق ٢٢٦) من ديارِهِم وأموالِهِم، والذين تبوَّؤا الدارَ والإيمانَ من قبلِهِم، والذين جاءوا من بعدِهم، فاستَوعَبَتْ هذه الناسَ، فلم يبق أحدٌ من المسلمين إلا له فيها حقٌّ. -قال أيوب: أو قال: حظٌّ- إلا بعضَ مَن تملكون من أرقَّائِكُم. ثم قال أبو داود (٧): ثنا هشام بن عمَّار، ثنا حاتم بن إسماعيل. وحدثنا

стр. 845

سليمان بن داود المَهْري، ثنا ابن وهب، أخبرني عبد العزيز بن محمد. وحدثنا نصر بن علي، أنا صفوان، -وهذا لفظ حديثه- كلُّهم عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن مالك بن أَوس بن الحَدَثان قال: كان فيما احتجَّ به عمرُ أنَّه قال: كانت لرسولِ الله ﷺ ثلاثُ صفايَا (١): بنو النَّضير، وخيبرُ، وفَدَك. فأمَّا بنو النَّضير فكانت حُبُسًا لنوائبِهِ، وأمَّا فَدَكُ فكانت حُبُسًا لأبناءِ السبيلِ، وأمَّا خيبرُ فجزَّأها رسولُ الله ﷺ ثلاثةَ أجزاءَ، (جزئين) (٢) للمسلمين، وجزءًا نفقةً لأهلِهِ، فما فَضَلَ عن نفقةِ أهلِهِ، جَعَلَهُ بين فقراءِ المهاجرينَ. أثر آخر (٦٣٧) قال أحمد (٣): ثنا محمد بن مُيسَّر أبو سعد الصَّاغاني، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن مالك بن أَوس بن الحَدَثان قال: كان عمرُ ﵁ يَحلِفُ على أيمانٍ ثلاثٍ، يقول: والله ما أحدٌ أَحقَّ بهذا المالِ من أحدٍ، وما أنا بأَحقَّ به من أحدٍ / (ق ٢٢٧)، والله ما من المسلمينَ أحدٌ، إلا وله في هذا المالِ نصيبٌ إلا عبدًا مملوكًا، ولكنَّا على منازِلِنا من كتابِ الله، وقَسْمِنا من رسولِ الله ﷺ ، فالرَّجلُ وبلاؤه في الإسلامِ، والرَّجلُ وقَدَمُهُ (٤) في الإسلامِ، والرَّجلُ وغَنَاؤه (٥) في
следующие страницы →