حديث آخر
(٦٣٣) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١): ثنا زُهَير، ثنا أبو إسحاق الطَّالْقاني، أخبرني بقيَّة بن الوليد، حدثني الوزير بن عبد الله الخَوْلاني، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهري، عن / (ق ٢٢٥) سعيد بن المسيّب، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَن مَنَحَهُ المشركونَ أرضًا، فلا أرضَ له».
وَزِير بن عبد الله هذا: شاميٌّ، قال فيه أبو حاتم الرازي (٢): مجهول.
وقال أبو زرعة: ضعيف، وحديثه لا أصل له.
أثر آخر
(٦٣٤) روى الحافظ أبو بكر البيهقي (٣)
من حديث وكيع وغيره، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كَتَب عمرُ ﵁: أنَّ الغنيمةَ لمن شَهِدَ الوقعةَ.
إسناده صحيح.
стр. 842
أثر آخر
(٦٣٥) قال علي بن حرب الطَّائي (١):
ثنا سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن أبي الأرقم (٢) قال: أغارتِ الخيلُ بالشَّامِ، فأَدرَكَتِ العِرَاب (٣) يومها، وأَدرَكَتِ الكوادِن (٤) ضُحَى الغدِ، وعلى الناس ابنُ أبي حميصة الوادعي، فقال: لا نجعلُ مَن أدركَ كمن لا يُدرِكْ، فكَتَب
стр. 843
في ذلك إلى عمرَ، فكَتَب عمرُ: هَبِلَتِ الوادعِيَّ أُمُّهُ (١)! لقد أدركتُ (٢) به، امضُوهَا على ما قال.
حديث آخر
(٦٣٦) قال الإمام أحمد (٣): ثنا سفيان، عن عمرو ومعمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمرَ قال: كانت أموالُ بني النَّضير ممَّا أَفاء (٤) اللهُ على رسولِهِ ممَّا لم يُوجِفِ المسلمونَ عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، فكانت لرسولِ الله ﷺ خالصةً، فكان يُنفِقُ على أهلِهِ منها نَفَقَةَ سَنَتِهِ -وقال مرَّةً: قُوتَ سَنَتِهِ- وما بَقِيَ جَعَلَهُ في الكُرَاعِ (٥) والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ الله .
ورواه الجماعة إلا ابن ماجه (٦) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به.
стр. 844
ورواه مسلم (١)، والنسائي (٢) من حديث سفيان، عن معمر، عن الزهري، به.
وجمعهما النسائي (٣) في رواية له -أيضًا-، كما رواه أحمد ﵀.
وأتبعه أبوداود (٤) بما رواه عن مُسدَّد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، أنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمرُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (٥). قال الزهري: قال عمرُ: هذه لرسولِ الله ﷺ خاصةً قُرى عُرَينة (٦)، وكذا وكذا، ممَّا أفاء اللهُ على رسولِهِ من أهلِ القرى، فللهِ، وللرسولِ، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابنِ السبيل، وللفقراءِ الذين أُخرجوا / (ق ٢٢٦) من ديارِهِم وأموالِهِم، والذين تبوَّؤا الدارَ والإيمانَ من قبلِهِم، والذين جاءوا من بعدِهم، فاستَوعَبَتْ هذه الناسَ، فلم يبق أحدٌ من المسلمين إلا له فيها حقٌّ. -قال أيوب: أو قال: حظٌّ- إلا بعضَ مَن تملكون من أرقَّائِكُم.
ثم قال أبو داود (٧): ثنا هشام بن عمَّار، ثنا حاتم بن إسماعيل. وحدثنا
стр. 845
سليمان بن داود المَهْري، ثنا ابن وهب، أخبرني عبد العزيز بن محمد. وحدثنا نصر بن علي، أنا صفوان، -وهذا لفظ حديثه- كلُّهم عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن مالك بن أَوس بن الحَدَثان قال: كان فيما احتجَّ به عمرُ أنَّه قال: كانت لرسولِ الله ﷺ ثلاثُ صفايَا (١): بنو النَّضير، وخيبرُ، وفَدَك. فأمَّا بنو النَّضير فكانت حُبُسًا لنوائبِهِ، وأمَّا فَدَكُ فكانت حُبُسًا لأبناءِ السبيلِ، وأمَّا خيبرُ فجزَّأها رسولُ الله ﷺ ثلاثةَ أجزاءَ، (جزئين) (٢) للمسلمين، وجزءًا نفقةً لأهلِهِ، فما فَضَلَ عن نفقةِ أهلِهِ، جَعَلَهُ بين فقراءِ المهاجرينَ.
أثر آخر
(٦٣٧) قال أحمد (٣): ثنا محمد بن مُيسَّر أبو سعد الصَّاغاني، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن مالك بن أَوس بن الحَدَثان قال: كان عمرُ ﵁ يَحلِفُ على أيمانٍ ثلاثٍ، يقول: والله ما أحدٌ أَحقَّ بهذا المالِ من أحدٍ، وما أنا بأَحقَّ به من أحدٍ / (ق ٢٢٧)، والله ما من المسلمينَ أحدٌ، إلا وله في هذا المالِ نصيبٌ إلا عبدًا مملوكًا، ولكنَّا على منازِلِنا من كتابِ الله، وقَسْمِنا من رسولِ الله ﷺ ، فالرَّجلُ وبلاؤه في الإسلامِ، والرَّجلُ وقَدَمُهُ (٤) في الإسلامِ، والرَّجلُ وغَنَاؤه (٥) في
стр. 846
الإسلام، والرَّجلُ وحاجتُهُ، ووالله لئن بَقِيتُ لهم، لَيَأتينَّ الرَّاعيَ بجبلِ صنعاءَ حَظُّه من هذا المالِ وهو يَرعى مكانَهُ.
رواه أبو داود (١) بنحوه، عن عبد الله بن محمد النُّفَيلي، عن محمد بن سَلَمة، عن محمد بن إسحاق، به.
(٦٣٨) وقال البخاري (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل، عن قيس قال: كان عطاءُ البدريين خمسةَ آلافٍ، وقال عمرُ: لأُفَضِّلنَّهم على مَن بعدَهم.
أثر آخر
(٦٣٩) قال حنبل بن إسحاق (٣):
ثنا عبيد الله بن محمد التَّيمي -هو: ابن عائشة-، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ بن الخطاب كَتَب المهاجرينَ على خمسةِ آلافٍ، والأنصارَ على أربعةِ آلافٍ، ومَن لم يشهد بدرًا من أبناءِ المهاجرينَ على أربعةِ آلافٍ، فكان منهم عمر بن أبي سَلَمة، وأسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنَّ ابنَ عمرَ ليس من هؤلاء، إنَّه وإنَّه، فقال ابن عمر: إنْ كان لي حقٌّ فأَعطِنِيه، وإلا فلا تُعطِني. فقال عمرُ لابن عوف: اكتُبْهُ على
стр. 847
خمسةِ آلافٍ، واكتُبنِي على / (ق ٢٢٨) أربعةِ آلافٍ. فقال عبد الله: لا أريدُ هذا. فقال عمرُ: واللهِ لا أجتمعُ أنا وأنت على خمسةِ آلافٍ.
علي بن زيد بن جُدعان فيه كلام (١).
أثر آخر
(٦٤٠) قال سيف بن عمر التَّميمي (٢): عن محمد، وطلحة، والمهلَّب، بإسنادهم، وسعيد بن المرزبان، عن محمد بن حذيفة بن اليَمَان، وزهرة، ومحمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن قال: قال عمرُ: إنِّي مجنِّدُ المسلمينَ على الأُعطيةِ، ومُدوِّنُهُم، ومُتَحرٍّ الحقَّ. فقال عبد الرحمن، وعثمان، وعلي ﵃: ابدَأْ بنفسِكَ. فقال: لا، بل أَبدَأُ بعمِّ رسولِ الله ﷺ ، ثم الأقربُ، فالأقربُ منهم برسولِ الله ﷺ ، ففَرَضَ للعبَّاس، فبَدَأَ به، ثم فَرَضَ لأهلِ بدرٍ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، ثم فَرَضَ لمن بعدَ بدرٍ إلى الحديبيةِ أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، ثم فَرَضَ لمن بعد الحديبيةِ إلى أن أَقلَعَ أبو بكر ﵁ عن أهلِ الرِّدَّة ثلاثةَ آلافٍ ثلاثةَ آلافٍ، ودخل في ذلك مَن شَهِدَ الفتحَ، ثم فَرَضَ لأهلِ القادسيةِ وأهلِ الشَّامِ أصحابِ اليرموكِ ألفينَ ألفينَ، وفَرَضَ لأهلِ البلاءِ النازع منهم ألفين وخمسَمائةٍ. -فقيل له: لو ألحقتَ أهلَ القادسيةِ بأهلِ الأيامِ؟ فقال: لم أكن لأُلحقهم بدرجةِ من لم يُدركوا، لاهَا اللهِ إذًا! وقيل له: لو سَوَّيتَهم على بُعدِ دارِهِم، بمَن قَرُبت دارُهُ؟ فقال: هم كانوا أحقَّ بالزيادةِ؛ لأنهم
стр. 848
كانوا / (ق ٢٢٩) رِدءَ الهتوفِ، وشجى العدوِّ، وايمُ اللهِ، ما سَوَّيتُهُم حتى اسْتَطَبتُهُم- وللروادفِ الذين رَدِفُوا بعد افتتاحِ القادسيةِ واليرموكِ ألفًا ألفًا، ثم الرَّوادفُ الثنَّا خمسُمائةٍ خمسُمائةٍ، ثم الرَّوادفُ الثُّلَّثُ بعدَهم ثلاثُمائةٍ ثلاثُمائةٍ، سوَّى كلَّ طبقةٍ في العطاءِ، ليس بينهم فيما بينهم تفاضلٌ، قويُّهُم وضعيفُهُم، عربيُّهُم وأعجميُّهُم في طبقاتِهم سواء.
حتى إذا حَوَى أهلُ الأمصارِ ما حَوَوا من سباياهم، ورَدِفتِ الرُّبَّعُ من الرَّوادفِ، فَرَضَ لهم على خمسينَ ومائتينَ، وفَرَضَ لمَن رَدِفَ من الرَّوادفِ الخُمَّسِ على مائتين، وكان آخرَ من فَرَضَ له عمرُ أهلُ هَجَرَ على مائتين، ومات عمرُ على ذاك، وأَدخَلَ عمرُ في أهل بدر أربعةً من غيرِهِم: الحسنَ، والحسينَ، وأبا ذرٍّ، وسلمانَ.
(٦٤١) وقال سيف أيضًا (١): عن زهرة، ومحمد، عن أبي سَلَمة ومحمد وطلحة والمهلَّب بإسنادهم، وعمرو، عن الشَّعبي، والمستنير، عن إبراهيم: وجعل نساءَ أهلِ بدرٍ على خمسِمائةٍ خمسِمائةٍ، ونساءَ مَن بعدَ بدرٍ إلى الحديبيةِ على أربعِمائةٍ أربعِمائةٍ، ونساءَ مَن بعدَ ذلك إلى الأيامِ ثلاثَمائةٍ ثلاثَمائةٍ، ثم نساءَ أهلِ القادسيةِ على مائةٍ مائةٍ، ثم سوَّى بين النساءِ بعد ذلك، وجعل الصِّبيانَ من أهل بدرٍ وغيرِهِم سواءً، على مائةٍ مائةٍ، وفَرَضَ لأزواجِ النبيِّ ﷺ عشرةَ آلافٍ عشرةَ آلافٍ، إلا مَن جَرَى / (ق ٢٣٠) عليه المِلكُ، وفضَّل عائشةَ ﵂ بألفين، فأَبَتْ، فقال: بفضلِ منزلتِكِ عند رسولِ الله ﷺ ، فإذا أَخَذتِ، فشأنُكِ.
هذا إسناد غريب، ولكن في سياقه فوائد كثيرة، ويشهد له بالصحة ما تقدَّمه، وما يأتي بعده، والله أعلم.
стр. 849
حديث آخر
(٦٤٢) قال وكيع (١):
عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد: أنَّ عمرَ ﵁ فَرَضَ لأهل بدرٍ ستةَ آلافٍ، وفَرَضَ لأمَّهاتِ المؤمنينَ في عشرةِ آلافٍ، وفَضَّلَ عائشةَ بألفين لحُبِّ رسولِ الله ﷺ إيَّاها، إلا صفيةَ وجويريةَ، فَرَضَ لهما ستةَ آلافٍ، ستةَ آلافٍ، وفَرَضَ لنساءٍ من نساءِ المهاجرينَ في ألفٍ، منهنَّ أُمُّ عَبْدٍ.
هذا إسناد جيد.
وقال الزهري: فَرَضَ عمرُ للعبَّاسِ عشرةَ آلافٍ.
وقال سيف بن عمر: عن زُهرة، عن أبي سَلَمة: أنَّ عمرَ فَرَضَ للعباسِ خمسةً وعشرينَ ألفًا.
حديث (٢) آخر
(٦٤٣) قال عبد الله بن المبارك (٣): ثنا سعيد بن يزيد قال: سَمِعتُ الحارث بن يزيد الحضرمي، يحدِّث عن عُلَي بن رباح، عن ناشِرَة بن سُميٍّ
стр. 850
اليَزَني قال: سَمِعتُ عمرَ ﵁ يقول يوم الجابية، وهو يَخطبُ: إنَّ اللهَ جعلني خازنًا لهذا المال وقاسِمُهُ. ثم قال: بل اللهُ قَسَمَهُ، وأنا بادئٌ بأهلِ النبيِّ ﷺ ، ثم أشرفِهِم، فقَسَمَ لأزواج النبيِّ ﷺ عشرةَ آلافٍ، إلا جويريةَ، وصفيةَ، وماريةَ (١)، فقالت عائشة: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَعدِلُ بيننا، فعَدَلَ عمرُ بينهنَّ، ثم فَرَضَ لأصحابِ بدرٍ المهاجرينَ خمسةَ آلافٍ، ولمن شَهِدَها من غيرِ المهاجرينَ أربعةَ آلافٍ، ولمن شَهِدَ أُحُدًا ثلاثةَ آلافٍ، وقال: مَن أَبطَأَ في الهجرةِ أَبطَأَ به العطاءُ، فلا يَلومنَّ رجلٌ إلا مُناخَ راحلتِهِ، وإنِّي أَعتذرُ إليكم من خالد بن الوليد، إنِّي أَمَرتُهُ أن يحبسَ هذا المالَ على ضعفةِ المهاجرينَ، فأعطاه ذا الشَّرَفِ، وذا اللِّسانِ، فنَزَعتُهُ، وأَمَّرتُ أبا عُبيدةَ.
وهذا إسناد جيد.
وهذا هو السَّبب الذي / (ق ٢٣١) اقتَضى عزلَ عمرَ خالدًا عن إمرة الشَّام، لأنَّ خالداً كان يتساهلُ في إعطاءِ المالِ في الغزو، ومستندُهُ في ذلك تسويغُ رسولِ الله ﷺ له ما فَعَلَهُ في قضيةِ المَدَدي يومَ مؤتةَ من مَنْعِهِ إيَّاه بعضَ ذلك السَّلب (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
أثر آخر
(٦٤٤) قال الفَسَوي (٣): ثنا عَبْدان، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا عبيد الله بن مَوهَب، حدثني عبيد الله بن عبد الله قال: سَمِعتُ
стр. 851
أبا هريرة (١) يقول: قَدِمْتُ على عمرَ بن الخطاب بثمانِمائةِ ألفِ درهمٍ من عند أبي موسى الأشعري، فقال: بماذا قَدِمتَ؟ فقلت: بثمانِمائةِ ألفٍ. فقال: إنما قَدِمتَ بثمانينَ ألفِ درهمٍ. قلت: إنمَّا قَدِمْتُ بثمانِمائةِ ألفٍ. قال: لم أقل لك إنَّك ... (٢)، إنما قَدِمتَ بثمانينَ ألفِ درهمٍ، فكم ثمانُمائةِ ألفٍ؟! فعَدَدتُ مائةَ ألفٍ، ومائةَ ألفٍ، حتى عَدَدتُ ثمانيةً. فقال: أطيِّبٌ ويلك؟! قلت: نعم. فبات عمرُ ليلتَهُ أَرِقًا، حتى إذا نودي بالصبح قالت له امرأتُهُ: يا أميرَ المؤمنين، مانِمْتَ الليلةَ؟ فقال: كيف ينامُ عمرُ وقد جاء الناسَ مالم يكن يأتيهم مثلُهُ منذُ كان الإسلامُ، فما يُؤمِّنُ عمرُ لو هَلَكَ وذلك المالُ عنده لم يَضَعْهُ في حقِّه، فلمَّا صلَّى الصبحَ اجتَمَعَ إليه نَفَرٌ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، فقال لهم في المال، وقد رأيتُ رأيًا، فأَشيرُوا عليَّ، رأيتُ أنْ أَكيلَ / (ق ٢٣٢) للناسِ بالمكيالِ. فقالوا: لا تَفعَلْ، إنَّ الناسَ يدخلون في الإسلامِ، ويَكثرُ المالُ، ولكنْ أَعطِهِم على كتابِ اللهِ، فكلَّما كثُرَ الإسلامُ وكثُرَ المالُ أَعطيتَهُم. قال: فأَشيرُوا عليَّ بمن أَبدَأُ؟ قالوا: بِكَ يا أميرَ المؤمنين، إنَّك وَلِيُّ ذلك. قال: لا، ولكنْ
стр. 852
أَبدَأُ برسولِ الله ﷺ ، ثم الأقربُ، فالأقربُ. فوَضَعَ الديوانَ على ذلك.
قال عبيد الله: بَدَأ بهاشم، ثم بني عبد المطلب.
إسناده جيد صحيح (١).
طريق أخرى
(٦٤٥) قال وكيع: ثنا سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (٢) قال: لما وَضَعَ عمرُ بن الخطاب الديوانَ استَشَارَ الناسَ، فقال: بمَن أَبدَأُ؟ فقالوا: ابدَأْ بنفسِكَ يا أميرَ المؤمنين. قال: لا، ولكنْ أَبدَأُ بالأقربِ، فالأقربِ من رسولِ الله ﷺ (٣).
وهذا منقطع.
أثر آخر
(٦٤٦) قال محمد بن سعد كاتب الواقدي (٤):
ثنا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن المتوكِّل، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمرَ قال:
стр. 853
قَدِمَتْ رِفقَةٌ من التُّجار، فنزلوا المُصلَّى، فقال عمرُ لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نَحرُسَهم الليلةَ؟ فبَاتَا يَحرسانهم، ويُصلِّيانِ ما كَتَبَ اللهُ لهما. فسَمِعَ عمرُ بكاءَ صبيٍّ، فتَوَجَّه نحوه، فقال لأُمِّه: اتَّقِّ اللهَ، وأَحْسِنِي إلى صَبيِّكِ. ثم عاد إلى بكائِهِ (١)، فسَمِعَ بكاءَهُ، فعاد إلى أُمِّهِ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، كلُّ ذلك يقول: اتَّقِّ اللهَ، وأَحسِنِي إلى صَبيِّكِ. ثم قال لها: إنِّي لأراكِ أُمَّ سَوْءٍ، مالي أرى ابنَكِ لا يَقِرُّ؟! قالت: يا عبد الله، قد أَبرَمْتَنِي (٢) منذُ الليلةَ، إنِّي أُرِيغُهُ (٣) عن الفِطام فيأبَى. قال: ولِمَ؟ قالت: لأنَّ عمرَ لا يَفرضُ إلا للفُطُم. قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهرًا. قال: وَيْحكِ لا تُعجِليهِ! فصلَّى الفجرَ (٤)، فلمَّا سلَّم قال: / (ق ٢٣٣) بُؤسًا لعمر، كم قَتَلَ من أولادِ المسلمينَ! ثم أمر مناديًا فنَادَى: لا تُعجِلُوا صبيانَكم عن الفطامِ، فإنَّا نَفرِضُ لكلِّ مولودٍ. وكَتَبَ بذلك إلى الآفاقِ.
أثر آخر
(٦٤٧) قال أبو بكر بن أبي شيبة (٥): ثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ ﵁ كان يَفرِضُ للصَّبيِّ إذا استَهَلَ.
وهذا إسناد صحيح.
стр. 854
أثر آخر عن عمر مشتمل على فوائد من أهمِّها ما نحن فيه من قسمة مال الفَيء
(٦٤٨) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزَّار ﵀ في «مسنده» (١): ثنا زُهَير بن محمد بن قُمَير، ثنا حسين بن محمد، ثنا أبو مَعشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه. وعن عمرَ بن عبد الله مولى غُفْرة قالا: قَدِمَ على أبي بكرٍ ﵁ مالٌ من البحرين، فقال: مَن كان له على رسولِ الله ﷺ عِدَةٌ فليأتْ، فليأخذ. قال: فجاء جابرُ بن عبد الله، فقال: قد وَعَدَني رسولُ الله ﷺ ، فقال: «إذا جاءني من البحرين مالٌ أَعطيتُكَ هكذا، وهكذا، وهكذا». ثلاثَ مرَّاتٍ ملءَ كَفَّيْهِ. قال: خُذ بيديك. فأَخَذَ بيديه، فوَجَدَ خمسَمائةٍ. قال: عُدْ إليها. ثم أعطاه مثلَها، ثم قَسَمَ بين الناس ما بَقِيَ، فأصاب عشرةَ الدراهمِ -يعني: لكلِّ واحد-، فلمَّا كان العامُ المقبلُ، جاءه مالٌ أكثرَ من ذاك، فقَسَمَ بينهم، فأصاب كلُّ إنسانٍ عشرةَ دراهمٍ (٢)، وفَضَلَ من المالِ فَضْلٌ، فقال للناسِ: أَيُّها الناسُ، قد فَضَلَ من هذا المالِ فَضلٌ، ولكم خَدَمٌ يُعالِجُونَ لكم ويَعملونَ لكم، إنْ شئتُم / (ق ٢٣٤) رَضَخنا لهم، فرَضَخ (٣) لهم خمسةَ الدراهمِ خمسةَ الدراهمِ، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ الله، لو فَضَّلتَ المهاجرينَ؟ فقال: أجرُ أولئكَ على اللهِ، إنما هذه معايشُ، الأسوةُ فيها خيرٌ من الأَثرَةِ.
стр. 855
فلمَّا مات أبو بكرٍ ﵁ استُخلِفَ عمرُ، ففتح اللهُ عليه الفتوح، فجاءه أكثرَ من ذلك المالِ، فقال: قد كان لأبي بكر في هذا المال رأيٌ، وَلِي رأيٌ آخرُ، لا أَجعلُ مَن قاتَلَ رسولَ الله ﷺ كمَن قاتَلَ معه، فَفَضَّلَ المهاجرينَ والأنصارَ، ففَرَضَ لمن شَهِدَ بدرًا منهم خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، ومَن كان إسلامُهُ قبلَ إسلامِ أهلِ بدرٍ فَرَضَ له أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، وفَرَضَ لأزواجِ النبيِّ ﷺ اثني عشر ألفًا لكلِّ امرأة منهنَّ، إلا صفيةَ وجويريةَ، فَرَضَ لكلِّ واحدة ستةَ آلافٍ ستةَ آلافٍ، فأَبَيْنَ أنْ يأخُذنَهَا، فقال: إنما فَرَضتُ لهنَّ بالهجرةِ. قلن: ما فَرَضتَ لهنَّ بالهجرةِ، إنما فَرَضتَ لهنَّ لمكانِهِنَّ من رسولِ الله ﷺ ، ولنا مثلُ مكانِهنَّ، فأَبَصَرَ ذلكَ، فجَعَلَهُنَّ سواءً مثلَهنَّ. وفَرَضَ للعبَّاسِ بن عبد المطَّلب اثنَي عشرَ ألفًا لقرابتِهِ من رسولِ الله ﷺ ، وفَرَضَ لأسامةَ بن زيد أربعةَ آلافٍ، وفَرَضَ للحسنِ والحسينِ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، فألحَقَهُما بأبيهما لقرابتِهِما / (ق ٢٣٥) من رسولِ الله ﷺ ، وفَرَضَ لعبد الله بنِ عمرَ ثلاثةَ آلافٍ، فقال: يا أَبَةِ، فَرَضتَ لأسامةَ أربعةَ آلافٍ، وفَرَضتَ لي ثلاثةَ آلافٍ، فما كان لأبيه من الفضل مالم يكن لك؟! وما كان له من الفضلِ ما لم يكن لي؟ ! فقال: إنَّ أباه كان أحبَّ إلى رسولِ الله ﷺ من أبيك، وهو كان أحبَّ إلى رسولِ الله ﷺ منك.
وفَرَضَ لأبناء المهاجرين والأنصار ممَّن شَهِدَ بدرًا ألفين ألفين، فمرَّ به عمرُ بن أبي سَلَمة، فقال: زِيدُوهُ ألفًا، أو قال: زِدْهُ ألفًا ياغلامُ، فقال محمد بن عبد الله بن جحش: لأيِّ شيءٍّ تَزيدُهُ علينا، ما كان لأبيه من الفضل مالم يكن لآبائنا؟! فقال: فَرَضتُ له بأبي سَلَمة ألفين، وزِدتُهُ بأُمِّ سَلَمة ألفًا، فإنْ كان لك أُمٌّ مثلَ أُمِّهِ زِدتُكَ ألفًا. وفَرَضَ لأهلِ مكةَ ثمانِمائةٍ
стр. 856
ثمانِمائةٍ، وفَرَضَ لعثمانَ بن عبد الله بن عثمان، وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله -يعني: عثمان بن عبد الله- ثمانِمائةٍ، وفَرَضَ لابنِ النَّضر بن أنس ألفي درهمٍ، فقال طلحة بن عبيد الله: جاءك ابنُ عثمان قبلَهُ، ففَرَضتَ له ثمانِمائةٍ، وجاءك غلامٌ من الأنصارِ ففَرَضتَ له ألفين؟ فقال: إنِّي لَقِيتُ أبا هذا يومَ أُحُدٍ، فسألني عن رسولِ الله ﷺ ، فقلت: ما أُراه إلا قد قُتِلَ. فسَلَّ / (ق ٢٣٦) سيفَهُ، وكَسَرَ زَندَهُ (١)، وقال: إنْ كان رسولُ الله ﷺ قد قُتِلَ، فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ، فقاتَلَ حتى قُتِلَ، وهذا يَرعى الغنمَ! فتُريدون أنْ أجعلُهُما سواءً!
فعَمِلَ عمرُ ﵁ عُمُره بهذا، حتى إذا كان من آخرِ السَّنَةِ التي حجَّ فيها، قال ناسٌ من الناسِ: لو قد مات أميرُ المؤمنين، أَقَمنا فلانًا -يعنون طلحة بن عبيد الله- وقالوا: كانت بيعةُ أبي بكرٍ فَلتَةً، فأراد أن يتكلَّمَ في أوسطِ أيامِ التشريقِ بمنىً، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنَّ هذا المجلسَ يَغلِبُ عليه غَوغَاءُ الناسِ، وهم لا يَحتملون كلامَكَ، فأَمهِلْ أو أَخِّرْ، حتى تأتِيَ أرضَ الهجرةِ وحيثُ أصحابُكَ ودارُ الإيمانِ والمهاجرينَ والأنصارِ، فتَتَكلَّمُ بكلامِكَ، أو فتَتَكلَّمُ فيُحتمل كلامُكَ. قال: فأَسرَعَ السَّيرَ حتى قَدِمَ المدينةَ، فخَرَج يومَ الجمعةِ، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، ثم قال: قد بَلَغني مقالةُ قائِلِكم: لو قد مات عمرُ، أو لو قد مات أميرُ المؤمنين، أَقَمنا فلانًا فبَايعناه، وكانت إمارةُ أبي بكرٍ ﵁ فَلتَةً، أَجَلْ واللهِ، لقد كانت فَلتَةً، ومِن أين لنا مثلُ أبي بكرٍ نَمُدُّ أَعناقَنَا إليه، كمَا نمُدُّ أعناقَنَا إلى أبي بكرٍ، وإنَّ أبا بكرٍ رأى رأيًا، ورأيتُ أنا رأيًا، فرأى أبو بكرٍ أن يَقسِمَ بالسَّويَّةِ، ورأيتُ
стр. 857
أنا أنْ أُفضِّلَ، فإنْ أَعِشْ إلى هذه السَّنَةِ، فسأَرجِعُ إلى / (ق ٢٣٧) رأي أبي بكرٍ، فرأيُهُ خيرٌ من رأيي، إنَّي قد رأيتُ رؤيا، وما أرى ذلك إلا عند اقترابِ أجلي، رأيتُ كأنَّ دِيكًا نَقَرَني ثلاثَ نَقَراتٍ، فاستَعبَرتُ أسماءَ، فقالت: يَقتُلُكَ عبدٌ أعجمي، فإنْ أَهلِكَ؛ فإنَّ أَمرَكم إلى هؤلاءِ السِّتَّةِ، الذين تُوفي رسولُ الله ﷺ وهو عنهم راضٍ: عثمانُ بن عفَّان، وعليٌّ بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزُّبيرُ بن العوام، وطلحةُ بن عبيد الله، وسعدُ بن مالك، وإنْ عِشتُ فسأَعهَدُ عَهدًا لا تَهلَكوا، ألا، ثم إنَّ الرَّجم (١)
قد رَجَمَ رسولُ الله ﷺ ، ورَجَمنا بعدَهُ، ولولا أن تقولوا: كَتَبَ عمرُ ما ليس في كتاب الله لَكَتَبتُهُ، قد قَرَأنا في كتابِ اللهِ: «الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيَا فارجُمُوهُمَا البتَّةَ نَكَالاً من اللهِ، واللهُ عزيزٌ حكيمٌ»، نَظَرتُ إلى العمَّةِ وابنةِ الأخِ، فما جَعَلتُهُما وَارِثَين، ولا يَرِثَا، وإنْ أَعِشْ؛ فسأَفتَحُ لكم منه طريقًا تَعرفونَهُ، وإنْ أَهلِكَ؛ فاللهُ خليفتي، وتختارون رأيَكُم، إنِّي قد دَوَّنتُ الدِّيوانَ، ومَصَّرتُ الأمصارَ، وإنما أتخوَّف عليكم أحدَ رجلينِ: رجلٌ تأوَّلَ القرآنَ على غير تأويلِهِ، فيُقاتِلُ عليه، ورجلٌ يرى أنَّه أَحقُّ بالمُلكِ من صاحبِهِ، فيُقاتِلُ عليه.
تَكلَّم بهذا الكلامِ يومَ الجمعةِ، ومات ﵁ يومَ الأربعاءِ.
وهذا الحديث / (ق ٢٣٨) حسن؛ لأنَّ له شواهدَ من أحاديثَ متعددة تَقَدَّمت، وستأتي، إن شاء الله تعالى.
стр. 858
أثر آخر
(٦٤٩) قال البخاري في كتاب المغازي (١): حدثني إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: خَرَجتُ مع عمرَ بن الخطاب إلى السُّوق، فلَحِقَتْ عمرَ امرأةٌ شابَّةٌ، فقالت: يا أميرَ المؤمنين، هَلَك زوجي، وترك صِبيةً صغارًا، والله ما يُنضِجونَ كُراعًا (٢)، ولا لهم زرعٌ، ولا ضَرعٌ، وخَشِيتُ أنْ تأكلَهم الضَّبُع، وأنا ابنةُ خُفَاف بن إيماء بن رَحضة الغفاري، وقد شَهِدَ أبي الحديبيةَ مع النبيِّ ﷺ . فوقف معها عمرُ، ولم يمضِ، ثم قال: مرحبًا بنَسَبٍ قريبٍ، ثم انصرَفَ إلى بعيرٍ ظَهيرٍ، كان مربوطًا في الدَّار، فحمل عليه غِرارتين ملأهما طعامًا، وحَمَلَ بينهما نفقةً وثيابًا، ثم ناولها بخطامِهِ، ثم قال: اقْتَادِيهِ، فلن يَفنى حتى يأتيكِ اللهُ بخيرٍ. فقال رجل: يا أميرَ المؤمنين، أَكثَرتَ لها. فقال عمرُ ﵁: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، والله إنَّي لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصَرَا حِصنًا زمانًا، فافتَتَحَاهُ، ثم أصبحنا نَستَفِيء سُهمانَهُما فيه.
انفرد به البخاري.
وقولها: وخَشِيتُ أنْ تأكلَهم الضَّبُعُ: أي يَهلَكوا في هذه السَّنَةِ المَحلِ، فإنَّ السَّنةَ المُمحِلَةَ تسمَّى الضَّبُعُ لغةً.
стр. 859
حديث آخر
(٦٥٠) قال البخاري أيضًا (١): ثنا يحيى بن بُكَير، / (ق ٢٣٩) ثنا اللَّيث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: وقال ثعلبة بن أبي مالك: إنَّ عمرَ بن الخطاب قَسَمَ مُرُوطًا بين نساءٍ من نساءِ أهلِ المدينةِ، فبَقِيَ منها مِرطٌ جيِّدٌ، فقال له بعضُ من عندَه: يا أميرَ المؤمنين، أعطِ هذا ابنةَ رسولِ الله ﷺ التي عندك -يريدون: أُمَّ كلثوم بنتَ عليٍّ بن أبي طالب-. فقال عمرُ ﵁: أُمُّ سَلِيطٍ أحقُّ به. -وأُمُّ سَلِيط من نساءِ الأنصارِ ممَّن بايع رسولَ الله ﷺ . قال عمرُ: فإنها كانت تَزفِرُ -أي: تحمل (٢) - لنا القِرَبَ يومَ أُحُدٍ.
ورواه البخاري -أيضًا- (٣)، عن عَبْدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، به.
أثر (٤) آخر
(٦٥١) قال الحافظ أبو يعلى (٥): ثنا زُهَير، ثنا زيد بن الحُبَاب، ثنا عمر (٦) بن سعيد بن أبي حسين، ثنا عبد الله بن أبي مُلَيْكَة، عن ذكوان مولى
стр. 860
عائشة، عن عائشةَ: أنَّ دُرْجًا أتى عمرَ بن الخطاب، فنظر إليه أصحابُهُ، فلم يعرفوا قيمتَهُ، فقال: أتأذنون أن أَبعثَ به إلى عائشةَ؛ لِحُبِّ رسولِ الله ﷺ إِيَّاها؟ قالوا: نعم. فأتي به عائشة ﵂، فَفَتَحته، فقيل: هذا أَرسَلَ به إليكِ عمرُ بن الخطاب. فقالت: ماذا فَتَحَ عليَّ ابنُ الخطاب بعدَ رسولِ الله ﷺ ؟! اللهمَّ لا تُبقِنِي لعطية قابل.
إسناده جيد، وقد اختاره الضياء في كتابه (١).
والدُّرْج ههنا هو: الصُّندوق.
/ (ق ٢٤٠) أثر آخر
(٦٥٢) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٢):
ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بِشر بن موسى، ثنا خلاَّد بن يحيى، ثنا هارون بن أبي إبراهيم، عن عبد الله بن عُبيد بن عُمَير (٣) قال: بينما الناسُ يأخذون أُعطياتهم بين يدي عمرَ ﵁، إذ رفع رأسَه، فنظر إلى رجلٍ في وجهه ضَربة، قال: فسأله، فأَخبَرَه أنَّه أصابته في غَزَاةٍ كان فيها، فقال: عُدُّوا له ألفًا، فأُعطي الرَّجلُ ألفَ درهمٍ (٤)، ثم قال: عُدُّوا له ألفًا، فأُعطي ألفًا أخرى، ثم قال له ذلك أربع مرات، كلُّ ذلك يُعطيه ألفَ درهمٍ، فاستحيا
стр. 861
الرَّجلُ من كثرة ما يُعطيه، فخَرَج. قال: فسأل عنه، فقيل له: إنَّا رأينا أنَّه استحيا من كثرة ما أُعطي، فخَرَج. فقال: أما واللهِ لو أنَّه مكث ما زلتُ أُعطيه ما بقي منها درهم، رجلٌ ضُرِبَ ضربةً في سبيل الله حَفَرت في وجهه.
هذا أثر حسن، وفيه انقطاع.
أثر آخر
(٦٥٣) قال الحافظ أبو بكر الخطيب (١): أخبرني أحمد بن علي بن محمد المحتسِب، ثنا عمر بن القاسم المُقرئ، ثنا محمد بن مَخلد العطَّار، ثنا محمد بن أبان العَلاَّف، ثنا عامر بن سيَّار، ثنا سليمان بن أرقم، عن الحسن: أنَّ عمرَ بن الخطاب وعثمانَ بن عفَّان ﵄ كانا يرزقان المؤذِّنين، والأئمَّة، والمُعلِّمين، والقُضاة.
أثر آخر
(٦٥٤) قال الحافظ أبو بكر الباغَندي: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حسين بن علي، عن إسرائيل، عن / (ق ٢٤١) الحسن قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: السَّنَةُ ثلاثُمائةٍ وستون يومًا، وإنَّ حقًّا على عمرَ أن يَكسَحَ (٢) بيتَ المال في كلِّ سَنَةٍ يومًا، عُذرًا إلى اللهِ أنِّي لم أدع فيه شيئًا (٣).
стр. 862
أثر آخر
(٦٥٥) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا (١): حدثني المثنىَّ بن معاذ، ثنا بِشر بن المُفضَّل، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة (٢) قال: كان مُعيقيب على بيت مال عمر، فكَسَحَ (٣) بيتَ المالِ يومًا، فوجد فيه درهمًا، فدفعه إلى ابنٍ لعمرَ، قال مُعيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسولُ عمرَ قد جاءني يدعوني، فإذا الدرهمُ في يده. فقال: ويحك يا مُعيقيب! أَوَجَدتَ عليَّ في نفسك شيئًا، أو مالي ولك؟! قلت: وما ذاك؟ قال: أردتَ أن تخُاصِمَني أُمَّةُ محمدٍ ﷺ في هذا الدرهمِ يومَ القيامةِ.
فيه انقطاع بيِّن.
أثر آخر
(٦٥٦) قال حنبل بن إسحاق (٤): ثنا خالد بن خِدَاش (٥)، ثنا حماد بن زيد، عن معمر، عن الزهري: أنَّ عمرَ كَسَا أصحابَ رسولِ الله ﷺ ثيابًا (٦)، فلم يكن فيها ما يصلح للحسن والحسين، فبعث إلى اليمن، فأتى لهما بكِسوة، وقال: الآن طابت نفسي.
منقطع.
стр. 863
أثر آخر
(٦٥٧) قال سيف بن عمر التَّميمي (١)، عن عبد الملك بن عُمَير قال: أصاب المسلمون يوم المدائن بُهار كِسرى (٢)، ثَقُلَ عليهم أن يذهبوا به، وكانوا يعدُّونه للشتاء إذا ذهبت الرَّياحين، / (ق ٢٤٢) وكانوا إذا أرادوا الشُّرب شربوا عليه، فكأنَّهم في رياض بِسَاط واحد ستين في ستين، أرضه بذَهَب، ووَشْيه بفصوص، وثمره بجوهر، ووَرقه بحرير وماء ذهب، فلمَّا قَسَمَ سعد فَيئهم فضل عنهم، ولم يَتَّفِق قَسمُهُ، فجمع سعد المسلمين، فقال: إنَّ اللهَ قد ملأ أيديكم، وقد عَسُرَ قَسمُ هذا البِساط، ولا يقوى على شرائه أحد، وأرى أن تطيبوا به أَنفُسًا لأمير المؤمنين، يَضَعُهُ حيث شاء. ففعلوا.
فلمَّا قَدِمَ على عمرَ بالمدينة رأى رؤيا، فجمع الناسَ، فحَمِدَ اللهَ، وأَثنى عليه، واستشارهم في البِساط، وأَخبَرَهم خبرَه، فمن بين مُشير بقبضه، وآخر مُفوِّض إليه، وآخر مُرقِّق. فقام عليٌّ ﵁ حين رأى عمرَ يأبى حتى انتهى إليه، فقال: لم تجعل علمَكَ جَهلاً! ويقينَكَ شكًّا! إنَّه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيتَ فأمضيتَ، أو لَبِستَ فأبليتَ، أو أكلتَ فأفنيتَ. فقال: صدقتني. فقطَّعه، فقَسَمه بين الناس، فأصاب عليًّا ﵁ قطعةً منه، فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجودَ تلك القطع.
هذا أثر مشهور، وإسناده ههنا فيه انقطاع.
стр. 864
أثر آخر
(٦٥٨) قال الشيخ الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (١): أنا محمد بن أبي منصور (٢)، أنا أبو الحسين بن يوسف، أنا محمد بن علي بن صخر القاضي، ثنا أبو الحُبَاب (٣) أحمد بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو رَوق / (ق ٢٣٤) الهَزَّاني، ثنا القاسم بن محمد بن عبَّاد المهلَّبي، ثنا موسى بن المثنىَّ بن سَلَمة بن المحبَّق الهُذَلي، عن أبيه، عن جدِّه قال: شهدتُ فتحَ الأُبُلَّة (٤)، وأميرنا قطبة بن قتادة السَّدوسي، فاقتُسِمَت المغانمُ، فدُفِعت إليَّ قِدرٌ من نحاس، فلمَّا صارت في يَدَيَّ تبيَّن لي أنها ذهبٌ، وعَرَفَ ذلك المسلمون، فشكوني (٥) إلى أميرنا، فكَتَب إلى عمرَ بن الخطاب يخبره بذلك، فكَتَب إليه عمرُ: أَصبِرْ يمينَه (٦) أنه لم يعلم أنها ذهب إلا بعد ما صارت إليه، فإنْ حَلَف فادفعها إليه، وإنْ أَبَى فاقسمها بين المسلمين. فحَلَف، فدَفَعها إليه، فكان فيها أربعون ألفَ مثقالٍ. قال جدِّي: فمنها أموالنا التي نتوارثها اليوم.
هذا أثر غريب، وحُكمه أغرب منه.
стр. 865
أثر آخر
(٦٥٩) قال حنبل بن إسحاق (١):
ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عامر بن شقيق، أنَّه سَمِعَ أبا وائل يقول: استعملني ابنُ زياد على بيت المال، فأتاني رجلٌ بصَكٍّ، فقال فيه: أعطِ صاحبَ المطبخِ ثمانمائة درهم، فقلت له: مكانك، ودخلتُ على ابن زياد، فحدَّثتُه، فقلت: إنَّ عمرَ استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمانَ بن حنيف على ما سقى الفُرَات، وعمَّارَ بن ياسر على الصلاة والجند، ورَزَقهم كلَّ يوم شاة، فجعل نصفها وسَقَطَها وأكارِعَها لعمَّار؛ لأنَّه كان على الصلاة والجند، وجعل لعبد الله بن مسعود رُبُعَها، وجعل لعثمان بن حَنيفٍ رُبُعَها. ثم قال: إنَّ مالاً يؤخذ منه كلَّ يومٍ شاةٌ، إنَّ ذلك فيه لسريعٌ.
قال ابن زياد: ضع المفتاحَ، واذهب / (ق ٢٤٤) حيثُ شئتَ.
هذا إسناد صحيح.
أثر آخر
(٦٦٠) قال عبد الله بن المبارك (٢): ثنا جرير بن حازم قال: سَمِعتُ نافعًا يقول: أصاب الناسُ فتوحًا في الشَّام، منهم بلال، -وأظنه ذَكَر معاذًا- فكتبوا إلى عمرَ: إنَّ هذا الفَيءَ لك خُمُسَه، ولنا ما بقي، ليس
стр. 866
لأحد فيه شيء، كما صنع رسولُ الله ﷺ . فكتب عمرُ ﵁: إنَّه ليس على ما قلتم، ولكنِّي أَقِفُها للمسلمين. فراجعوه، وراجعهم، يأبون، ويأبى، فلمَّا أَبَوا قام فدعا عليهم، فقال: اللهمَّ بلالاً وأصحاب بلال. فما حال عليهم الحَوْل.
هذا أثر مشهور، وهو مرسل.
стр. 867
حديث يُذكر في باب عقد الذمة وضرب الجزية
(٦٦١) قال أحمد (١): ثنا رَوْح ومؤمَّل قالا: ثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنْ عشتُ لأُخرِجَنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أتركَ فيها إلا مسلمًا».
ثم رواه أحمد (٢)، عن عبد الرزاق (٣)، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سَمِعَ جابر بن عبد الله، عن عمرَ، به.
ثم رواه (٤)، عن أبي أحمد الزُّبيري، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمرَ أنه قال: لئن عشتُ -إن شاء الله-، لأُخرجنَّ اليهودَ والنَّصارى من جزيرة العرب.
هكذا رواه موقوفًا.
وقد رواه مسلم / (ق ٢٤٥) في «صحيحه» (٥)، عن أبي خيثمة زُهَير بن حرب، عن رَوْح بن عُبادة، عن الثوري. ومن حديث ابن جريج ومَعقِل بن عبيد الله. ثلاثتهم عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمرَ، مرفوعًا، كما تقدَّم.
стр. 868
ورواه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣) من حديث الثوري، به.
وأبو داود (٤) من حديث ابن جريج، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال علي ابن المديني: لا يحفظ عن عمرَ إلا من هذا الوجه، لكن رواه جماعة من الصحابة، عن النبيِّ ﷺ (٥).
وقال الإمام مالك (٦): وقد أجلى عمرُ بن الخطاب ﵁ يهودَ نجرانَ، وفَدَك.
قال مالك: قال عمرُ (٧) أجلى أهلَ نجرانَ ولم يُجلَوا من تَيماء؛ لأنها ليست من بلاد العرب، فأمَّا الوادي فإنِّي أَرى أنما لم يُجلَ مَن فيها مِن اليهود، لأنهم لم يروها من أرض العرب.
стр. 869
رواهما أبو داود في كتاب الخراج من «سننه» (١)، عن مالك ﵀.
أثر عن عمر
(٦٦٢) قال محمد بن إسحاق (٢): فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن مِكْنَف أخي بني حارثة قال: لما أَخرج عمرُ يهودَ من خيبر ركب في المهاجرين والأنصار، وخَرَج معه جبَّار بن صَخر بن أُميَّة بن خنساء، أخي بني سَلَمة -وكان خارصَ أهلِ المدينةِ وحاسبَهم-، ويزيد بن ثابت، فهُمَا قَسَما خيبر بين أهلها على أصل جماعة السُّهمان التي كانت عليها ... ، ثم ذَكَر قِسمَتَه لوادي القرى، وماخصَّ كلَّ واحد من أهله، مفصَّلاً في «السِّيرة» (٣).
стр. 870
ذِكر الشروط العُمرية في أهل الذمة
(٦٦٣) أخبرني شيخنا الإمام الحافظ أبو الحجَّاج يوسف بن عبد الرحمن المزِّي -فيما قرأت عليه-، أنا أبو العباس أحمد بن عبد الكريم بن غازي بن الأغلاقي الواسطي -بقراءتي عليه بالقاهرة سنة ثلاث وثمانين وستِّمائة-، أنا أبو الفضل مُكرم بن محمد بن حمزة بن أبي الصَّقر القرشي، أنا أبو النَّدى حسان بن تَميم بن نصر الزيَّات، أنا الفقيه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي ﵀ قال: أنا أبو محمد عبد الله بن الحسن بن طلحة بن إبراهيم بن النحاس التِّنيسي، أنا أبو عبد الله محمد بن بَيَان الكازروني، أنا أبو الفرج الحسين بن عبيد الله بن أحمد الصَّابوني القاضي بالموصل، ثنا أبو عبد الله محمد بن يحيى، ثنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، ثنا الرَّبيع بن ثعلب، ثنا يحيى بن عُقبة بن أبي العيزار، عن سفيان الثوري، والوليد / (ق ٢٤٦) بن نوح، والسَّري بن مصرِّف يَذكرون عن طلحة بن مصرِّف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غَنم قال: كَتَبتُ لعمرَ بن الخطابِ حين صالح نصارى من أهل الشَّام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ لعبد الله عمرَ أميرِ المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، أنكم لمَّا قَدِمْتُم علينا، سألناكم الأمانَ لأنفسنَا، وذرارينا، وأموالنا، وأهلِ ملَّتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا:
ألا نحدِثَ في مدينتنا، ولا فيما حولها دَيرًا، ولا كنيسة، ولا قَلاَّيةَ (١)، ولا صومعةَ راهب، ولا نجدِّدَ ما خَرِبَ منها، ولا نحيي ما كان في خططِ المسلمين، وألا نمنعَ كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين
стр. 871
في ليل ولا نهار، وأن نوسِّعَ أبوابها للمارَّة، وابنِ السبيلِ، وأن نُنزِلَ من مَرَّ بنا من المسلمين ثلاثة أيام نُطعِمُهُم، وألا نُؤوي في كنائسنا، ولا منازلنا جاسوسًا، ولا نكتم غِشًّا للمسلمين، ولا نُعلِّمَ أولادنا القرآن، ولا نُظهرَ شِركًا، ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نمنعَ أحدًا من ذَوِي قراباتِنا الدخولَ في الإسلام إن أرادوه، وأن نُوقِّرَ المسلمين، وأن نقومَ لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبَّهَ بهم في شيء من ملابسهم، في قَلنسُوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فَرق شَعر، ولا نتكلَّمَ بكلامهم، ولا / (ق ٢٤٧) نَكتني بكُناهم، ولا نركبَ السُّروجَ، ولا نتقلَّدَ السُّيوف، ولا نتَّخِذَ شيئًا من السِّلاح، ولا نحملَه معنا، ولا ننقشَ خواتيمنا بالعربية، ولا نبيعَ الخمور، وأن نجُزَّ مقاديمَ رُءوسنا، وأن نلتزمَ دِيننا (١) حيث ماكنَّا، وأن نشُدَّ الزَّنانير على أوساطنا، وألا نُظهِرَ الصَّليب على كنائسنا، وألا نُظهِرَ صَلِيبًا (٢)، أو نجسًا في شيءٍ من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نَضرِبَ بنواقيسنا في كنائسنا، إلا ضربًا خفيفًا، وألا نرفعَ أصواتَنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نُخرِجَ سَعَانين (٣)،
ولا باعوثاً (٤)، ولا نرفعَ أصواتنا مع موتانا، ولا نُظهِرَ النيرانَ معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورَهم بموتانا، ولا نتَّخِذَ من الرَّقيق ما جرى عليه سهامُ المسلمين، وأن نُرشِدَ المسلمين، ولا نطَّلعَ عليهم في منازلهم.
стр. 872
فلمَّا أتيتُ عمرَ بن الخطاب ﵁ زاد فيه: ولا نضربَ أحدًا من المسلمين. شَرَطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل مِلَّتنا، وقَبِلنَا عليه الأمانَ، فإن نحن خالفنا في شيء ممَّا شرطنا لكم وَوَصفنا على أنفسنا؛ فلا ذِمَّة لنا، وقد حلَّ لكم منَّا ما يحِلُّ لكم من أهل المعاندة والشِّقاق.
وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في «سننه الكبير» (١)، عن أبي طاهر الفقيه، عن أبي الحسن / (ق ٢٤٨) علي بن محمد بن سَخْتُويه، عن أبي بكر يعقوب بن يوسف المطَّوِّعي، عن الربيع بن ثعلب، فذكر بإسناده مثله، سوى ما بيَّنته في الحاشية، ولله الحمد.
وهكذا رواه الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن زَبر -قاضي دمشق- في جزء جمعه في الشروط العمرية (٢)، عن محمد بن هشام بن البَختَري أبي جعفر المستملي، عن الربيع بن ثعلب الغَنَوي، به، مثلَه.
ثم قال (٣): ووَجَدتُ هذا الحديثَ بالشَّام، رواه عبد الوهاب بن نَجدة الحَوطِي، عن محمد بن حِميَر، عن عبد الملك بن حميد بن أبي غَنيَّة، عن السَّري بن مصرِّف، وسفيان الثوري، والوليد بن نوح، عن طلحة بن مصرِّف، عن مسروق بن الأَجدع، عن عبد الرحمن بن غَنم قال: كَتَبتُ لعمرَ بن الخطاب حين صالحه نصارى أهل الشَّام، فذَكَر مثله سواءً بطوله، فتَعَجبتُ من اتفاق ابن أبي غَنيَّة ويحيى بن عُقبة على روايته عن هؤلاء الثلاثة بأعيانهم، حتى كأن أحدهما أخذه من الآخر، والله أعلم.
стр. 873
قال (١): ورأيتُ هذا الحديثَ في كتاب رجل من أصحابنا بدمشق، ذَكَر أنَّه سَمِعَه من محمد بن ميمون بن معاوية الصُّوفي بطبرية، بإسناد ليس بمشهور، ينتهي إلى إسماعيل بن مُجالِد، حدثني سفيان الثوري، عن طلحة بن مصرِّف، عن مَسروق، عن عبد الرحمن بن غَنم ... ، فذَكَره بطوله.
وقال فيه: ولا نتشبَّهَ بهم في شيء من لباسهم، في قَلنسُوة، ولا / (ق ٢٤٩) عمامة، ولا سراويل ذات خَدَمة، ولا نعلين ذات عَذَبة، ولا نمشي إلا بزُّنَّار من جِلد، ولا يوجد في بيت أحدنا سلاح إلا انتُهِبَ.
ثم قال (٢): وما رأيتُ هذه الزيادةَ فيما وقع إلينا في شيءٍ من عهودِ عمرَ بن الخطاب، وهي مرويَّةٌ عن عمرَ بن عبد العزيز.
طريق أخرى
(٦٦٤) ثم قال ابن زَبر (٣): ثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، ثنا أبي، ثنا بقيَّة بن الوليد، عن عبد الحميد بن بَهرام، عن شَهر بن حَوشب، عن عبد الرحمن بن غَنم: أنَّ عمرَ بن الخطاب كَتَب على النصارى حين صولحوا: بسم الله الرحمن الرحيم ... ، فذَكَر مثلَه، أو نحوَه.
طريق أخرى
(٦٦٥) قال ابن زَبر (٤): وذَكَر أحمد بن علي المصِّيصي -المعروف بالحُطَيطي، ومسكنه بكَفْر بَيَّا (٥) -: أنَّ مخزوم بن حميد بن خالد حدَّثهم
стр. 874
عن أبيه حميد بن خالد، عن خالد بن عبد الرحمن، عن عبد السلام بن سلامة بن قيصر الحضرمي، كذلك كان في العهد الذي عهده عمرُ بن الخطاب إلى سلامة بن قيصر في سنة ست من خلافة عمر: هذا عهدُ عمرَ بن الخطاب الذي أودعه سلامة بن قيصر على أنهم اشترطوا على أنفسهم بهذا الشَّرط، طلبنا إليك الأمانَ لأنفسنا، وأهلِ مِلَّتِنا ... ، وذَكَر مثلَ حديث عبد الرحمن بن غَنم.
فهذه طرق يشدُّ بعضها بعضًا، وقد ذَكَرنا شواهد هذه الشروط، وتكلَّمنا عليها مُفرَدَة، ولله الحمد (١).
أثر فيه حديث
(٦٦٦) قال محمد بن سعد في «الطبقات» (٢): أنا علي بن محمد -يعني المدائني-، عن أبي مَعشر، عن يزيد بن رومان. (ح) وأنا علي
стр. 875
بن محمد بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعكرمة بن خالد، وعاصم بن عمر بن قتادة. (ح) وأنا يزيد بن عياض بن جُعدُبة، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهم من أهل العلم، يزيد بعضهم على بعض، قالوا: (وَفدُ نَجران) ... ، فذَكَر قصتَهم، وإقرارَ رسولِ الله ﷺ إيَّاهم على ما هم عليه، وأخذه منهم الجزية بعد نكولهم عن المباهلة.
إلى أن قال: وأقام أهلَ نَجران على ما كَتَب لهم به رسولُ الله حتى قبضه اللهُ، ثم وَلِيَ أبو بكرٍ الصِّديق، فكَتَب بالوصاة بهم عند وفاته، ثم أصابوا ربًا، فأخرجهم عمرُ بن الخطاب من أرضهم، وكَتَب لهم: هذا ما كَتَب عمرُ أمير المؤمنين لنجرانَ: أنَّ من سار منهم، أنَّه آمن بأمان الله، لا يضرهم أحدٌ من المسلمين، ووفاءً لهم بما كَتَب لهم رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكرٍ، أمَّا بعد: فمن وقعوا به من أمراء الشام وأمراء العراق؛ فليُوَسّعهم من خراب (١) الأرض، فما اعتملوا من ذلك، فهو لهم صدقةٌ، وعُقبةٌ لهم مكانَ أرضهم، لا سبيلَ عليهم فيها لأحدٍ، ولا مَغرمٍ. أمَّا بعد: فمن حَضَرهم من رجل مسلم؛ فليَنصرهم على مَن ظلمهم، فإنَّهم أقوامٌ لهم الذِّمَّة، وجِزيتهم عنهم متروكةٌ أربعةً وعشرينَ شَهرًا بعد أن تقدموا، ولا يُكلَّفوا إلا من ضيعتهم التي اعتملوا، غيرَ مظلومين، ولا معنوفٍ عليهم. شَهِدَ عثمانُ بن عفان، ومُعيقيبُ بن أبي فاطمة، فوقع ناسٌ منهم بالعراق، فنزلوا ... (٢).
стр. 876
(٦٦٧) ... (١) عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح الهُذَلي: أنَّ رسولَ الله ﷺ صالحَ أهلَ نجرانَ، فكَتَب لهم كتابًا ... ، فذَكَره، وفيه: على ألا تأكلوا الرِّبا، فمَن أكل الرِّبا من ذي قبلُ، فذمَّتي منهم بريئةٌ.
ثم ذَكَر (٢) عن أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ نحو ما تقدَّم.
أثر آخر
(٦٦٨) / (ق ٢٥٠) قال الحسن بن عرفة (٣): ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن زيد بن رُفَيع، عن حَرَام بن معاوية قال: كَتَب إلينا عمرُ بن الخطاب: أن أدِّبُوا الخيلَ، ولا يُرفعنَّ بين ظَهْرانيكم الصُّلُب، ولا تجاورنَّكم الخنازيرُ.
إسناد جيد.
وأدِّبوا من التأديب، هذا هو المشهور، ويُروى: أَدئبوا: أي: أتعبوها في السَّوق ونحوه من وجوه السِّباق وغيره.
стр. 877
حديث آخر
(٦٦٩) قال القاضي أبو محمد بن زَبر ﵀ (١):
حدثنا أحمد بن عبد الجبار العُطَاردي، حدثني أبي، ثنا سعيد بن عبد الجبار، عن سعيد بن سنان، ثنا أبو الزَّاهرية، عن كثير بن مُرَّة الحضرمي قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب ﵁ يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لا يُبنَى بَيعةٌ في الإسلام، ولا يُجدَّدُ ما خَرِبَ منها».
هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، تفرَّد به سعيد بن عبد الجبار هذا، وهو حمصي ضعيف (٢).
وشيخه -أيضًا- من أهل بلده ضعيف مثله (٣).
وقد روي مرسلاً من وجه آخر، بنحوه، والصحيح: أنه موقوف،
стр. 878
كما رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عمرَ (١).
وكذا رواه مُجالِد، عن الشَّعبي (٢)، عن عمرَ، والله أعلم.
أثر آخر
(٦٧٠) قال مالك (٣): عن نافع، عن أسلم: أنَّ عمرَ ضرب الجزيةَ على أهلِ الذَّهبِ أربعةَ دنانيرَ، وعلى أهل الوَرِق أربعينَ درهمًا، مع ذلك أرزاقُ المسلمين، وضيافةُ ثلاثةِ أيامٍ.
إسناد صحيح.
أثر آخر
(٦٧١) قال أبو عبيد في كتاب «الأموال» (٤): ثنا النضر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس قال: قال عمرُ بن الخطاب: يا يَرفَأ، اكتُب إلى أهل الأمصار في أهل الكتاب: أن يجُزُّوا
стр. 879
نواصيَهم، وأن يربطوا الكُستِيجات (١) في أوساطهم، ليُعرَفَ زِيُّهم من زِيِّ أهلِ الكتابِ (٢).
أثر آخر
(٦٧٢) قال أبو عبيد (٣): ثنا عبد الرحمن (٤)، عن عبيد الله (٥) بن عمر، عن نافع، عن أسلم: أنَّ عمرَ أمر في أهل الذِّمَّة أن يجُزُّوا نواصيَهم، وأن يركبوا على الأَكُفِّ، وأن يركبوا عَرضًا، لا يركبوا كما يركب المسلمونَ، وأن يوثِّقوا المناطق (٦).
قال أبو عبيد: يعني: الزَّنانير (٧).
стр. 880
أثر آخر
(٦٧٣) قال سفيان الثوري في «جامعه»: عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن أسلم قال: كَتَب عمرُ إلى الأجناد: أنِ اختموا أهلَ الجزية في رقابِهِم.
رواه أبو عبيد (١)، عن أبي المنذر، ومصعب بن المِقدام. كلاهما عن الثوري، به.
وهو منقطع جيد (٢).
أثر آخر
(٦٧٤) روى البيهقي (٣) بإسناد صحيح، عن الثوري، عن ثور بن يزيد، عن عطاء بن دينار قال: قال عمرُ: لا تعلَّموا رطانةَ الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يومَ عيدِهِم، فإنَّ السُّخطةَ تنزلُ عليهم.
وقد روي عن عطاء بن أبي رباح، قولَه:
(٦٧٥) كما قال وكيع (٤): ثنا ثور، عن عطاء قال: لا تعلَّموا رطانةَ الأعاجمِ، ولا تدخلوا عليهم كنائسَهم، فإنَّ السُّخطَ ينزلُ عليهم.