← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

والثاني: تفريع على جوازه، لأنه يقتضي جواز كون الفعل مأمورًا به بعد حدوثه، وهذا الناقل نقل امتناعه وفاقا. ثم اعلم أن إمام الحرمين - رحمه الله تعالى - اعترض على ما نقل عن الأصحاب، وقال: لا ربط بين الأمر والقدرة عند الشيخ، فإن العبد مأمور عنده قبل القدرة. وبه أوجب أيضًا أن تكون التكاليف بأسرها عند الشيخ رحمه الله تعالى تكاليف ما لا يطاق، على ما نقلنا: عنه في مسألة تكليف ما لا يطاق. واعلم أنه لا ينبغي أن يظن بالشيخ أن يكون قد قال: إن العبد مأمور حقيقة قبل الفعل، والفعل لا يكون مأمورًا به إلا عند حدوثه حتى يكون اعتراض الإمام ردًا عليه، فإن ذلك تناقض بين لا يجوز على آحاد المخلصين فكيف على الشيخ وأمثاله، بل الظاهر أنه رد على الأصحاب أنهم كيف قالوا: إن الفعل إنما يصير مأمورًا به وقت حدوثه لا قبله. ووجه الإنكار عليهم هو أنهم إن قالوا ذلك بناء على أن ذلك مذهبه، إما بطريق النص، بأن نص عليه، أو بطريق التخريج من قاعدة مذهبه والتفريع عليها، فإن من مذهبه أن الاستطاعة مع الفعل. فليس بسائغ: أما الأول: فلما فيه من التناقض البين. وأما الثاني: فلأنه لا ربط عنده بين الأمر والقدرة، فإن العبد مأمور حقيقة

стр. 1052

عنده قبل القدرة، لأنه مأمور بالفعل قبل التلبس، ويلزم منه أن يكون مأمورًا قبل القدرة، إذ الاستطاعة مع الفعل لا قبله. وإن قالوا: ذلك من عند أنفسهم، فيلزم أن يكونوا قد خالفوا الشيخ، فإن العبد عنده مأمور قبل القدرة، وقبل الفعل، ويلزم منه قطعًا أن يكون الفعل مأمورًا به أيضًا قبل حدوثه. فعلى هذا كون الفعل مأمورًا به وقت حدوثه لا غير، إنما هو مذهب الأصحاب لا مذهب الشيخ، وهو موافق للنقل الثاني من وجه. واستدلال الإمام على صحة ما نقل عن الأصحاب: بأنه لو امتنع كون المأمور مأمورًا - حال حدوث الفعل - لامتنع كونه مأمورًا مطلقًا، لأن في الزمان الأول لو أمر بالفعل، لكان الفعل، إما أن يكون ممكنًا في ذلك الزمان أو لا يكون. فإن كان الأول: فقد صار مأمورًا بالفعل حال إمكان وقوعه. وإن كان الثاني: كان مأمورا بما لا قدرة له / (١٨٦/ب) عليه، وذلك عند الخصم محال. وفيه نظر: أما أولاً: فلأن الدعوى عامة والدليل خاص، فإن ما ذكره لو دل فإنما يدل على صحة كونه مأمورًا حال الحدوث لا على امتناع كونه كذلك قبله، كما هو مذهب الخصم، ومعلوم أنه لا يلزم من صحة الأول، امتناع الثاني، ولا يمكن التمسك بالإجماع على عدم الفصل بينهما، فإنه قد ذهب إليه لا

стр. 1053

محالة على ما دل عليه النقل الثاني، وإنما النزاع في أن الناس، هل أطبقوا على صحة كونه مأمورًا قبل الفعل أم لا؟. وأما ثانيًا: فلأن قوله: لو أمر بالفعل في الزمان الأول، فالفعل إما [أن يكون] ممكنا في ذلك الزمان، أو لا يكون، فإن كان الأول فقد صار مأمورًا بالفعل حال إمكان وقوعه. قلنا: لا نسلم ذلك، وهذا لأنه لا يلزم من كون الشيء ممكنًا في نفسه في وقت أن يكون وقوعه فيه ممكنًا، نحو أن يكون ممكنًا فيه بحسب نفسه، ولا يمكن وقوعه فيه لفقد شرط من شرائط وقوعه، نحو محاولة الفاعل إيجاده، أو لوجود مانع منه كالأزلية بالنسبة إلى وجود العالم، فإنه إذا ذاك "ليس" ممتنعًا في ذاته، وإلا لزم أن ينقلب الشيء من الامتناع إلى الإمكان، وهو محال بل كان ممكنًا في نفسه [فيه مع استحالة وجوده فيه، لما بين الأزلية والحدوث من المنافاة، ولا يقدح ذلك في إمكانه في نفسه] وإلا لاعتبر في كون الشيء ممكنًا في نفسه محاولة الفاعل إياه بالإيجاد. وهو باطل، لأن محاولة الفاعل للفعل مشروط بشرط كونه ممكنًا في نفسه، فلو كان كونه ممكنًا في نفسه مشروطًا بالمحاولة لزم الدور، وهو محال. [فإن] ورد في إمكان وقوعه في ذلك الزمان، بأن يقول: لو أمر بالفعل في الزمان الأول فالفعل إما أن يمكن وقوعه فيه، أو لا يمكن، فإن كان الأول، كان مأمورًا بالفعل حال إمكان وقوعه.

стр. 1054

قلنا: نعم، لكن ماذا يكون، وماذا يلزم منه؟. واعلم أن الإمام - رحمه الله تعالى - ما ذكر على ذلك دليلاً، ويمكن أن يقرر ذلك بوجوه: أحدها: أن كونه مأمورًا في وقت إمكان وقوع الفعل فيه يستلزم الخلف، لأنه يقتضي أن لا يكون مأمورًا فيه، لأن بتقدير وقوع الفعل فيه يلزم أن يكون مأمورًا قبله لا فيه، لأن عند الخصم يستحيل اجتماع وصف المأمور به مع وقوع الفعل في وقت فمهما وقع في وقت فإنه مأمور قبله لا فيه، فلو أمكن وقوع الفعل في الزمان الأول مع أن المكلف مأمور فيه "يلزم أن لا يكون مأمورًا فيه" وهو خلف. وثانيها: أن القول: بإمكان وقوعه فيه يقتضي أن يكون / (١٨٧/أ) المكلف مأمورًا قبل أول وقت الأمر في الأمر المؤقت بوقت وقبل ورود الأمر في الأمر المطلق، لأن ذلك الزمان الأول لو فرضناه أول الوقت أو زمان ورود الأمر لزم ذلك، لأنه مأمور عند الخصم أبدًا قبل الفعل لا معه. وثالثها: أن وقت إمكان وقوع الفعل، هو وقت تلبس الفاعل به، إذ لو أمكن وقوع الفعل في غير وقت تلبس الفاعل به، لزم وقوع الممكن لا عن فاعل، وهو محال ومستلزم المحال محال، فإمكان وقوع الفعل في غير وقت تلبس الفاعل به محال، فحينئذ يلزم أن يكون مأمورًا في وقت تلبسه بالفعل وهو المطلوب. وإن كان الثاني: كان مأمورًا بما لا قدرة للمكلف عليه.

стр. 1055

قلنا: لا نسلم وهذا لأنه لا يلزم من عدم إمكان وقوع الشيء في وقت، أن يكون غير مقدور عليه مطلقًا للقادر، لجواز أن يكون ذلك لفقد شرط أو وجود مانع، وهو غير مناف للمقدورية في الجملة، نعم هو غير مقدور عليه في تلك الحالة مع ذلك الاعتبار، لأن وجود المشروط بدون الشرط ووجود الشيء مع وجود المانع منه محال، والمحال غير مقدور عليه، لكن لا نسلم أنه لا يجوز أن يتعلق التكليف بمثل هذا الفعل عند الخصم، ولا يخفى عليك سنده بعد الإحاطة بما تقدم في مسألة تكليف ما لا يطاق. واحتج على المسألة بوجه آخر: وهو أنه لا نزاع في أن الفعل في أول زمان حدوثه، مقدور، سواء قيل بتقدم الاستطاعة عليه، كما هو مذهب المعتزلة، أو بوجودها مع وجوده كما هو مذهب أصحابنا، وإذا كان كذلك أمكن تعليق التكليف به إذ لا يعتمد صحته إلا على الفهم والقدرة. وفيه نظر. لأنه إن عني بقوله: إن الفعل في أول زمان حدوثه لمقدور بالاتفاق "مع" أنه تعلق به القدرة في حالة العدم وهو به يوجد ولا ينقطع عنه التعلق إلى أن يتم وجوده، فهذا مسلم لكن لا نسلم أن المقدور بهذا المعني يصح أن يتعلق به التكليف، وهذا لأن فعله إذ ذاك واجب عندنا ولا يتعلق التكليف بالواجب عندنا، بل إنما يتعلق بما يصح فعله وتركه. وإن عني به: أنه يصح فعله ويصح تركه، فممنوع.

стр. 1056

وهذا لما عرفت من قبل، والمقدور بهذا المعني هو الذي يصح أن يتعلق به التكليف. وتلخيصه أن الفعل حال حدوثه مقدور عندهم بمعني دوام تعلق القدرة به وقبيله مقدور بمعني ابتداء / (١٨٧/ب) تعلق القدرة به وصحة تعلق الأمر عندهم، إنما يعتمد على الثاني دون الأول. والأولي في ذلك أن يقال: إنه لو امتنع أن يكون المأمور مأمورًا حال حدوث الفعل لامتنع أن يكون مأمورًا قبيله، لكن لا يمتنع ذلك عند الخصم فلا يمتنع أن يكون مأمورًا حال حدوث الفعل. بيان الملازمة: أنه لو امتنع أن يكون المأمور مأمورًا حال حدوث الفعل فإنما يمتنع ذلك لكون الفعل فيه واجبًا، والتكليف بالواجب ممتنع، لأنه تحصيل الحاصل، لكن من المعلوم أن ذلك الوجوب ليس وجوبًا ذاتيًا ولا لوصف لازم بل لو كان له شيء من الوجوب، فإنما هو بشرط المحمول أي بشرط وجوده والوجوب بشرط المحمول لو كان مانعًا من التكليف لامتنع التكليف بالفعل قبيل حدوثه أيضًا ضرورة أنه واجب العدم بشرط المحمول أي بشرط تحقق العدم ولما لم يكن ذلك مانعًا لم يكن الوجوب، حالة الحدوث مانعًا أيضًا ضرورة عدم افتراقهما في الوجوب بشرط الحمل. واحتج أيضًا بوجه آخر: وهو أن القدرة الحادثة لا توجد إلا مع المقدور لأنها عرض وقد عرف أنه لا بقاء للأعراض، فلو وجدت قبل الفعل لعدمت عند وجوده، وحينئذ يلزم القول بوقوع الأثر بلا مؤثر، وبوقوع المؤثر بلا أثر وهو محال، فوجود القدرة قبل الفعل محال، وإذا امتنع تحقق القدرة قبل الفعل امتنع تحقق الأمر أيضًا إذ ذاك، وإلا يلزم الأمر بما لا قدرة للمكلف عليه، وهو عند الخصم ممتنع.

стр. 1057

فإن قلت: لو أوجبت القدرة الحادثة من حيث إنها قدرة أن تكون مقارنة للمقدور، لأوجبت القدرة القديمة ذلك أيضًا، ضرورة أنه لا فرق بينهما من حيث القدرة، وحينئذ يلزم قدم العالم، وهو باطل. أما أولاً: فبالاتفاق. وأما ثانيًا: فلاستحالة كون المقدور قديمًا. قلت: لا نسلم أنه لا فرق بينهما، وهذا فإن القدرة الحادثة عندنا بمعني الكسب، والقدرة القديمة بمعني الخلق والاختراع، وهما معنيان متغايران واقتضاء أحد المفهومين المختلفين بحكم لا يوجد اقتضاء الآخر إياه غاية ما في الأمر أن اللفظ الدال عليهما واحد، ومعلوم أن عدم الافتراق في ذلك غير موجب لعدم الاقتران في الحكم، لأنه يجوز أن يقتضي أحد مدلولي اللفظ حكمًا ولم يقتض مدلوله الآخر، لما أنهما مختلفان ولو سلم أنهما بمعني الخلق والاختراع على ما / (١٨٨/أ) هو رأي الخصم، لكن لا نزاع في أن القدرة القديمة، يصح منها خلق ما لا يصح من القدرة الحادثة، وكذا بالعكس على رأي بعضهم وذلك يدل على أنهما متغايران لوجوب تساوي المتماثلان في جميع الاقتضاءات الذاتية.

стр. 1058

واحتج الخصم: أن المأمور لابد وأن يكون قادرًا على المأمور به بحيث يصح منه الترك والفعل، ولا قدرة على الفعل حال الحدوث بالمعني المذكور، ضرورة أن الفعل واجب فيه، وحينئذ يلزم أن لا يكون المأمور مأمورًا حال الحدوث. وجوابه: بعد تسليم المقدمة الأولى: مع أن فيه منعًا أنه بعينه يقتضي أن لا يكون مأمورًا قبله أيضًا، لأنه لا قدرة له على تحصيل الفعل حالة العدم، ضرورة أن الترك واجب فيه كما سبق. فإن قلت: القدرة عليه حاصلة نظرًا إلى كونه ممكنًا وحصول شرائطه وارتفاع موانع التأثير وإنما امتنع لاعتبار لعدم فيه. قلت: كذلك نقول: أيضًا في حالة الحدوث، من غير تفاوت أصلاً، فإن الحادث ممكن نظرًا إلى ذاته وحصول شرائطه وارتفاع موانعه، وإنما جاء الوجوب نظرًا إلى اعتبار الوجود فيه، فإن الشيء إذا كان موجودًا، أو في حالة الوجوب كان واجب الوجود لا محالة.

стр. 1059

المسألة السادسة [علم المأمور بكونه مأمورًا قبل التمكن] ذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء: إلى أن المأمور يعلم كونه مأمورًا قبل التمكن من الامتثال، وإن كان الآمر عالمًا بأنه لا يبقي إلى أن يتمكن منه، كما إذا أمر الله تعالى: "لزيد بصوم الغد" وعلم أنه يموت قبل الغد. وقالت المعتزلة، وإما الحرمين منا: لا يعلم ذلك إن كان الآمر عالمًا بأنه لا يبقي إلى أن يتمكن من الامتثال.

стр. 1060

وعلى هذا تبنى صحة ورود الأمر من الآمر، إذا كان الأمر خاصًا. فمن قال: إن المأمور يعلم كونه مأمورًا قبل التمكن جوز وروده. ومن لم يقل به: لم يجوزه. وأما إذا كان الآمر عالمًا ولم يعلم انقراض الجميع، بل بعضهم، فأظن أنه لا خلاف فيه إذ أكثر أوامر كتاب الله تعالى كذلك. فإن بعض المكلفين يموت قبل التمكن. وكلام بعضهم: يشعر بالخلاف فيه "أيضًا". وعلى هذا الخلاف أيضًا: الأمر المقيد بالشرط الذي علم الآمر بأنه [لا يوجد]، كما إذا أمر الله تعالى: لزيد بالصوم إن قدم "لزيد" عمرو من السفر، وعلم أنه لا يقدم. ولهذا زعمت المعتزلة: أن الشرط في أمره / (١٨٨/ب) تعالى محال، لأنه تعالى عالم بعواقب الأمور وما يكون منها وما لا يكون، فإن كان الشرط مما علمه أنه لا يكون لم يكن الأمر المعلق به أمرًا، بل هو جار مجرى قوله: صم غدًا إن صعدت السماء، وليس هو من الأمر في شيء إلا على رأي بعض من يجوز تكليف ما لا يطاق. وإن كان مما علم أنه سيكون لم يكن الأمر مشروطًا به، بل هو كقوله: "قم إن كان الله موجودًا" أو اشمس مخلوقة، وليس هو من الأمر المشروط في شيء لأن الأمر المشروط هو الذي يكون على خطر الحصول واللاحصول لأن الشرط هو الذي يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل، ومعلوم أن هذا

стр. 1061

التردد والشك في حقه تعالى محال، بل لا يتصور في حقه تعالى إلا العلم، فلا يتصور في حقه تعالى تعليق الأمر على الشرط، فعلى هذا قالوا إن المكلف إذا شهد هلال رمضان، فإنه يجب عليه أن يشرع في الصوم لا على أنه يقطع بأنه يكون متمكنًا منه، فإن القطع بذلك يقتضي القطع ببقائه قادرًا، وهو متعذر لإمكان تطرق الموت والزمانة إليه فجأة، بل بناء على الظن الغالب، فإن الأصل بقاء الحياة واستمرار القدرة. وإن قيل: بعدم بقاء الأعراض لتجدد الامتثال عادة، فلو مات قبل إتمام الصوم تبين أن الصوم ما كان واجبًا عليه، وكذا القول فيما إذا مات في أثناء الصلاة المفروضة أو جن. وأما على رأينا: فإنه لا يدل على عدم الأمر، بل لا يدل عدم لزوم الإتمام، أو على عدم الامتثال، وهما لا يستلزمان عدم الأمر. وأما عدم وجوب الكفارة على من أفسد صوم رمضان بالوقاع، ثم مات أو جن بعد ذلك على رأي لنا: لا يدل على عدم الأمر به، لاحتمال أن يقال: وجوب الكفارة من خصائص وجوب صوم اليوم الذي لا يتعرض للانقطاع فيه.

стр. 1062

فإن قلت: فما قولك في المرأة التي عملت بالعادة، أو بإخبار نبي أو ولي أنها تحيض في يوم معين من رمضان، هل تجب عليها أن تشرع في الصوم فيه أم لا؟. قلت: الأظهر وجوبه على رأينا: فإن الأمر محقق في الحال والمرخص لم يوجد بعد: والميسور لا يسقط بالمعسور. ويحتمل أن يقال: إن التمكن وإن لم يكن شرط الأمر عندنا، لكنه شرط الامتثال، ولما علمت: أنه لا يوجد الشرط وجب أن لا يجب المشروط.

стр. 1063

وأما على رأي المعتزلة: فلا يخفى أنه لا يجب الشروع، وعلى هذا فقس كل ما يرد عليك، من أمثال هذه المسائل. نحو قوله: إن صليت أو صمت فزوجتي طالق، ثم مات في أثنائها أوجن. ونحو قوله: والله لأعتكفن صائمًا، وإن اعتكفت صائمًا فزوجتي طالق / (١٨٩/أ)، فاعتكف صائمًا ساعة، ثم مات. واتفق الكل على أن المأمور لو علم أنه لا يتمكن من فعل المأمور به، فإنه لا يعلم أنه مأمور إلا على رأي من يقول بتكليف ما لا يطاق. احتج الأصحاب بوجوه: أحدها: أن الأمة مجمعة على أن المكلف إذا عزم على فعل المأمور به عند التمكن منه، أو ترك المنهي عنه، فإنه يكون متقربًا إلى الله تعالى بمجرده، وإن لم يتمكن منه. وإنما قيدنا به لئلا يقال: إن ذلك في العازم المتمكن، وإن ذلك بناء على الظن الغالب بالبقاء، لأن الغالب من الظن فيما يتعلق بالمستقبل إنما يعتبر إذا لم ينكشف الأمر على خلافه، وأما إذا انكشف على خلافه فلا، وقد تقدم له نظائر. وأجمعوا أيضًا: على أن من عزم على فعل ما ليس بمأمور به، أو على ترك ما ليس بمنهي عنه، فإنه لا يكون متقربًا إلى الله تعالى، فلو كان التمكن من الامتثال شرطًا لتحقق الأمر، لم يكن التقرب حاصلاً بمجرد العزم، لجواز أن لا يتحقق التمكن من الامتثال الذي هو شرط تحقق الأمر الذي فعل مقتضاه، إذ العزم عليه شرط استحقاق الثواب، لكنه خلاف الإجماع.

стр. 1064

واعترض عليه وقيل: إنه ضعيف جدًا، لأن الإجماع حاصل أيضًا على أن من غلب على ظنه كون الشيء مأمورًا به أو منهيًا عنه، وعزم على فعله أو تركه ناويًا فيه القربة فإنه يثاب عليه، وإن تبين أنه كاذب الظن، فالثواب إنما هو على نية فعل ما يتوهم أنه قربة وإن لم يكن قربة. وهو ضعيف: أما أولاً: فلأنا لا نسلم أنه ليس بمأمور في تلك الحالة بذلك الشيء، وهذا لأنه كونه مأمورًا فرع توجه الأمر نحوه عندنا، سواء كان متمكنًا منه أو لم يكن كذلك، ولما توجه الأمر إلى كل مكلف بإتباع ظنه فيما يتعلق بالتكاليف كان مأمورًا بذلك الذي غلب على ظنه أنه مأمور به في تلك الحالة مع أنه مثاب، فلا جرم يثاب على عزم فعله، ثم إذا ظهر أنه كاذب الظن زال ذلك الأمر، لأنه مشروط بغلبة الظن. وأما ثانيًا: فلأنا وإن سلمنا: أنه بمأمور، لكن غايته أنه ليس بمأمور بالأمر الذي ظن أن ذلك الشيء مأمور به، بل بأمر آخر بعدما ظنه كذلك على ذلك العزم، لكن الثواب على عدم فعل ما هو مأمور به وقربه في نفسه غير الثواب على عدم فعل ما هو مأمور به، وقربه في الظن لا في نفس / (١٨٩/ب) الأمر قطعًا، وإذا كان كذلك فلا يلزم من كون استحقاق الثواب على عدم فعل ما هو مأمور به وقربه في نفس الأمر دليلاً على أنه مأمور قبل التمكن من الفعل وأن يكون الاستحقاق على عدم فعل ما هو مأمور به وقربه من الظن لا غير دليلاً أنه مأمور به لجواز أن يكون ذلك من

стр. 1065

خواصه دون هذا. فإن قلت: هب أن الأمر كذلك، لكن لا نسلم: أنهم أجمعوا على أنه مثاب بثواب العزم على فعل ما هو مأمور به في نفس الأمر، بل غايته إنهم أجمعوا على أنه مثاب ومتقرب وهو أعم مما ذكرتم. قلت: الدليل على أنهم أجمعوا على أنه مثاب بثواب العزم على ما فعل ما هو مأمور في نفس الأمر، هو أنهم لم يفرقوا بين العازم الغير المتمكن وبين العازم المتمكن الفاعل "له" في استحقاق الثواب بسبب العزم، وإن كان الثاني يثاب على الفعل أيضًا دون الأول ولا شك أن الثاني يثاب على عدم فعل ما هو مأمور به في نفس الأمر، فكذا الأول ضرورة عدم افتراقهما فيه. وثانيهما: لو كان التمكن من الامتثال شرطًا، ككون المأمور مأمورًا لوجب أن لا يجب على الصبي حين يبلغ أن يعتقد كونه مأمورًا بشرائع الإسلام نحو الصلاة والصوم والزكاة قبل التمكن منها، ومنهيًا عن منهيات: كالزنا والسرقة والقتل قبل التمكن منها، بل لا يجوز لأنه جهل [لأنه غير مأمور قبل التمكن حينئذ فاعتقاد كونه مأمورًا قبل كونه مأمورًا جهل] وهو غير جائز التحصيل، لكن الأمة مجمعة قبل ظهور المخالف، على أن الصبي عندما يبلغ فإنه يجب عليه أن يعلم ويعتقد أنه مأمور بها ومنهي عنها فلا يكون التمكن من الامتثال شرط تحقق الأمر. "وثالثها: أجمعنا" وأجمعت الأمة أيضًا: على أن الصلاة المفروضة لا

стр. 1066

تصح إلا بنية الفرض، ولا تعتبر نية الفرض قبل معرفة الفرض. بدليل أن من نوى فرض الظهر قبل العلم أو الظن بدخول وقته، فإنه لا تنعقد نيته، وهكذا التقرير في نية صوم يوم [من] رمضان، وإنما يستقيم فيه التقرير المذكور على وجه الإلزام، لو قال الخصم: بوجوب النية، وإلا فالتمسك بالإجماع فيه منعقد لحصول الخلاف فيه، فلو كان التمكن من الامتثال شرط تحقق الأمر لوجب أن لا تصح نية الفرض في شيء من الصلاوات المؤدات في أول الوقت، لأنه لا يعلم فرضيتها إلا بعد التمكن منها، فيكون قبل التمكن شاكًا في فرضيتها فلا تصح نيته كنية الشاك في حصول الوقت / (١٩٠/أ)، وأيضًا لو كان التمكن من الامتثال شرطًا لتحقق الأمر لم يتصور أداء العبادات المضيقة بنية امتثال الأمر، لأن فعلها قبل التمكن ليس امتثالاً للأمر، لعدم تحقق الأمر وبعده يفوت الوقت فيكون قضاء لا أداء، وهو أيضًا خلاف الإجماع. فإن قلت: هذا الذي قبله غير لازم، لاحتمال أن يقال: إن ذلك بناء على الظن الغالب، فإن لغلبة الظن تأثيرًا في وجوب الشيء لا يخفى عليك صورة، فوجب اعتقاد أنه مأمور بشرائع الإسلام ومنهيًا عن المناهي، ووجوب نية فرض الصلاة والصوم مع عدم قطعه بوصوله إلى التمكن، إنما هو بسبب غلبة ظن بقائه إلى التمكن، وحينئذ لا يدل ما ذكرتم على المطلوب. قلت: لا يجوز أن تكون تلك الأحكام من أهل الإجماع، بناء على الظن الغالب بوصول المكلف إلى التمكن، لأن الخطاب غير ممتنع في الظن الغالب، فجاز أن لا يطابق ظنهم بوصوله إلى التمكن وصوله إليه، وحينئذ يلزم أن يكون إجماعهم على الخطأ. وهو باطل.

стр. 1067

فإن قلت: ما ذكرتم يمنع من انعقاد الإجماع عن الخبر والقياس، لكونهما مظنونين. قلت: لما انعقد الإجماع على موجب خبر وقياس مظنون به، علمنا الآن أنه صحيح غير محتمل للخطأ وإلا لزم أن يكون إجماعهم لا عن دليل، وهو خطأ، ولا يمكن أن يقال مثله فيما نحن فيه لأنا نرى أن كثيرًا منهم يموت قبل التمكن فلا يمكن أن يقال: إنه لما انعقد الإجماع على أنه مأمور، وإن كان ذلك بناء على الظن الغالب، علمنا أنه يصل إلى التمكن وإلا لزم أن يكون إجماعهم على الخطأ. ورابعها: أن الإجماع منعقد على أن من حبس المكلف في أول الوقت ومنعه عن الصلاة، فإنه عاص لخصوصية منعه من الصلاة الواجبة، وإن لم يصل إلى التمكن، وإنما قيدنا بها ليندفع ما يقال عليه "أ، هـ" إنما يعصى لأنه منع الحر عن التصرف والتقلب في مرامه حتى لو فرض ذلك في المباح، فإنه يعصى أيضًا وأنه إنما يعصى لأنه أخرجه عن أن يكون مكلفًا، ولا شك في أن كونه مكلفًا مصلحة، وكذلك لو منع الحاج من الاشتغال بالإحرام والسعي، ولو كان التمكن من الامتثال شرطًا لتحقق الأمر وإثباته على عزمه على فعله وجب أن لا يعصى بخصوص المنع والحبس عن الصلاة، ضرورة عدم تحقق الأمر، كما قبل دخول الوقت فإنه لا يعصى لخصوصية المنع عن / (١٩٠/ب) الصلاة.

стр. 1068

وخامسها: وهو الوجه اللمى وهو أن الأمر بالشيء يحسب تارة بمصلحة تنشأ من فعل المأمور به، وأخرى بمصلحة تنشأ من نفس الأمر، نحو امتحان المأمور وتجربته بما يظهر عليه من علامات البشر والكراهة وتوطين نفسه على الامتثال وانزجاره عن القبائح بسبب اشتغاله بمقدمات المأمور به، ولكونه لطفًا لغيره، فإنه قد يعلم بسبب الأمر جنس المأمور به فيقدم على فعله، ولذلك يحسن من السيد أن ينجز الأوامر على عبده مع علمه بأنه سينسخها عنه ولذلك يحسن منه أيضًا أن يأمره بصوم شهر، وإن فرض أنه يعلم بقول: نبي أو ولى أنه لا يعيش إلى ذلك الشهر، وإذا كان كذلك فلا امتناع في أن يأمر الله تعالى أو رسوله المكلف بشيء مع علمه تعالى بأنه يعيش إلى أن يتمكن منه، وكذلك رسوله للفوائد التي ذكرناها. وسنحيط بالمسألة علمًا في مسألة جواز النسخ قبل حضور وقت العمل به. واحتجوا بوجهين: أحدهما: أن المأمور بالشيء إنما يعلم أنه مأمور به حقيقة قبل التمكن من امتثاله، أن لو كان مأمورًا به حقيقة في نفس الأمر قبل التمكن، وإلا لكان

стр. 1069

جهلاً، ضرورة أنه غير مطابق لما هو الواقع في نفس الأمر، لكنه غير مأمور به حقيقة في نفس الأمر قبله، لأنه لو كان مأمورًا به حقيقة قبيله، فإما أن يكون بشرط البقاء إلى التمكن أولا بهذا الشرط. والأول: باطل لاستحالة حصول المشروط بدون الشرط. والثاني: أيضًا باطل، لأنه تكليف ما لا يطاق، وليس هذا تفريعًا عليه، إذ قال به منكم من لم يقل بتكليف ما لا يطاق، كالغزالي - رحمه الله تعالى -. وجوابه: منع لزوم تكليف ما لا يطاق على التقدير الثاني، وهذا لأن من الظاهر أنه لا يلزم من عدم توقف تحقق الأمر في نفسه وقيامه بالأمر على التمكن كلفه فضلاً عن أن يكون ذلك تكليف ما لا يطاق، وإنما يلزم ذلك من عدم توقف الامتثال عليه، لكن لا نسلم أن تحقق الأمر يستدعي تحقق الامتثال حتى يلزم ما ذكرتم من تكليف ما لا يطاق، وهذا لأنا نجوز أن يكون المعدوم مأمورًا بالمعني الذي تقدم ذكره. وكذلك من لم يبلغه الأمر، ولكن إنما يجب عليه الامتثال بشرط أن يبلغه فأما قبله فالأمر متحقق، وإن لم يجب عليه الامتثال لفقد شرطه. وثانيهما: أن الأمر طلب الفعل من / (١٩١/أ) المأمور فيستحيل قيامه بذات من يعلم امتناع حصوله منه، لأن طلب الممتنع ممتنع إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق، وليس الكلام في هذه المسألة تفريعًا عليه فهو جار مجرى قوله: صم إن صعدت السماء، ومعلوم أنه ليس من الأمر في شيء إلا من جهة الصيغة.

стр. 1070

وجوابه: أن الطلب ليس عين الإرادة ولا مشروطًا بها على ما عرف ذلك من قبل، حتى يلزم أن لا يتعلق إلا بما تتعلق به الإرادة. وهذا وإن كان يقتضي جواز الأمر بالمحال، ونحن في هذا المقام، وإن سلمنا: عدم جواز الأمر به، فإنما نسلم ذلك لما أنه ليس في الأمر به مصلحة تتعلق بالفعل ولا مصلحة تتعلق بالأمر به، بخلاف ما نحن فيه، فإنه وإن لم تكن فيه مصلحة تتعلق بالفعل، لكن فيه مصالح تتعلق بنفس الأمر كما تقدم ذكره، فلا يلزم من عدم جواز تعلق الطلب بالمحال لما تقدم من المعني، إلا لأن الطلب عين الإرادة أو مشروط بها عدم جواز تعلقه فيما نحن فيه. تنبيه: اعلم أن كل من لم يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به المعتزلة: فإنهم اتفقوا على أن التمكن من فعل وقت وجوبه شرط تحقق الأمر، وهو اللائق بأصولهم. وأما من جوزه كجماهير أصحابنا: فهؤلاء، اختلفوا فيه. فذهب الجماهير منهم إلى عدم اشتراطه.

стр. 1071

وذهب بعضهم: كإمام الحرمين، وبعض الأصوليين منا، ومن الحنفية إلى اشتراطه. وكل واحد من القولين ليس مناقضًا لذلك الأصل، وإن كان الأول أشد ملائمة له.

стр. 1072

"النوع الرابع" الكلام في النهي وما يتعلق به من المسائل

стр. 1073

النوع الرابع الكلام في النهي وما يتعلق به من المسائل المسألة الأولى اعلم أن صيغة النهي مستعملة في ثمانية محامل بالاستقراء . أحدها: التحريم، كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله

стр. 1074

إلا بالحق﴾. وثانيها: لكراهة كقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ أي على عقدة النكاح، وكقوله ﵇: "لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين".

стр. 1075

وثالثها: التحقير كقوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك﴾. ورابعها: التحذير كقوله تعالى: ﴿ولا تموتن﴾. وخامسها: بيان العاقبة كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا﴾. وسادسها: اليأس كقوله تعالى: ﴿لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾.

стр. 1076

وسابعها: الإرشاد كقوله: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾. وثامنها: الدعاء كقول الداعي: "لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين". واتفقوا على أنها ليست حقيقة في الكل / (١٩١/ب) بل في البعض وذلك هو التحريم، أو الكراهة، أو ما هو المشترك بينهما، أو هي

стр. 1077

مشتركة بينهما. فعلى الخلاف الذي تقدم في الأمر، ودلائل الوجوب بعينها آتية في أنها للتحريم، لأن النهي أمر بالترك، فيكون الترك واجبا، ولا نعني بكون النهي للتحريم سوى هذا. ثم اعلم أن أكثر ما تقدم من مباحث الأمر، جار في النهي بطريق العكس منها لكونه مقابلا له، وقد أحطت بها علما، فلا حاجة إلى الإعادة لئلا يطول الكلام ويتكرر من غير فائدة كثيرة، فلنذكر ما يختص به من المسائل.

стр. 1078

المسألة الثانية [في أن النهي للتكرار] ذهب أكثر من قال إن الأمر ليس للتكرار إلى أن النهي للتكرار، بمعني أنه يفيد الانتهاء عن المنهي عنه دائمًا. ومنهم من سوى بينهما في أنهما لا يفيدانه، وذلك إما بأن يكونا للقدر المشترك بين التكرار وبين المرة الواحد، وإما بأن يكونا للمرة الواحدة. ومنهم: من نقل الإجماع على أن النهي يفيد التكرار.

стр. 1079

واحتج الأكثرون بوجوه: أحدها: أن الدوام هو المتبادر إلى الفهم عند سماع الصيغة مجردة عن جميع القرائن، بدليل أن السيد لو قال لعبده: لا تفعل كذا مجردة عن سائر القرائن، يفهم منه منعه عن ذلك الفعل على وجه الدوام حتى لو فعل ذلك في وقت ما عد مخالفا لنهيه، والتبادر إلى الفهم دليل الحقيقة على ما تقدم في اللغات. وثانيها: أن قول القائل: لا تضرب، يفيد المنع من إدخال ماهية الضرب في الوجود، وذلك إنما يكون بالامتناع عن إدخال كل فرد من أفرادها، لأنه لو أدخل فردا من أفرادها لكان قد أدخل الماهية في الوجود، ضرورة أن ذلك الفرد مشتمل على الماهية. ومن الظاهر أن الامتناع عن إدخال كل فرد من أفرادها، إنما يكون بالامتناع دائمًا. وثالثها: أن الحمل على التكرار أحوط على ما لا يخفى عليك تقريره فوجب المصير إليه، لقوله ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". وأما حديث الجهل بالاعتقاد فمشترك، ولا ينقض بالأمر، لأنه إنما لم يحمل ثمة على التكرار لما فيه من المشقة الناشئة من تكرار الفعل، بخلاف النهي، فإنه ليس فيه تلك المشقة.

стр. 1080

ورابعها: أكثر النواهي المطلقة في الشرع والعرف للتكرار، وهذا لا يستريب فيه عاقل بعد الاستقراء والفحص، فلو لم يكن النهي للتكرار لزم التجوز في تلك الاستعمالات. أما لو قيل: بأنه للتكرار / (١٩٢/أ) فحيث لم يكن للتكرار، كما في قول الطبيب للمريض وقت شرب الدواء: "لا تأكل ولا تشرب في هذه الساعة، وإن كان يلزم التجوز فيه أيضا، لكنه قليل وكل ما كان الشيء خلاف الأصل كان تكثيره أيضًا خلاف الأصل، فيلزم أن يكون النهي للتكرار، لئلا يلزم خلاف الأصل. واحتجوا بوجوه: أحدها: أن النهي قد ورد بمعني الدوام، كما في النهي عن القتل والزنا وشرب الخمر وهو متفق عليه. وقد ورد ولا يراد به الدوام، كما في قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. وكما تقدم في قول الطبيب، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو مطلق الترك، لئلا يلزم أحدهما. وثانيها: أنه لو كان للدوام فحيث لم يكن له يلزم الترك بالدليل. أما لو قلنا: بأنه لمطلق التكرار من غير إشعار بأحد القيدين لم يلزم ذلك،

стр. 1081

بل يلزم إثبات أمر زائد، لدليل آخر لا يتعرض له النهي لا بالنفي ولا بالإثبات، ومعلوم أن الثاني أولى. وثالثها: لو قال: لا تفعل كذا دائمًا، أو في هذه الساعة، أما في الساعة الأخرى فافعل لم يكن الأول تكرارًا والثاني نقصا. الجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أن المجاز وإن كان على خلاف الأصل، لكن قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، وما ذكرنا من الدليل وهو تبادر الدوام إلى الفهم منه من غير قرينة دالة على أنه حقيقة فيه فوجب أن يكون مجازا في غيره، لأن التجوز خير من مطلق الاشتراك، فضلا عن الاشتراك الذي يوجب أن يكون اللفظ في أحدهما راجحا وفي الآخر مرجوحًا، ولا يعارض بمثله، لأنه يقتضي أن يفهم القدر المشترك منه من غير قرينة وأن لا يفهم الدوام إلا لقرينة وذلك خلاف ما يجده المنصف العارف باللغة العربية من نفسه. وثانيهما: أن جعله حقيقة في القدر المشترك، يقتضي أن يكون النهي مجازا في التكرار وفي المرة الواحدة، ضرورة كونه مستعملا فيهما لخصوصيتهما إذ الأغلب في الاستعمال إنما هو بحسب خصوصية الصور لا باعتبار القدر المشترك بينهما، أو وإن لم يكن ذلك [هو] الأغلب، لكن لا نزاع في الاستعمال بحسب الخصوصية فيهما، لكن غاية ما يقول الخصم

стр. 1082

فيه أن ذلك لقرينة، فإما أن يقول: بأنه حيث استعمل فإنما استعمل في القدر المشترك فلا إذ هو مناكرة ظاهرة / (١٩٢/أ)، والتزام المجاز الواحد أولى من التزام المجازين، فعند هذا إما أن يجعل حقيقة في الدوام، مجازا في المرة الواحدة أو بالعكس، لكن الأول أولى، لأنا لو جعلناه حقيقة فيه أمكن جعله مجازا في المرة الواحدة، لأنها لازمة له، وأما لو جعلناه حقيقة فيها لم يمكن جعله مجازا فيه، لأنه غير لازم لها أو وإن أمكن لكن الأول أولى عند التعارض على ما عرفت ذلك في اللغات. لا يقال: جعله حقيقة في الدوام يقتضي أن يكون مجازا في المرة الواحدة وفي القدر المشترك بينهما أيضا ففيه أيضا التزام المجازين. فلم قلتم: إن جعله حقيقة في الدوام، أولى من جعله حقيقة في القدر المشترك، مع أن في القول بكل واحد منهما التزام المجازين؟ وأيضا فإن ما ذكرتم يقتضي أن لا يكون التواطؤ أولى من المجاز لاستلزامه المجازين فصاعدا، وقد قلتم: في اللغات أن التواطئ أولى من أن يكون اللفظ حقيقة في معنى ومجازا في الآخر. لأنا نقول الجواب عن الأول: إن جعله حقيقة في الدوام أولى وإن كان فيه أيضا التزام المجازين لما سبق من الوجهين في الوجه الثاني. وعن الثاني: إن ذلك إنما هو باعتبار الاستعمال في القدر المشترك لا بحسب خصوص الصور. وعن الثاني: المعارضة بما سبق من الفائدة. وعن الثالث: إنه إن عنى بالتكرار أنه يكون عريا عن الفائدة فليس بلازم

стр. 1083

فإنه تأكيد عندنا، وإن عني به أنه يكون عريا عن الفائدة التأسيسية فمسلم، لكن لا نسلم: أنه ليس كذلك. فإن قال: الأصل خلافه. فجوابه: ما سبق، ولا نسلم أيضًا أنه مع قيد اللادوام يكون نقصا، بل يكون قيد اللادوام قرينة دالة على إرادة التجوز منه، فإن عنى بالنقص أنه مستعمل فيما لا يجامع مدلوله لقرينة لا أنه منهيا عنه فمسلم، لكن لا نسلم أنه ليس كذلك، فإن زعم أنه لو كان كذلك لزم خلاف الأصل فجوابه ما سلف.

стр. 1084

المسألة الثالثة في أن مطلق النهي عند من يقول: إنه للتحريم، أو المقترن بقرينة للتحريم عند من لا يقول: به. هل يقتضي فساد المنهي عنه أم لا ؟ اختلفوا فيه: فذهب كثير من الفقهاء من الأئمة الأربعة، وجماعة من المتكلمين منا ومنهم، وأهل الظاهر بأسرهم، إلى أنه يقتضي فساد المنهي عنه سواء كان المنهي [عنه] عبادة أو معاملة، وهو مذهب الشافعي / (١٩٣/أ) رحمه الله تعالى. لكن اختلفوا في جهة دلالته عليه. فمنهم: من قال: يدل عليه من جهة اللفظ.

стр. 1085

ومنهم: من قال: من جهة المعنى. وذهب أبو حنيفة، وأكثر أصحابه كمحمد بن الحسن، وأبي الحسن الكرخي، وكثير من أصحابنا كالقفال الشاشي. وكثير من المتكلمين منا، ومنهم كالجبائيين، وأبي عبد الله البصري، والقاضي: إلى أنه لا يقتضي فساده، سواء كان عبادة أو معاملة.

стр. 1086

وذهب أبو الحسين البصري منهم، وبعض أصحابنا كالغزالي، والإمام إلى التفصيل، فقالوا: يقتضي فساده إذا كان عبادة، دون ما إذا كان معاملة. وقد عرفت فيما سبق معنى الفساد في العبادات والمعاملات، وأنه لا اختلاف في معناه في المعاملات، وإنما الاختلاف فيه في العبادات. والأظهر أن كل من ذهب من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يقتضي الفساد في العبادات، أو لا يقتضيه، فإنما ذهب إليه بالمعني المصطلح عليه عنده لا بالمعني الآخر، وإن كان الأمر في الآخر على خلاف هذا على ما عرفت ذلك فاعرف ذلك.

стр. 1087

واحترزنا: بمطلق النهي، عن النهي المقترن بقرينة تدل على الفساد، نحو أن يكون دالا على المنع من الشيء لخلل في أركانه، أو في شرائطه. وعن الذي يكون مقترنًا بقرينة تدل على أنه ليس للفساد، نحو النهي عن الشيء لأمر خارج عنه مجاور له، فإن في هذين النهيين ينبغي أن لا يكون خلاف، أو وإن كان فيه خلاف على ما أشعر به إيراد بعضهم، لكنه غير معتد به إذ يمتنع أن لا يكون له دلالة على الفساد مع دلالته على اختلال ركن من أركانه، أو على اختلال شرط من شرائطه والفساد لازم من لوازمه، وإلا فيمكن أن يكون صحيحًا، وحينئذ يلزم جواز وجود الكل بدون الجزء، وجواز وجود المشروط بدون الشرط، وهو ممتنع. وإنما قيدنا الخلاف في النهي الذي للتحريم، إذ لا خلاف في النهي الذي

стр. 1088

للتنزيه على ما يشعر به كلامهم، وقد صرح بذلك بعض المصنفين احتج القائلون بالفساد: بالنص، والإجماع، والمعقول. أما النص فهو: قوله ﵇: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد عليه". ويروى "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". والمنهي عنه ليس من الدين فكان مردودا، والمردود ما ليس بصحيح ولا مقبول، لأنه استعمل فيهما يقال: رد دعاه وعبادته إذا لم يقبل، ويقال: رد كلام الخصم إذا أبطله، ومنه تسمى الكتب / (١٩٣/ب) المصنفة في إبطال الكلام أهل البدع والأهواء كتب الرد، ويقال: كتاب الرد على الفلاسفة، وكتاب الرد على الخوارج، وكتاب الرد على الروافض، فوجب

стр. 1089

جعله حقيقة فيهما باعتبار القدر المشترك بينهما دفعا للاشتراك والمجاز، فإذا ورد مجردا عن القرينة وجب حمله عليهما أو على ما ليس بصحيح، لأنه لو لم يحمل عليهما أو عليه. فإما أن لا يحمل على واحد منهما وهو باطل. أما أولا: فلأن فيه تعطيل النص وهو ممتنع. وأما ثانيا: فبالاتفاق. وأما أن يحمل على ما ليس بمقبول: وهو إما بطريق التعيين، أو بطريق التخيير. والأول: باطل، لأن الحمل على التعيين على أحد مدلولي اللفظ المتساويين من غير مرجح غير جائز فضلا عن أن يكون الحمل على المرجوح واجبا. والثاني أيضًا باطل، لأن الحمل على التخيير إنما يجري فيما يتساوي فيه الحمل والحمل على ما ليس بصحيح راجح على ما ليس بمقبول، لأنه مستلزم له من غير عكس فكان فيه زيادة فائدة فكان الحمل عليه واجبا. وأما الإجماع: فهو أن الصحابة استدلوا بالنهي على الفساد، ولم ينقل عن واحد منهم الإنكار على ذلك، فكان إجماعا. أما بيان الأول: فنذكر احتجاجهم، فمن ذلك احتجاج ابن عمر [رضي

стр. 1090

الله عنه] على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾. ومنه أيضًا قوله: "كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج نهيه ﵇، عن المخابرة".
следующие страницы →