Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وأما النقض بالصلاة في الأوقات المكروة، فقد أشعر كلام الشيخ الغزالي ﵀ بأن بعض الأصحاب يجيب عنه: بمنع الحكم وبه صرح بعضهم.
وهو غير سديد، لا خلاف في صحة القضاء فيها، وغيره من الصلوات التي لها أسباب.
стр. 1122
وإنما الخلاف في انعقاد ما ليس له سبب من الصلوات فلا يمكن منع الحكم مطلقا.
بل الجواب عنه: أن النهي فيه أيضا معروفا عندنا عن أصل الصلاة وصفته إلى أمر خارجي على ما أشعر به الحديث الدال على الكراهة ولم يظهر للشافعي رحمه الله تعالى دليل يصرف النهي عن صفة الصوم في يوم النحر إلى غيره، فلذلك قطع ببطلانه، ولم يرض ما يقوله الحنفية: أنه إنما نهي عنه لما فيه من ترك إجابة دعوة الله بالأكل، لأن الأكل ضد الصوم فكيف يقال: لا تأكل أي: صم، وكل أي: أجب دعوة الله.
والكلام في تحقيق أنه هل وجد فيه دليل صارف أم لا؟
ليس على الأصولي، بل عليه تمهيد القواعد، فإن صح الدليل وجب
стр. 1123
صرف النهي عنه وعن وصفته وإلا فلا.
تنبيه:
اعلم أن النهي إنما لم يقتض الفساد عند الشافعي ﵁ إذا كان متعلقة خارجا عن المنهي عنه مجاورا له، وأما إذا لم يكن كذلك فهو مقتض للفساد فيدخل تحته الأقسام الأربعة من النواهي:
أحدها: أن يكون متعلقة عين المنهي عنه.
وثانيها: أن يكون متعلقة جزءه، أو شرطه.
وثالثها: أن يكون متعلقة صفة من صفاته، كما تقدم من المثال.
ورابعها: أن لا يعرف له متعلق من العين أو غيره، فإنه مصروف إلى عين المنهي عنه، بدليل الإضافة إليه.
стр. 1124
......................................................................
стр. 1125
المسألة الخامسة
[في النهي عن أشياء متعددة (١٩٩/ب)]
النهي عن الأشياء: إما أن يكون نهيا على الجمع.
ومعناه: أن ينهي عن كل واحد من تلك الأشياء، فنقول: لا تفعل هذا ولا تفعل هذا، فالواجب فيه الكف عن الجميع.
أو يكون نهيا عن الجميع.
ومعناه: أن ينهي عن كل واحد من تلك الأشياء بطريق البدنية، فيقول: لا تفعل هذا إن فعلت ذلك، ولا تفعل ذلك إن فعلت هذا، والواجب فيه الكف عن أحدها لا بعينه، ولو أريد هذا المعني من النهي على الجمع لم يكن تعبدا إذ الجمع اعم من أن يكون جمعا بطريق المعية أو جمعا بطريق البدلية، وكذا لو أريد المعني الأول من هذا، لأن النهي عن الجمع قد يكون بأن يحرم كل واحد من تلك الأشياء، لكن مفهومه بنفيه.
أو يكون نهيا على البدل.
стр. 1126
ومعناه: ما ذكرناه أولا في النهي عن الجمع.
أو يكون نهيا عن البدل ويفهم منه معنيان:
أحدهما: أن ينهي عن أن يفعل أحدهما بدون الآخر، فيكون موجبا لفعل الجميع.
وثانيهما: أن ينهي عن أن يفعل الشيء على وجه البدلية، فيكون النهي راجعا إلى قصد البداية.
стр. 1127
"النوع الخامس"
الكلام في العموم والخصوص
وهو مرتب على قسمين:
القسم الأول: في العموم
وفيه مسائل:
стр. 1128
النوع الخامس
الكلام في العموم والخصوص
وهو مرتب على قسمين:
القسم الأول: في العموم .
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في تحديد اللفظ العام
قد ذكروا له حدودا:
أحدها: أنه اللفظة المستغرقة لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد
стр. 1129
"فاللفظية" كالجنس فإنه يتناول العام والخاص.
وفيه أيضا: احترازا: عن المعاني العامة، فإن العموم من عوارض الألفاظ في اصطلاح أهل هذا الفن لا نعرف فيه خلافا، وإنما ادخلوا النافية لتخرج عنه الألفاظ المركبة، فإنها وإن كانت لفظا إذ اللفظ يطلق على القليل والكثير لما أنه مصدر في الأصل لكنها ليست عامة لما أنها ليست مفردة.
واحترزوا: بالمستغرق لجميع ما يصلح له: عن التكرار إفرادا وتثنية وجمعا سواء أكانت أسماء عدد أو غيرها، فإن رجلا ورجلين ورجالا مثلا صالح لكل واحد من الرجل والرجلين والرجال، لكنه غير مستغرق للجميع.
واحترزوا: بحسب وضع واحد: عن اللفظ المشترك، أو عن الذي له حقيقة ومجاز.
وقال الإمام: في تعليله: لأن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا.
واعلم أن هذا القيد الأخير غير محتاج إليه: أما على رأي من لم يقل بحمل المشترك على مفهوميه معا، لأنه / (٢٠٠/أ) خرج بقيد الاستغراق، فإنه لا يستغرق جميع ما يصلح له عندهم.
стр. 1130
وأما من يقول بذلك: فذكره مفسد للحد، لأنه حينئذ يكون غير جامع، إذ اللفظ المشترك عندهم من جملة الألفاظ العامة، وهو خارج عن الحد بحسب هذا القيد.
نعم: لو ثبت أن من يقول بذلك: أو بعض من يقولك بذلك: فإنه مع ذلك لا يجعله من اللفظ العام كان ذكره محتاجا إليه، إذ لا يخرج بقيد الاستغراق، لكنه باطل.
ويمكن أن يجاب عنه: بأنه تعريف للعام المتواطئ لا مطلق العام، فإن المشترك وإن جوز حمله على مفهوماته، لكنه ليس بحسب وضع واحد، بل بحسب وضعين فيخرج منه ولا يكون ذكره مفسدا للتعريف.
واعترض عليه بوجهين:
أحدهما: أنه عرف العام بالمستغرق، وهما لفظان مترادفان، ثم قال المعترض: وليس المقصود من التعريف شرح اللفظ بلفظ آخر ليجوز ذلك، بل المقصود منه شرح المسمي، إما بالحد الحقيقي أو الرسمي وما ذكره خارج عن القسمين.
وهو ضعيف، لأنه إن زعم أنهما مترادفان، بحسب الاصطلاح فممنوع.
стр. 1131
وهذا لأنه لم يثبت أن المستغرق مختص باللفظ في اصطلاحهم بخلاف، العام وإن زعم: إنهما مترادفان بحسب اللغة فلا يضرنا، لأنا أردنا تعريف العام بحسب الاصطلاح المستغرق بحسب اللغة.
وثانيهما: أنه غير مانع، لأنه يدخل فيه قول القائل: ضرب زيد عمرا، فإنه لفظ مستغرق لجميع ما هو صالح له، وليس بعام.
وهو أيضا: ضعيف، أما على ما ذكرنا فلوجهين:
أحدهما: أنه يخرج عنه بسبب التاء التي في اللفظة للإفراد ضرورة أن ما ذكره مركب.
وثانيهما: أنه إن أراد بقوله: فإنه لفظ مستغرق لجميع ما هو صالح له.
إن كل واحد من لفظ زيد وعمر وضرب مستغرق لجميع ما هو صالح فباطل لأن كون اللفظ مستغرقا لجميع ما هو صالح له، مشروطا بأن يكون له فيما هو صالح له تعدد، حتى يعقل فيه الاستغراق، إذ الاستغراق لا يعقل بدون التعدد، وهو غير حاصل في كل واحد من تلك الألفاظ.
وإن أراد به، أن هذا المجموع مستغرق لجميع ما هو صالح له فهو أيضا: باطل، لأن هذا المجموع من حيث هو هذا المجموع غير صالح لغير هذا المجموع، فلا يصدق عليه أنه مستغرق لجميع ما هو صالح له لما تقدم، أن الاستغراق لا يصدق حيث لا تعدد.
وأما على ما ذكره المعترض: فلهذا الوجه الأخير، فإنه ذكر اللفظ في التحديد بغير التاء.
стр. 1132
وثانيها: أنه اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا من غير حصر.
أما فائدة ذكر: اللفظة، فقد عرفتها.
واحترز: بالدالة / (٢٠٠/ب) على شيئين:
عن الجمع المنكر، والمثني، والنكرة في معرض الإثبات، فإن الجمع المنكر وإن تناول شيئين فصاعدا من غير حصر، لكن لا على وجه الدلالة بل على وجه الصلاحية.
وأما المثني: فإنه وإن تناول شيئين لكنه من غير زيادة.
وأما النكرة في معرض الإثبات: فلأنها لا تدل على شيئين.
واحترز بقوله: "من غير حصر": عن أسماء العدد.
واعلم: أن هذا غير جامع، لأنه يخرج عنه لفظة المعدومات، وهي عامة عند الجماهير، وهي غير دالة على شيئين على ما عرف من مذهبنا: أن المعدوم ليس بشيء وكذا لفظ "المستحيلات" عامة وهي غير متناولة للشيئين وفاقا.
стр. 1133
وثالثها: ما قال الشيخ الغزالي - رحمه الله تعالى - هو اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا.
قال: واحترزنا بقولنا: من جهة واحدة. عن قولهم: ضرب زيد عمرا.
فإنه وإن دل على شيئين، لكن من جهتين وهما الفاعلية والمفعولية.
وفيه نظر، لأنه إن أراد بهذه الدلالة دلالة لفظ: زيد وعمر، على مسماهما فقد خرج ذلك باللفظ الواحد، لأنهما لفظان، والقيد المذكور ثانيا يجب أن يخرج غير ما أخرج الأول.
وإن أراد بها دلالة لفظ "ضرب" فقط فهو باطل، لأن دلالته على الفاعل والمفعول بالالتزام لا بالمطابقة، ودلالة العام على معناه بالمطابقة لا بالالتزام.
وأيضا: فهو غير جامع وغير مانع.
أما الأول: فيما تقدم.
стр. 1134
وأما الثاني: فبألفاظ العدد نحو "المائة و" "الألف"، فإن كل واحد منها غير لفظ "الاثنين" ذاك من جهة واحدة على شيئين فصاعدا مع أنها ليست عامة.
ولا يخفى عليك أن ما ذكره - رحمه الله تعالى - يتناول عموم الشمول، وعموم البدل، كالنكرة في الإثبات إذا كان أمرا، لأن ما يدل على شيئين فصاعدا أعم من أن يكون معا أو بطريق البدلية، وأن من يعد هذا القسم أعنى "النكرة في الإثبات" إذا كان أمرا من العموم، فإنه إنما يعده من أقسام عموم البدل لا عموم الشمول.
وإنما نبهنا عليه مع أنه في غاية الظهور لا يحتاج إليه، لأن بعض من اشتهي أن يكون أصوليا ادعى على الشيخ الغزالي - رحمه الله تعالى -: مخالفة بين حده "العام" بما ذكره، وبين حده النكرة في الإثبات إذا كان أمرا عاما زعما منه أن الحد لم يتناوله فإنه لا دلالة لقول القائل: "اعتق رقبة" على شيئين أصلا.
ورابعها: هو ما استغرق جميع ما يصلح له.
وفيه إخلال ذكر اللفظ الذي هو / (٢٠١/أ) كالجنس فيكون باطلا.
стр. 1135
وإذ قد عرفت ما ذكرنا: عرفت أن الحد الأول مما لا بأس فيه، ولكن بعد حذف القيد الأخير، وأنه حد عموم الشمول، دون حد عموم البدل ظاهرا، إذ الاستغراق غير مستعمل فيه، وهذا يصلح أن يكون فرقا بين العام والمستغرق بحسب اللغة.
وأن الحد الثاني: بتقدير صحته يتناول عموم الشمول والبدل، لما تقدم من الدلالة على شيئين أعم من أن يكون بطريق الشمول أو بطريق البدلية، فإن أردت تصحيحه فأبدل "الشيئين" "بمسميين"، وإن أردت أن تختص بعموم للشمول فزد بعد "معا" ولا حاجة إلى قيد "أن يكون بحسب وضع واحد" لأن المشترك وما له حقيقة ومجاز عموم على رأي الجماهير أيضا لكن بطريق البدلية، ولا يخفى عليك تصحيح الثالث والرابع مما تقدم.
المسألة الثانية
[هل العموم من خواص الألفاظ في الاصطلاح واللغة أو لا ؟]
لا نعرف خلافا في أن العموم من خواص الألفاظ، بحسب اصطلاح أهل هذا الفن، وهذا فإن الأصولي إذا أطلق لفظ العام لم يفهم منه إلا اللفظ.
واختلفوا: في أنه هل هو من خواصه بحسب اللغة أم لا؟
فذهب الجمهور إلى أنه من خواصه بحسب اللغة أيضا وأنه لا عموم في المعاني.
стр. 1136
وذهب الباقون: إلى أنه ليس من خواصه، بل يعرض للمعاني كما يعرض للفظ.
محتجين بأن العرب قد وصفت المعاني بالعموم حيث قالت: عمهم الخصب، والمطر، والخير، وعمهم القحط.
وتقول: أيضا عم الملك الناس بالعطا والإحسان، ويقال: الوجود يعم العرض والجوهر، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
أجاب الأكثرون عنه بأن تلك الاستعمالات مجازات، لأن العموم غير
стр. 1137
متصور فيها، لأن العموم إنما يتصور فيما يكون متحدا مع اتحاده يكون شاملا لأمور عديدة، وذلك فيما ذكروه من الصور غير متصور، لأن المطر المختص بأرض قوم غير الذي اختص بأرض الآخرين، وكذلك الخصب الموجود في بلد غير الخصب الذي في البلد الآخر، وكذا العطا المختص لشخص غير المختص بالآخر، وكذا وجود السواد غير وجود البياض، وليس في الوجود وجود واحد يشملها، بخلاف الرجال مثلا، فإنه لفظ واحد يشتمل جميع من سمى بالرجل، وإذا كان كذلك تعين أن يكون الاستعمال مجازا ووجه التجوز المشابهة، فإن مثل الشيء كثيرا ما يشتبه بالشيء.
واعلم أن هذا الجواب غاية ما يقتضيه / (٢٠١/ب) أن لا يثبت بذلك الاستعمال مذهب الخصم، لكن لا يلزم منه إبطال كون العموم من عوارض المعاني أيضا، فإنه لا يلزم من عدم تصور اتصاف بعض المعاني بالعموم عدم تصور اتصاف مطلق المعاني بذلك، كما لا يلزم من عدم تصور اتصاف بعض الأسامي كأسماء الأعلام بذلك، عدم تصور اتصاف مطلق الأسامي بذلك، والنافي يجب عليه أن يذكر على النفي دليلا ولا يكفيه القدح في دليل المثبت، فإن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول.
ومما تقدم يعرف ضعف استدلالهم، وهو أنه لو كان حقيقة في المعنى لا
стр. 1138
طرد ولكنه غير مطرد، فإن المعاني الجزئية نحو الفعل المخصوص غير موصوفة بكونها عامة ألبتة، ويمكن أن يتمسك بالأصل بعد القدح في الدليل، وهو أن كان دليلا عاما لكن لا بأس به في هذا المصنف.
واعلم أن الحق: هو التفصيل، بين المعاني الموجودة في الخارج، وبين المعاني الكلية الموجودة في الأذهان.
فإن عنوا بقولهم: المعاني غير موصوفة بالعموم، المعاني الموجودة في الخارج، فهو حق، لأن كل ماله وجود في الخارج، فإنه لابد وأن يكون متخصصا بمحل وحال مخصوص ومتخصصا بعوارض لا توجد في غيره، وعند ذلك يستحيل أن يكون شاملا لأمور عديدة.
وإن عنوا به: مطلق المعاني سواء كانت ذهنية أو خارجية.
فهو باطل، فإن المعاني الكلية الذهنية عامة بمعني إنها معني واحد متناول لأمور كثيرة، ولا يجرى هذا التفصيل في اللفظ إذ اللفظ لا وجود له في الخارج، وأما تخصيص وجوده باللسان لا يمنع من حمله ودلالته على كل مسمياته.
تنبيه:
اعلم أن اللفظ الدال على تلك الماهية الكلية فقط من غير أن يدل على شيء
стр. 1139
من عوارضه هو المطلق": والدال على الأفراد الداخلة تحتها هو: العام، وهذا يعضد مذهب الجماهير، إذ لو كان معنى من المعاني عاما، لكان المعني الكلي أولى أن يكون عامًا، ولو كان كذلك لكان اللفظ الدال عليه عاما، لأن اتصاف معني اللفظ بالعموم والخصوص، والكلية الجزئية بالذات، توجب اتصاف اللفظ به بالعرض.
المسألة الثالثة
[في ألفاظ العموم]
اللفظ الذي يفيد العموم، إما أن يفيده لغة "أي" من حيث الوضع، أو عرفا، أو عقلا.
والأول: إما أن يفيده على الجمع، أو على البدل.
والأول: إما أن يفيده بنفسه أو بغيره.
والأول: على أقسام ثلاثة:
أحدها: ما يعم العقلاء وغيرهم وهو كلفظ "كل" / (٢٠٢/أ) و"جميع" و "أي" في الاستفهام والمجازات، تقول: "أي رجل جاءك" و "أي ثوب اشتريته" و "رجل ضربت ضربت" و "أي ثوب اشتريت اشتريت".
وثانيها: ما يختص بالعقلاء وهو لفظة "من" في الاستفهام، والمجازات.
وثالثها: ما يختص بغير العقلاء، وهو على قسمين:
стр. 1140
أحدهما: ما يعمها وهو لفظة "ما" وقيل يتناول العقلاء أيضا قال الله تعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾، وقال تعالى: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾.
وثانيهما: ما يختص ببعضها وهو كلفظة "متى" و "مهما" فإن كل واحد منهما يختص بالزمان وكلفظة "أين" و"حيث" فإنهما مختصان بالمكان.
وأما الذي يفيده بالغير فهو: إما في جانب الثبوت، أو في جانب العموم، أما الذي فالذي في جانب [الثبوت] فضربان:
أحدهما: "لام" التعريف: إذا لم تكن للعهد، ولغير الماهية، وهي إما في الجمع، سواء كان الجمع جمع سلامة، أو جمع مكسر، سواء كان للقلة "كأفعل" و "أفعال" و "أفعله"، أو للكثرة وهو ما عداها، ونص سيبويه على أن جمع السلامة للقلة.
ونصهم على أن جمع القلة للعشرة، وما دونها محمول على حالة التنكير جمعا بين المذهبين، ودفعا للتعارض، وأما في المفرد وهذا على رأي الفقهاء.
стр. 1141
وثانيهما: الإضافة: وهي إما في الجمع كقولك: ضربت عبيدي، أو في المفرد كقولك: ضربت عبدي، وكون هذا النوع أعنى المفرد المضاف للعموم وإن لم يلق منصوصا لهم، لكن قضية التسوية بين الإضافة ولام التعريف تقتضي ذلك.
وأما الذي في جانب العدم فالنكرة مع حرف النفي.
وأما الذي يفيد العموم على البدل فالنكرة في الإثبات في الأمر، أو المضاف إليها المصدر والفعل غير واقع كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾.
وأما الذي يفيده عرفا فكقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ فإنه يفيد في العرف تحريم جميع وجوه الاستمتاعات، ولم يفد ذلك بحسب اللغة على ما ستعرف ذلك في المجمل والمبين.
وأما الذي يفيده بحسب الفعل فعلى أقسام ثلاثة:
أحدها: أن يكون اللفظ مفيدا للحكم وعليه إما بصراحته أو بوجوه من الإيماءات فمقتضي ثبوت الحكم أينما ثبتت العلة.
وثانيها: ما يذكر جوابا عن سؤال السائل كما إذا سئل النبي ﷺ : عمن أفطر فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: "الكفارة" فيعلم أنه يعم كل مفطر.
وثالثها: مفهوم المخالفة عند القائلين به كقوله ﵇: "زكوا عن سائمة الغنم" / (٢٠٢/ب) فإنه بمفهومه يدل على أنه لا زكاة في المعلوفة، وأما مفهوم الموافقة فداخل في القسم الأول، إذ الحكم فيه إنما يثبت بطريق الأولى لأجل أن العلة فيه أولى.
стр. 1142
المسألة الرابعة
[في إثبات صيغ العموم]
وقبل الخوض في الدلالة لابد من بيان مذاهب الناس فيها، فإن التصديق مسبوق بالتصور.
فنقول: ذهب جماهير المتكلمين منا و [من] المعتزلة، وجماهير الفقهاء: إلى أن للعموم صيغا مخصوصة موضوعة له خاصة به، وهو مذهب الشافعي ﵁.
وذهب المرجئة: إلى أنه لا صيغة للعموم في
стр. 1143
لغة العرب.
وأما الواقفية: بهم وقولان:
أحدهما: أن ما يظن أنه من صيغ العموم فهو مشترك بين العموم والخصوص وعليه الأكثرون.
وثانيهما: الوقف بمعنى إنا لا ندري أن تلك الصيغ حقيقة في العموم مجاز في الخصوص، أو بالعكس، أو هي مشتركة بينهما.
وهو اختيار القاضي أبي بكر رحمه الله تعالى.
ومن الواقفية من فصل بين الأمر والنهي والوعد والوعيد، والإخبار، فقطع بالعموم في الأول، وتوقف في الثاني.
وذهب أرباب الخصوص إلى أن هذه الصيغ نصوص في أقل الجمع، وهو
стр. 1144
إما الثلاثة أو الاثنان، على اختلاف فيه، مجملات في العموم.
والمختار إنما هو مذهب الجماهير.
والدليل عليه وجوه بعضها:
عام أي غير مختص بصيغة دون صيغة، وبعضها: خاص أي مختص بصيغ مخصوصة.
أما العام فوجهان:
أحدهما: أن العموم معنى تمس الحاجة إلى التعبير عنه، فيكون الداعي إلى الوضع حاصلا سواء كان الواضع هو الله تعالى أو العبد لما عرفت ذلك في اللغات، والمانع غير حاصل بالأصل، ولأن المانع:
إما عقلي: وهو ممتنع إذ العقل داعي إليه لما فيه من الفائدة، وجهة الدعاء إلى الفعل لا يكون جهة المنع منه.
وإما شرعي: وهو أيضا غير حاصل وهو ظاهر، فإن الوضع لو كان قبل كل الشرائع، امتنع تحقق المانع الشرعي إذ ذاك، وأن لم يكن كذلك ولم يوجد في الشرائع ما يمنع منه لم يكن المانع الشرعي حينئذ أيضا متحققا.
وإما حسي: وإما طبيعي: وهما أيضا ظاهر الانتفاء، فإذا المانع غير متحقق لانحصار المانع في هذه الأربعة، والفعل عند وجود الداعي إليه،
стр. 1145
وعدم المانع منه واجب، فيكون الوضع متحققا، إما قطعا أو ظاهرا، والمسألة عندنا ظنية.
فإن قيل / (٢٠٣/أ) لا نسلم أن العموم معنى تمس الحاجة إلى التعبير عنه، وهذا لأن الإنسان قلما يتعلق غرضه بكل الخلائق الذي بالمشرق والمغرب حتى يحتاج إلى التعبير عنه، وإذا لم تكن الحاجة ماسة إلى التعبير عنه لم يكن الداعي إلى الوضع حاصلا، كما في سائر الروائح المخصوصة والاعتمادات المتعينة، والتعبير عن معنى الحال والاستقبال وغيرهما من المعاني التي لا تمس الحاجة إلى التعبير عنه، وإذا لم يكن الداعي إليه حاصلا لم يمكن الحكم بتحقق الوضع لا قطعا ولا ظاهرا.
سلمنا: حصول الداعي، لكن لا نسلم عدم المانع منه، وهذا لأن كون اللغة توقيفيا مانع فيه.
سلمنا: عدمه لكنه استدلال على إثبات اللغة، واللغة لا تثبت دلالة، بل تثبت توقيفا ونقلا.
سلمنا: أنها تثبت به لكن لا نسلم حصول المطلوب منه، وهذا لأن اللازم من دليلكم أنه يجب أن يوجد في اللغة ما يدل على العموم ويمكن التعبير به عنه، ونحن نقول به: فإنه وجد في اللغة ما يمكن التعبير به عن العموم
стр. 1146
وهو الألفاظ المركبة، وهي مثل قولك: رأيت الناس واحدًا واحدًا، ولم يعن واحدا منهم، وما يجرى مجراه، والنزاع إنما هو في الصيغة المفردة.
فلم قلت: إنها تحب أن تكون حاصلة؟
سلمنا: ذلك، لكن لم قلت: إن يكون ذلك الوضع على وجه الإفراد؟
ولم لا يكفى على وجه الاشتراك؟
فأما): الجواب عن الأول: أن مراتب الحاجات متفاوته، ونحن لا نسلم: أن الحاجة إلى ما يمكن التعبير به عن معنى العموم ليست كالحاجة إلى ما يدل من الألفاظ على الخبر [به] والمانع والثواب وما يجرى مجراها، بل دونها لكن فوق الحاجة إلى ما يمكن أن يعبر [به] عما ذكروه من المعاني، وهذا لأن الإنسان كثيرا ما يحتاج إلى ألفاظ تدل على العموم في الأمر والنهي، والإخبار عن جميع الموجودات، والمعدومات، من المستحيلات، والممكنات، نحو قوله:
والله بكل موجود ومعدوم عليم، أو عن الممكنات نحو: والله على كل شيء قدير، أو عن الموجودات نحو: "كل موجود سوى واجب الوجود حادث" وما يجرى مجراها، ويلبث برهة من الدهر لا يحتاج إلى التعبير عن
стр. 1147
رائحة المسك والتفاح على سبيل الخصوصية، فليس الحاجة إلى ما يمكن أن يعبر به عن العموم، كالحاجة إلى ما يمكن أن يعبر به عما ذكره من المعاني بل فوقها، وليس من شرط مسيس الحاجة إلى الشيء وشرط حصول الداعي إلى تحصيله / (٢٠٣/ب) أن تكون الحاجة إليه ضرورية، بل يكفي فيه احتياج ظاهر وهو حاصل، فيلزم حصول الداعي.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن ذلك مانع منه، وهذا لأنه لو كان مانعا منه لامتنع حصول الألفاظ العرفية العامة والخاصة.
سلمناه: لكنه بالنسبة إلى غير الله تعالى، أما بالنسبة إلى الله تعالى فلا ونحن نصبنا الدليل عاما.
وعن الثالث: منع انحصار طريق "إثبات" اللغة في النقل والتوقيف.
وعن "الرابع" والخامس: ما سبق الأمر.
وثانيهما: وهو المعول عليه إجماع الصحابة، وأهل اللغة على أن للعموم صيغا، ودليل ذلك: أنهم اجرؤا ألفاظا من الكتاب والسنة على العموم، وما زالوا محتجين بها على العموم من غير نكير ومخالفة من أحد منهم، وذلك يدل على أنهم كانوا معتقدين أن تلك الألفاظ موضوعة للعموم فقط.
стр. 1148
بيان الأول بصور
أحدها: أنهم تمسكوا على إرث فاطمة ﵂، بقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ حتى نقل لهم أبو بكر ﵁ "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة".
وثانيها: أنهم تمسكوا بقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا
стр. 1149
لا إله إلا الله" على عدم جواز قتال مانعي الزكاة، حتى روى لهم الصديق ﵁ قوله ﵇ "إلا بحقها".
وثالثها: احتجاجه ﵁ على الأنصار بما قالوا: "منا أمير ومنكم أمير" بقوله "الأئمة من قريش" والكل سلموا له هذا
стр. 1150
الاستدلال، ولم يقل أحد منهم: أن هذا لا يدل على أن كل الأئمة من قريش ما لم ينضم إليه دليل آخر.
ورابعها: قول: عثمان ﵁ حين سئل عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين فقال: (أحلتهما آية) بمعني قوله تعالى:
﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ (وحرمتهما آية) يعني قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾، ولولا أنهما يفيدان العموم لما صح هذا.
стр. 1151
وخامسها: احتجاج علي ﵁ على تحريم الجمع بين الأختين في ملك اليمين بما تلونا من النص.
وسادسها: تكذيب عثمان بن مظعون ﵁ للبيد لما سمع
стр. 1152
قوله: وكل نعيم لا محالة زائل.
стр. 1153
فقال: كذبت فإن نعيم أهل الجنة لا يزول، ولولا أن لفظة كل تفيد العموم لما صح هذا.
وسابعها: لما نزل قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب / (٢٠٤/أ) جهنم﴾ قال ابن الزبعري: اليوم لا خصمن محمدا فجاء إليه ﵇ فقال يا محمد: أنت الذي تزعم أنا وما نعبد من دون الله حصب جهنم، فقال ﵇: "نعم"، فقال: أليس أن المسيح قد عبد من دون الله، والملائكة قد عبدت من دونه تعالى، أفهم حصب جهنم؟
فسكت ﵇ حتى نزل قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا
стр. 1154
الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ والاستدلال به من وجهين:
стр. 1155
أحدهما: بفهم عبد الله بن الزبعري فإنه كان من أهل اللسان ولو أن كلمة "ما" ليست للعموم لما فهم منه العموم.
وثانيهما: سكوته ﵇ عن رده ومنع استدلاله، وجواب قوله بما يجرى مجرى الاستثناء دليل على أنها للعموم.
وثامنها: لما نزل قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ الآية، قال ابن [أم].
стр. 1156
مكتوم ما قال: وكان رجلا ضريرا فنزل قوله تعالى: ﴿غير أولى الضرر﴾.
فلولا أن لفظ المؤمنين للعموم لما صح قوله: ولما احتيج إلى إخراج أولى الضرر بقوله: ﴿غير أولى الضرر﴾.
وتاسعها: لما نزل قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾. قالت: الصحابة ﵃ فأينا لم يظلم نفسه، فبين ﵇: أنه أراد به ظلم النفاق والكفر.
стр. 1157
وعاشرها: أنهم أجروا قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ على العموم.
وكذلك قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.
وكذا قوله تعال: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾.
وكذلك قوله: ﴿وذورا ظاهر الإثم وباطنه﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾.
[وكذلك قوله]: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
стр. 1158
وكذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ و ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ و ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ ........ [إلى قوله]: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾.
وكذلك قوله ﵇: "لا وصية لوارث".
стр. 1159
........................................................................
стр. 1160
.............................................................................
следующие страницы →