Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
مكتوم ما قال: وكان رجلا ضريرا فنزل قوله تعالى: ﴿غير أولى الضرر﴾.
فلولا أن لفظ المؤمنين للعموم لما صح قوله: ولما احتيج إلى إخراج أولى الضرر بقوله: ﴿غير أولى الضرر﴾.
وتاسعها: لما نزل قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾. قالت: الصحابة ﵃ فأينا لم يظلم نفسه، فبين ﵇: أنه أراد به ظلم النفاق والكفر.
стр. 1157
وعاشرها: أنهم أجروا قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ على العموم.
وكذلك قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.
وكذا قوله تعال: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾.
وكذلك قوله: ﴿وذورا ظاهر الإثم وباطنه﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾.
[وكذلك قوله]: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
стр. 1158
وكذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ و ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ و ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ ........ [إلى قوله]: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾.
وكذلك قوله ﵇: "لا وصية لوارث".
стр. 1159
........................................................................
стр. 1160
.............................................................................
стр. 1161
وقوله: "القاتل لا يرث" و "لا تنكح المرأة على عمتها
стр. 1162
وخالتها".
стр. 1163
وقوله في يوم الفتح: "من ألقى سلاحه فهو آمن".
وقوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
стр. 1164
وقوله: "لا يقتل والد بولده".
стр. 1165
وقوله: "الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى".
هذه وأمثالها كثيرة لا تحصى قد / (٢٠٤/ب) أجروها على العموم مع أن أكثرها وارد على أسباب مخصوصة.
وأما اتفاق أهل اللغة على ذلك فظاهر أيضًا، من استقراء كلامهم من الأمثال والأشعار، فكيف لا؟ وأنا نعلم بالضرورة من حالهم أنهم إذا أرادوا التعبير عن العموم فزعوا إلى لفظ "الكل" "و" "الجميع" وما يجرى مجراهما ولم ينقل عن أحد منهم لا صريحًا ولا ضمنا إنكار صيغة العموم، ولو كان فيه خلاف فيما بينهم: لنقل ظاهرا، إذ نقل عنهم: مما فيه الخلاف ما هو
стр. 1166
دون هذا.
وأما بيان الثاني: فلأنهم لو لم يكونوا معتقدين أن تلك الألفاظ موضوعة للعموم فقط، لما جاز لهم أن يحملوا على العموم ما لم يدل عليه دليل منفصل، كما في الألفاظ المجازية والمشتركة، لكن الأصل عدم ذلك الدليل الآخر، وكيف لا؟ وفي بعض ما ذكرنا ما يدل بصراحته على أن الحمل على العموم كان لنفس ذلك اللفظ، ثم إن صح هذا النوع من الاستدلال من الكل كان ذلك إجماعًا، حقيقيًا قطعيًا وإلا كان إجماعًا سكوتيًا ظنيًا، والمخالف قد يتمسك بمثل هذا الإجماع في كثير من المسائل، نحو كون القياس وخبر الواحد حجة، وما يقوله: هاهنا بأن هذا النمط من الاستدلال إنما يصح من البعض دون الكل، وارد عليه أيضًا في تلك المسائل، إذ من المعلوم أنه لا يمكنه أن ينقل عن كل واحد وحد منهم على سبيل التنصيص ذلك، بل غاية ما يمكنه أن ينقل ذلك على لشيوع والذيوع من غير نكير فيما بينهم، وهو حاصل هنا أيضًا.
وأما الوجوه الخاصة: فنذكر في كل واحد واحد من تلك الصيغ.
القول: في أن صيغة "من" و "ما" و"أين" و "متى" وما يجرى مجراها في الاستفهام، والخبر، والشرط، والجزاء، للعموم.
أما الأول: فالدليل عليه أن هذه الصيغ لو لم تكن للعموم فقط لكان للخصوص فقط، أو هي مشتركة بينهما، فإن كونها مهملة، باطل وفاقًا. لكن القسمين باطلان: فيتعين أن يكون للعموم.
وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون للخصوص فقط، لأنه لو كان له فقط
стр. 1167
لما حسن الجواب بذكر كل العقلاء في "من"، وبكل الأشياء في "ما" عند تجردهما عن قرينة التعميم حالية كانت أو مقالية، إذا كان الاستفهام بهما، إذ الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، لكن لا نزاع في حسنه. فهما إذا ليسا للخصوص فقط.
والمعارضة بالمثل: مندفعة، لأن السؤال عن العام بالمطابقة، سؤال عن الخاص بالتضمن، فيحسن الجواب بالخاص عند عدم العام / (٢٠٥/أ) ولهذا يجب على المدعى عليه نفي ما ادعى عليه، ونفي ما دخل تحت دعواه بطريق التضمن على المذهب.
وأما السؤال عن الخاص، فغير متضمن للسؤال عن العام، فلا يحسن الجواب به بتقدير أن يكون للخصوص.
وما قيل: بأنه إنما حسن الجواب بالعام، وإن كان اللفظ للخاص لكونه جوابًا عن السؤال عنه وزيادة. فذلك ضعيف، لأنه يقتضي حسن الجواب به لو خص الخاص بالذكر، كما لو قال: "من عندك من الرجال" فيقول: "عندي الرجال والنساء" لكنه باطل.
أما أولاً: فبالاتفاق.
وأما ثانيًا: فلأنه جواب بغير المسؤول عنه، وبغير ما يتضمنه وهو قبيح.
وأما ثالثًا: فلأن الغرض كما يتعلق بذكر ما سئل عنه، فكذا قد يتعلق بالسكوت عن المسكوت عنه "فذكره" حينئذ يكون مناقضًا لغرضه.
стр. 1168
وإنما قلنا: لا يجوز أن تكون مشتركة بين العموم والخصوص، لأنه لو كانت مشتركة بينهما، لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع مراتب الخصوص، وليست مشتركة بين مرتبة مخصوصة من الخاص وبين العام وفاقًا، حتى لا يجب ذلك، لأن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، فإذا كان السؤال محتملاً لأمور كثيرة، فلو أجاب قبل أن يطلع على المراد لاحتمل أن يكون الجواب غير مطابق السؤال، وهو غير جائز فيجب الاستفهام عن جميع مراتب الخصوص لكنه غير واجب.
أما أولاً: فلأنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح قول القائل: إذا قيل له: من عندك؟
فيقول: "أتسألني عن الرجال، أو عن النساء".؟
فإذا قيل: "عن الرجال":
فيقول: "عن العرب أو العجم"؟
فإذا قيل: "عن العرب".
فيقول: "عن ربيعة أو مضر"؟ وهلم جرا إلى أن يأتي على جميع أحياء العرب وأفخاذهم، ثم يأتي على جميع أصنافهم من العلماء، والجهال، والشيوخ، والكهول، والشبان، والصبيان، والبيض، والسود، وغيرها من الأصناف.
ولا يعارض هذا بما أنه يحسن بعض الاستفهامات، ألا ترى إذا قيل: "من عندك"؟ حسن أن يقول: "أتسألني من الرجال، أو من النساء، أو من الأحرار أو من العبيد"؟ لأن حسنه ليس دليل الاشتراك كما سيأتي.
وأما قبحه: فدليل عدم الاشتراك، وأيضًا لو كان حسنه دليل الاشتراك مع أن قبحه دليل عدم الاشتراك، لزم أن يكون اللفظ حقيقة في بعض مراتب
стр. 1169
الخصوص، وهو خلاف الإجماع.
وأما ثانيًا: فأنه قد لا يمكن ذكر أقسامه، إما لعدم تناهيه كالعدد، أو لعدم ضبط / (٢٠٥/ب) أقسامه لعدم العلم بها، أو لعسر التمييز بينها، وما يقال: أنه يجوز أن لا تنفك القرينة المعينة عنها، فلهذا لا يجب الاستفهام. فضعيف جدًا.
أما أولاً: فبالإجماع، إذ الإجماع منعقد على أنه يجوز خلو اللفظ المشترك عن جميع القرائن المعينة لأحد مدلوليه.
وأما ثانيًا: فأنه لو لزم القرينة إياها، فليس ذلك لكونها ألفاظًا مشتركة ولا لما يلزمها، وإلا لكان كل لفظ مشترك كذلك، ولا لخصوصياتها ولا لما يلزم خصوصياتها، لما عرف أنها أمور عدمية.
وأما ثالثًا: فلأن تلك القرينة المعينة، إن كانت قرينة العموم فهو باطل.
أما أولاً: فبالاتفاق، أما عندنا: فظاهر، وأما عند الخصم: فلأنه لا يقول بأن اللفظ يفيد العموم أبدًا، وإن كان ذلك لقرينة.
وأما ثانيًا: فأنه يقتضي أن لا يكون اللفظ مستعملاً في الخصوص أبدًا، وهو باطل قطعًا.
وإن كانت قرينة الخصوص، فهو أيضًا باطل لوجهين:
أحدهما: أنه يجب أن تكون تلك المرتبة من الخصوص معلومة أبدًا عندما يسمع اللفظ، لكنه ليس كذلك، والعارف بلغة العرب المنصف من نفسه يعترف بذلك.
وثانيهما: عكس ما سبق.
وأما رابعًا: فلأن تلك القرينة إن كانت لفظية: فباطل، لأنا قد نسمع
стр. 1170
لفظة "من" و"ما" في الاستفهام ولا نسمع معهما من اللفظ ما يعين مدلولهما.
وإن كانت خالية: فيمكن خلو اللفظ عنها أيضًا بأن يعرض المستفهم عنه أعم أو عامًا.
ولو قيل: بأنه إنما لم يستفهم ويجاب بالكل، لأن المقصود حاصل على التقديرين.
فجوابه: ما سبق.
ولو قيل: إنه إنما لم يجب الاستفهام، لأن مدلول اللفظ المشترك هو أحد المفهومين لا بعينه، فإذا أجاب بأيهما كان فقد أجاب عما سندعيه، فنحن نمنع أولاً: إن مدلول اللفظ المشترك ما ذكروه، إذ ليس مدلوله عندنا: أحد الأمرين لا بعينه، بل مدلوله عندنا: هو أحدهما على التعيين، أو هما فإن الواضع لم يضع اللفظ المشترك إلا لمعين، وإما هذا بعينه، أو ذاك بعينه، أو هما على رأي من يقول بذلك، وأما لأحدهما لا بعينه فلا [لأ] نه حينئذ يكون متواطئا لا مشتركًا فمدلوله أبدًا متعين في نفسه، وإنما الإبهام عند المخاطب لا غير، ولو سلم ذلك فضعيف أيضًا، لأنه يقتضي أن لا يحسن الجواب بالكل، لأنه جواب عن غير ما سئل عنه هو أحدهما لا بعينه، لكن حسنه معلوم كما سبق.
стр. 1171
وأما الثاني فالدليل عليه وجوه:
أحدها: أنه لا نزاع / (٢٠٦/أ) في صحة استثناء كل واحد واحد من العقلاء من من الشرطية نحو [قول]: القائل: "من دخل داري فأكرمه إلا فلانًا [وإلا فلانًا] والإستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل - على ما سيأتي تقريره لك إن شاء الله تعالى - وحينئذ يلزم أن كلمة "من" في معرض الشرط والجزاء للعموم، وهو المطلوب.
وثانيها: سقوط الاعتراض عمن جرى على موجب العموم، وتوجهه على من ترك دليل على أنها للعموم.
ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده: من دخل هذا البيت فأعطه درهما، وأشار إلى بيت لا يتوهم فيه قرينة معنوية، نحو أن يكون البيت معظمًا يقتضي إكرام الداخل فيه، أو يكون البيت بيته، فإنه ريما يتوهم التعميم من قرينة إكرام الزائر، فإن العبد لو جرى على موجب التعميم، وأعطى كل واحد من المسلم والكافر لم يكن للسيد أن يعاتبه على ذلك، ولو عاتبه على ذلك أو قال لم أعطيت الكافر؟ فإني أردت به المسلم فللعبد أن يقول: وما أدراني بإرادتك، وإنك أمرتني بإعطاء الداخل والكافر داخل، وكان من حقك أن تضم إليه ما يدل على إرادتك حتى ما كنت أعطى كل داخل، فالعقلاء من أرباب اللسان يرون سقوط اعتراض السيد وبدون عذر العبد ممهدًا
стр. 1172
ولو لم يجر العبد على موجب العموم ومنع بعض الداخلين نحو الكافر، فللسيد أن يقول: لم لم تعطه؟ وقد أمرتك بإعطاء من دخل وهذا قد دخل، فلو قال العبد: إنما لم أعطه، لأنه كافر [وهو] لا يستحق الإحسان والإكرام فلهذا حسبت أنك أردت به المسلم، فالعقلاء يرون عذره ساقطًا ويرون عتاب السيد متوجهًا عليه، وبتقدير أن يكون عذره ممهدًا كان ذلك دليلاً على العموم أيضًا، لأنه أحال التخصيص إلى القرينة المعنوية، وهو إنما يصح بعد ثبوت التعميم.
وثالثها: أن الرجل إذا قال من دخل من عبيدي الدار فهو حر، فإنه يعتق عليه كل عبد له دخل الدار بإجماع الفقهاء، وأرباب أهل اللسان، ولهذا يجوز لكل من سمع هذا ورأي دخول العبد الدار أن يستخدمه، ويستأجره ويشترى ويبيع منه، من غير إجازة مولاه.
ورابعها: وهو ما ذكرنا من مخاصمة ابن الزبعرى مع النبي ﵇ فإنه يدل على أن كلمة "ما" للعموم.
وما قيل: بأنه ﵇ رد عليه وقال: منكرًا عليه "ما أجهلك بلغة قومك أما علمت "إن ما". لما لا يعقل".
стр. 1173
فليس بثبت، ويؤكده ما ذكر جماهير المفسرين رحمهم الله تعالى في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إن الذين / ٢٠٦/ب) سبقت لهم منا الحسنى﴾ الآية، وهو أنه ﵇ سكت بعد أن أورد عليه ما أورد حتى نزول الآية أيضا، ولو كان السؤال فاسدًا لما احتيج إلى ما يجرى مجرى الاستثناء، والاستعمال يقتضي صحة السؤال نحو قوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها﴾ "على" القول في أن جميع المعرف باللام، أو بالإضافة يفيد العموم.
وإنما قدمنا هذا على القول في أن لفظ "الكل" و "الجمع" وما يجرى مجراهما يفيد العموم مع أنه لا خلاف فيه بين القائلين بالعموم، والأول فيه خلاف فيما بينهم، لأنه تابع مؤكد به الجمع، والمتبوع أجدر بالتقديم.
стр. 1174
اعلم أن الجمع المعرف باللام منصرف إلى المعهود إن كان هناك معهود بلا خلاف كما في قولهم: جمع الأمير الصاغة، وإن لم يكن هناك معهود فهو للعموم عند جماهير المعممين. خلافًا لأبي هاشم منهم.
وإن أشكل فكذلك خلافًا لإمام الحرمين رحمه الله تعالى - فإنه ذهب إلى أنه مجمل محتمل لهما.
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور وجوه:
أحدها: هو ما ذكرنا من احتجاج الصديق على الأنصار لما طلبوا الإمامة بقوله ﵇: "الأئمة من قريش" والكل سلموا له هذا الاحتجاج، ولو لم يكن الجمع المعرف باللام للعموم لما صح هذا الاستدلال، لأن كون بعض الأئمة من قريش لا ينافي أن يكون البعض الآخر من الأنصار.
стр. 1175
وما يقال: إن التعميم مستفاد بما عرف من قصده ﵇ بذلك تعظيم قريش وتميزهم عن غيرهم من قبائل العرب. فضعيف لوجهين:
أحدهما: ما سبق غير مرة.
وثانيهما: [أنه] لو دل عليه، فإنما يدل عليه للتعظيم البالغ الكامل، إذ من المعلوم أنه لا يدل عليه مطلق تعظيمهم، لأن ذلك يحصل بأن يكون منهم بعض الأئمة، أما كون كل الأئمة منهم وليس من غيرهم إمام، فذلك يدل على كمال تعظيمهم، لكن لا نسلم أن ذلك معلوم من قصده ﵇، وبتقدير أن نسلم ذلك فإنما يسلم بالنسبة إلى البعض، أما بالنسبة إلى الكل، فممنوع.
وهذا لأن دلالة القرينة الحالية تختلف لاسيما بالنسبة إلى جمع عظيم غير مخالفين في أكثر الأوقات، فكيف سلموا له الكل الاحتجاج، مع أن تلك القرينة الحالية ما كانت معلومة "لهم".
"وثانيها": و"هو" ما ذكرنا من احتجاج عمر ﵁ علي أبي بكر [رضي عنه] لما هم بقتال مانعي الزكاة بقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا / (٢٠٧/أ) ذلك فقد عصموا منى دمائهم وأموالهم".
стр. 1176
ثم إن أحدًا منهم لم ينكر عليه الاحتجاج المذكور، بل عدل أبو بكر ﵁ إلى الاستثناء وقال أليس أنه ﵇ قال: "إلا بحقها" وإن الزكاة من حقها، ولو لم يكن الناس المعرف باللام للعموم لم يكن الضمير في قوله: "حتى يقولوا لا إله إلا الله" للعموم وحينئذ لم يكن الاحتجاج صحيحًا.
وما يقال: إن التعميم مستفاد من العلة الموجبة لعصمة النفس والمال، وهي قول: "لا إله إلا الله" فإنها مناسبة لذلك، إذ الشرك جريمة عظيمة مناسبة للقتل، والتوحيد طاعة كبيرة مناسبة للعصمة، وأيضًا ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية والعصمة مرتبة على كلمة التوحيد. فكان كلمة التوحيد هي علة العصمة.
فضعيف أيضًا إذ يفهم منه الحكم على العموم من أرباب اللسان من لم يعرف القياس وشرائطه كالبدوي، وإحالة الجلي على الخفي غير جائز.
وأيضًا ظاهر الاستثناء وهو قوله: "إلا بحقها". ينفي ما ذكروه وإن جوز تخصيص العلة، لأنه يخرجها عن العلية إذ يصير التقدير كلمة التوحيد علة
стр. 1177
العصمة إلا أن يمنع شيء من حقها، فإنه حينئذ لا يكون علة، وأما إذا لم يجوز فينفيه قطعًا.
وثالثها: أنه يؤكد بما يفيد الاستغراق فوجب أن يكون مفيدا له في نفسه.
وإنما قلنا: إنه يؤكد بما يفيد الاستغراق، لأنه يؤكد "بالكل" و "الجميع" قال الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ وهو مفيد للاستغراق - لما سيأتي في هذا النوع من الاحتجاج على منكري العموم -
وأما على أبي هاشم: فاستدل عليه بالاتفاق أيضًا، فإنه يسلم أنه بعد التأكيد يفيد العموم.
وإنما قلنا: إنه حينئذ يجب أن يكون في نفسه مفيدًا له، لأن لفظ الكل و"الجميع" مسمى بالتأكيد بالاتفاق، والتأكيد معناه: تقوية الحكم الذي كان ثابتًا في الأصل، فلو لم يكن الأصل مفيدًا للاستغراق، بل حصل بلفظ: الكل، والجميع، وما يجرى مجراهما لم تكن تلك الألفاظ تأكيدات بل
стр. 1178
مستقلات بإفادات العموم، لكنه خلاف إجماعهم، ولو نقض ذلك بمثل قولهم: قد صرت البكرة يومًا أجمعا.
стр. 1179
واعترض عليه: أيضا بأن ما ذكرتم يستدعي كون المؤكد صالحا للعموم، والدلالة على العموم عند التأكيد، ولا يدل على كونه متعينا بوضعه للعموم.
وهو ضعيف أيضا، لأنه إن عني بكونه/ (٢٠٧/ب) صالحا للعموم الصلاحية بطريق الحقيقة فحاصله يرجع إلى أن اللفظ مشترك بين العموم والخصوص ويصير مع لفظ "الكل" و"الجميع" متعينا للعموم، لكنه باطل.
أما أولا: فلأن من قال بالاشتراك في الجمع المعرف باللام، قال: بالاشتراك في جميع ألفاظ العموم، إذ الكلام عند عدم قرينة العهد حتى لا يمنع، إذ لو ادعينا مطلقا لمنع على رأي إمام الحرمين رحمه الله تعالى والمشترك لا يبين المشترك.
وأما ثانيا: فلأن اللفظ مسمى بالتأكيد بالإجماع، ولو كان الأمر كما ذكروه كانت التسمية فاسدة عارية عن رعاية المعنى جارية مجرى أسماء العلم، إذ ليس فيه معنى التأكيد شيء حينئذ، وهو خلاف إجماعهم وإن عني به الصلاحية بطريق التجوز مع القول بأن لفظ "الكل" و"الجميع" يفيدان العموم، فهذا وإن كان يستلزم خلاف الأصل وهو مخالف لمذهب المعترض فأنه اختار التوقف في جميع ألفاظ العموم، فحاصله يرجع إلى أن لفظ "الكل" و"الجميع" قرينة دالة على إرادة العموم منه على وجه التجوز فلم يكن فيه شيء من معنى التأكيد فكان باطلا لما سبق.
стр. 1180
ورابعها: أنه يصح استثناء كل فرد من الجنس منه، والعلم بصحة ذلك من كلام العرب ضروري بعد الاستقراء، والاستثناء من الكلام: ما لولاه لوجب دخوله فيه.
وذلك يدل على أن كل من أفراد الجنس داخل فيه، وهو المطلوب.
فإن قلت: لا نسلم أن الاستثناء من الكلام: ما لولاه لوجب دخوله فيه.
وهذا لأنه يصح الاستثناء من غير الجنس قال الله تعالي: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ وهو ليس منهم بدليل قوله تعالى: ﴿كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾. وقال تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما﴾ والسلام ليس من جنس اللغو والتأثيم، وقوله تعالى: ﴿مالهم به من علم إلا اتباع الظن﴾. والظن ليس من جنس العلم.
стр. 1181
وقال الشاعر:
وقفت بها أصيلا لا أسائلها .. أعيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأياما أبينها .. والنوى كالحوض بالمظلومة الجلد.
стр. 1182
والأوارى ليس من جنس الأحد، والاستثناء من غير الجنس ليس فيه صحة الدخول فضلا عن وجوبه.
فإن قلت: الاستثناء من غير الجنس ليس بحقيقة الاستثناء وإن تصور بصورته، وهذا لأن الاستثناء مأخوذ من الثني وهو الصرف. / (٢٠٨/أ) والصرف: إنما يعقل فيما يتصور فيه الدخول وهو مستحيل في غير الجنس، وإذا لم يكن الاستثناء من غير الجنس استثناء حقيقيا وجب أن تكون تلك الاستعمالات مجازات، ونحن إنما ادعينا ذلك في الاستثناء الحقيقي وهو الاستثناء من الجنس.
قلت: لا نسلم أيضا أن الاستثناء من الجنس: ما لولاه لوجب دخوله تحته، بل هو عندنا: عبارة عما لولاه لصح دخوله فيه.
فلم قلت: إنه ليس كذلك؟ ثم الذي يدل عليه وجوه:
أحدها: أن الصحة أعم من الوجوب، وجعل اللفظ حقيقة في المعنى العام أولى، لأنه أكثر فائدة.
وثانيها: أنه يصح الاستثناء من جمع القلة في حالة التنكير بالإجماع، وهو ليس بعام فيها بالإجماع.
فإن قلت: نحن إنما ندعي ذلك فيما يصح منه استثناء الأفراد والأعداد الكثيرة منه، وجمع القلة ليس كذلك.
стр. 1183
قلت: فالاستثناء الذي بشأنه ما ذكرتم يصح مما عدا جمع القلة في حالة التنكير مع أن المستثنى غير واجب "الدخول" تحته، لأنه ليس بعام على "رأي أكثركم".
وثالثها: لو لم يكن الاستثناء عبارة عما لولاه لصح دخوله فيه لما صح قول القائل: صلّ إلا اليوم الفلاني، لأنه ثبت" إن الأمر ليس للتكرار لكنه صحيح.
قلت: الدليل على أن الاستثناء] ليس عبارة عما لولاه لصح دخوله فيه وجوه:
أحدها: أنه لو كان عبارة عنه، لم يبق فرق بين الاستثناء [من الجمع المعرف كقولك: رأيت العلماء إلا زيدا، وبين الاستثناء من الجمع المنكر كقولك:
رأيت علماء إلا زيدا لصحة دخول زيد فيهما، لكن الفرق معلوم بالضرورة منهم، وليس ذلك إلا أنه يجب الدخول في الجمع المعرف دون المنكر، لأن كل من فرق بينهما لم يفرق إلا بوجوب الدخول وعدم وجوبه، والفرق بينهما بوجه آخر خلاف الإجماع.
وثانيها: ما نقل عن أهل اللغة وهو أنهم قالوا: الاستثناء إخراج جزء عن كل.
وإنما يكون كذلك أن لو كان المستثنى واجب الدخول تحت المستثنى منه، لأن الجزء واجب الدخول في كله والأصل هو الحقيقة الواحدة.
стр. 1184
ولا يجاب عنه بما قيل: وهو أنه لا يلزم من كون الاستثناء إخراج جزء عن كل، أن يكون ذلك الوجوب الدخول لاحتمال أن "ذلك" يكون لصحة الدخول، فإن الوجوب لا ينافي الصحة بمعنى عدم الامتناع، لأن التعريض يفيد الجزئية حينئذ يكون ضائعا عديم الفائدة، بل هو مخل بالمقصود الذي هو تعريف الاستثناء، لأنه يقتضي اعتبار قيد/ (٢٠٨/ب) الجزئية في ماهيته أو اختصاصه به إذ لا يذكر في التعريف إلا ما يكون داخلا في الماهية أو مختصا بها.
ولو أجيب عنه: بأنه لا يلزم من كون الاستثناء إخراج جزء عن كل أن لا يصح استثناء ما هو ممكن الدخول بناء على أن "الاستثناء" واجب الدخول لا يمنع من استثناء ممكن الدخول فضعفه بين لا يخفى على من له أدنى فطانة.
وثالثها: أنه لو كان الاستثناء عبارة عما لولاه لصح دخوله فيه لصح قول القائل: "رأيت رجلًا إلا زيدًا" لصلاحية دخوله له
стр. 1185
تحت لفظ "رجل" لكنه غير صحيح وفاقا، نعلم أنه ليس عبارة عنه.
فإن قلت: الملازمة ممنوعة، وهذا لأنه كما يعتبر في تحقيق الشئ وجود المقتضي يعتبر أيضا ارتفاع المانع، فلا يلزم من تحقق الصحة فيما ذكرتم من المثال صحة الاستثناء لاحتمال انتفاء الصحة لوجود مانع، ولئن تمسك في انتفائه بالأصل فنحن نبينه، وهو أن قوله: رأيت رجلا، لا يكون إلا معينا في نفس الأمر، ضرورة أن الرؤية لا تقع إلا على معين في نفس الأمر، وإنما الإبهام عند السامع والمعين لا يصح منه الاستثناء وفاقا.
قلت: الدليل على الملازمة ما سبق، وهو صحة دخوله تحت لفظ "رجل" إذ المعنى من الدليل ما لو جرد النظر إليه يغلب على الظن وجود المدلول، والنظر إلى المقتضى لصحة الاستثناء وهو صحة الدخول كذلك، فيكون الدليل دالا على صحة الاستثناء حينئذ، وأما ما ذكره في سند المنع من أن ذلك لوجود المانع المذكور.
لو سلم ذلك أدى في الاستثناء عن المعين كلامه.
فجوابه: أن إسناد انتفاء الحكم إلى عدم المقتضى أولى من إسناده إلى وجود المانع لإفضائه إلى التعارض، فكان "إسناد" انتفاء صحة الاستثناء إلى عدم المقتضى لصحة استثناء أولى من إسناده إلى وجود المانع.
وأما ما ذكروه من الوجوه:
فجواب المعارضة: بما أنه لو جعل حقيقة في واجب الدخول، أمكن
стр. 1186
جعله مجازا في ممكن الدخول للزومه إياه، ولو جعل حقيقة في ممكن الدخول لم يمكن جعله مجازا في واجب الدخول ولو أمكن لكن الأول: أولى لما سبق غير مرة.
وعن الثاني: بعد تسليم أنه ليس بعام، فإن لنا أن نمنع على رأي بعض موافقينا القائلين: بالعموم أنه يجب حمله على التجوز جمعا بينه وبين ما ذكرنا من الفرق المعلوم بالضرورة منهم. "أو من أهل اللسان".
ولا يجاب عنه: بما أجاب الإمام وهو أنه: هب أن الاستثناء من الجمع المنكر يخرج من الكلام ما/ (٢٠٩/أ) لولاه- لصح دخوله فيه- فلم قلت: إنه في سائر الصور كذلك؟
لأن الأصل هو الحقيقة الواحدة.
وأيضا: فان ما ذكره يرجع حاصله إلى أن الاستثناء عما ليس بعام: عبارة عما لولاه لصح دخوله فيه.
وعما هو عام: عبارة عما لولاه لوجب دخوله فيه.
وحينئذ يتعذر الاستدلال بصحة الاستثناء على العموم، لأنه لا يفيد التعميم، إلا: أن يكون عبارة عما لولاه لوجب دخوله فيه، وإنما يثبت ذلك أن لو ثبت العموم في المستثنى منه، فلو أثبت العموم في المستثنى منه بالاستثناء لزم الدور.
стр. 1187
وعن الثالث: منع الملازمة، وهذا لأنه يحتمل أن نحو ذلك، وإن لم يكن الأمر للتكرار في نفسه بناء على أن الاستثناء قرينة دالة على إرادة التكرار منه.
وخامسها: أن الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر، بدليل صحة انتزاعه منه، من غير عكس، فإنه يصح أن يقال: رجال من الرجال جاءني، ولا يصح أن يقال: الرجال من رجال جائني، وذلك يدل على أنه [للعموم، لأنه] لو لم يكن للعموم لما صح انتزاع المنكر منه، لأن ما دونه يتناوله الجمع المنكر وفاقا، والمنتزع منه يجب أن يكون أكثر فهو إذًا للعموم.
فإن قلت: أتدعي أن ذلك يدل على أنه للعموم في نفس الأمر، أو تدعي أنه للعموم إذ ذاك.
فإن دعيت الأول: فممنوع، وهذا لأن من المعلوم أنه لا دلالة لما ذكرتم على أنه للعموم في نفس الأمر، بل غايته أنه يدل على أنه للعموم إذ ذاك، فلم لا يجوز أن يقال: إن ذلك لقرينة الانتزاع؟
وإن ادعيت الثاني: فمسلم، لكن لا يفيد المطلوب لاحتمال أن يقال: إن ذلك لقرينة الانتزاع.
قلت: جوابه ما سبق غير مرة وهو أن استفادة المعاني من القرائن خلاف
стр. 1188
الأصل.
وسادسها: أن الجمع المعرف "باللام" لو لم يحمل على العموم: فإما أن يحمل على بعض معين من الجمع، فهو باطل، لأنه ليس في اللفظ ما يشعر به ولا في العقل ما يدل عليه، إذ الكلام عند عدم المعهود السابق أو على بعض غير معين منه، وهو أيضا باطل.
أما أولا: فلأنه حينئذ لا يبقى فرق بين قولنا: "الرجال" وبين قولنا: "رجال" وهو خلاف ما هو معلوم من كلامهم.
وأما ثانيا: "فلأنه" لا يكون لدخول الألف واللام حينئذ فائدة.
لا يقال: نحن نمنع عدم الفرق، وعدم الفائدة، وهذا لأن قولنا: "الرجال" صالح للعموم وللخصوص عندنا: بخلاف قولنا: "رجال" فإنه لا يصلح لذلك، لأنا حينئذ نلزمكم محذور/ (٢٠٩/ب) الإجمال أو لا يحمل على شئ، وهو أيضا: باطل بالإجماع ولما بطل "قولنا" بهذه الأقسام تعين حمله "على" الكل إلا ما خصه الدليل، وهو المطلوب.
وسابعها: أن "الألف واللام" تسمى بحرف التعريف وفاقا، ومن الظاهر أن تسميتها به ليست خالية عن رعاية المعنى جارية مجرى اسم
стр. 1189
العلم، فهي إذًا باعتبار المعنى، فالمعرف به: إما الكل، أو مطلق الجمع الصادق على أي جمع كان، أو جمع معين.
والأخيران باطلان: فيتعين الأول.
أما الأول: منهما فلأنه معلوم قبل دخولهما، وتعريف المعرف تحصيل للحاصل.
وأما الثاني: فلأنه ليس يفهم منه السامع بعض مراتب الجموع على التعيين عند عدم معهود سابق لعدم ما يشعر به في اللفظ، إذ الكلام فيه.
وهذا الدليل يتمسك به من يقول: إن المفرد المعرف باللام يفيد العموم أيضا، أما من لم يقل به لم يمكنه أن يتمسك به، لأنه ينقض به.
ولو أجاب عنه بما أجاب الإمام عنه: وهو أن "الألف واللام" في المفرد يفيد تعيين الماهية المشتركة بين الأفراد، وهو غير حاصل من المفرد المجرد عنهما، بدليل صحة قولنا: "الإنسان نوع" و"الحيوان جنس" وعدم صحة، قولنا: "إنسان نوع" و"حيوان جنس".
لأ "جيب" بمثله فيما نحن فيه، فإن لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون "الألف واللام" في الجمع يفيدان أيضا تعيين الجمع المشترك بين الجموع.
стр. 1190
فإن قلت: إنما ذكرنا ذلك في المفرد لما ذكرنا من الدليل، وليس دليل يدل على أنه يصح حكم غير التعميم على الجمع المعرف دون المنكر حتى يقال: إنهما لتعيين متعلق ذلك "الحكم".
قلت: عدم وجدان الدليل لا يدل على عدمه، وبتقدير أن يدل عليه، لكن لا نسلم: أن عدم الدليل يقتضي عدم المدلول، ولا يخفي عليك أنه وارد على الدليل ابتداء لأنه يمنع حصر تقسيمه.
وإذا ثبت أن الجمع المعرف "باللام" يفيد العموم، ثبت أن المعرف بالإضافة أيضا كذلك، لجريان أكثر الأدلة فيه، ولعدم القائل بالفصل، ولأن الرجل إذا قال: "أعتقت عبيدي، وإمائي" و "طلقت نسائي" فإنه يعم العتق والطلاق في جميعهم بإجماع الأئمة.
ولهذا يجوز لمن سمع هذا أن يعامل أي عبد شاء من عبيده، ويتزوج بأية أمة من إمائه بدون رضاه ورضا ورثته، لو فرض موته عقيب القول.
فرع:
الكناية نحو قوله: افعلوا، أو فعلوا، تابعة للمكني في العموم، والخصوص، فإن كان المكني عاما، كانت الكناية عامة بدليل/ (١١٠/أ) أن السيد لو خاطب عبيده وقال: أيها العبيد افعلوا كذا، فإن المتخلف من الامتثال منهم يستحق اللوم والتوبيخ، ولو لم يكن للعموم لما كان كذلك، ولأنه لو لم تكن عامة إذ ذاك لزم الإجمال، ضرورة رجوعه حينئذ إلى بعض ما تقدم ذكره، مع أنه غير معلومة من اللفظ والعقل، إذ الكلام مفروض فيه
стр. 1191
وأنه خلاف الأصل وإن كان خاصا، كانت الكناية أيضا: خاصة.
وهو ظاهر القول في أن لفظ: "الكل" و"الجميع" وما يجري مجراهما من المؤكدات يفيد العموم، والدليل عليه وجوه:
أحدها: أن الرجل إذا قال: جاءني كل فقيه في البلد، فمن أراد تكذيبه يقول: ما جاءك كل فقيه في البلد، ولولا أن لفظ "الكل" للعموم لما صح استعماله في التكذيب عند عدم الدلالة على إرادة البعض المعين منه في السلب والإيجاب منهما، لاحتمال أن يكون المنفى غير المثبت، إذ ليس للفظ "الكل" دلالة على مرتبة معينة من مراتب الخصوص وفاقا.
وبتقدير أن يكون له: لكنهما يستعملان في التكاذب مطلقا، فدل على أنه للعموم، وما يقال: في سند منع استعمالهما في التكاذب مطلقا، هو أنه "لو" فسر كلامه بالغالب كان تفسيره صحيحا مقبولا، وحينئذ لا يكاذب في استعمالها.
فضعيف جدا، لأنه لا يلزم من قبول تفسير اللفظ بشيء أن لا يفيد غيره بإطلاقه، ألا ترى أن الألفاظ كلها بإطلاقها تفيد حقائقها، ولو فسرت
стр. 1192
بمجازاتها كان التفسير صحيحا مقبولا.
وأيضا قوله: "ولا يكاذب حينئذ" باطل، لأن لفظ "الكل" في الإثبات أو السلب إذا كان محمولا على الغالب، كان هو في الآخر أيضا محمولا عليه، لأن الظاهر أن يتوارد السلب والإيجاب على شيء واحد، وحينئذ يتحقق التكاذب، نعم: لو كان في الإثبات محمولا على الغالب وفي السلب "على" "الكل" من حيث هو كل لا يتحقق التكاذب لكن حينئذ لا يجوز استعمالهما في التكاذب، والإحالة إلى القرينة خلاف الأصل كما سبق.
وثانيها: أن الرجل إذا قال: "أعتقت كل من في الدار من عبيدي" فإنه يعتق عليه جميع عبيده الذين هم في الدار بإجماع الفقهاء، ولولا أن لفظ "الكل" تفيد العموم لما صح "هذا".
وثالثها: أن السيد إذا قال لعبده: "أعط كل من في الدار كذا" ولم
стр. 1193
يسمع العبد من السيد سوى هذا القدر، ولم يعلم قرينة خارجية تقتضي تخصيص بعضهم: نحو كون بعضهم عدوا لسيده، أو كافرا/ (٢١٠/ب) معاندا، فإنه لو لم يمتثل أمره بإعطاء كل من فيها فإنه يستحق اللوم والتوبيخ على ذلك، ولو امتثل بإعطاء كل واحد واحد فإنه لا يتوجه نحوه الاعتراض "والتوبيخ"، ولو لم يكن لفظ "الكل" للعموم لما استحق ذلك وإحالة ذلك إلى القرينة لو كانت خلاف الأصل، كيف وقد فرضنا الكلام حيث لا قرينة، ومنعه إذ ذاك مكابرة.
ورابعها: أن مفهوم صيغة "الكل" مقابل لمفهوم صيغ "البعض" وذلك يستعمل "في" كل واحد منهما في نفي مفهوم الآخر، كما إذا قال الرجل لغيره أخذت مني كل دراهم" فإنه يقول لا بل بعضه "أو بعضه" فإن أخذ البعض وإن كان لا ينافي الكل من حيث المعنى، لكن المفهوم من البعض ينافيه، فلو لم يكن لفظ "الكل" للعموم لما كان كذلك.
وخامسها: أنا ندرك التفرقة بين قول القائل: "جاءني فقهاء وبين
стр. 1194
قوله: "جاءني كل الفقهاء" ولو لم يكن "الكل" مفيدا للعموم لما حصلت التفرقة ضرورة أن مفهومها حينئذ يكون متحدا، وهو البعض ولو منع الملازمة بناء على ما سبق من الفرق في الجمع المعرف باللام.
فجوابه: أيضا ما سبق.
وأيضا: ذلك الفرق الحاصل بين الفقهاء وبين فقهاء فليس دخول "الكل" عليه فائدة وهو تعطيل الكلمة بالكلية وأنه خلاف الأصل.
"وسادسها" ما سبق فيما سلف أنه مسمى بالتأكيد، ولو كان محتملا للكل وللبعض بطريق الحقيقة، لكان استعماله في العموم لقرينة جاريا مجرى.
قول القائل: "رأيت عينا باصرة" وحينئذ يكون ما دخل عليه من العام أو الخاص قرينة مبينة له فلم يكن هو تأكيدا له، وهو خلاف الإجماع.
فان قلت: أنه وإن تبين مراده من لفظه بما دخل هو عليه، لكن ذلك لا يخرجه عن أن يكون تأكيدا له لما أن لفظه صالح للعموم.
قلت: دلالة مؤكدة للفظ يجب أن يكون أظهر أو مثل دلالة المؤكد فيما هو مؤكد له بالاستقراء، وهو منتف عليه على ما ذكرتم من التقدير فلم يكن تأكيدا له.
وسابعها: ما سبق من أن عثمان- ﵁ كذّب لبيدا في قوله
стр. 1195
وكل نعيم لا محالة زائل.
وقال: كذبت فإن نعيم أهل الجنة لا يزول، ولو لم يكن لفظ "الكل" للعموم لما توجه التكذيب عليه.
وثامنها: وهو ما ذكرنا إنا نعلم- بالضرورة- بالاستقراء من عادة أهل اللسان أنهم إذا أرادوا التعبير عن معنى العموم فزعوا إلى استعمال لفظ "الكل" و"الجميع"، ما يجري مجراهما ولو لم يكن لفظ "الكل" و"الجميع" للعموم لما كان الرجوع إليهما إذ ذاك أولى من غيره كالجموع المنكرة.
وتاسعها: أن العرب فرقت بين تأكيد العموم، وبين تأكيد الخصوص [فقالوا] في الخاص: رأيت زيدا نفسه وعينه" وقالوا في العموم: "الرجال كلهم، وأجمعون" ولم يستعمل ما لأحدهما في الآخر، وذلك يدل على تغايرهما في العموم والخصوص، لأن اختلاف التأكيد يدل على اختلاف المؤكد.
فإن قلت: نسلم ذلك لكن لا يلزم من الاختلاف بينهما أن يكون ذلك
следующие страницы →