Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وأنه خلاف الأصل وإن كان خاصا، كانت الكناية أيضا: خاصة.
وهو ظاهر القول في أن لفظ: "الكل" و"الجميع" وما يجري مجراهما من المؤكدات يفيد العموم، والدليل عليه وجوه:
أحدها: أن الرجل إذا قال: جاءني كل فقيه في البلد، فمن أراد تكذيبه يقول: ما جاءك كل فقيه في البلد، ولولا أن لفظ "الكل" للعموم لما صح استعماله في التكذيب عند عدم الدلالة على إرادة البعض المعين منه في السلب والإيجاب منهما، لاحتمال أن يكون المنفى غير المثبت، إذ ليس للفظ "الكل" دلالة على مرتبة معينة من مراتب الخصوص وفاقا.
وبتقدير أن يكون له: لكنهما يستعملان في التكاذب مطلقا، فدل على أنه للعموم، وما يقال: في سند منع استعمالهما في التكاذب مطلقا، هو أنه "لو" فسر كلامه بالغالب كان تفسيره صحيحا مقبولا، وحينئذ لا يكاذب في استعمالها.
فضعيف جدا، لأنه لا يلزم من قبول تفسير اللفظ بشيء أن لا يفيد غيره بإطلاقه، ألا ترى أن الألفاظ كلها بإطلاقها تفيد حقائقها، ولو فسرت
стр. 1192
بمجازاتها كان التفسير صحيحا مقبولا.
وأيضا قوله: "ولا يكاذب حينئذ" باطل، لأن لفظ "الكل" في الإثبات أو السلب إذا كان محمولا على الغالب، كان هو في الآخر أيضا محمولا عليه، لأن الظاهر أن يتوارد السلب والإيجاب على شيء واحد، وحينئذ يتحقق التكاذب، نعم: لو كان في الإثبات محمولا على الغالب وفي السلب "على" "الكل" من حيث هو كل لا يتحقق التكاذب لكن حينئذ لا يجوز استعمالهما في التكاذب، والإحالة إلى القرينة خلاف الأصل كما سبق.
وثانيها: أن الرجل إذا قال: "أعتقت كل من في الدار من عبيدي" فإنه يعتق عليه جميع عبيده الذين هم في الدار بإجماع الفقهاء، ولولا أن لفظ "الكل" تفيد العموم لما صح "هذا".
وثالثها: أن السيد إذا قال لعبده: "أعط كل من في الدار كذا" ولم
стр. 1193
يسمع العبد من السيد سوى هذا القدر، ولم يعلم قرينة خارجية تقتضي تخصيص بعضهم: نحو كون بعضهم عدوا لسيده، أو كافرا/ (٢١٠/ب) معاندا، فإنه لو لم يمتثل أمره بإعطاء كل من فيها فإنه يستحق اللوم والتوبيخ على ذلك، ولو امتثل بإعطاء كل واحد واحد فإنه لا يتوجه نحوه الاعتراض "والتوبيخ"، ولو لم يكن لفظ "الكل" للعموم لما استحق ذلك وإحالة ذلك إلى القرينة لو كانت خلاف الأصل، كيف وقد فرضنا الكلام حيث لا قرينة، ومنعه إذ ذاك مكابرة.
ورابعها: أن مفهوم صيغة "الكل" مقابل لمفهوم صيغ "البعض" وذلك يستعمل "في" كل واحد منهما في نفي مفهوم الآخر، كما إذا قال الرجل لغيره أخذت مني كل دراهم" فإنه يقول لا بل بعضه "أو بعضه" فإن أخذ البعض وإن كان لا ينافي الكل من حيث المعنى، لكن المفهوم من البعض ينافيه، فلو لم يكن لفظ "الكل" للعموم لما كان كذلك.
وخامسها: أنا ندرك التفرقة بين قول القائل: "جاءني فقهاء وبين
стр. 1194
قوله: "جاءني كل الفقهاء" ولو لم يكن "الكل" مفيدا للعموم لما حصلت التفرقة ضرورة أن مفهومها حينئذ يكون متحدا، وهو البعض ولو منع الملازمة بناء على ما سبق من الفرق في الجمع المعرف باللام.
فجوابه: أيضا ما سبق.
وأيضا: ذلك الفرق الحاصل بين الفقهاء وبين فقهاء فليس دخول "الكل" عليه فائدة وهو تعطيل الكلمة بالكلية وأنه خلاف الأصل.
"وسادسها" ما سبق فيما سلف أنه مسمى بالتأكيد، ولو كان محتملا للكل وللبعض بطريق الحقيقة، لكان استعماله في العموم لقرينة جاريا مجرى.
قول القائل: "رأيت عينا باصرة" وحينئذ يكون ما دخل عليه من العام أو الخاص قرينة مبينة له فلم يكن هو تأكيدا له، وهو خلاف الإجماع.
فان قلت: أنه وإن تبين مراده من لفظه بما دخل هو عليه، لكن ذلك لا يخرجه عن أن يكون تأكيدا له لما أن لفظه صالح للعموم.
قلت: دلالة مؤكدة للفظ يجب أن يكون أظهر أو مثل دلالة المؤكد فيما هو مؤكد له بالاستقراء، وهو منتف عليه على ما ذكرتم من التقدير فلم يكن تأكيدا له.
وسابعها: ما سبق من أن عثمان- ﵁ كذّب لبيدا في قوله
стр. 1195
وكل نعيم لا محالة زائل.
وقال: كذبت فإن نعيم أهل الجنة لا يزول، ولو لم يكن لفظ "الكل" للعموم لما توجه التكذيب عليه.
وثامنها: وهو ما ذكرنا إنا نعلم- بالضرورة- بالاستقراء من عادة أهل اللسان أنهم إذا أرادوا التعبير عن معنى العموم فزعوا إلى استعمال لفظ "الكل" و"الجميع"، ما يجري مجراهما ولو لم يكن لفظ "الكل" و"الجميع" للعموم لما كان الرجوع إليهما إذ ذاك أولى من غيره كالجموع المنكرة.
وتاسعها: أن العرب فرقت بين تأكيد العموم، وبين تأكيد الخصوص [فقالوا] في الخاص: رأيت زيدا نفسه وعينه" وقالوا في العموم: "الرجال كلهم، وأجمعون" ولم يستعمل ما لأحدهما في الآخر، وذلك يدل على تغايرهما في العموم والخصوص، لأن اختلاف التأكيد يدل على اختلاف المؤكد.
فإن قلت: نسلم ذلك لكن لا يلزم من الاختلاف بينهما أن يكون ذلك
стр. 1196
في العموم والخصوص، ولم لا يكفي في ذلك اختلافهما في الجمع والوحدة.
قلت: لو كان ذلك كافيا لجاز تأكيد كل جمع حتى النكرات "بكل" وأجمعين، لكنه غير جائز باتفاق البصريين.
وقوله: قد صرت البكرة يوما أجمعا.
شاذا لا يعول عليه.
стр. 1197
[النكرة في سياق النفي تعم]
القول: في أن النكرة في سياق النفي "يعم" ويدل عليه وجوه:
стр. 1198
أحدها: أنه يصح استثناء كل فرد من أفراد "ذلك المنفى عنه كقولك لا رجل في الدار إلا زيدا، وقد ثبت أن الاستثناء من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فيلزم دخول" كل فرد من أفراد ذلك المنفى تحت ذلك المنفى، وهو المطلوب.
وثانيها: أنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي تعم لما كان قول الموحد: "لا إله إلا الله" نفيا لجميع الإلهة سوى الله تعالى.
واعترض عليه: بأنها وإن لم تكن الحقيقة في العموم، لكن لا يمتنع إرادة العموم بها وعلى هذا إنما يصير عاما لو أراد بها المتكلم العموم، أما إذا لم يرد فلا نسلم أنها تفيد العموم إذ ذاك.
وهو ضعيف، لانعقاد الإجماع على صحة إسلام المتلفظ بها وإن لم يعلم أنه، هل أراد بها العموم أم لا؟
ولو لم يكن العموم من مقتضيات اللفظ لما كان كذلك، لأن المتلفظ باللفظ المشترك لا يحكم عليه بإرادة معنى معين منه ما لم يعلم منه قرينة دالة على إرادته، وكذلك المتلفظ بالحقيقة المفردة لا يحكم عليه بإرادة المجاز منها، ما لم يعلم قرينة دالة على إرادته.
وثالثها: أن الإنسان إذا قال: أكلت اليوم شيئا، فمن أراد تكذيبه من
стр. 1199
أهل اللسان، [يقول]: ما أكلت اليوم شيئا، ولو لم يكن قوله: ما أكلت اليوم شيئا، يفيد العموم لما كان مكذبا له، لأن الجزأين لا يجب أن يكذبان، وعلى هذا أيضا ورد التنزيل مكذبا لليهود لما قالوا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ بقوله: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾.
ولو اعترض على هذا بما سبق: كان ضعيفا أيضا، لأن اليهود حينئذ أن يقولوا: إنما أردنا بقولنا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ غير موسى ﵇ فلا يكون نزول الكتاب على موسى ﵇ مناقضا/ (٢١١/ب).
стр. 1200
ومكذبا لقولنا ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾.
ورابعها: أن "لا" في قولهم: لا رجل في الدار، مسماة بلا.
لنفي الجنس وإنما ينتفي الجنس بانتفاء كل فرد من أفراده، وذلك يدل على أنه يفيد الاستغراق.
فإن قلت: لا التي في قولهم: "لا رجل" إنما يفيد نفي جميع أفراد الرجال لأنها تفيد نفي ماهية الرجل، ومن ضرورة نفس الماهية نفي جميع أفرادها، إذ لو وجد فرد من أفرادها لوجدت الماهية في ضمنه وهو نقيض مدلولها والماهية ليست بعامه، بل هي شيء واحد فلا يلزم من نفيها العموم في طرف النهي.
قلت: فرق بين عموم النفي ونفي العموم والمراد من قولنا: النكرة في سياق النفي تعم: هو أن النكرة في سياق النفي يفيد العموم لا نفي العموم الذي قد يكون بالثبوت في البعض، وقد سلمتم لزومه من نفي النكرة، لكن غايته أن ذلك بوساطة نفي الماهية وهو غير قادح في مقصودنا، لأن المفهوم الأول يتحقق بطريقين:
أحدهما: نفس ما ليس بعام، لكن يلزم منه عموم النفي، كما هو في نفي الماهية.
وثانيهما: نفي كل واحد واحد من أفراد ما هو عام ومتى تحقق الخاص تحقق الخاص تحقق العام.
стр. 1201
[اسم الجنس المعرف بالألف واللام]
القول: في أن اسم الجنس إذا دخله "الألف واللام" هل يفيد العموم أم لا؟
ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يفيده مطلقا، عند عدم المعهود السابق وهو اختيار المبرد والجبائي.
وذهب أكثر المتكلمين: إلى أنه لا يقيده مطلقا، وإن كان عند عدم المعهود السابق.
стр. 1202
ومنهم: من فصل وقال: إن كان واحده يتميز "بالتاء" عن اسم الجنس "كالتمر" و"البر" فإن العارى منها يفيد العموم، كما في قوله ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر ولا التمر بالتمر" وإن لم يتميز واحده عن
стр. 1203
اسم الجنس "بالتاء" فهو ينقسم إلى ما يتشخص مدلوله ويدخل في التعدد ويوصف بالوحدة، والاثنين والثلاثة، كالدينار، إذ يقال: دينار واحد، وديناران اثنان، وإلى ما لا يكون كذلك كالذهب، والتراب، إذ لا يقال: ذهب واحد وتراب واحد.
فالقسم الأول: فيه الاحتمالان العموم، كما في قوله ﵇: "لا يقتل المسلم بالكافر".
стр. 1204
وتعريف الماهية كما في قولنا: الإنسان نوع، وهو الأشبه.
وأما الأول: فهو للعموم وهو اختيار "الشيخ" الغزالي ﵀.
احتج الفقهاء بوجوه:
أحدها: ما تقدم في الجمع المعرف: باللام"/ (٢١٢/أ) من أن "الألف
стр. 1205
واللام" للتعريف فالمعرف به، إما "الكل" أو غيره، والثاني: باطل فيتعين الأول: وقد عرفت جوابه أيضا.
وثانيها: أنه يصح نعته بما ينعت به الجمع المعرف كما في قوله تعالى: ﴿والنخل باسقات﴾ ﴿والطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾.
وكما في قولهم: أهلك الناس الدينار الصفر، والدرهم الأبيض، "وهو للجمع" فيلزم أن يكون للعموم، ضرورة امتناع وصف الواحد بالجمع، إذ ليس هو للجمع بتقدير أن لا يكون للعموم.
وأجيبوا: بأنه مجاز لعدم الاطراد، إذ لا يجوز أن يقال: جاءني الرجل الحكماء والعلماء، ولو سلم اطراده، فلم لا يجوز أن يكون ذلك وصفا للجنس لا لجملة أفراده؟.
سلمنا: أنه وصف لجملة أفراده، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك لقرينة معنوية؟.
سلمنا: انتفائها، ولكن لم لا يجوز أن يكون ذلك قرينة لفظية دالة على
стр. 1206
إرادة العموم"منه"؟.
ولا يلزم منه أن يكون بوضعه للعموم ولا يخفي عليك ما في هذا الجواب مما سبق.
وأما ما ذكره الإمام: وهو: أن الدينار الصفر، لما كان حقيقة: كان الدنانير الأصفر "خطأ أو" مجازا. فضعيف:
أما أولا: فلأنا لا نسلم الملازمة، وهذا لأنه لا يلزم من كون الدنانير "الأصفر" خطأ أو مجازا أن يكون الدينار الأصفر كذلك، لأن الدينار له جهتان اللفظ والمعنى، فيصح الصفر حملا على اللفظ، ويصح الصفر حملا على المعنى، بخلاف الدنانير، فإنه ليست لها هاتان الجهتان، فلا يصح حقيقة إلا الصفر.
وأما ثانيا: فلأنا لو سلمنا الملازمة، لكن لا نسلم نفي اللازم، فإن الدينار الأصفر، مجاز عندما يراد منه العموم عند القائلين به.
وثالثها: أنه يصح استثناء كل فرد منه، بل استثناء الجمع كما في
стр. 1207
قوله تعالى ﴿إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا﴾
وقد ثبت أن الاستثناء من الكلام: ما لولاه لدخل فيه، فوجب أن يكون للعموم.
وأجيبوا: بأنه مجاز لعدم الاطراد، إذ لا يجوز أن يقال: رأيت الرجل إلا العلماء والحكماء.
ورابعها: أن الألف واللام إذا كانتا لتعريف معهود سابق، فإن الاسم مصروف إلى جميع ذلك المعهود لعدم أولوية البعض من البعض، فكذا إذا كانتا لتعريف الجنس وجب أن يكون الاسم مصروفا إلى جميع أفراد ذلك الجنس، لعدم أولوية/ (٢١٢/ب) البعض من البعض.
стр. 1208
وأجيبوا: بمنع المقدمة الأولى، وهذا لأن المعهود إذا كان جمعًا فإنا نمنع عوده إلى جميعه بطريق المعية، نعم: يعود إلى جميعه على البدلية لعدم أولوية البعض من البعض.
وخامسها: أن الحكم إذا كان مرتبا عليه، دل ذلك على أنه علة ذلك الحكم، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فيعم الحكم لعموم علته.
وأجيبوا: بأنه استدلال على التعميم لا باعتبار اللفظ، بل بالقياس، وهو ممنوع في اللغات وبتقدير تسليمه فلا نزاع فيه، وإنما النزاع فيه باعتبار اللفظ.
стр. 1209
[الجمع المنكر هل يفيد العموم أو لا؟]
القول: في أن الجمع المنكر هل يفيد العموم أم لا؟
ذهب الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين: إلى أنه لا يفيده، بل هو محمول على أقل الجمع، وهو: أما الثلاثة، أو الاثنين، على اختلاف فيه ستعرفه.
وذهب الجبائي إلى أنه يفيده.
стр. 1210
والذي أظنه أن الخلاف في غير جمع القلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جدا، إذ هو مخالف لنصهم، فإنهم نصوا على أنه للعشرة وما دونه بطريق الحقيقة، فالقول: بأنه للعموم بطريق الحقيقة مخالف لقولهم.
واحتج الجبائي ومن تابعه بوجوده:
أحدها: أنه يصح استثناء كل فرد منه، وأنه يدل على أنه للعموم على ما تقدم.
وأجيبوا: بأن الاستثناء منه لإخراج ما يصح دخوله، لا ما يجب بدليل ما تقدم منه الفرق المعلوم بين الاستثناءين.
وثانيها: أن حمله على العموم، حمل له على جميع حقائقه، فكان أولى من حمله على بعض حقائقه.
стр. 1211
وجوابه: منع الأول، وهذا لأنه ليس حقيقة إلا الجمع الذي هو قدر مشترك بين الثلاثة وما زاد عليها، وأما كل واحد من تلك الأعداد فمتعلق بالحقيقة، والدال على الشيء غير دال على متعلقة فضلا عن أن يكون حقيقة فيه.
ولئن سلم: ذلك لكنه معارض بأن حمله على العموم يحتمل الخطأ، لاحتمال أن يكون غير مراد للمتكلم، وحمله على أقل الجمع يؤمن منه، لأنه متيقن على التقديرين، وكان حمله عليه أولى.
وثالثها: أنه لو لم يحصل على العموم لزم الإجمال، إذ ليس بعض الجموع أولى من البعض.
وجوابه: منع الملازمة، وهذا لأن حمله على أقل الجمع أولى لما سبق أنه متيقن، والأصل براءة الذمة على الزائد.
فهذه أنواع ستة من القول التي تفيد التعميم عند من يقوله به:
لكن الثلاثة منها/ (٢١٣/أ) وهي "من" وأخواتها في الاستفهام
стр. 1212
والشرط، والجزاء وألفاظ التأكيد نحو: "كل" و"جميع" والنكرة في سياق النفي متفق على تعميمها بين القائلين: بالعموم، والثلاثة الباقية مختلف فيها فيما بينهم.
القول: في شبه المنكرين للعموم، والمتوقفين فيها وأجوبتها:
الأولى: أنه لا نزاع في أن اللفظ مستعمل في العموم تارة وأخرى في الخصوص، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فوجب أن يكون حقيقة فيها.
الثانية: أن ما ذكرتم من ألفاظ العموم، لو كانت حقيقة فيه فقط لما حسن من سامع هذه الألفاظ من أرباب اللسان أن يستفهم المتكلم به إنك أردت به الكل أو البعض، لأن طلب الفهم عند وجود المقتضى له عبث، لكنه حسن وفاقا، فدل ذلك على أنه حقيقة فيهما، وبهذين الوجهين يتمسك منهم من قال بالاشتراك.
وثالثها: أن دلالة هذه الألفاظ على الخصوص متيقنة، ودلالتها
стр. 1213
على العموم مشكوك فيها، وجعل اللفظ حقيقة فيها في المتيقن أولى لعدم احتمال الخطأ.
ورابعها: أنها لو كانت للعموم، لكان دخول "الكل" عليها تكرارا و"البعض" نقضا، ولكان دخول الاستثناء عليه أيضا نقضا.
وخامسها: أن هذه الألفاظ لو كانت حقيقة في العموم فقط، لزم تكثير المجاز من غير عكس، ضرورة إنها مستعملة في الأكثر في الخصوص، وأنه خلاف الأصل.
وسادسها: أن هذه الألفاظ لو كانت للعموم للزم من استعمالها حيث لا عموم نحو قول القائل: رأيت العباد، وطفت البلاد، ولبست الثياب، وركبت الخيول، واشتريت العبيد والجواري، الكذب ضرورة أنه ما رأى جميع العباد، ولا طاف جميع البلاد، ولا لبس جميع الثياب.
стр. 1214
أما لو كان للخصوص لم يلزم من استعماله في العموم ذلك المحذور، ضرورة حصول الخصوص حيث حصل العموم، فكان جعله حقيقة في الخصوص أولى.
وسابعها: وهو مختص بمن أنه لو كان للعموم لما جمع، لأن الجمع يجب أن يكون فائدته أكثر مما يفيده لفظ الواحد وليس بعد العموم كثرة، حتى يمكن أن يقال: أنه يفيدها، لكنه يجمع في حالة الوقف ومنه قول الشاعر:
أتوا ناري فقلت منون أنتم .. فقالوا الجن فقلت عموا ظلاما.
стр. 1215
وبهذه الوجوه يتمسك من يقول: إن اللفظ الحقيقة في الخصوص فقط ومجاز في العموم.
وثامنها: وهو حجة المتوقفين: أن العلم بكون هذه الألفاظ موضوعة للعموم، إما أن/ (٢١٣/ب) يكون ضروريا، أو نظريا، وكل واحد منهما، إما أن يكون عقليا، أو غير عقلي "سواء كان نقليا: [أو لا يكون نقليا] كالعلم الحاصل بعد الاستقراء والتتبع.
والأول: باطل سواء كان عقليا، أو غير عقلي" لأنه لو كان كذلك لوجب اشتراك العقلاء فيه ولم ينفرد بالعلم به القائلون بالعموم مع أن غيرهم يشاركهم في السبب الموجب له، وكذا القسم الأول من الثاني، لأن دليله حينئذ يكون عقليا، إذ لا معنى للنظر العقلي إلا ما يكون دليله عقليا، لكنه باطل، إذ لا مجال للعقل في اللغات.
وأما الثاني: فذلك الدليل النقلي، إما التواتر، أو الآحاد.
والأول: باطل وإلا لعرفه الكل، وهذا إن قلنا: العلم الحاصل عقيب
стр. 1216
التواتر نظريا، وإلا فهو داخل في القسم الأول.
والثاني: لو سلم صحته وسلامته عن القدح والمعارض لا يفيد إلا الظن، لكن المسألة عملية فلا يجوز التمسك به عليها.
وتاسعها: وهو أيضا حجتهم لأن الأدلة متعارضة، والاحتمالات متقاومة، والجزم بواحد ترجيح من غير مرجح، وبتقدير أن يكون المرجح لكن لا نزاع أنه ليس بقاطع لا يحتمل الخطأ بما يحتمله، فيجب التوقف دفعا لهذا المحذور.
الجواب: عن الأول: ما سبق أن الأصل في الاستعمال الحقيقة، ما لم يستلزم الاشتراك، أما إذا استلزمه فلا نسلم ذلك.
سلمنا: أنه الأصل مطلقا لكن الأصل مطلقا لكن الأصل عدم الاشتراك أيضا، والمجاز وإن كان على خلاف الأصل، لكنه خير من الاشتراك على ما تم تقريره.
وعن الثاني: إنا لا نسلم أن حسن الاستفهام، دليل الاشتراك، وهذا لأنه قد يحسن الاستفهام مع اتحاد المدلول الحقيقي للفظ، سواء كان له مدلول مجازي، أو لم يكن.
أما الأول: فلأنه يحسن من السامع أن يستفهم من المتكلم، إذا قال: رأيت حمارا، أو لقيت بحرا، أردت به البليد والكريم، أم أردت به مدلولهما الحقيقي.
стр. 1217
وأما الثاني: فكما إذا قال القائل: ضربت القاضي، فيقال: أضربت القاضي؟ فيقول: "نعم"، وتخلف المدلول وإن كان عن الدليل الظاهري خلاف الأصل، ثم السبب في حسن هذا الاستفهام من المتكلم الذي لا يجوز عليه السهو والمجازفة، تقوية الظن بما دل عليه اللفظ ظاهرا من العموم، وإبعاد التخصيص إن كان اللفظ عاما.
وإن كان خاصا ففائدته التأكيد وفائدة التأكيد تقوية الظن وإبعاد التجوز وتوثيق السمع، احترازاً عن الاشتباه/ (٢١٤/أ) بكلمة أخرى هذا إذا كان مدلول اللفظ متحدا.
أما إذا كان متعدد بحسب الحقيقة والمجاز، ففائدة هذا مع فائدة نفي إرادة المجاز منه، وإن كان المتكلم ممن يجوز عليه السهو والمجازفة فيحسن الاستفهام لما سبق.
ولوجوه أخرى: نحو استبانة تحفظ المتكلم وتيقظه، فإن السامع ربما ظن أن المتكلم غير متحفظ في كلامه، أو هو ساه فيه فيستفهمه لاستبانة تحفظه وتيقظه.
ونحو دفع المجازفة، عن الكلام، فإن السامع ربما ظن لأمارة أن المتكلم مجازف في الكلام، فيستفهم منع عن مدلول كلامه لشدة اهتمامه به، فربما بين تجرد المتكلم عن المجازفة في كلامه لشدة اهتمام السامع به.
ونحو دفع المعارض، فإن السامع ربما ظن قرينة تقتضي تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فيستفهمه لدفع
стр. 1218
تلك القرينة ليجري اللفظ على ظاهره.
وعن الثالث: أن كون اللفظ دالا على الشيء يقينا، لا يدل على أنه مجاز في الزائد عليه، وإلا لزم النقض بالجمع المذكر، فإن دلالته على الثلاثة متيقنة، مع أنه ليس بمجاز في الزائد عليه وفاقا.
سلمنا: سلامته عن النقض: لكنه معارض بما أن الحمل على العموم محصل لغرض المتكلم على التقديرين: أعنى إرادة العموم، أو الخصوص، والحمل على الخصوص غير محصل لغرضه على تقدير إرادة العموم، "فكان الحمل عليه" أولى.
وعن الرابع: ما سبق في الأوامر.
وأما قوله: يكون الاستثناء نقضا فممنوع، وهذا لأنه يجوز أن يكون قرينة دالة على إرادة الخصوص وحينئذ لا يلزم أن يكون نقضا.
سلمناه: لكنه منقوض بألفاظ العدد، فإنها بالاتفاق حقائق فيها مع أنه يحسن الاستثناء منها.
стр. 1219
وعن الخامس: أن ما هو على خلاف الأصل قد يصار إليه لقيام الدلالة عليه.
وعن السادس: أنا لا نسلم لزوم الكذب فيما ذكروه من الأقوال، وهذا لأنه يجوز أن يريد به الخصوص، وإذ ذاك لا يلزم الكذب، لأن إرادة المجاز من اللفظ الصالح له ليس بكذب وإلا لكان قول القائل: رأيت حمارا، عندما رأى بليدا كذبا، وهو باطل بالاتفاق، وإنما يلزم ذلك من إرادة ما ليس اللفظ صالحا له لا حقيقة ولا مجازا، كما إذا رأى خمسة، فقال: رأيت عشرة، لأن لفظ العشرة لا يصلح للخمسة، لا حقيقة ولا مجازا.
وعن السابع: أنا لا نسلم أنه جمع، ولا نسلم أن الواو واو الجمع بل هي متولدة من إشباع الحركة.
سلمناه: لكنه شاذ لا عمل عليه على ما قاله: سيبويه رحمه الله تعالى.
سلمنا: أنه ليس بشاذ، لكنه يصلح للواحد أيضا بلا خلاف، فلم لا يجوز أن يقال إن جمعها قرينة دالة على إرادته الواحد؟
سلمنا: أنه جمع المستغرقة، لكن لم لا يجوز أن يكون جمعا باعتبار اللفظ لا باعتبار المعنى؟
كما قيل: في "قفا" في شعر امرئ القيس، فإنه قيل: تثنية قوله:
стр. 1220
قف، قف" وحينئذ لا يلزم أن لا يكون للعموم، وإنما يلزم ذلك أن لو كان جمعا باعتبار المعنى، فعلى هذا يصير تقديره، من أنت، من أنت.
وعن الثامن: ما سبق في الأوامر.
стр. 1221
ترتيب: أما من فرق من الواقفية بين الأمر والنهي والأخبار، والوعد والوعيد، فقد احتجوا بوجهين:
أحدهما: أن الإجماع منعقد على أن أوامر الشرع ونواهيه عامة متناولة لجميع المكلفين ونحن متعبدون باعتقاد التعميم في التكاليف، وتعميم التكاليف إذا ورد الأمر والنهي مطلقا، فلو لم يكن الأمر والنهي للعموم، لكان ذلك الإجماع خطأ، ولكان ذلك تكليفا بما لا يطاق، إذ التكليف بما لا يدل عليه اللفظ بصراحته ولا بظاهره، مع عدم ما يدل عليه من خارج تكليف بما لا يطاق، وهذا بخلاف الأخبار فإنه لا تكليف فيه.
وثانيهما: أن الخير يجوز أن يرد بالمجهول من غير أن يعقبه أو يتقدمه بيان، كما في قوله تعالى: ﴿ورسلا لم نقصصهم﴾، وقوله تعالى: ﴿كم أهلكنا قبلهم من قرن﴾، وقوله: ﴿قرونا بين ذلك كثيرا﴾.
بخلاف الأمر والنهي، فإنه لا يجوز أن يردا بالمجهول من غير أن يعقبه أو يتقدمه بيان، فالحاجة إلى وضع لفظ يدل على تعميم التكليف أكثر من وضع لفظ يدل على تعميم الأخبار.
الجواب عن الأول: بمنع ما ذكروه من الفرق، وهذا لأن من الأخبار ما
стр. 1222
كلفنا باعتقاد تعميمه، والإجماع منعقد على وجوب اعتقاده على وجه التعميم، كقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ ﴿والله بكل شيء عليم﴾ ﴿الله خالق كل شيء﴾، وكذا عمومات الوعد والوعيد لاسيما التي تتعلق بأصول الدين كقوله ﵇: "يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان"، وكقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
وإذا لم يصح ما ذكروه من الفرق وجب أن يثبت التعميم في الأخبار كما ثبت في الأوامر والنواهي بعين ما ذكروه.
стр. 1223
وعن الثاني: أنا لا نسلم امتناع ورود الأمر بالمجهول، وهذا لأن تكليف ما لا يطاق جائز عندنا.
سلمنا: امتناعه لكن لا نسلم جواز ورود الأخبار بالمجهول فيما كلفنا بمعرفته وبوجوب اعتقاده، كما ذكرنا من الأخبار، فعلى هذا لا يتحقق زيادة الحاجة في الأمر نعم: يجوز ذلك في الأخبارات التي ما كلفنا بمعرفتها، لكن لا فصل بين خبر وخبر بالإجماع.
سلمنا: زيادة الحاجة، لكن لا نسلم: أنها توجب الوقوع لا بد لهذا من دلالة.
سلمنا: أنها توجب ذلك، لكن بالنسبة إلى مقاصد الوضع الشرعي، "أو بالنسبة إلى مقاصد الوضع" اللغوي.
الأول: مسلم.
والثاني: ممنوع.
لكن لا نسلم: أن اللغات توقيفية حتى يلزم أن يقال: إن الواضع لا يخل بغرضه ظاهرا.
стр. 1224
المسألة الخامسة
في أقل الجمع
قد ذكرنا أن الجمع عند الأكثرين، محمول على أقل الجمع، فيحتاج أن تعرف أن أقل الجمع ماذا؟
فنقول: ذهب عثمان ﵁، وابن عباس، وابن مسعود،
стр. 1225
والشافعي، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأكثر المتكلمين ﵏ إلى أنه ثلاثة.
وذهب زيد بن ثابت. ومالك.
стр. 1226
وداود الظاهري، والقاضي أبو بكر، والأستاذ أبو إسحاق، وبعض أصحابنا كالغزالي، وغيره، إلى أنه اثنان، ونسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أيضا.
وقيل لم يتحقق النقل عن زيد بن ثابت ﵁، بأن الاثنين أقل الجمع بصراحته، وإنما نسب ذلك إليه، لأنه يرى أن الاثنين من الأخوة والأخوات يردان الأم من الثلث إلى السدس كالثلاثة منهم مع ورود النص بصيغة الشرط، وهو قوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾.
стр. 1227
ومحل الخلاف إنما هو في اللفظ الذي هو مسمى بالجمع نحو "الرجال" و"المسلمين" لا في لفظ الجمع الذي هو مركب من "الجيم" و"الميم" و"العين".
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: ما روي عن ابن عباس أنه قال لعثمان بن عفان- ﵃ حين رد الأم في الثلث إلى السدس بأخوين، استدلالا بقوله تعالى ﴿فإن كان له أخوة فلأمه السدس﴾ ليس الأخوان أخوة في لسان قومك، فقال عثمان ﵁: "لا استطيع أن أنقض أمرا كان قبلي
стр. 1228
وتوارثه الناس".
ولولا أن ذلك بمقتضى اللغة لما احتج به/ (٢١٥/ب) ابن عباس على عثمان ولما أقره على ذلك لأنهما من أرباب اللسان، بل كان يجب عليه
стр. 1229
أن يرد عليه كيلا يقره على الباطل ويوهم لغيره به.
وعورض هذا: بما روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: (الأخوان أخوه).
ويمكن أن يرجح الأول للكثرة ولعظم مرتبتهما وعلمهما.
وثانيها: أن صيغة الجمع ينعت بالثلاثة فما فوقها فيقال: رجال ثلاثة وأربعة، وبالعكس، فيقال: ثلاثة رجال وأربعة، ولا يجوز أن ينعت الاثنين بالرجال، ولا الرجال بالاثنين، فلا يجوز أن يقال: اثنان رجال ولا رجال اثنان فدل على أن الرجال ليست باثنين، ولا: الاثنين ليسا برجال.
واعترض عليه: بأنه لا يدل على أن الاثنين ليسا بجمع، لاحتمال أن تكون "الثلاثة" نعتا لجمع خاص، وهو الرجال، و"الاثنان" نعتا لجمع خاص
стр. 1230
وهو الرجلان.
وهو ضعيف، لأن الثلاثة والاثنين على تقدير أن يكون جمعا نعت للرجال، والرجال غير مختص بالثلاثة عند الخصم، بل يتناول الاثنين- أيضا- كتناوله الثلاثة والأربعة والخمسة، إذ هو باعتبار الجمع فوجب أن لا يختص نعته بها أيضا جريا للإتباع، وحملا على سائر المراتب.
وثالثها: أن أهل اللغة فصلوا بين "التثنية" وبين "الجمع" فوضعوا الرجلين للتثنية، ورجالا للجمع، كما فصلوا بين الواحد والجمع فقالوا: في الواحد "رجل" وفي الجمع "رجال" فكما فرقنا بينهما، وجب أن يفرق بين التثنية والجمع.
وهو ضعيف، لأن الخصم يقول: بمقتضاه، فإنه يفرق بينهما فرق بما بين العام والخاص، "نعم" لو قيل وجب أن يفرق بينهما بالتباين، كما فرق بينهما بالتباين كان أولى، لتحصيل المقصود، لكنه غير لازم إذ مقتضى الفصل بين الصيغتين، الفصل بين مدلولهما ولو ببعض الوجوه، لا الفصل بينهما من كل الوجوه.
следующие страницы →