Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وداود الظاهري، والقاضي أبو بكر، والأستاذ أبو إسحاق، وبعض أصحابنا كالغزالي، وغيره، إلى أنه اثنان، ونسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أيضا.
وقيل لم يتحقق النقل عن زيد بن ثابت ﵁، بأن الاثنين أقل الجمع بصراحته، وإنما نسب ذلك إليه، لأنه يرى أن الاثنين من الأخوة والأخوات يردان الأم من الثلث إلى السدس كالثلاثة منهم مع ورود النص بصيغة الشرط، وهو قوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾.
стр. 1227
ومحل الخلاف إنما هو في اللفظ الذي هو مسمى بالجمع نحو "الرجال" و"المسلمين" لا في لفظ الجمع الذي هو مركب من "الجيم" و"الميم" و"العين".
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: ما روي عن ابن عباس أنه قال لعثمان بن عفان- ﵃ حين رد الأم في الثلث إلى السدس بأخوين، استدلالا بقوله تعالى ﴿فإن كان له أخوة فلأمه السدس﴾ ليس الأخوان أخوة في لسان قومك، فقال عثمان ﵁: "لا استطيع أن أنقض أمرا كان قبلي
стр. 1228
وتوارثه الناس".
ولولا أن ذلك بمقتضى اللغة لما احتج به/ (٢١٥/ب) ابن عباس على عثمان ولما أقره على ذلك لأنهما من أرباب اللسان، بل كان يجب عليه
стр. 1229
أن يرد عليه كيلا يقره على الباطل ويوهم لغيره به.
وعورض هذا: بما روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: (الأخوان أخوه).
ويمكن أن يرجح الأول للكثرة ولعظم مرتبتهما وعلمهما.
وثانيها: أن صيغة الجمع ينعت بالثلاثة فما فوقها فيقال: رجال ثلاثة وأربعة، وبالعكس، فيقال: ثلاثة رجال وأربعة، ولا يجوز أن ينعت الاثنين بالرجال، ولا الرجال بالاثنين، فلا يجوز أن يقال: اثنان رجال ولا رجال اثنان فدل على أن الرجال ليست باثنين، ولا: الاثنين ليسا برجال.
واعترض عليه: بأنه لا يدل على أن الاثنين ليسا بجمع، لاحتمال أن تكون "الثلاثة" نعتا لجمع خاص، وهو الرجال، و"الاثنان" نعتا لجمع خاص
стр. 1230
وهو الرجلان.
وهو ضعيف، لأن الثلاثة والاثنين على تقدير أن يكون جمعا نعت للرجال، والرجال غير مختص بالثلاثة عند الخصم، بل يتناول الاثنين- أيضا- كتناوله الثلاثة والأربعة والخمسة، إذ هو باعتبار الجمع فوجب أن لا يختص نعته بها أيضا جريا للإتباع، وحملا على سائر المراتب.
وثالثها: أن أهل اللغة فصلوا بين "التثنية" وبين "الجمع" فوضعوا الرجلين للتثنية، ورجالا للجمع، كما فصلوا بين الواحد والجمع فقالوا: في الواحد "رجل" وفي الجمع "رجال" فكما فرقنا بينهما، وجب أن يفرق بين التثنية والجمع.
وهو ضعيف، لأن الخصم يقول: بمقتضاه، فإنه يفرق بينهما فرق بما بين العام والخاص، "نعم" لو قيل وجب أن يفرق بينهما بالتباين، كما فرق بينهما بالتباين كان أولى، لتحصيل المقصود، لكنه غير لازم إذ مقتضى الفصل بين الصيغتين، الفصل بين مدلولهما ولو ببعض الوجوه، لا الفصل بينهما من كل الوجوه.
стр. 1231
ورابعها: أنهم فصلوا بين الاثنين، وبين ضمير الجمع، فقالوا: في الاثنين: "فعلا وافعلا"، وقالوا: في الجمع "فعلوا وافعلوا" فإطلاق ضمير الجمع على التثنية رفع لهذا الفصل.
وهو أيضا ضعيف، لأنه لا يرفع الفصل على ذلك التقدير أيضا، لأنه حاصل بأن لا يطلق ضمير التثنية على ضمير الجمع.
وخامسها: أنه يصح سلب الرجال عن الاثنين، إذ يصح أن يقال: "ما رأيت رجالا، وإنما رأيت رجلين" وقد عرفت أن صحة السلب دليل التجوز.
واعترض عليه: بمنع صحة السلب مطلقا بل إنما يصح ذلك لو أريد بالرجال/ (٢١٦/أ) ما زاد على الاثنين.
فإن قلت: المعارف بلغة العرب يجد من نفسه صحته، وإن لم يعلم إرادة المتكلم.
قلت: لو سلم لكم فإنما كان كذلك، لأن سلب الرجال عن الاثنين وإثباته، قرينة دالة على أنه أراد من الرجال الزايد على الاثنين، ولا يخفى
стр. 1232
عليك دفعه مما سبق.
وسادسها: أنه لو نذر أن يتصدق بدراهم، أو وصى بها، أو أقر بها فإنه يلزمه الثلاثة.
وهو ضعيف جدا، فإن ما ذكروه من المسائل من تفاريع المسألة، والخلاف فيه كما في الأصل، فكيف يتمسك به؟
واعلم أن "من" تفاريع المسألة أيضا: جواز تخصيص الجمع العام إلى الاثنين، فمن قال: إنه أقل الجمع جوز تخصيصه إليه كالثلاثة، ومن لم يقل بذلك لم يجوز ذلك، كما لم يجوز تخصيصه إلى الواحد.
واحتج الآخرون بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ وأراد داود وسليمان ﵉.
وجوابه: منعه، بل الضمير عندنا: راجع إلى الأنبياء، وذكرها كالمشعر لذكرهم، أو إليهما، أو إلى المحكوم عليه، وله، لأن لفظ الحكم يدل عليه
стр. 1233
إذ الحكم لا يتم إلا بمحكوم عليه، وله، والحاكم.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعا﴾ وأراد به يوسف وأخوه.
وجوابه منع إرادتهما فقط، بل أرادهما مع أخيهما الثالث، الذي قال: ﴿لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي﴾.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ أراد "به" موسى وهارون.
وجوابه: أنه أرادهما وفرعون وقومه، إذ البعث يدل على المبعوث إليه.
стр. 1234
ورابعها: قوله تعالى:﴾ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا: لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض﴾ قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾.
وجوابه: إن الخصم يطلق على الواحد والجمع، كالضيف، يقال هذا خصمي، وهؤلاء خصمي، كما يقال: هذا ضيفي وهؤلاء ضيفي.
وليس في الآية ما يدل "على" أن كل واحد من الخصمين كان واحدا.
ولقائل أن يقول: إن ظاهر قوله تعالى: ﴿إن هذا أخي له تسع
стр. 1235
وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة﴾ يدل على أن كل واحد من الخصمين كان واحدا ويعضده روايات أكثر المفسرين أيضا.
وخامسها: قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾.
وجوابه: أن الطائفة من المؤمنين قد تكون جمعًا، وليس في الآية ما يدل/ (٢١٦/ب) على أن الطائفة كانت واحدة أو اثنين، بل سياقها يدل على أنها جمع.
وسادسها: قوله تعالى: ﴿وإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾.
стр. 1236
والمراد: الأخوان، لأنهما يردان الأم من الثلث إلى السدس أيضًا: والأصل عدم دليل آخر لاسيما حيث يلزم منه مخالفة دليل آخر كما هو هاهنا، لأن تقدير وجوده يلزم مخالفة مفهوم الشرط.
وجوابه: منع أن المراد منه الأخوان، بل المراد منه الثلاثة، وإنما ورثناها السدس مع الأخوين، بدليل الإجماع، كما وقعت الإشارة إليه في حديث عثمان ﵁، ولا يعد في مخالفة المنطوق للإجماع فضلا عن المفهوم.
فإن قلت: لا نزاع في حصول الإجماع، لكن لا بد للإجماع من مأخذ.
فنقول: الأصل عدم ذلك المأخذ لاسيما عندما يكون مستلزما لمخالفة دليل آخر، والآية صالحة لأن تكون مأخذا له فتضاف إليه، دفعا للمحذور المذكور.
قلت: لما حصل الإجماع على ذلك "و" علمنا أن الإجماع لا يحصل إلا بمأخذ، وإلا لكان باطلا، علمنا أنه لابد له من مأخذ.
стр. 1237
بقي أن يقال: ذلك المأخذ هو الآية لما ذكروه.
فنقول: إن ادعيتم أن الآية صالحة له بطريق التجوز فمسلم ولا يضرنا.
وإن ادعيتم أنها صالحة له بطريق الحقيقة فممنوع.
وكيف لا وما ذكرنا من الدليل ينفيه؟ والإضافة إلى الشيء بعد صلاحيته له وحينئذ يلزم أن للإجماع ما أخذ آخر قطعا.
وسابعها: قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾.
ووجه التمسك بالآية ظاهر، فإنها خطاب مع الاثنين، ومعلوم أنه ليس للاثنين سوى قلبين، وقد جمع في الآية فعلم أن أقل الجمع اثنان.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن القلب قد يطلق على الميل الحاصل في القلب إلى الشيء، إما تجوزا تسمية للحال باسم المحل، أو حقيقة نظر إلى الاشتقاق، فإن العضو المخصوص إنما يسمى به لتقلبه والميول في القلب متقلبة فجاز أن يسمي قلوبا، ومنه يقال للمنافق: "ذو قلبين لميلانه إلى الجنبين" ويقال لمن
стр. 1238
لا يميل إلا إلى الشيء الواحد: "ذو قلب واحد" وإذا كان كذلك جاز أن يكون المراد من القلوب هي الميول المختلفة الحاصلة في قلبيهما، وإذا جاز ذلك وجب حمله عليه لوجهين:
أحدهما: أنه تعالى وصف القلوب بالعضو/ (٢١٧/أ)، والعضو المخصوص لا يوصف به لأنه لا يميل في ذاته.
وثانيهما: للجمع بين ما ذكرنا ومن الدليل وبين الآية.
وثانيهما: أنه إنما جمع استقلالا للجمع بين تثنيتين، ولهذا كان التعبير عن عضوين من جسدين في اللغة الفصيحة بلفظ الجمع.
وثامنها: وهو من جهة السنة قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة".
стр. 1239
وجوابه: أنه محمول على بيان حكم الشرع، وهو إدراك فضيلة الجماعة في الصلاة، لا على بيان حكم اللغة إذ الغالب منه ﵇ تعريف الأحكام الشرعية.
стр. 1240
وقيل إنه ﵇: "نهى عن السفر إلا في جماعة" فبين أن الاثنين فما فوقها جماعة، لئلا يظن دخوله تحت النهي.
وتاسعها: وهو من جهة الاشتقاق، أن في الاثنين معنى الاجتماع حاصل كما في الثلاثة وما زاد عليها وكان إطلاق اسم الجماعة على الاثنين حقيقة.
وجوابه: أنا لا نسلم أنا ما منه اشتقاق اسم الشيء إذا كان حاصلا في غيره يجوز إطلاق ذلك الاسم عليه فضلا عن أن يكون حقيقة فيه، وسنده لا يخفي عليك مما سبق في اللغات.
стр. 1241
سلمناه: لكن ليس النزاع في اسم الجمع والجماعة، وما فيه حرف الجيم، والميم والعين بل عن لفظ "الرجال" و"المسلمين" فأين أحدهما عن الآخر وهذا يصلح أن يكون جوابا عن الخبر، وإن لم أر لأحد منهم تعرض له.
وعاشرها: وهو التمسك من جهة الإطلاق أن الرجل قد يقول إذا رأى أن امرأته تبرجت لرجل بعد رجل: أتتبرجين للرجال؟ وكذلك الخائف إذا أقبل عليه رجلان قد يقول: أقبل الرجال، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
وجواب الأول: أنا لا نسلم أنه يطلق الرجال على الرجلين، بل على مسمى الرجال وهو الثلاثة وما زاد عليها، وإن لم يكن قد شاهد ذلك لظنه أنها ما تبرجت لرجل بعد رجل وإلا والتبرج للرجال دأبها، ولهذا قد يقوله:
وإن رأى أنها تبرجت لواحد.
سلمناه: لكنه مجاز للقرينة لظنه أن المحذور الواقع من التبرج للواحد وللاثنين كالمحذور الواقع من التبرج للثلاثة وما زاد عليها.
وعن الثاني: أن ذلك على جهة التجوز لقرينة الحث على الاجتماع والتناصر، ولهذا قد يقوله: وإن كان المقبل واحدا لكي يحث أنصاره على نصره.
стр. 1242
المسألة السادسة
[في حكم نفي الاستواء بين الشيئين]
نفي الاستواء بين الشيئين كما في قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ يقتضي نفي الاستواء من جميع الوجوه فيما بينهما إلا ما خصه الدليل، عند أكثر أصحابنا القائلين بالعموم: حتى تمسكوا بهذه الآية على عدم وجوب القصاص على المسلم بقتل الذمي.
стр. 1243
وذهبت الحنفية وبعض أصحابنا كالغزالي والإمام: إلى أنه لا يقتضي ذلك، بل مقتضاه نفي الاستواء ولو من بعض الوجوه.
احتج الأصحاب بوجوه:
أحدها: أن مفهوم قولنا: (يستويان) أعم من أن يكون في بعض الأمور أو في كلها بدليل صحة انضمامه إلى كل واحد منهما من غير تناقض وتهافت، إذ يصح أن يقال: يستويان في بعض الأمور، ويصح أيضا أن يقال: يستويان في كلها، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا ونفي المفهوم العام ينفي كل فرد من أفراده، فإن نفي الحيوان: يقتضي نفي كل واحد من أفراده، من الإنسان، والفرس، والحمار، وغيرها من أفراد أنواعه.
فقولنا: لا يستويان، يقتضي [نفي] كل فرد من أفراد يستويان.
وثانيها: أن قول القائل: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، في
стр. 1244
قوة قوله: لا مساواة بينهما. أو هو يفيد نفي المساواة بينهما من كل وجه، لما ثبت أن النكرة في سياق النفي تعم، فيقتضي قولنا: لا يستويان نفي كل واحد من أفراد المساواة، وهو المطلوب.
وثالثها: لو كفى في إطلاق نفي المساواة بين الشيئين نفى المساواة بينهما ولو من بعض الوجوه، لصدق "إطلاق" نفي المساواة على كل شيئين، لأن كل شيئين لابد وأن يستويان من بعض الوجوه أقله في التعين والتشخص وإذا صدق على كل شيئين أنهما لا يستويان، وجب أن لا يصدق عليهما أنهما يستويان، ضرورة كونهما متناقضين في العرف، ألا ترى أن من قال: هذان الشيئان يستويان، فمن أراد تكذيبه من أهل العرف قال: "إنهما لا يستويان" ولولا أنهما متناقضان وإلا لما استعملا في التكاذب، لكنه باطل.
أما أولا: فلأن أهل اللغة والعرف. يطلقون من غير نكير المثلين أنهما يستويان، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
وأما ثانيا: فلأن كل شيئين لا بد وأن يستويا في أمور نحو الشيئية، ونفي ما عداهما عنهما والمعلومية والمذكورية فيصدق/ (٢١٨/أ) عليهما أنهما فيها، فمتى صدق المفيد صدق المطلق، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فيلزم أن لا يلغي في إطلاق نفس المساواة بين الشيئين نفي المساواة بينهما من بعض الوجوه، بل من كل الوجوه، وهو المطلوب.
стр. 1245
احتجوا بوجوه:
أحدها ضد هذا الذي ذكرناه: وتقريره أنه لو كفى في إطلاق لفظ المساواة على الشيئين استواؤهما من بعض الوجوه لوجب أن يصدق على كل شيئين أنهما يستويان، لما سبق من وجوب استواء كل شيئين في بعض الأمور وإذا أصدق ذلك وجب أن لا يصدق على كل شيئين أنهما لا يستويان، إما سبق من أنهما متناقضان في العرف، ومن المعلوم أن المتناقضين لا يصدقان معا، لكنه باطل.
أما أولا: فلأن أهل اللغة والعرف جميعا: يطلقون من غير نكير على الضدين والمتناقضين، أنهما لا يستويان، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
وأما ثانيا: فلأن كل شيئين لا بد وأن يتفاوتا في بعض الأمور، نحو اليقين والشخصية فيصدق عليهما أنهما لا يستويان فيه، ومتى صدق المقيد صدق المطلق "به"، ضرورة كونه جزءا منه، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم، فيلزم أن لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة على الشيئين المساواة من بعض الوجوه، بل من كل الوجوه وإذا اعتبر الكلي في جانب الإثبات وجب أن نعتبر الجزئي في جانب المنفي، لما سبق أنهما متناقضان، ونقيض الموجب الكلي السالب الجزئي.
وثانيها: نفي الاستواء أعم من نفي الاستواء من بعض الوجوه ومن نفيه
стр. 1246
من كل الوجوه، بدليل صحة تقسيمه إليهما ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا، والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار له بهما.
وثالثها: أنه لو اقتضى قولنا: "لا يستويان" نفى الاستواء من كل وجه لما صدق قولنا: "لا يستويان" على شيئين أصلا بطريق الحقيقة، لما سبق من أن كل شيئين لا بد وأن يستويان في بعض الأمور، لكنه خلاف الأصل فمستلزمه أيضا أن يكون خلاف الأصل.
الجواب عن الأول المعارضة: بما سبق من الوجه الثالث: ويسلم لنا الوجهان.
وعن الثاني: إنا لا نسلم أن نفي الاستواء أعم من نفيه من بعض الوجوه ومن نفيه من كل الوجوه، وما ذكره من الدلالة عليه لو سلم فهو معارض بما أن الاستواء أعم من الاستواء "من"/ (٢١٨/ب) بعض الوجوه، ومن كل الوجوه بعين ما ذكرتم والنفي داخل على الاستواء فيقتضي نفيهما جميعا، لأن نفي العام يقتضي نفي كل أنواعه وأفراد أنواعه.
وعن الثالث: أنا لا نسلم الملازمة، ولكن نقول خلاف الأصل قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه.
стр. 1247
واعلم أنا في هذا المقام وإن نصرنا مذهب الأصحاب، لكن الحق أن قوله: يستوي أولا يستوي، من باب المجمل على التواطئ، لا من باب العام ونظيره أيضا قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ وما ذكر" من أنهما يستعملان في التكاذب في العرف مطلقا، فليس كذلك بل لقرينة خالية أو مقالية تدل على تعين ما فيه الاستواء أو عدمه.
المسألة السابعة
[الخلاف في عموم المقتضي]
المقتضى على ما عرفت معناه في اللغات لا عموم له.
стр. 1248
خلافا لبعض الشاذين.
والدليل عليه: أن الإضمار على خلاف الأصل، خالفناه في إضمار حكم واحد ضرورة صدق المتكلم في كلامه، فإنه لو لم يحمل قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" على رفع حكم من أحكامه الدنيوية، نحو "الضمان" أو الأخروية، نحو"التأثيم" لزم الكذب في كلامه ﵇ ضرورة أن نفس الخطأ والنسيان غير مرفوع فيبقى ما عداه على الأصل حذارا عن تكثير مخالفة الأصل.
ولا يخفى عليك أن هذا الدليل غير مختص بالمقتضى، بل يعمه والمضمر فيكون الحكم ثابتا في الإضمار أيضا.
احتجوا بوجوه:
стр. 1249
أحدها: أن الرفع فيما ذكرتم من الحديث، داخل على نفس الخطأ والنسيان فيقتضي رفعهما، ولما تعذر ذلك وجب حمله على رفع جميع أحكامها، لأن حمل اللفظ على المجاز الذي هو أقرب إلى الحقيقة واجب، ورفع جميع الأحكام أقرب إلى الحقيقة ما اقتضاء الحديث رفع نفس الخطأ والنسيان، ورفع نفسهما يستلزم رفع جميع صفاتهما وأحكامهما، ولا شك أن هذا المفهوم أقرب إلى الحقيقة من رفع بعض الصفات والأحكام، ولا يخفى عليك أن هذا الدليل لا يتأتى في جميع أنواع الاقتضاءات.
وجوابه: أن الحمل على أقرب المجاز إنما يجب لو لم يكن الحمل عليه مستلزما لمحذور أما إذا كان مستلزما لمحذور كما هو في مسألتنا من تكثير مخالفة الأصل فلا نسلم ذلك.
وثانيها: أنه ليس إضمار بعض الأحكام أولى من إضمار البعض الآخر، فأما أن لا يضمر شيء منها وهو باطل وفاقا، أو يضمر الكل وهو المطلوب.
وجوابه/ (٢١٩/أ): أنا لا نضمر حكما معينا حتى يقال: إنه ليس [أولى] من الآخر، بل نضمر حكما ما والتعيين موكول إلى الدليل الخارجي، وهذا وإن أن يلزم منه الإجمال قبل الاطلاع على الدليل وهو
стр. 1250
خلاف "الأصل"، لكن في الحمل على العموم يلزم زيادة الإضمار وزيادة مخالفة الدليل الدال على ثبوت الأحكام، وهو الفعل الذي صدر على وجه الخطأ والنسيان مقتضي لثبوت تلك الأحكام مطلقا.
فإن قلت: لا نسلم أنه مقتضي لثبوت الأحكام مطلقا، بل شرط وهو صفة العمدية والشيء ينتفي لانتفاء شرطه، فليس هو مقتضي للأحكام قبل حصول شرطه فلا يلزم منه مخالفة الدليل.
قلت: توقيف المقتضي على الشرط خلاف الأصل بل سقط من الأحكام، ما سقط تخفيفا، ولذلك ثبت بعض الأحكام، نحو وجوب الضمان، وعند هذا نمنع أن ما ذكروه من المحذور يزيد على هذا الذي ذكرناه.
وثالثها: أنه في العرف محمول على العموم، بدليل قولهم: ليس للبلد "سلطان ولا ناظر ولا مدبر، فإنه محمول على نفي جميع صفاته المطلوبة من السلطان من العدل والحراسة ونفاذ الأمر حيث تحقق نفس السلطان، فكذا في اللغة والشرع إذ الأصل عدم التعبير.
وجوابه: منع أنه محمول على جميع الصفات يدل على الذي دل
стр. 1251
عليه سياق الكلام من العدل أو غيره، بدليل أنه يقال ذلك وإن كان نافذ الأمر عظيم الشوكة إذا كان ظالما فاجرا.
المسألة الثامنة
[في عموم الفعل المتعدي إلى مفعولاته]
الفعل المتعدي إلى مفعول، هل له عموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا؟
اختلفوا فيه.
فذهب الإمام الشافعي وأصحابه، والقاضي أبو يوسف رحمهم الله تعالى إلى أن له عموما بالنسبة إليها.
وذهب أبو حنيفة، وبقية أصحابه- رحمهم الله تعالى- إلى أنه ليس له عموم.
стр. 1252
وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا حلف الرجل فقال: والله لا آكل أو [إن] أكلت فأنت طالق، ونوى مأكولا فإنه لا يحنث بأكل غيره عند القائلين بعمومه: لأن العام يقبل التخصيص ونيته مخصصة له، ويحنث عند من لا يقول بعمومه، لأن ما ليس بعام يقبل التخصيص فلا يؤثر فيه التخصيص.
وكذا لو حلف وقال: والله لا [أ] ضرب أو إن ضربت فأنت طالق، ونوى الضرب بآلة بعينها، فإنه لا يحنث بالضرب بغير تلك الآلة عند القائلين بالعموم.
وهكذا إذا حلف على الخروج وقال: والله لا اخرج/ (٢١٩/ب)، أو إن خرجت فأنت طالق، ونوى مكانا بعينه فإنه لا يحنث بالخروج إلى غيره عند القائلين بالعموم هكذا نقله "الشيخ" الغزالي رحمه الله تعالى، وهو مخل بترجمة المسألة بما ذكرناه، لأن الضرب والخروج غير متعد
стр. 1253
إلى "الآلة" و"المكان" اللهم إلا أن يريد بقوله: الفعل المتعدي إلى مفعول أعم من أن يكون متعديا بنفسه أو بالحرف، سواء كان مع الحرف أو لم يكن، وحينئذ يشتمل الخلاف الأفعال كلها.
احتج الأصحاب بوجهين:
أحدهما: أنه لو قال: إن أكلت أكلا فأنت طالق، أو قال: والله لا آكل أكلا، ونوى مأكولا بعينه لا يحنث بغيره إجماعا.
فكذا لو قال: إن أكلت، أو قال: والله لا آكل، لأن الأول إنما قبل فيه التخصيص عنده لوجود المصدر الذي يتناول القليل والكثير وهو موجود في الفعل ضمنا ضرورة أنه مشتق منه والمضمر كالملفوظ، بدليل أنه لو قال لامرأته: طلقي نفسك، ونوى ثلاثا تصح "نيته" إجماعا.
وما ذكر الإمام في جوابه: وهو أن المصدر هو الماهية، وهي غير قابلة للتخصيص، وأما قوله: "أكلا" فهو ليس في الحقيقة مصدر، لأنه يفيد أكلا واحدا منكرا، والمصدر ماهية الأكل، وقيد كونه منكرا خارج عن الماهية.
فضعيف، لأنه مخالف لقاعدة أهل العربية اجمع من وجهين:
أحدهما: أنهم صرحوا أن المصدر يتناول القليل والكثير، وما يكون كذلك يكون قابلا للتخصيص.
стр. 1254
وثانيهما: أنهم اتفقوا على أن قول القائل: أكلت أكلا، وغسلت غسلا وما يجري مجراه منصوب على المصدر، فلو لم يكن قوله: "أكلا" مصدرا لكان ذلك خطأ إذ لك يكون على التجوز ويعرف ذلك بأدنى تأمل.
وثانيهما: وهو أنا وإن سلمنا: أنه لا يقبل نية التخصيص باعتبار تضمنه المصدري لكن يقول: "إن قوله": إن أكلت، يستدعي مأكولا مطلقا ضرورة كونه متعديا إليه، ولا شك أن المطلق سائغ في كل ما يدخل تحته من المقيدات، "ولا شك" في جواز إطلاق وإرادة المقيد- على ما عرفت ذلك في اللغات- فيجوز تفسيره بمأكول معين من بين جميع المأكولات، هذا كله في طرق الإثبات.
وأما في طرق النفي: نحو قوله: والله لا آكل، ونوى مأكولا معينا، فالأمر أظهر لأن قوله: والله لا آكل، يقتضي نفي ماهية الأكل، وقد عرفت أن نفي الماهية يستدعي نفي كل فرد من أفرادها، فقوله: والله لا آكل، يقتضي نفي كل واحد من/ (٢٢٠/أ) الأكلات التي تتعدد بحسب المأكولات، "و" إذا كان كذلك كان قابلا للتخصيص، كالنكرة في سياق النفي.
стр. 1255
اتجه الإمام للخصم: بأنه لو صحت نية التخصيص [لصحت]: أما في الملفوظ، أو في غيره، والقسمان: باطلان فبطلت نية التخصيص.
أما الأول: فلأن الملفوظ ليس إلا الأكل وهو ماهية واحدة، لأنها قدر مشترك بين أكل هذا الطعام، و "بين" أكل ذاك الطعام، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له، فالأكل من حيث إنه أكل مغاير لقيد كونه هذا الأكل وذاك غير مستلزم له، فالماهية من حيث إنها ماهية لا غير لا تقبل العدد، ولا تقبل التخصيص "نعم: لو احتفت بها العوارض الخارجية حتى صارت هذا وذاك فهناك تصير متعددة، فتصير قابلة للتخصيص" لكنها غير ملفوظة فالمجموع الحاصل من الماهية، وسائر عوارضها الخارجية التي هي غير ملفوظة، غير ملفوظ، فلو صحت نية التخصيص غير الملفوظ، لكن هذا القسم أيضا باطل، لأن إضافة ماهية الأكل إلى "الخبز" تارة والى "اللحم" أخرى إضافة تعرض لها بحسب اختلاف المفعول به، وإضافتها إلى هذا اليوم، وذاك اليوم، وهذا المكان، وذاك
стр. 1256
المكان، إضافة تعرض لها بحسب اختلاف المفعول فيه.
ثم اجمعنا: على أنه لو نوى التخصيص بالمكان والزمان لم يصح، فكذا لو نوى التخصيص بالمفعول به بجامع رعاية الاحتياط في تعظيم اليمين.
وهو ضعيف: لأنه لا يلزم من إبطال قبوله التخصيص بحسب اختلاف المفعول به على القياس على المفعول فيه أن لا يقبله باعتبار غير الملفوظ مطلقا، لأن اعتبار غير الملفوظ غير منحصر فيما ذكره من اختلاف المفعول به، وهذا لأن من المحتمل أن يقبله باعتبار ما تضمنه من المصدر كما سبق، ومن المعلوم أنه لا يمكن إبطاله بما سبق من القياس، لأن تضمن الفعل المصدر وتناول المصدر القليل والكثير، ليس ذلك أمرا عارضا حاصلا لهما بالإضافة إلى شيء آخر، بل بالذات والوضع.
سلمنا: انحصاره فيه، لكن الفرق بين دلالة الفعل على المفعول به، وبين دلالته على المفعول فيه ظاهر.
وبيانه: من حيث الإجمال والتفصيل:
أما الأول: فلأنهم اتفقوا على أن المفعول به يجب أن يقام مقام الفاعل في فعل ما/ (٢٢٠/ب) [لم] يسم فاعله، وإن وجدت سائر المفاعيل من المفعول المطلق، والمفعول معه، والمفعول فيه، وذلك يدل على أن دلالة
стр. 1257
الفعل على المفعول به أقوى من دلالته على سائر المفاعيل.
وأما الثاني: فلأن المفعول به لازم من لوازم الفعل المتعدي لا ينفك عنه لا في الوجود الخراجي ولا في الذهني إذ لا يمكن أن يوجد فعل متعدي في الخارج إلا وله مفعول، وكذلك لا يمكن أن يتصور في الذهن بدونه، بخلاف المفعول فيه من المكان والزمان، فإنه ليس لازما من لوازمه لا في الوجود الخارجي، ولا في الذهن بدليل أفعال الله تعالى: نحو "الخلق" فإنه قد انفك عن المفعول فيه من المكان والزمان، فإن خلقه العالم لم يكن في زمان ولا في مكان.
وأما قوله تعالى: ﴿الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام﴾ فمؤل وفاقا، بل إن كان بينهما ملازمة كما في فعل المحدث فبسبب أمر عارض لا لنفسهما وإلا لما انفكا.
стр. 1258
واحتجوا أيضاً بوجهين "آخرين":
أحدهما: أن القول بعمومه قول بعموم المقتضي، وهذا لأن إضمار المأكول في قوله: والله لا أكل، من ضرورة تحقق الأكل كما أن إضمار الملك في قول القائل: اعتق [عني] عبدك بألف، من ضرورات تحقق العتق ضرورة أن اللفظ في الصورتين لا يتعرض للمأكول، ولا للملك، وقد سبق أن المقتضي لا عموم له، فلا عموم للفعل المتعدي إلى مفعول أيضا.
وجوابه: منع أن إضمار المأكول في الأكل كإضمار الملك فيما ذكروه من الفعل، وهذا لأن دلالة الفعل المتعدي على المفعول به بحسب الصيغة والوضع وأما دلالة الكلام على المقتضي فليس كذلك، بل هو لضرورة وجود المذكور أو لضرورة صدق الكلام كما سبق نظيرهما جميعا.
وثانيهما: أن قوله: إن أكلت فأنت طالق، المحلوف عليه هو الأكل الكلي المطلق الصادق على كل أكل، والكلي الصادق لا يقبل التخصيص، إذ لا تعدد فيه.
وجوابه: ما سبق في الاستدلال، وهو أنه وإن لم يقبل التخصيص، لكن يقبل التقييد فتصح نية التعيين.
стр. 1259
المسألة التاسعة
[الخطاب المختص بالنبي لا تدخل تحته الأمة]
الخطاب المختص بالنبي ﷺ كقوله تعالى: [﴿يا أيها النبي﴾] ﴿يا أيها الرسول﴾ لا يدخل تحته الأمة عندنا: إلا إذا دل دليل على دخولهم تحته، فحينئذ ثبت الحكم فيحقهم بذلك الدليل لا بالخطاب.
كما لا يدخل الرسول تحت الخطاب المختص بالأمة وفاقًا، لا نعرف فيه خلافًا/ (٢٢١/أ) وهو قوله: يا أيها الأمة.
стр. 1260
خلافاً للحنفية، والحنابلة، فإنهم قالوا: يدخل تحته الأمة إلا إذا دل دليل على أن ذلك الحكم من خصائص الرسول، فحينئذ لا يدخلون تحته.
لنا: أنه لو دل الخطاب على دخولهم تحته، لدل عليه إما بلفظه، أو بمعناه: أعني به أن مجرد شرعيته في حقه ﵇، دال على شرعيته في حقهم، والقسمان: باطلان فبطل القول بالدخول.
وإنما قلنا: أنه لا يدل عليه بلفظه، لأن اللفظ مختص به ﵇ موضوع له على سبيل الخصوصية، واللفظ الممنوع لمعنى على الخصوصية لا يتناول غيره لاسيما إذا كان مضادا له في الوصف الذي تختلف الصيغة بحسبه كوصف الوحدة والجمع في مثالنا إلا بطريق التجوز، وهو مع كونه خلاف الأصل يتعذر المصير إليه هنا، لأنه يقتضي الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ممتنع عند الخصم.
стр. 1261
وإنما قلنا: إنه لا يدل عليه بمعناه: لأن شرعية الحكم في حق شخص معين لمصلحة، لا يستلزم شرعيته في حق الآخر لتلك المصلحة أو لمصلحة أخرى، لاحتمال أن تكون مفسدة في حقه، ولهذا اختص النبي [﵇] بجملة من الأحكام لا يشاركه فيها غيره.
وشرط الدلالة المعنوية الاستلزام فيستحيل أن يدل عليه بحسب المعنى أيضا.
فإن قلت: ماذا تعني بقولك شرط الدلالة المعنوية [الاستلزام تعني به] الاستلزام القطعي، أو الظاهري.
فإن عنيت به الأول: فممنوع.
وإن عنيت به الثاني فمسلم: لكن لا نسلم أنه غير حاصل، وما ذكرتم من الاحتمال فغير قادح فيه، لأنه احتمال مرجوح بدليل أن الغالب الاشتراك في الأحكام، وذلك يدل على أن الاشتراك في المصلحة غالب فشرعيته في حقه ﵇ يغلب على الظن شرعيته "في حقهم".
قلت: الدليل على أنه غير حاصل، أنه قد ظهر بما ذكرنا أن احتمال المصلحة والمفسدة قائم في شرعيته في حق الآخر والخصم يدعي أن أحد الاحتمالين وهو احتمال المصلحة راجع على الأخر، لكن الأصل عدمه.
وأما قوله: إن الغالب المشترك في الأحكام، "وذلك يدل على أن الغالب الاشتراك في المصلحة.
قلنا: نسلم لكن التسوية في الأحكام" حينئذ مستفادة من دليل آخر
стр. 1262
غير اللفظ الدال على الحكم في حقه ﵇، وغير نفس شرعيته في حقه ﵇، وذلك مما لا نزاع فيه، فإنا نقول/ (٢٢١/ب): أيضا لو دل دليل على التسوية نحو قوله تعالى ﴿ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ونحو إلحاق الفرد بالأعم والأغلب، ونحو العلم بعلة الحكم وحصولها في حقهم ليثبت الحكم في حقهم أيضا: وإنما النزاع أنه هل يدل عليه الخطاب أم لا؟، وذلك إما بنفسه، أو بمعناه، وقد ظهر فساد القسمين.
احتجوا: بأنه يفهم في العرف من خطاب المقدم على قوم ومن يقتضي به الخطاب معهم ألا ترى أن السلطان إذا قال لمقدم العسكر: اركب للثارة وشن الغارة، فإنه يفهم منه أمر العسكر بأسرهم بذلك، ولهذا فإن من يتخلف منهم من غير عذر فإنه يستحق اللوم والتوبيخ، وهكذا في الأخبار أيضا: بأنه إذا قيل: فتح الأمير البلد الفلاني، وكسر الجيوش، وقتل الأعداء، فإنه يكون إخبارا عنه وعن أتباعه.
وجوابه: أن ذلك لقرينة تحصيل المقصود، لا من نفس الخطاب، بدليل عدم الاطراد، ولو كان مستفادا من الخطاب لا طرد معه وبدليل صحة السلب، فإنه يصح أن يقال: أمر المقدم ولم يأمر الأتباع، وبدليل عدم الحنث به إذا
стр. 1263
حلف أن لا يأمر الأتباع، وتلك القرينة هي أن ركوب المقدم وحده للثارة، وشن الغارة، غير كاف في تحصيل المقصود والأمر يجب حمله على ما يحصل المقصود، وكذا القول في الأخبار، إذ من المعلوم أن الأمير وحده لم يفعل ذلك "بل" بأتباعه.
واحتجوا: أيضا بأن الصحابة كانوا يعتقدون دخولهم تحت الخطاب المختص به ﵇ إذا ورد في قاعدة ليس "له" فيها خصائص فكان ذلك إجماعا.
وجوابه: منع ذلك ولو سلم، لكنه للقرينة بدليل أنهم لم يعتقدوا ذلك إذ ورد في قاعدة له [فيها] خصائص كالنكاح ولو كان ذلك مستفادا من الخطاب لما كان كذلك كالخطاب الوارد بلفظ يشملهما، فإنه لا تختلف دلالته بحسب اختلاف القواعد.
المسألة العاشرة
[الخطاب المتناول للرسول والأمة]
الخطاب المتناول للرسول والأمة كقوله [تعالى]: ﴿يا أيها الناس﴾
стр. 1264
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ و ﴿يا عبادي﴾ يشملهما عند الأكثرين.
وذهب شذوذ من الناس إلى: أنه مختص بالأمة "لم" يدخل تحته النبي ﵇.
ومنهم: من فصل كالصيرفي من أصحابنا بين ما يكون مصدرا بأمر الرسول بالتبليغ كقوله: ﴿قل يا أيها الناس﴾، وبين ما لا يكون كذلك كما سبق فقال بعموم: الثاني دون الأول.
стр. 1265
احتجوا بوجهين:
أحدهما/ (٢٢٢/أ): أنه ﵇ يشاركنا في كثير من الأحكام الثابتة بالخطاب المتناول له ولنا، نحو وجوب الصلاة، ووجوب شرائطها، ونحو وجوب الزكاة والصيام والحج وأمثالها، فلو لم يكن ثبوت تلك الأحكام في حقه ﵇ بتلك الخطابات لكانت أدلة تلك الأحكام غيرها، لكن الأصل عدمها فهي إذا هي.
وثانيهما: أن لفظ "الناس" يتناوله ﵇ كتناوله لغيره، بل أولى إذ هو سيد الناس ومنصب نبوته لا يمنع من دخوله تحته، بدليل أنه لو صرح به لم يلزم منه محذور ومن مخالفة الدليل وغيرها، ولو كان مانعا للزم ذلك، وحينئذ يجب دخوله تحته عملا بمقتضى العموم.
ومنهم من تمسك بوجه أخر وهو أنه: أنه ﵇ كان إذا أمر أصحابه بشيء ولم يفعله فإنهم كانوا يسألونه، ويقولون: ما بالك لم تفعل، كما روى عنه ﵇: "أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ هو فقالوا: أتأمرنا بالفسخ ولم تفسخ، ولم ينكر عليهم ذلك، بل اعتذر وقال: إني قلدت الهدى" ولو لم يكن قد تقرر عندهم دخوله
следующие страницы →