Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وإنما قلنا: إنه لا يدل عليه بمعناه: لأن شرعية الحكم في حق شخص معين لمصلحة، لا يستلزم شرعيته في حق الآخر لتلك المصلحة أو لمصلحة أخرى، لاحتمال أن تكون مفسدة في حقه، ولهذا اختص النبي [﵇] بجملة من الأحكام لا يشاركه فيها غيره.
وشرط الدلالة المعنوية الاستلزام فيستحيل أن يدل عليه بحسب المعنى أيضا.
فإن قلت: ماذا تعني بقولك شرط الدلالة المعنوية [الاستلزام تعني به] الاستلزام القطعي، أو الظاهري.
فإن عنيت به الأول: فممنوع.
وإن عنيت به الثاني فمسلم: لكن لا نسلم أنه غير حاصل، وما ذكرتم من الاحتمال فغير قادح فيه، لأنه احتمال مرجوح بدليل أن الغالب الاشتراك في الأحكام، وذلك يدل على أن الاشتراك في المصلحة غالب فشرعيته في حقه ﵇ يغلب على الظن شرعيته "في حقهم".
قلت: الدليل على أنه غير حاصل، أنه قد ظهر بما ذكرنا أن احتمال المصلحة والمفسدة قائم في شرعيته في حق الآخر والخصم يدعي أن أحد الاحتمالين وهو احتمال المصلحة راجع على الأخر، لكن الأصل عدمه.
وأما قوله: إن الغالب المشترك في الأحكام، "وذلك يدل على أن الغالب الاشتراك في المصلحة.
قلنا: نسلم لكن التسوية في الأحكام" حينئذ مستفادة من دليل آخر
стр. 1262
غير اللفظ الدال على الحكم في حقه ﵇، وغير نفس شرعيته في حقه ﵇، وذلك مما لا نزاع فيه، فإنا نقول/ (٢٢١/ب): أيضا لو دل دليل على التسوية نحو قوله تعالى ﴿ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ونحو إلحاق الفرد بالأعم والأغلب، ونحو العلم بعلة الحكم وحصولها في حقهم ليثبت الحكم في حقهم أيضا: وإنما النزاع أنه هل يدل عليه الخطاب أم لا؟، وذلك إما بنفسه، أو بمعناه، وقد ظهر فساد القسمين.
احتجوا: بأنه يفهم في العرف من خطاب المقدم على قوم ومن يقتضي به الخطاب معهم ألا ترى أن السلطان إذا قال لمقدم العسكر: اركب للثارة وشن الغارة، فإنه يفهم منه أمر العسكر بأسرهم بذلك، ولهذا فإن من يتخلف منهم من غير عذر فإنه يستحق اللوم والتوبيخ، وهكذا في الأخبار أيضا: بأنه إذا قيل: فتح الأمير البلد الفلاني، وكسر الجيوش، وقتل الأعداء، فإنه يكون إخبارا عنه وعن أتباعه.
وجوابه: أن ذلك لقرينة تحصيل المقصود، لا من نفس الخطاب، بدليل عدم الاطراد، ولو كان مستفادا من الخطاب لا طرد معه وبدليل صحة السلب، فإنه يصح أن يقال: أمر المقدم ولم يأمر الأتباع، وبدليل عدم الحنث به إذا
стр. 1263
حلف أن لا يأمر الأتباع، وتلك القرينة هي أن ركوب المقدم وحده للثارة، وشن الغارة، غير كاف في تحصيل المقصود والأمر يجب حمله على ما يحصل المقصود، وكذا القول في الأخبار، إذ من المعلوم أن الأمير وحده لم يفعل ذلك "بل" بأتباعه.
واحتجوا: أيضا بأن الصحابة كانوا يعتقدون دخولهم تحت الخطاب المختص به ﵇ إذا ورد في قاعدة ليس "له" فيها خصائص فكان ذلك إجماعا.
وجوابه: منع ذلك ولو سلم، لكنه للقرينة بدليل أنهم لم يعتقدوا ذلك إذ ورد في قاعدة له [فيها] خصائص كالنكاح ولو كان ذلك مستفادا من الخطاب لما كان كذلك كالخطاب الوارد بلفظ يشملهما، فإنه لا تختلف دلالته بحسب اختلاف القواعد.
المسألة العاشرة
[الخطاب المتناول للرسول والأمة]
الخطاب المتناول للرسول والأمة كقوله [تعالى]: ﴿يا أيها الناس﴾
стр. 1264
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ و ﴿يا عبادي﴾ يشملهما عند الأكثرين.
وذهب شذوذ من الناس إلى: أنه مختص بالأمة "لم" يدخل تحته النبي ﵇.
ومنهم: من فصل كالصيرفي من أصحابنا بين ما يكون مصدرا بأمر الرسول بالتبليغ كقوله: ﴿قل يا أيها الناس﴾، وبين ما لا يكون كذلك كما سبق فقال بعموم: الثاني دون الأول.
стр. 1265
احتجوا بوجهين:
أحدهما/ (٢٢٢/أ): أنه ﵇ يشاركنا في كثير من الأحكام الثابتة بالخطاب المتناول له ولنا، نحو وجوب الصلاة، ووجوب شرائطها، ونحو وجوب الزكاة والصيام والحج وأمثالها، فلو لم يكن ثبوت تلك الأحكام في حقه ﵇ بتلك الخطابات لكانت أدلة تلك الأحكام غيرها، لكن الأصل عدمها فهي إذا هي.
وثانيهما: أن لفظ "الناس" يتناوله ﵇ كتناوله لغيره، بل أولى إذ هو سيد الناس ومنصب نبوته لا يمنع من دخوله تحته، بدليل أنه لو صرح به لم يلزم منه محذور ومن مخالفة الدليل وغيرها، ولو كان مانعا للزم ذلك، وحينئذ يجب دخوله تحته عملا بمقتضى العموم.
ومنهم من تمسك بوجه أخر وهو أنه: أنه ﵇ كان إذا أمر أصحابه بشيء ولم يفعله فإنهم كانوا يسألونه، ويقولون: ما بالك لم تفعل، كما روى عنه ﵇: "أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ هو فقالوا: أتأمرنا بالفسخ ولم تفسخ، ولم ينكر عليهم ذلك، بل اعتذر وقال: إني قلدت الهدى" ولو لم يكن قد تقرر عندهم دخوله
стр. 1266
فيما أمرهم به لما سألوه عن ذلك.
ولقائل: أن يقول عليه: لعل ذلك لعلة التسوية في الحكم دون عموم الخطاب، وهذا لأنا لا نعلم أن ذلك الأمر كان صادرا بلفظ عام بحيث كان يتناوله أيضا: وليس في الحديث ما يشعر به، بل الظاهر أنه كان بحيث لا يتناوله، لأنه كان خطاب مشافهة معهم، والآمر غير داخل في مثل هذا الأمر وتعليلهم بقولهم: إنك أمرتنا، أو تأمرنا، مع عدم تعرضهم لعموم الأمر، يشعر بذلك إشعارا ظاهرا.
احتج الأقلون بوجوه:
أحدها: أن له ﵇ خصائص في الأحكام، فليخص بكل ما يعني به.
وجوابه: أنه لماذا يلزم من الأول الثاني، فإن كان ذلك بطريق القياس فأين الجامع؟ وإن كان بغيره فبينه.
سلمناه: لكنه منقوض بما أن لبعض أصناف الناس، كالمريض والمسافر والمرأة والحائض خصائص، مع اندراجهم تحت عموم الخطاب.
سلمنا: سلامته عن النقض، لكن نقول: خصائصه أقل بالنسبة إلى ما يشاركنا فيه والحمل على الأكثر أولى.
стр. 1267
وثانيها: أن منصبه يقتضي إفراده بالذكر، لما فيه من التعظيم الزائد على ذكره مع غيره في خطاب واحد.
وجوابه: منعه، سلمناه: لكن هذه الدلالة الضعيفة لا تعارض/ (٢٢٢/ب) دلالة عموم اللفظ.
وثالثها: أنه لو كان داخلا تحت تلك الخطابات، لكان مبلغا ومبلغا إليه وهو ممتنع.
وجوابه: أنه ممتنع "لكن" باعتبار واحد، أما باعتبارين فلا، والرسول ﵇: مبلغ إليه باعتبار إبلاغ جبريل ﵇ إليه، ومبلغ باعتبار إبلاغه إلى الأمة فلا منافاة بينهما.
стр. 1268
المسألة الحادية عشرة
[أقسام اللفظ بالنسبة إلى الدلالة على المذكر والمؤنث]
اعلم أن اللفظ بالنسبة إلى الدلالة على المذكر والمؤنث على أقسام أربعة:
أحدها: لفظ يختص بكل واحد منهما، ولا يطلق احدهما على الآخر بحال وهو كلفظ الرجال في المذكر، والنساء في المؤنث، فها هنا اتفقوا: على أن كل واحد "منهما" من المذكر والمؤنث لا يدخل تحت الخطاب الوارد باللفظ المختص بالآخر.
وثانيها: "لفظ" يتناولهما جميعا، إذ ليس لعلامة التذكير والتأنيث فيه مدخل بحال، وهو كلفظ الناس فها هنا اتفقوا: أيضا على أن كل واحد من المذكر والمؤنث يدخل تحته.
стр. 1269
وثالثها: لفظ يشملهما جميعا وإن كان لعلامة التذكير والتأنيث فيه مدخلا جوازا وجوبا، وهو كلفظ "من" فها هنا ذهب الأكثرون أيضا إلى أنه يشملهما جميعا إن ورد مجردا من علامة التأنيث.
وأنكره بعض الحنفية.
ثم اعلم أن كلام إمام الحرمين "رحمه الله تعالى": يشعر بتخصيص الخلاف في "من" الشرطية.
والظاهر أنه يعمه والاستفهام فيه، والموصولة.
حجة الأكثرين: الإجماع على تعميمه في مثل قول الرجل: من دخل داري
стр. 1270
من أرقائي فهو حر، فإنه يعتق عليه كل من دخل داره من عبيده وإمائه، وكذا في الوصية، والتعليق، والتوكيل.
احتجوا: بقول العرب: من، ومنه، و"منان" ومنتان، ومنون، ومنات، فصار كلفظ: مسلم، ومسلمة، ومسلمين، ومسلمات، وسيأتي إن ذلك لا يعم فكذا هذا.
وجوابه: أن هذا وإن كان جائزا، لكن لا يجب فإنهم اتفقوا: على أن الأصح استعماله فيهما من غير علامة.
ورابعها: لفظ يستعمل فيهما، لكن بعلامة التأنيث في المؤنس وبحذفها في المذكر وجوبا "وهو" كلفظ: مسلمين، ومسلمات، وقام
стр. 1271
وقامت وقاما وقامتا وقاموا، و"قمن" فها هنا: اختلفوا فيه:
فذهبت الشافعية، وجمهور الحنفية، والشاعرة، والمعتزلة: إلى أن المؤنث لا يدخل تحت الخطاب الوارد به أن/ (٢٢٣/أ) ورد مجردا من علامة التأنيث إلا قرينة منفصلة.
وذهب الحنابلة، والظاهرية، إلى أنه يشتملهما ظاهراً ولا يخرج
стр. 1272
عنه المؤنث إلا المنفصل.
ثم إن كلام إمام الحرمين يشعر بتخصيص الخلاف في الخطابات الواردة في الشرع لقرينة غلبة المشاركات في الأحكام الشرعية.
واتفق الكل على أن المذكر، لا يدخل تحته إن ورد مقترنا بعلامة التأنيث.
احتج الأكثرون بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ الآية، عطفت المؤمنات على المؤمنين، فلو كان لفظ المؤمنين متناولا للمؤمنات، لكان ذلك من باب عطف الخاص على العام، ففائدته التأكيد لا غير ولو لم يكن متناولا، لكان ذلك من باب عطف المغاير على المغاير وفائدته التأسيس، وقد عرفت أن الحمل على الفائدة التأسيسية الأولى.
وثانيها: ما روي في سبب نزول ما تلونا من الآية وهو: أن
стр. 1273
أم سلمة قالت ﵂ لرسول الله ﷺ : "إن النساء قلن ما نرى الله ذكر إلا الرجال "فأنزل الله الآية المذكورة".
ولو كانت الآية متناولة لهن لما صح قولها: ما نرى الله ذكر إلا الرجال".
стр. 1274
والتقرير عليه، لأن نفي ذكرهن مطلقا، يقتضي نفي ذكرهن ولو بالتضمن والالتزام، بدليل صحة تقسيمه إلى الثلاثة اللهم إلا أن يضمر فيه، ويقال: المراد منه: ما نرى الله ذكر على التخصيص إلا الرجال، لكنه خلاف الأصل.
وثالثها: ما روي عن عائشة ﵂ أنها لما سمعت عن النبي ﵇ يقول: "ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون".
стр. 1275
قالت: هذا للرجال فما للنساء؟ فلم يرد ﵇ عليها السؤال بل أجاب، ولولا خروجهن عن الجمع المذكور، لما صح [السؤال] ولا التقرير عليه، وسؤال التخصيص ساقط بالكلية هنا، لأن سؤالها عن الوعيد، وذلك لا يختلف من أن يكون صريحا أو ضمنا.
ورابعها: وهو من الوجه المعقول: وهو أن الجمع تضعيف الواحد، وقولنا "مسلم" و"قام" لا يتناول المؤنث بالإجماع، فكذا "مسلمون" و"قاموا" لا يتناوله وإلا لم يكن تضعيفه.
وخامسها: أنا اجمعنا على أن مسلمين حقيقة في الجمع المذكر الصرف فلو كان حقيقة أيضا في الجمع المذكر والمؤنث لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل.
احتجوا "بوجوه:"
стр. 1276
أحدها: "أن أهل اللغة" قالوا: إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلب التذكير، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾ في خطاب ادم وحواء وإبليس.
وجوابه: أنه لا يلزم من صحة إرادة الشيء عن الشيء إرادته منه إذا ورد مطلقا من غير قرينة تدل على إرادته، فإن المجاز كله شأنه ما ذكرناه مع أنه لا يحتمل اللفظ عليه عند الإطلاق، فلا يلزم من صحة إرادة المذكر "والمؤنث من الجمع المذكر" على وجه التغليب للقرينة إرادته منه إذا ورد مطلقا.
أو نقول بعبارة أخرى: وهي أن اللازم مما ذكرتم أنه متى أراد معبر أن يعبر عن الفريقين بعبارة واحدة كان التعبير بالجمع المذكر متعينا إذ هو معناه، وهذا لا يقتضي أنه متى كان التعبير بالجمع المذكر كان المعبر عنه الفريقين إذ القضية الكلية لا يجب أن تنعكس كنفسها.
وثانيها: أن أكثر أوامر الشارع بخاطب المذكر، مع انعقاد الإجماع على أن النساء يشاركن الرجال في تلك الأحكام، فلولا دخولهن تحت تلك الأوامر لما كان الحكم ثابتا في حقهن إذ الأصل عدم دليل آخر.
وجوابه: أن ذلك لدليل نحو الإجماع، والقياس، وغيرهما، بدليل عدم دخولهن في كثير من الأحكام الثابتة بخطاب التذكير، نحو الجمعة والجماعة، والجهاد، وعيادة المريض، وزيارة القبور، فإن تخلف المدلول عن الدليل خلاف الأصل، ولو عورض بهذا الأصل، بما ذكروه من الأصل،
стр. 1277
كان المقصود أيضا: حاصلا إذ يوجب سقوط ما ذكروه من الدليل، مع أن الحق عدم التعارض.
أما أولا: فلأن ما ذكروه من خلاف الأصل واقع لا محالة لوجود الدليل الآخر كما سبق.
وأما ثانيا: فلأن محذور ترك الدليل الشرعي أكثر.
وثالثها: أن الرجل من "أهل" اللسان، إذا سال أهل قرية أو حلة حين عبوره عليهم، فإنه يقول: كيف أنتم، وأنتم آمنون، ولم يقل: أنتم آمنون ونساؤكم آمنات، ولو قال "ذلك": لاستهجن منه، وذلك يدل على أن النساء يدخلن تحت قوله: أنتم آمنون.
وجوابه: أنه لا نزاع في دخولهن تحته، واستهجان السؤال عنهن ثابتا، لكن لا نسلم أن ذلك بدلالة لفظية، وليس فيما ذكرتم ما يدل على أنه بدلالة لفظية، بل ليس فيه إلا دخولهن تحته ونحن نقول به: لكن بدلالة معنوية: وهي أن أمن الرجال يستلزم الأمن من جميع المخاوف المتعلقة بهم/ (٢٢٤/أ) من النفس والمال والنساء والأولاد والأتباع، فلو لم تكن النساء آمنات لما حصل الأمن للرجال، فلهذا كان الجواب عن أمن الرجال جوابا عن أمنهن أيضا.
стр. 1278
المسألة الثانية عشرة
[الخطاب المضاف إلى الناس وبني آدم يدخل تحته العبد والكافر]
الخطاب المضاف إلى الناس وبني آدم، وما يجري مجراهما في العموم يدخل تحته العبد والكافر عندنا: لأنهما من الناس وبني آدم حقيقة فكانا داخلين تحت الخطاب، إذ الأصل عدم المخصص.
وقال قوم: لا يدخل تحته العبد والكفار.
وهؤلاء إن زعموا أن اللفظ لا يتناولهم من حيث اللغة فهو جهالة، وإن زعموا أن اللفظ يتناولهم، لكن الرق والكفر في الشرع يخصصهم فهو أيضا: باطل، لأن الرق والكفر غير مانعين من إيجاب الأحكام على العبد والكافر
стр. 1279
مطلقا، بدليل وجوب كثير من الأحكام عليهما، وتخلف المدلول عن الدليل خلاف الأصل، بل لو منعنا فإنما يمنعان من بعض الأحكام نحو الأحكام التي تتوقف على المالكية والإيمان فيكونان مخصصين لهما بالنسبة إلى ذلك البعض من الأحكام ونحن نقول بذلك: فإنه إذا دل دليل من خارج أن الكفر والرق مانعان من ثبوت حكم فإنا لا نقول اندراجهما تحت الخطاب الدال على ثبوت ذلك الحكم، أما الحكم بكونهما مانعين على الإطلاق فذلك غير جائز.
احتجوا بوجوه في العبد، إذ الكلام في الكافر ما سبق في الأوامر فلا حاجة إلى الإعادة.
أحدها: أن حقوق السادات مستغرقة لمنافع العبيد، لأن لهم استخدامهم في كل وقت، وذلك بمنعهم من الدخول تحت الخطاب.
فإن قلت: لا نسلم أن حقوقهم مستغرقة لمنافعهم، ولا نسلم: أن لهم استخدامهم في كل وقت حتى في وقت يتعين فيه فعل العبادة، بل إنما لهم ذلك إذا فرغوا من تكاليف الشرع.
قلت: الدليل عليه: أن الذي يدل على وجوب خدمة السيد من النص المناسب المقتضي لذلك "الرق" [أو غيرهما] لا إشعار له بوقت دون وقت، فلو خصصنا وجوب خدمة السيد ببعض الأوقات لزم تطرق التخصيص إليه، وأنه خلاف الأصل.
стр. 1280
وجوابه: أنا لو لم نقل بتخصيصه لزم أيضا تطرق التخصيص إلى النصوص الدالة على وجوب تلك العبادات عليهم وعلى الأحرار، فلم كان هذا/ (٢٢٤/ب) التخصيص أولى بالالتزام من ذلك التخصيص، وعليكم الترجيح، لأنكم المستدلون، ثم أنه معنا، وذلك لأن النصوص الدالة على وجوب العبادة كالخاص بالنسبة إلى الأدلة الدالة "على" وجوب خدمة السيد، لأن وجوب كل عبادة من الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات يخصه لفظ، وما دل على وجوب خدمة السيد ليس كذلك، لأن "كل" نوع من أنواع الخدمة ليس يخصه لفظ ولا للرق إشعار به على التخصيص وتخصيص الأعم بالأخص أولى من العكس، والأصل عدم مخصص آخر.
فإن قلت: ما ذكرتم من المرجح معارض بوجه آخر وهو: أن حق العبد مقدم على حق الله تعالى، لأنه مبني على الشح والتضيق، وحق الله تعالى على السهولة والترفق، ولذلك يقدم الدين على الزكاة على رأي.
стр. 1281
قلت: لا نسلم أن حق العبد مقدم على حق الله تعالى عند التعارض والفوات، وأما كونه مبني على المسامحة والمساهلة فلا يدل عليه، لأن معناه: أنه شرع حق لله تعالى على نوع من اليسر "ولم يشرع حق العبد على ذلك النوع من اليسر نحو قبول الرجوع عن الإقرار في حدود الله" وعدم تتبع المحدود إذا هرب، بخلاف الرجوع عن الإقرار فيما يتعلق بحق العبد فإنه لا يقبل، وبخلاف ما إذا هرب في استيفاء حق
стр. 1282
العبد فإنه يتبع لأنه عند التعارض والفوات مقدم على حق الله تعالى وتقديم الدين على الزكاة ممنوع على الآخرين من سلم انه مقدم لكن في البعض لا في الكل، فلم قلتم "إن" ما نحن فيه من ذلك البعض لا بد لهذا من دليل.
وثانيها: أن العبد يشبه البهائم، من حيث إنه مال للسيد يباع ويشترى وجناياته تضمن بما نقص من قيمته، والبهائم لا تدخل تحت خطاب التكليف فكذا هذا.
وجوابه: أن مشاركة الشيئين في بعض الأمور أو اللوازم لا توجب اشتراكهما في كلها، هذا إن ذكر بطريق الوجوب، وإن ذكر بطريق القياس فمع وضوح الفارق المناسب لا تصح الإضافة إلى ما ذكروه من الجامع.
وثالثها: وهو العمدة لهم أنا لو قلنا: بدخولهم تحت الخطاب فحيث لم يدخلوا، كما هو في كثير من الخطابات يلزم الترك بالدليل.
стр. 1283
فلو قلنا: بعدم دخولهم فحيث دخلوا كان ذلك لدليل آخر، وترك مقتضي الدليل/ (٢٥٥/أ) خلاف الأصل، وما يستلزم خلاف الأصل فهو أيضا خلاف الأصل، أما إثبات الحكم بدليل زائد ليس خلاف الأصل، فكان القول بعد دخولهم أولى.
وجوابه: أن دليلكم يقتضي عدم دخولهم تحت الخطاب، وذلك قد يكون بأن اللفظ لا يتناولهم، وقد يكون بأن الرق اللازم لهم يخصصهم: فإن كان مقصودكم من هذا الدليل عدم دخلوهم على الطريق وهو الظاهر من كلامكم فقد ذكرنا أن ذلك جهالة، ونزيد هنا إنا إنما نتكلم في هذه المسألة تفريعة على القول بالعموم، وما ذكرتم يرفعه فلا يسمع في هذا المقام.
وإن كان مقصودكم منه عدم دخولهم على الوجه الثاني، فالمحذور المذكور لازم عليكم أكثر مما لزمنا مع زيادة محذور آخر، وهو ترك مقتضى التخصيص حيث دخلوا فما هو جوابكم فهو جوابنا.
стр. 1284
المسألة الثالثة عشرة
[الخطاب الخاص بواحد خطاب للباقين]
الخطاب الخاص لغة بواحد من الأمة، هل هو خطاب للباقين أم لا؟
اختلفوا فيه:
فذهب الجماهير إلى أنه ليس خطابا لهم.
وذهب بعض الظاهريين إلى أنه خطاب لهم.
لنا: أنه لو عم فعمومه، إما حقيقة أو مجاز.
فإن كان الأول: فإما أن يكون من جهة وضع اللغة، وهو باطل، إذ المسألة مفروضة فيما إذا كان الخطاب خاصا بالواحد بالوضع اللغوي، أو من جهة وضع الشارع بأن نقله الشارع إلى العموم، وهو أيضا باطل، إذ النقل خلاف الأصل.
وإن كان الثاني: فحمله على العموم يتوقف على وجود قرينة دالة على
стр. 1285
إرادته، وعند ذلك لا يبقى نزاع فيه.
فإنا نقول: أيضا بتعميمه إذ ذاك على وجه التجوز.
ونفى إمام الحرمين رحمه الله تعالى الخلاف عن المسألة، وقال: لا شك في أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد ولا ينبغي فيه خلاف، فلا معنى للخلاف في المسألة.
وفيه نظر: لأنه لا نسلم أن الخطاب عام في العرف الشرعي، بل الذي نسلم عموم مقتضى الخطاب، وعموم مقتضى الخطاب غير عموم الخطاب قطعا، والنزاع إنما هو في الثاني لا في الأول.
احتجوا بقوله ﵇: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة".
стр. 1286
وجوابه: أن التعميم لو استفيد فإنما يستفاد من هذا الخطاب لا من خطاب الواحد الخاص به، والنزاع إنما هو فيه لا في غيره وأيضا قوله: "حكمي على الواحد حكمي/ (٢٢٥/ب) على الجماعة" ليس فيه ما يدل على إن ذلك باعتبار اللفظ، بل هو أعم من أن يكون باعتبار اللفظ، أو باعتبار المعنى العام لا يدل على الخاص.
وأيضا: لو كان التعميم مستفادا من خطاب الواحد، لكانت فائدة هذا الخطاب التأكيد لا غير، ولو لم يكن مستفادا منه لكانت فائدته التأسيس، والحمل عليه أولى من الحمل على التأكيد، لما فيه من زيادة الفائدة.
فهذا الحديث بأن يكون حجة لنا أولى من أن يكون حجة علينا، وبما أنه ﵇ إذا شرع حكما في حق بعض الصحابة فإن كان مختصا به ذكر ذلك وإلا سكت، وذلك يدل على أن شرعه في حقه شرع في حق الباقين،
стр. 1287
وإلا ذكر التعميم حيث سكت، إذ التعميم غير مستفاد من السكوت لولا المقتضي، ولم يحتج إلى ذكر التخصيص حيث خصص إذ التخصيص بعد المقتضى للتعميم:
بيان الأول بصور:
احدها: ما روي أن أبا بكرة ﵁ لما دخل الصف راكعا خوفا من الفوات قال ﵇: "زادك الله حرصا ولا تعد".
وثانيها: أنه خصص عبد الرحمن بن عوف بلبس الحرير.
стр. 1288
وثالثها: أنه خصص أبا بردة في أجزاء التضحية بعناق حيث قال: "تجزي عنك ولا تجزي لأحد بعدك".
стр. 1289
......................................................................................
стр. 1290
ورابعها: أنه خصص خزيمة بقبول شهادته وحده.
стр. 1291
وخامسها: أنه خصص الأعرابي بسقوط كفارة رمضان حيث قال: "هذا لك وليس لأحد بعدك".
стр. 1292
وجوابه: أنه إنما لم يذكر التعميم، بل كان يسكت لظهور علة إلحاق الغير به وهو اشتراكه في السبب الموجب به، وإنما كان تخصيص القطع الإلحاق به، إذ علة الإلحاق به ظاهرة، لأن الخطاب عام في نفسه.
المسألة الرابعة عشرة
[الخطاب الوارد شفاها يختص بالموجودين]
الخطاب الوارد شفاها في عصر النبي ﵇ كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ و ﴿يا أيها الناس﴾ يختص بالموجودين في عصره ﵇.
ولا يتناول من يوجد بعدهم "عندنا وجماهير الفقهاء والمعتزلة ولا يثبت ذلك الحكم في حق من يوجد بعدهم" إلا بدليل آخر.
стр. 1293
خلافاً لبعض الفقهاء، وطائفة من السلفيين والحنابلة.
لنا: أن من لم يكن موجودا في ذلك العصر لم يكن إنسانا ولا مؤمنا به، فلا يكون اسم الإنسان والمؤمن متناولا لهم.
ولأن شرط المخاطب أن يكون فاهما للخطاب، ولهذا يشترط أن يكون/ (٢٢٦/أ) بالغا عاقلا وهو مفقود في المعدوم، فيستحيل أن يكون مخاطبا.
فإن قلت: فما الذي يدل على أن مقتضاه ثابت في حق الذين يوجدون إلى يوم القيامة.
قلت: الحق أن ذلك معلوم بالضرورة من دين محمد ﵇، ولأن ما يدل على دوام شرعه إلى يوم القيامة، وكونه خاتم النبيين يدل على ذلك
стр. 1294
أيضاً. فأما التمسك على هذا بمثل قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾. وقوله ﵇: "بعثت إلى الناس كافة وبعثت إلى الأحمر والأسود".
стр. 1295
و"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة".
فضعيف، لأن لفظ: الناس والأحمر والأسود والجماعة يختص أيضا بالموجودين وقت النزول إذ المعدوم لا يوصف بالأحمر والأسود والجماعة، فلا
стр. 1296
يتناول من يوجد بعد نزول الخطاب، ولو صح اندراج من يوجد بعد نزول الخطاب تحت هذه النصوص لصح اندراجهم تحت قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ و ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إذ ليس فيها إلا زيادة التأكيد.
احتج الخصم بوجوه:
أحدها: بما ذكر من النصوص: وجه الاستدلال بها أنه لو لم تكن خطابات القران العظيم وقت النزول خطابات متناولة لهم، لم يكن مبلغا إليهم الأحكام ولا رسولا إليهم ولا مبعوثا إليهم، وهو باطل وفاقا.
وجوابه: منع اللازم، وهذا لأن تبليغ الأحكام وأداء الرسالة لا يتوقف على خطاب المشافهة حتى يلزم من فقده بالنسبة إلى قوم فقد أداء الرسالة إليهم، بل قد يكون بما ذكرتم، وقد يكون بالفعل "و" بالقرائن وينصب الأدلة والقياس، والذي يحقق ذلك أن النصوص قليلة والوقائع كثيرة، فمعرفة جميعها منها متعذر، فمعرفتها يكون بغيرها من الطرق، ولذلك عرف أكثر أحكام الصلاة والحج بفعله ﵇، وعرف أكثر الأحكام من المعاملات وغيرها بالقياس، والبراءة الأصلية.
سلمنا: اللازم ودلالة هذه النصوص على المطلوب، لكن إنما يلزم الاندراج
стр. 1297
بهذه النصوص لا بالخطاب الذي هو مثل ﴿يا أيها الناس﴾ أو ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الذي وقع النزاع فيه.
وثانيها: وهو التمسك بالإجماع، وتقريره أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتبع التابعين وهلم جرا إلى زماننا، يتمسكون في إثبات الأحكام على من وجد في زمانهم، ولم يكن موجودا/ (٢٢٦/ب) في زمان النبي ﵇، بالآيات والأخبار [الواردة شفاها في عصر النبي ﵇، ولو لم تكن تلك الآيات والأخبار] متناولة لهم لم يصح الاستدلال بها وكان استدلالهم بها خطأ، وهو ممتنع من أهل الإجماع.
وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك بتلك الآيات والأخبار وحدها، لاحتمال أن يكون ذلك بها، وبما عرف بالضرورة من عدم الفرق بين الموجودين في زمانه ﵇، وبين الموجودين بعده، وإنما لم يذكروا ذلك لاشتراك الكل فيه، والذي يحقق الاحتمال إنا لو لم نقل به لزم الترك بما ذكرنا من الدليل، وهو خلاف الأصل.
ولو قلنا: به لزم إعماله وإعمال ما ذكرتم من الدليل أيضا فكان هذا أولى.
وثالثها: وهو ما ذكر في المسألة السالفة من أن النبي ﵇ إذا
стр. 1298
شرع حكما في حق البعض، فإن حكم مختصا به ذكر تخصيصه به وإن لم يكن مختصا به سكت.
فعلى هذا يقول: لو كان الحكم الثابت بخطاب المشافهة مختصا بالحاضرين لذكر ذلك، وحيث لم يكن ذلك دل على أنه عام في حق الكل.
وجوابه: أنا لا نقول باختصاص الحكم بالحاضرين، بل نقول: باختصاص الخطاب لهم وفرق اختصاص الخطاب وبين اختصاص الحكم، فإن الخطاب قد يكون خاصا وما تضمنه من الحكم قد يكون عاما من حيث المعنى لقرينة تدل على عمومه، ولعموم علته، والحكم ما كان مختصا بالحاضرين كان يذكر التخصيص على ذاته.
ورابعها: أنه ﵇ إذا أراد التخصيص ببعض الأمة ذكر ذلك لما سبق.
فعلى هذا يقول: لو لم يكن الخطاب العام المطلق يكون خطابا للكل لما احتاج إلى التخصيص.
وجوابه: أن المعهود منه ﵇ التخصيص ببعض الحاضرين ولا شك أن الخطاب عام بالنسبة إلى الحاضرين بأسرهم، فلا جرم احتاج إلى التخصيص في صورة التخصيص" فلم يدل ذلك على تناول الخطاب لمن بعدهم، نعم لو ثبت منه ﵇ التخصيص ببعض من سيوجد بعده
стр. 1299
عليه السلام، كان ذلك محيلا لتناوله للكل، وعند ذلك يكون جوابه ما سبق في المسألة السالفة.
المسألة الخامسة عشرة
[دخول المخاطب تحت خطابه]
المخاطب يدخل تحت خطابه إذا كان صالحا له، ولم تخرجه القرينة عند الجماهير.
خلافا لبعض الشاذين.
اعلم أن المسألة: قد تفرض في الأمر تارة، والكلام فيه قد سبق في
стр. 1300
الأوامر، وتارة في النهي والكلام فيه على منوال ما سبق في الأمر، ومرة في الخبر وهو الذي يتعلق به غرضنا في هذا المقام.
فنقول: الدليل عليه: أن اللفظ العام صالح له، إذ الكلام مفروض فيه، فوجب أن يدخل فيه كغيره، إذ لا مانع من الدخول، إذ الأصل عدم المانع ويؤكده الاستعمال كقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ وكقول القارئ: (السعيد من اتعظ بغيره).
следующие страницы →