← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

يتناول من يوجد بعد نزول الخطاب، ولو صح اندراج من يوجد بعد نزول الخطاب تحت هذه النصوص لصح اندراجهم تحت قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ و ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إذ ليس فيها إلا زيادة التأكيد. احتج الخصم بوجوه: أحدها: بما ذكر من النصوص: وجه الاستدلال بها أنه لو لم تكن خطابات القران العظيم وقت النزول خطابات متناولة لهم، لم يكن مبلغا إليهم الأحكام ولا رسولا إليهم ولا مبعوثا إليهم، وهو باطل وفاقا. وجوابه: منع اللازم، وهذا لأن تبليغ الأحكام وأداء الرسالة لا يتوقف على خطاب المشافهة حتى يلزم من فقده بالنسبة إلى قوم فقد أداء الرسالة إليهم، بل قد يكون بما ذكرتم، وقد يكون بالفعل "و" بالقرائن وينصب الأدلة والقياس، والذي يحقق ذلك أن النصوص قليلة والوقائع كثيرة، فمعرفة جميعها منها متعذر، فمعرفتها يكون بغيرها من الطرق، ولذلك عرف أكثر أحكام الصلاة والحج بفعله ﵇، وعرف أكثر الأحكام من المعاملات وغيرها بالقياس، والبراءة الأصلية. سلمنا: اللازم ودلالة هذه النصوص على المطلوب، لكن إنما يلزم الاندراج

стр. 1297

بهذه النصوص لا بالخطاب الذي هو مثل ﴿يا أيها الناس﴾ أو ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الذي وقع النزاع فيه. وثانيها: وهو التمسك بالإجماع، وتقريره أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتبع التابعين وهلم جرا إلى زماننا، يتمسكون في إثبات الأحكام على من وجد في زمانهم، ولم يكن موجودا/ (٢٢٦/ب) في زمان النبي ﵇، بالآيات والأخبار [الواردة شفاها في عصر النبي ﵇، ولو لم تكن تلك الآيات والأخبار] متناولة لهم لم يصح الاستدلال بها وكان استدلالهم بها خطأ، وهو ممتنع من أهل الإجماع. وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك بتلك الآيات والأخبار وحدها، لاحتمال أن يكون ذلك بها، وبما عرف بالضرورة من عدم الفرق بين الموجودين في زمانه ﵇، وبين الموجودين بعده، وإنما لم يذكروا ذلك لاشتراك الكل فيه، والذي يحقق الاحتمال إنا لو لم نقل به لزم الترك بما ذكرنا من الدليل، وهو خلاف الأصل. ولو قلنا: به لزم إعماله وإعمال ما ذكرتم من الدليل أيضا فكان هذا أولى. وثالثها: وهو ما ذكر في المسألة السالفة من أن النبي ﵇ إذا

стр. 1298

شرع حكما في حق البعض، فإن حكم مختصا به ذكر تخصيصه به وإن لم يكن مختصا به سكت. فعلى هذا يقول: لو كان الحكم الثابت بخطاب المشافهة مختصا بالحاضرين لذكر ذلك، وحيث لم يكن ذلك دل على أنه عام في حق الكل. وجوابه: أنا لا نقول باختصاص الحكم بالحاضرين، بل نقول: باختصاص الخطاب لهم وفرق اختصاص الخطاب وبين اختصاص الحكم، فإن الخطاب قد يكون خاصا وما تضمنه من الحكم قد يكون عاما من حيث المعنى لقرينة تدل على عمومه، ولعموم علته، والحكم ما كان مختصا بالحاضرين كان يذكر التخصيص على ذاته. ورابعها: أنه ﵇ إذا أراد التخصيص ببعض الأمة ذكر ذلك لما سبق. فعلى هذا يقول: لو لم يكن الخطاب العام المطلق يكون خطابا للكل لما احتاج إلى التخصيص. وجوابه: أن المعهود منه ﵇ التخصيص ببعض الحاضرين ولا شك أن الخطاب عام بالنسبة إلى الحاضرين بأسرهم، فلا جرم احتاج إلى التخصيص في صورة التخصيص" فلم يدل ذلك على تناول الخطاب لمن بعدهم، نعم لو ثبت منه ﵇ التخصيص ببعض من سيوجد بعده

стр. 1299

عليه السلام، كان ذلك محيلا لتناوله للكل، وعند ذلك يكون جوابه ما سبق في المسألة السالفة. المسألة الخامسة عشرة [دخول المخاطب تحت خطابه] المخاطب يدخل تحت خطابه إذا كان صالحا له، ولم تخرجه القرينة عند الجماهير. خلافا لبعض الشاذين. اعلم أن المسألة: قد تفرض في الأمر تارة، والكلام فيه قد سبق في

стр. 1300

الأوامر، وتارة في النهي والكلام فيه على منوال ما سبق في الأمر، ومرة في الخبر وهو الذي يتعلق به غرضنا في هذا المقام. فنقول: الدليل عليه: أن اللفظ العام صالح له، إذ الكلام مفروض فيه، فوجب أن يدخل فيه كغيره، إذ لا مانع من الدخول، إذ الأصل عدم المانع ويؤكده الاستعمال كقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ وكقول القارئ: (السعيد من اتعظ بغيره).

стр. 1301

احتجوا بوجهين: أحدهما: بقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾، وقوله: ﴿والله على كل شيء قدير﴾، وذاته وصفاته أشياء وهو غير خالق لهما، وغير قادر عليهما، إذ الواجب لا قدرة عليه. ويقول السيد لعبده: من دخل داري فأعطه درهما، لو دخل لا يستحق الدرهم إذ يستحيل أن يستحق من ماله شيئا. وجوابه: أن الخروج للقرينة، فإن دليل الفعل دال على استحالة كون الشئ مخلوقا لنفسه، وكون الواجب مقدورا، وخروج السيد عما ذكروه من المثال للقرينة الحالية، وخروج الشئ عن عموم اللفظ لقرينة لا يقدح في العموم.

стр. 1302

وثانيهما: أنا لو لم نقل بالدخول فحيث دخل المخاطب تحت الخطاب لا يلزم الترك بالدليل إثبات حكم بدليل لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا بإثبات. ولو قلنا: بالدخول فحيث لم يدخل يلزم الترك بمقتضى الدليل، خلاف الأصل فكان الأول أولى. وجوابه: ما سبق فيما سبق فلا حاجة إلى الإعادة. اعلم أن بعض هذه المسائل، وإن كان إيراده في الخصوص أولى، لكن إنما أوردناه هنا لمناسبة إخوانه من حيث الاندراج تحت الخطاب. المسألة السادسة عشرة [حكاية النهي عن الرسول ﷺ لا يفيد العموم] قول الصحابي "نهى النبي عن بيع الغرر" و"قضى بالشفعة

стр. 1303

للجار".

стр. 1304

و"قضى بالشاهد واليمين"، وأمثالها، لا يفيد العموم عند

стр. 1305

الأكثرين. وهو الحق، لأن ما ذكروه ليس لفظ الرسول، بل هو حكاية عن نهيه ﵇ ولم يعلم عمومه، فلعل نهيه ﵇ كان خاصا بصورة فيها غرر، فظن الراوي عمومه حتى روى ما روي، وكذا يحتمل أن يكون قضاؤه لجار معين من الشريك أو الملاصق، فظن الراوي عموم الحكم فروى صيغة العموم، وكذا يحتمل أن يكون قضاؤه بالشاهد واليمين في نوع معين من المال أو البضع أو الجناية، فظن الراوي تعميمه. وبتقدير أن يعلم ذلك النوع، فلعله كان في صورة خاصة لمعنى يخصها، وظن الراوي/ (٢٢٧/ب) عموم الحكم، فروى صيغة العموم وإذا كان

стр. 1306

احتمال الخصوص قائما كاحتمال العموم لم يجز الحكم بالعموم. لا يقال: احتمال العموم راجح، لأن الظاهر من حال الصحابي أن يكون عالما بعموم نهيه ﵇، أو بخصوصه، لأنه من أهل اللسان ودينه يمنعه من إطلاق ما يفيد العموم ما لم يقطع بعموم المحكي، أو يظن ذلك ظنا قريبا من القطع فإطلاقه للعموم دال على أنه قاطع بالعموم، أو ظان به ظنا قريبا من القطع، وإذا كان كذلك كان احتمال العموم راجحا لا محالة، والعمل بالظن واجب فيكون العمل بقوله: واجبا. لأنا نقول: اختلاف الناس في صيغ العموم مشهور، فلعله اعتقد فيما سمعه أو لغة من نهيه ﵇ أنه من صيغ العموم، مع أنه ليس من صيغ العموم عند المجتهد، وليس من ظاهر حاله إصابته العموم المتفق عليه حتى يقال: إن كل من عمل بالعموم على مقتضى بقوله: ﵁ عمل بما هو عنده من العموم. ودينه إنما يمنعه من إطلاق ما يفيد العموم، لو لم يعتقد عمومه، إما إذا اعتقد ذلك فلا، بل ربما يوجبه وأيضا: الظن النشئ من ظاهر حال المجتهد في الإصابة غير معتبر بالنسبة إلى المجتهد الآخر، ألا ترى أنه لو قال المجتهد

стр. 1307

البالغ في العلم والدين قولا في المسألة ولم يذكر المجتهد الآخر مدركه فإنه لا يجوز أن يقول به مع أن الظاهر أنه لم يقل به إلا عن مدرك صحيح، لما أنه كلف بالعمل بالقطع أو الظن الناشئ من مدرك الحكم. أما لو قال الصحابي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قضيت بالشفعة للجار"، فهذا أيضا: يحتمل أن يكون حكاية عن قضاء قضاه في الماضي لجار معروف والألف واللام للعهد، لكن جانب العموم ليرجح لأن احتمال بيان شرعية الحكم اظهر، إذ لا يستدعي ذلك تقدم القضاء وكون الألف واللام للعهد. وأما لو قال الراوي: "قضى الله رسول الله ﷺ بأن الشفعة للجار" فاحتمال العموم ها هنا أرجح مما إذا قال: "قضى بالشفعة للجار وهو جار". ما لو قال سمعته ﵇ يقول: "قضيت بأن الشفعة للجار" فها هنا احتمال العموم أرجح مما سبق من المثالين قطعا. المسألة السابعة عشرة [في عموم الفعل] الفعل لا عموم له بالنسبة إلى الأحوال التي يمكن أن يقع عليها [حتى يثبت العموم] لأنه قد لا يمكن أن يقع على جميع/ (٢٢٨/أ) تلك

стр. 1308

الأحوال، لأن تلك الأحوال قد تكون مضادة، أو وإن أمكن وقوعه عليها حيث لا تضاد بينها لكن ليس بواجب أن يقع عليها حتى يثبت العموم، بل يحتمل أن يقع عليها ويحتمل أن يقع على وجه واحد منها، ومع الشك والاحتمال لا يثبت العموم. مثال الأول: ما روي عنه ﵇: "أنه صلى داخل الكعبة".

стр. 1309

فهذا لا عموم له بالنسبة إلى الفرض والنفل معا، ولا يمكن أن يستدل به على صحة الفرض والنفل جميعا في داخل الكعبة، لأن الصلاة الواحدة يستحيل أن تقع فرضا ونفلا معا. مثال الثاني: ما روي عنه ﵇: "أنه صلى العشاء بعد غيبوبة الشفق". فيحتمل أن يكون بعد غيبوبة الشفق الأحمر، ويحتمل أن يكون بعد غيبوبة "الشفقين" الأحمر والأبيض ولا يثبت عمومه بالنسبة إليهما

стр. 1310

ولا يجب أن يحمل أنه صلى بعدهما. وإن قيل: بجواز حمل المشترك على المفهومين لاحتمال أن يكون بعد غيبوبة الأحمر مع صدق اللفظ، بخلاف قوله: بعد الشفقين، فإن اللفظ لا يصدق نعم قوله: بعد الشفق، يكون كقوله: بعد الشفقين، على رأي من يقول: بوجوب حمل المشترك على المفهومين كالقاضي أبي بكر "﵀"، لكن العموم لم يثبت له حينئذ، من حيث أنه فعل، بل من دلالة اللفظ، ونحن إنما ادعينا عدم عموم الفعل بالنسبة إلى الأحوال التي يمكن أن يقع عليها من حيث إنه فعل لا بالإخبار بصراحة الألفاظ عن كونه واقعا على جميع تلك الأحوال، فإن العموم حينئذ "للقول لا" للفعل. وأما قول الصحابي ﵁ "كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين".

стр. 1311

من قبيل القسم الأول: إن قيل بأن: كان، لا يقتضي تكرار الفعل وهو الحق، لأن مقتضاه حينئذ هو الجمع مرة واحدة وهو إما في وقت الأولى "منهما"، أو في وقت ثانية، ويستحيل أن يكون الجمع مرة واحدة يقع فيهما. وأما إن قيل بأن: كان يقتضي التكرار في العرف، وإن لم يقتضيه في

стр. 1312

اللغة، بدليل أنه لا يقال في العرف: فلان كان يتهجد إذا تهجد مرة واحدة. فهو من قبيل القسم الثاني: لأن مقتضاه وهو تكرار الجمع يحتمل أن يكون واقعا على وجه واحد، وهو إما في وقت الأولى أو في وقت الثانية، ويحتمل أن يكون واقعا على الوجهتين: بأن يكون بعضه في وقت الأولى وبعضه في وقت الثانية، وعلى التقديرين لا عموم له بالنسبة إلى الوقتين. ويجب أن تعلم أنه كما لا عموم له بالنسبة إلى الوقتين لا عموم له أيضا: بالنسبة إلى سفر النسك وغيره. وإن قيل بأنه: كان للتكرار، لأنه ليس من ضرورة تكرار الجمع أن يكون بعضه في سفر النسك وبعضه في غيره، بل يتصور ذلك في غير سفر النسك وفي سفر النسك وحده أيضا: اللهم إلا إذا أريد من الصلاتين نوعا واحدا من صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فإن تكراره في سفر نسكه ﵇ غير متصور، وحينئذ يمكن الاستدلال بما رواه الصحابي على جواز الجمع في غير سفر النسك، لأنه حينئذ يتعين أن يكون المراد منه في غير سفر النسك، أما إذا لم نقل بهذا الاحتمال فلا. لا بطريق العموم ولا بطريق إرادته منه فقط. واعلم أيضا: أنه كما لا عموم للفعل بالنسبة إلى أحواله التي يمكن أن

стр. 1313

يقع عليها، لا عموم [له] أيضا: بالنسبة إليه ﵇ والى غيره، من حيث إنه فعل، بل لو ثبت له عموم فإنما يثبت ذلك الدليل من خارج نحو دليل التأسي به ﵇، إما مطلقا أو في نوع معين كالصلاة والحج كقوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وكقوله ﵇: "خذوا عني مناسككم". وأما ما ثبت من الأحكام على العموم، بما روي أنه فعله نحو شرعية سجود السهو بما روى أنه ﵇: "سهي فسجد". ووجوب

стр. 1314

الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال بما روت أم المؤمنين عائشة- ﵂ (فعلته أنا ورسول الله [ ﷺ ] واغتسلنا".

стр. 1315

ونحوهما من الأحكام، فليس ذلك لمجرد الفعل، بل لدليل آخر نحو الإشعار بالعلية، كما في سجود السهو ونحو القياس والإلحاق بالأعم والأغلب، كما في خبر التقاء الختانين.

стр. 1316

المسألة الثامنة عشرة قال الشافعي ﵁: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. مثاله: أن ابن غيلان اسلم على عشرة نسوة فقال له الرسول عليه وسلم: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" ولم يسأله عن كيفية عقده عليهن في

стр. 1317

الجمع والترتيب، فكان إطلاقه القول دالا على أنه لا فرق في هذا الحكم بين عقده.

стр. 1318

عليهن جمعا وترتيبا. واعترض/ (٢٢٩/أ) عليه: بأنه يحتمل أن يكون النبي ﵇ عرف خصوص الحال، فأجاب بناء على ذلك، لا لأنه لا فرق بين تلك الحالة وغيرها في ذلك الحكم. وهو ضعيف، لأن من الظاهر أنه ليس المراد من قوله "﵁" مع قيام الاحتمال، احتمال لفظ الحكاية لتلك الحالة، وإن فرض المسئول عالما بأن تلك الحالة غير مرادة للسائل، إما لعلمه بأن القضية لم تقع على تلك الحالة، أو لقرينة تدل على أن تلك الحالة غير مرادة له، بل المراد منه احتمال وقوع تلك القضية في تلك الحالة عند المسؤول مع احتمال

стр. 1319

اللفظ إياها، وعند ذلك لا يخفي أنه يسقط ما ذكروه من الاحتمال. المسألة التاسعة عشرة [الحكم في واقعة مخصوصية يفيد العموم] اختلفوا فيما إذا حكم النبي ﵇ بحكم في واقعة مخصوصة وذكر علته، كما في حكم الأعرابي المحرم الذي وقصت به ناقته بأنه لا يخمر رأسه ولا يقرب طيبا لعلة أنه يحشر يوم القيامة ملبيا حيث قال: "لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا"، وكما حكم في شهداء أحد بأنهم يدفنون على حالهم لعلة أنهم يحشرون على أثر الشهادة حيث قال: (زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم

стр. 1320

تشخب دما". أنه هل يفيد تعميم الحكم حيث وجدت تلك العلة أم لا؟ فذهب الشافعي ومن تابعه إلى أنه يفيده. خلافا للقاضي أبي بكر

стр. 1321

الباقلاني وإليه ميل الغزالي. واعلم: أنه لا يظن بالشافعي ﵁ أنه قال ذلك: بناء على أن اللفظ يفيده، إذ ليس اللفظ الوارد في هذا الباب، مما يفيد التعميم لا بحسب اللغة، ولا بحسب العرف، بل إنما قال ذلك بناء على الاشتراك في العلة، فإن ذلك الوصف لحرف الفاء عقيب الحكم يفيد عليته، على ما ستعرف ذلك في القياس- إن شاء الله تعالى- والاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم، فيكون الحكم عاما لعموم علته لا لأن اللفظ يفيد تعميمه. فإن قلت: لا نزاع في أنه يفيد عليه ذلك الوصف لذلك الحكم، ولا نزاع أيضا في أنه حيث وجد ذلك الوصف وجد ذلك الحكم، لكن لم قلت: إن علة ذلك الوصف هو ما وجد من الإحرام، والشهادة، في ذينك المحلين لا غير حتى يلزم من تحقق الإحرام والشهادة بمجردهما تحقق هذين الحكمين، ولم لا يجوز أن يكون علته، هو المجموع الفاصل من كونه محرما ووقصت به/ (٢٢٩/ب) ناقته؟ أو المجموع الحاصل من كونه محرما وما علم منه

стр. 1322

عليه السلام من حسن إسلامه وموته عليه وكونه مخلصا في أداء تلك العبادة؟ أو المجموع الحاصل من هذين المجموعين لا مجرد الإحرام؟. وكذلك القول في الشهادة فإنا نمنع أن تكون علة حشرهم على تلك الحالة هي الشهادة المجردة، ولم لا يجوز أن تكون العلة هو المجموع الحاصل منها ومن سبقهم في الإسلام، وعلو درجتهم فيه، وإخلاصهم في الجهاد؟ وهذا المجموع لا يحصل في كل شهيد، فلا يلزم [من] حصول ذلك الوصف، فلا يثبت ذلك الحكم. قلت: لا ننكر أن ما ذكرتم محتمل، لكن الاحتمال الأظهر المتبادر إلى الفهم عند سماع هذا الكلام، إنما هو التعليل بالإحرام والشهادة بمجردهما لما أنه ﵇ جعل علة الحكم فيهما وصفين هما من آثار الإحرام والشهادة لا إشعار لهما بما ذكرتم من الأوصاف. المسألة العشرون [في عموم مفهوم الموافقة] اختلفوا في أن مفهوم الموافقة، على تقدير أن تكون دلالته معنوية، أو المخالفة على تقدير كونه حجة، هل له عموم أم لا؟ فأثبته البعض.

стр. 1323

ونفاه البعض كا "لشيخ" الغزالي "رحمه الله تعالى". والحق أن النزاع فيه لفظي، لأن من قال: إنه عام فإنما قال ذلك: لأنه يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه، إما على موافقة المنوط به، أو على مخالفته كاللفظ يثبت الحكم في جميع الصور مسمياته، ومن نفاه فإنما نفاه لأن دلالته ليست لفظية والعام عنده لفظ تتشابه دلالته بالنسبة إلى مسمياته، لا لأنه لم يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه، فإن ذلك ينفي كونه حجة، والمفهوم ليس بلفظ فلا يكون عامًا.

стр. 1324

واعلم أن الخلاف مبني على الخلاف في المعاني هل توصف بالعموم أم لا؟. وأولى بأن يكون له عموم لاتحاد النسبة وعدم التمييز ووجوب التعميم.

стр. 1325

"القسم الثاني" في الخصوص

стр. 1326

القسم الثاني في الخصوص وهو مرتب على مقدمة، وفصول. أما المقدمة ففيها مسائل:- المسألة الأولى في حد التخصيص قال أبو الحسين البصري: هو إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه. وهذا على رأي المعممين. أما على رأي الواقفية، والقائلين بالاشتراك: هو إخراج بعض ما يصح أن يتناوله الخطاب عنه، سواء كان الذي صح واقعا، أو لم يكن واقعا. اعترض على الأول: بأنه لا يصح على مذهب، أما على المذاهب الثلاثة أعني الاشتراك، والوقف، والخصوص فظاهر.

стр. 1327

وأما على مذهب المعممين، فلأنه إن/ (٢٣٠/أ) لم يقم دليل على مخالفة الحقيقة وجب إجراء اللفظ على ظاهره، وهو العموم، وحينئذ لم يتحقق الإخراج، وإن قام الدليل على مخالفة الحقيقة وامتناع العمل به في الاستغراق [وجب حمله على المجاز الذي هو الخصوص، وحينئذ لا يكون اللفظ متناولا للحقيقة، وهي الاستغراق]، فلا يتحقق إخراج بعض ما يتناوله الخطاب أيضا، لأنه مستعمل في المجاز حينئذ، وحين يكون اللفظ مستعملا في المجاز لا يكون مستعملا في الحقيقة، وعلى هذا فإطلاق القول بتخصيص العام، أو أن هذا عام مخصص لا يكون حقيقة. والحاصل أن اللفظ حين يكون محمولا على الاستغراق لا يتصور الإخراج منه، وحين يكون محمولا على الخصوص لا يتحقق تناول الاستغراق لعدم الاستعمال فيه. وهو ضعيف جدا، لأن التناول ليس عين الاستعمال، ولا هو مشروطا به حتى يلزم من انتفائه، فإن اللفظ متناول للحقيقة بطريق الوضع وإن كان مستعملا في المجاز، ولأن كون اللفظ متناولا لمعنى صفة حاصلة له أبدا بالوضع، وبالذات عند من يقول: إن دلالتها ذاتية. أما استعماله في معنى وإرادته منه فصفة حاصلة له من اللافظين

стр. 1328

ويفارقه ويختلف باختلافهم من أهل ذلك اللسان، بل من لافظ واحد في ساعتين، بل في ساعة واحدة عند من يجوز استعماله في الحقيقة والمجاز، وإذا كان كذلك استحال أن يكون التناول عين الاستعمال أو مشروطا به. وتلخيص العبارة في ذلك أن يقال: إن تناول اللفظ لمعنى، كدلالة الدليل على المدلول، فكما أنه ليس من شرط دلالة الدليل على المدلول أن يكون ثابتا، بل يجوزان ألا يثبت لمانع، فكذا ليس من شرط التناول أن يكون المتناول مرادا، بل يجوز أن لا يكون مرادا لعدم الاستعمال فيه. فإن قلت: يجب تقييد التعريف "بالوضع" ليكون مانعا، وإلا لدخل فيه ما ليس منه، كالخطاب العام المحمول على عمومه، لأنه أخرج عنه بعض ما تناوله، وهو المعنى المجازي، لأن تناول اللفظ أعم من أن يكون بطريق الحقيقة أو بطريق التجوز، وكالخطاب المحمول على بعض مجازاته مصروف عن النقض، لأنه اخرج عنه بعض ما تناوله. قلت: من يجوز استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز، أو في المجازات بأسرها عند تعذر حمله على الحقيقة، فذكر التقييد يفسد/ (٢٣٠/ب) التعريف عنده، لأنه حينئذ يصير غير جامع، إذ يخرج عنه ما ذكرتم من النوعين من الخطاب، مع أنها من جملة المخصوصات عنده. وأما من لم يجوز ذلك فلا حاجة عنده إليه، لأن اللفظ بمجرده لا يتناول المعنى المجازي عنده، إذ المعنى من التناول مما لو جرد النظر إليه لغلب على الظن إرادة متناوله كالدليل، والمعنى المجازي ليس كذلك بالنسبة إلى اللفظ

стр. 1329

العاري من القرينة، فلا يكون متناولا له، وإنما هو بحيث يصح أن يتناوله. وإذا عرفت معنى التخصيص، فلا يخفى عليك أن معنى قولنا: عام مخصوص على رأينا، هو أنه مستعمل في بعض ما وضع له، وعلى رأي الواقفية والقائلين بالاشتراك: هو أنه أريد منه بعض ما يصلح له دون بعض، فيكون المخصص للعام حقيقة إنما هو إرادة المتلفظ، لأنها المؤثرة في استعماله في بعض ما يتناوله، "أو بعض ما يصح أن يتناوله" على اختلاف المذهبين. ويقال: على سبيل التجوز على الدليل الذي يعرف ذلك، وعلى الشخص الذي يقيم ذلك الدليل، وعلى الشخص الذي يعتقد التخصيص، أو يقول به سواء كان محقا فيه أو مبطلا. المسألة الثانية في الفرق بين التخصيص والنسخ قال الإمام رحمه الله تعالى: "لا معنى للنسخ إلا تخصيص الحكم

стр. 1330

بزمان معين بطريق خاص، فيكون الفرق بينهما فرق ما بين العام والخاص. وفيه نظر: إذ لا يصح هذا الفرق بحسب اللغة، لأن معنى النسخ في اللغة هو الإبطال، أو النقل، والتحويل، على اختلاف فيه. وهو غير متضمن لمعنى التخصيص الذي هو الإفراد، ولا بحسب الاصطلاح وسيظهر لك ذلك مما نذكره من الفرق بينهما وهو من وجوه: أحدها: أن التخصيص مخصوص بالأعيان، والنسخ مخصوص بالأزمان، بدليل أنهما المتبادران إلى اأإفهام عند إطلاقهما. وثانيها: أن النسخ يرد على كل حكم ثبت بأي طريق كان، والتخصيص لا يتطرق إلا إلى ما ثبت بالألفاظ أو ما يؤول إليه: وثالثها: أن النسخ يتطرق إلى كل حكم سواء كان ثابتا في [حق شخص واحد] أو في حق أشخاص كثيرة، والتخصيص لا يتطرق إلى النوع الأول.

стр. 1331

ورابعها: أنهم يعدون النسخ إبطالا، ولهذا يشترطون فيه ما لا يشترطون في التخصيص، بخلاف التخصيص، فإنهم يعدونه بيانا. ولهذا يتساهلون في إثباته وإن كان يرفع مقتضى اللفظ. وخامسها: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، بل يجب ذلك على رأي/ (٢٣١/أ)، وأما التخصيص فإنه لا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمخصص وفاقا. وسادسها: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى، ولا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى، وهو من تفاريع الفرق الخامس. وسابعها: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، والتخصيص ليس كذلك، وهذا على رأي القاضي، وأما على رأي الأستاذ أبي إسحاق- رحمه لله تعالى- فإنه ينبغي أن يقال: هو انتهاء حكم كان ثابتا، والتخصيص ليس كذلك.

стр. 1332

وثامنها: أن الناسخ يجب أن يكون متراخيا، والمخصص [لا يجب فيه ذلك، بل يجوز أن يكون مقارنا، ويجوز أن يكون متقدما. وتاسعها: أن التخصيص] يقع بالإجماع، والنسخ لا يقع به. وعاشرها: أن تخصيص المقطوع يقع بالظنون كخبر الواحد والقياس، ونسخه لا يقع به. وحادي عاشرها: أنه يجوز تخصيص الخبر ولا يجوز نسخه، وهذا على رأي أكثر المتقدمين. وثاني عشرها: الناسخ يجب أن يكون طريقا شرعيا، والمخصص لا يجب أن يكون كذلك، فإنه يجوز التخصيص بالعقل والحس.

стр. 1333

المسألة الثالثة [إطلاق العام وإرادة الخاص] يجوز إطلاق العام وإرادة الخاص سواء كان في الأمر أو في الخبر. خلافا لعضهم. والدليل عليه: وقوعه في القرن العظيم فإنه دليل الجواز وزيادة، وهو كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ مع أن أهل الذمة من المشركين غير مراد منه، وكقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربك﴾ مع أن الصبي والمجنون غير مرادين منه، وكقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ مع أن كل سارق وسارقة غير مرادين منه بالإجماع،

стр. 1334

وكذا القول في قوله تعالى: ﴿والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، وكقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ مع أن المسافر والمريض والعبد مخصوصون منه، وأمثاله كثيرة غير عديدة. وأما في الخبر فهو كقول الله تعالى: ﴿خالق كل شيء﴾ مع أنه تعالى غير خالق لنفسه، لأن خلق الشيء نفسه ممتنع. وكقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ مع أنه تعالى غير قادر على ذاته ضرورة أنه تعالى واجب الوجود لذاته ولا قدرة على الواجب. فإن قلت: استدلالكم بالآيتين، إنما يتم لو كان الله تعالى شيئا وهو ممنوع، فلم قلتم إنه كذلك؟ سلمنا: ذلك لكن لا نسلم أن اللفظ يتناوله، وهذا لأن اللفظ لم يوضع لما يخالف المعقول عندنا، وإذا لم يتناوله اللفظ لم يلزم التخصيص إذ التخصيص فرع التناول.

стр. 1335

سلمنا: صحة دلالتكم لكنه معارض: بما أن تجويزه في الأمر/ (٢٣١/ب) يوهم البداء وفي الخبر يوهم الكذب، وإيهام القبيح، وهو على الشارع محال. قلت: الدليل على أنه تعالى شيء المنقول، والمعقول. أما المنقول: فقوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾. وقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ والاستدلال بهما ظاهر. وأما المعقول: فلأن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه أو ما له وجود في الخارج على اختلاف المذهبين، والله تعالى كذلك فيكون شيئا، ولأن النزاع بين العقلاء إنما هو في تسميته تعالى بالشيء، لا في تحقق مسمى الشيء فيه تعالى. وأما الدليل على أن اللفظ يتناوله: فهو أنه لو فرض صدوره، أو ما يجري مجراه نحو أن يقال: كل شيء يفنى أو يموت ممن لم يثبت صدقه،
следующие страницы →