Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
ورابعها: أنهم يعدون النسخ إبطالا، ولهذا يشترطون فيه ما لا يشترطون في التخصيص، بخلاف التخصيص، فإنهم يعدونه بيانا. ولهذا يتساهلون في إثباته وإن كان يرفع مقتضى اللفظ.
وخامسها: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، بل يجب ذلك على رأي/ (٢٣١/أ)، وأما التخصيص فإنه لا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمخصص وفاقا.
وسادسها: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى، ولا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى، وهو من تفاريع الفرق الخامس.
وسابعها: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، والتخصيص ليس كذلك، وهذا على رأي القاضي، وأما على رأي الأستاذ أبي إسحاق- رحمه لله تعالى- فإنه ينبغي أن يقال: هو انتهاء حكم كان ثابتا، والتخصيص ليس كذلك.
стр. 1332
وثامنها: أن الناسخ يجب أن يكون متراخيا، والمخصص [لا يجب فيه ذلك، بل يجوز أن يكون مقارنا، ويجوز أن يكون متقدما.
وتاسعها: أن التخصيص] يقع بالإجماع، والنسخ لا يقع به.
وعاشرها: أن تخصيص المقطوع يقع بالظنون كخبر الواحد والقياس، ونسخه لا يقع به.
وحادي عاشرها: أنه يجوز تخصيص الخبر ولا يجوز نسخه، وهذا على رأي أكثر المتقدمين.
وثاني عشرها: الناسخ يجب أن يكون طريقا شرعيا، والمخصص لا يجب أن يكون كذلك، فإنه يجوز التخصيص بالعقل والحس.
стр. 1333
المسألة الثالثة
[إطلاق العام وإرادة الخاص]
يجوز إطلاق العام وإرادة الخاص سواء كان في الأمر أو في الخبر.
خلافا لعضهم.
والدليل عليه: وقوعه في القرن العظيم فإنه دليل الجواز وزيادة، وهو كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ مع أن أهل الذمة من المشركين غير مراد منه، وكقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربك﴾ مع أن الصبي والمجنون غير مرادين منه، وكقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ مع أن كل سارق وسارقة غير مرادين منه بالإجماع،
стр. 1334
وكذا القول في قوله تعالى: ﴿والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، وكقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ مع أن المسافر والمريض والعبد مخصوصون منه، وأمثاله كثيرة غير عديدة.
وأما في الخبر فهو كقول الله تعالى: ﴿خالق كل شيء﴾ مع أنه تعالى غير خالق لنفسه، لأن خلق الشيء نفسه ممتنع. وكقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ مع أنه تعالى غير قادر على ذاته ضرورة أنه تعالى واجب الوجود لذاته ولا قدرة على الواجب.
فإن قلت: استدلالكم بالآيتين، إنما يتم لو كان الله تعالى شيئا وهو ممنوع، فلم قلتم إنه كذلك؟
سلمنا: ذلك لكن لا نسلم أن اللفظ يتناوله، وهذا لأن اللفظ لم يوضع لما يخالف المعقول عندنا، وإذا لم يتناوله اللفظ لم يلزم التخصيص إذ التخصيص فرع التناول.
стр. 1335
سلمنا: صحة دلالتكم لكنه معارض: بما أن تجويزه في الأمر/ (٢٣١/ب) يوهم البداء وفي الخبر يوهم الكذب، وإيهام القبيح، وهو على الشارع محال.
قلت: الدليل على أنه تعالى شيء المنقول، والمعقول.
أما المنقول: فقوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾. وقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ والاستدلال بهما ظاهر.
وأما المعقول: فلأن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه أو ما له وجود في الخارج على اختلاف المذهبين، والله تعالى كذلك فيكون شيئا، ولأن النزاع بين العقلاء إنما هو في تسميته تعالى بالشيء، لا في تحقق مسمى الشيء فيه تعالى.
وأما الدليل على أن اللفظ يتناوله: فهو أنه لو فرض صدوره، أو ما يجري مجراه نحو أن يقال: كل شيء يفنى أو يموت ممن لم يثبت صدقه،
стр. 1336
فإنه يتوجه لتكذيب نحوه بالنسبة إلى لله تعالى، ولا شك أن فناءه وموته تعالى محال، فلو لم يكن اللفظ متناولا له لما توجه التكذيب نحو قائله.
وأما قوله: في سند المنع: اللفظ لم يوضع لما يخالف المعقول، فباطل وإلا لما أمكن التعبير عن حصول المحال.
وأما الجواب عن المعرضتين: فهو أن الإيهام زائل بالدليل الدال على امتناع البداء والكذب على الله تعالى.
واعلم: أن الآيات التي تشتمل على إطلاق لفظ العام وإرادة الخاص في الخبر كثيرة، نحو قوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء﴾، وقوله تعالى: ﴿يجبي إليه ثمرات كل شيء﴾، وقوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾، وقوله تعالى: ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾، وقوله: ﴿وأوتينا من كل شيء﴾ وغيرها من الآيات الخبرية، والأمرية المخصوصة التي يطول ذكرها.
وقد روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "ما من عام إلا وقد خص عنه البعض".
ويقال أيضا في العرف العام: خالطت كل الناس، وباشرت كل الأمور، مع أنه لم يخالط كلهم بل أكثرهم، ولا باشر كلها بل أكثرها، والتعبير
стр. 1337
خلاف الأصل وعند هذا تعرف أن العلم الحاصل بجوازه من قاعدة كلامهم يكاد أن يكون ضروريا فلا يلتفت إلى إنكار من أنكره من الشذوذ.
المسألة الرابعة
فيما يجوز تخصيصه وما لا يجوز
اعلم أن الذي لا يتناول إلا الواحد لا يجوز تخصيصه، لأن التخصيص على ما عرفت: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وذلك غير متصور فيما لا يتناول إلا الواحد.
وأما الذي يتناول أكثر من ذلك فعمومه، إما من جهة اللفظ أو من جهة المعنى.
فإن كان الأول: فإنه يجوز تخصيصه سواء كان عاما لا خصوص فيه/ (٢٣٢/أ) بوجه من الوجوه، كالمعلوم يتناول المعدوم والموجود، أو لا يكون كذلك بل فيه عموم بالنسبة إلى معلوم، وخصوص بالنسبة إلى معلوم كالشيء، فإنه لا يتناول المستحيل وفاقا والموجود وما تحته من أسماء الأجناس.
وأما الذي عمومه من جهة المعنى: فهو إما أن يكون تابعا لدلالة اللفظ
стр. 1338
كمفهوم المخالفة والموافقة، أو يكون كالعلة العامة.
فإن كان الأول: فإنه يجوز تخصيص النوع الأول منه مطلقا.
وأما الثاني: فإنه يجوز أيضا لكن بشرط أن لا يعود نقضا على الملفوظ كإباحة ضرب الأم إذا فجرت، أما إذا عاد نقضا عليه كما إذا قال: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ لكن ينتج له نوعا من أنواع الأذى مطلقا فإنه لا يجوز.
وأما الثاني: ففي جواز تخصيصه كلام ستعرفه في القياس إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة
[في العناية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص]
اختلفوا في الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص، فذهب جماعة إلى أنه يجوز أن ينتهي التخصيص إلى الواحد في جميع ألفاظ العموم.
стр. 1339
ومنهم: من منع من ذلك في جميع ألفاظ العموم، وأوجب أن يراد بها كثيرة تقرب من مدلول اللفظ، وإن لم يعلم قدرها عينا، إلا أن يستعمل في حق الواحد على سبيل التعظيم أو الإبأنة أن ذلك الواحد يجري مجرى العدد الكثير، وهو مذهب "أبي" الحسين البصري، وكثير من أصحابنا كإمام الحرمين، والإمام "رحمهما الله".
стр. 1340
ومنهم: من فصل بين الجمع المعرف باللام كالرجال، والمسلمين، والجمع المذكر لو قيل بعمومه، وبين غيره من ألفاظ العموم "كمن" و"ما" والمفرد المعرف باللام، لو قيل بعمومه، فأوجب في النوع الأول الانتهاء إلى أقل الجمع وهو الثلاثة، ولم يوجب ذلك فيما عداه، بل جوز انتهاء التخصيص فيه إلى الواحد، وهو مذهب القفال الشاشي ﵀ "تعالى".
احتج الأولون: بالنص، والأثر، والمعقول.
أما النص: فنحو قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وقوله تعالى: ﴿نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ﴿
стр. 1341
وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، وقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾، والمراد بالناس القائلين: الواحد، وهو نعيم بن مسعود الاشجعي، وقوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾، والمراد منه علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 1342
وأما الأثر فقول عمر ﵁: لسعد/ (٢٣٢/ب) بن أبي وقاص نفذ إليه القعقاع مع ألف فارس: (قد نفذت إليك ألفي فارس) فقال سعد ﵁: (قد نفدت إلى ألف فارس والقعقاع)، فقال
стр. 1343
رضي الله عنه: (القعقاع بألف) أطلق اسم الألف على الواحد.
وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها: القياس على الاستثناء، فإنه يجوز استثناء الجمع إلا الواحد باتفاق بيننا وبينكم، فكذا التخصيص، الجامع تدارك الضرر الناشئ من التعميم، أو يقول بطريقة أخرى: إن استثناء الجميع إلا الواحد جائز باتفاق بيننا وبين خصومنا، فكذا التخصيص، لأن الاستثناء تخصيص خاص، ومتى صدق الخاص صدق العام.
وثانيها: أن استعمال اللفظ في بعض ما وضع له "مجاز، فليس القول بجواز هذا التجوز في بعض أقسام" ما وضع له دون البعض الآخر أولى من العكس، فوجب جوازه في الكل نظرا إلى الجهة المسوغة للتجوز.
وثالثا: أنه لو امتنع إطلاق الجمع وإرادة الواحد منه، فإما أن يمتنع ذلك، لأن اللفظ لم يستعمل في حقيقته، أو لأنه إذا استعمل فيه صار الخطاب مجازا، أو لأنه حينئذ يبطل دلالة هيئة الصيغة على مدلولها، إذ الأصل
стр. 1344
انتفاء مانع آخر، لكن الكل باطل.
أما الأولان: فلاقتضائهما امتناع تخصيص العام بالنسبة إلى أي عدد يفرض من ضرورة أنه حينئذ غير مستعمل في حقيقته وهو مجاز فيه، وهو باطل بالإجماع.
وأما الثالث: فلوجهين:
أحدهما: أن دلالة هيئة الصيغة "لا تزيد على دلالة أصل الصيغة"، فإذا لم يكن بطلان دلالة أصل الصيغة مانعا، فلأن لا يكون بطلان دلالة هيئة الصيغة مانعا أولى.
[وثانيهما]: أن ذلك ليس حاصلا في "من" و"ما"، وما يجري مجراهما فوجب أن يجوز تخصيصه إلى الواحد ضرورة انتفاء علة الفساد، والخصم لا يقول به.
الجواب عن الآيات: أنها غير دالة على محل النزاع، "لأن" بعضه مستعمل في الواحد على سبيل التعظيم، وبعضها على سبيل الإبانة على أن
стр. 1345
ذلك يجري مجرى العدد الكثير، ونحن نجوز ذلك وليس هو من التخصيص "في شيء"، وهو الجواب بعينه عن ابن عمر ﵁.
"والجواب" عن الوجه الأول: من المعقول: بعدم تسليم حكم الأصل، فإنه ممنوع عند بعضهم: وتسليم صحة القياس في اللغة بالفرق، وهو أن الاستثناء عندنا: إخراج من المستثنى منه وتغيير للإسناد/ (٢٣٣/أ) إذ هو: مع المستثنى منه كالشيء الواحد، بخلاف التخصيص فإنه ليس كذلك.
وعن الطريقة الثانية: "أنه" لا نزاع في أنه متى ثبت الخاص ثبت العام، لكن المثبت للحكم في خاص، لم قلتم: أنه يلزمه أن يثبته في أفراد عمومه؟.
وظاهر أنه لا يلزمه ذلك، لأنه يجوز أن يكون ذلك لمعنى يخصه.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن بعض الأقسام ليس أولى من البعض، وستعرف سنده في استدلالنا.
стр. 1346
وعن الثالث: منع حصر علة عدم الجواز فيما ذكروه من الأقسام، وهذا لأنه يجوز أن يكون علة ذلك عدم استعمالهم تخصيص العام على ذلك الوجه.
وهذا الجواب إنما يستقيم على رأي من يرى أن المجاز موقوف على السمع، أما من لم ير ذلك بل يكتفي بمجرد العلاقة فلا.
وجوابه: على هذا أن يقال: إنه وإن اختلف في اعتبار السمع في الاستعمال، لكن لا خلاف في اعتبار المنع منه، واستقباحهم هذا النوع من الاستعمال على ما ستعرف ذلك، هو المانع منه، لا ما ذكرتم من الأقسام.
احتج أبو الحسين البصري، بأن الرجل إذا قال: أكلت كل ما في الدار من الرمان، وكان فيها ألف من الرمان مثلا، وكان قد أكل واحد أو ثلاثة منه عابه أهل اللسان.
وكذلك لو قال لعبده: من دخل داري فأعطه درهما، ثم قال: له أردت بذلك: زيدا وحده، أو ثلاثة أشخاص بأعيانهم، يعد كلامه مستهجنا ومستقبحا، وإن أظهر دلالة إرادة الواحد أو الثلاثة منه، إذ لو لم تظهر الدلالة لم يجز أصل التخصيص فضلا عن التخصيص على هذا الوجه ولو كان هذا النمط من التخصيص جائزا لما كان كذلك، كما إذا أبقى عدد كثيرا.
стр. 1347
وقول القائل: "أكلت اللحم والخبز"، و"شربت الماء"، ليس من هذا القبيل.
وإن قيل: بأن المفرد المعرف يعم إذا لم يكن للعهد ولتعريف الماهية، لأن التعريف فيها للعهد.
واحتج من قال: بالتفصيل بأن رد صيغة الجمع إلى الواحد على وجه التخصيص إبطال لدلالة أصل الصيغة وهيئته، فيكون تركا لدلالته بالكلية، فيكون نسخا، فوجب أن لا يقبل فيه ما يقبل في التخصيص.
وحينئذ لم يجز رده إلى الواحد على وجه التخصيص، وهو المطلوب، بخلاف "من" وإخوانه لا تتغير فيه دلالة هيئة الصيغة، إذ ليس لهيئة صيغته دلالة أصلا على شئ فلم يتطرق إليه تغيير كلي.
وجوابه: منع كونه نسخا، إذ لا تبطل دلالته"/ (٢٣٣/ب) بالكلية،
стр. 1348
بحيث لا يبقى من مدلوله شيء ولو اعتبر ذلك نسخا مع دلالته على بعض مدلوله، لكان حمل اللفظ على المجاز الخارج عن مسماه أولى أن يكون نسخا، فوجب أن لا يقبل فيه إلا ما يقبل في النسخ، لكنه باطل وفاقا.
المسألة السادسة
[العام المخصوص حقيقة في الباقي أو مجاز]
اختلفوا في أن العام المخصوص، هل هو حقيقة في الباقي أو هو مجاز؟.
فذهب جمهور أصحابنا، والمعتزلة كأبي على، وأبي هشام: إلى أنه مجاز كيف كان المخصص، وهو اختيار عيسى بن أبان من الحنفية.
стр. 1349
وذهب جمهور الحنفية، والحنابلة، وكثير من أصحابنا، إلى أنه حقيقة كيف كان المخصص.
ومنهم من فصل وذكر فيه وجوها:
أحدها: أن المخصص إن كان مستقلا، سواء كان عقليا كالدليل الدال على أن غير القادر مراد من الخطاب في العبادات، أو لفظي، كما إذا قال المتكلم بالعام: أردت به البعض الفلاني فهو مجاز، وإن لم يكن مستقلا كالاستثناء كما إذا قال: من دخل داري أكرمته إلا زيدا، والشرط نحو أن يقول: من دخل داري أكرمته "إن أهدى إلي" والتقييد بالصفة مثل أن يقول: من دخل داري [من الطوال أكرمته، فهو حقيقة.
стр. 1350
والتقييد بالغاية: وإن لم] يذكروه في هذا المقام حكمه حكم أخواته من المتصلات ظاهرا، إذ لا يظهر فرق بينهما على هذا الرأي، وهو اختيار الكرخي، وأبي الحسين البصري، والإمام منا.
وثانيها: أنه إن خص بالشرط أو الاستثناء فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز "حتى" في الاستثناء. وهو مذهب القاضي عبد الجبار من المعتزلة.
ونقل بعضهم عنه: أنه إن خص بدليل منفصل فهو حقيقة وإلا فهو مجاز.
стр. 1351
وكلامه في "العمدة" يدل على أنه اختار أنه مجاز كيف كان المخصص فلعله اختار ما نقل عنه في غيره.
ورابعها: أنه إن خص بدليل لفظي سواء كان متصلا أو منفصلا، فهو حقيقة وإلا فهو مجاز.
وخامسها: أنه بقى بعد التخصيص جمع، فهو حقيقة فيه وإلا فهو مجاز، وهو مذهب أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة ﵁.
وكلام الشيخ الغزالي صريح في أنه لا خلاف في أن هذا مجاز.
стр. 1352
وسادسها: أنه حقيقة في تناول ما بقى، مجاز في الاقتصار عليه، وهو اختيار إمام الحرمين رحمه الله تعالى.
والحق هو مذهب الأولين:
والدليل عليه/ (٢٣٤/أ)، أن اللفظ حقيقة في الاستغراق فقط، على رأي المعممين، والكلام في أن العام المخصوص، هل هو حقيقة أو مجاز إنما هو على رأيهم.
وأما على رأي الواقفية وأرباب الخصوص والقائلين بالاشتراك: فغير متصور.
وإذا كان كذلك كان استعماله في غير ما وضع له، فيكون مجازا سواء كان الدليل الدال على ذلك لفظيا متصلا كان أو منفصلا، أو عقليا، إذ لا معنى للمجاز: إلا استعمال اللفظ في غير ما وضع له لملاحظة بينه وبين ما وضع له.
وهذا المعنى لا يختلف باختلاف الدليل المبين له، وهو غني عن مزيد كشف وبيان. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: العام وحده حقيقة في الاستغراق، ومع القرينة "المخصصة لفظية كانت أو عقلية حقيقة فيما عدا المخصوص؟.
стр. 1353
سلمنا: أن مع القرينة" العقلية ليس بحقيقة فيه، لكن لم لا يجوز أن يكون مع القرينة اللفظية سواء كانت متصلة أو منفصلة حقيقة فيه؟.
وهذا لأن دلالتهما وضعية، فأمكن أن يقال: إن مجموعهما حقيقة في ذلك الباقي.
سلمنا: أنه ليس بحقيقة مع القرينة اللفظية المنفصلة، فلم لا يجوز أن يكون حقيقة مع المتصلة سواء كانت شرطا أو استثناء أو صفة؟.
وهذا لأن العام مع القرائن المتصلة من الاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة، تصير كلاما واحدا آخر مركبا من ذلك العام والقرينة المتصلة مستقلا بنفسه غير العام وما معه بدون تلك القرائن مفيدا لذلك البعض الباقي فقط، إذا لو أفاد غيره معه لم تكن تلك القرائن مفيدة، وإذا لم يفد غيره معه استحال أن يقال: إنه مجاز فيه، إذ المجاز ما يكون من الكلام مصروفا عن الغير إليه، بل المجموع المركب من العام والاستثناء والشرط والتقييد بالصفة دال عليه، ودلالة المركب على معناه ليس بمجاز سواء كان التركيب بين كلمتين مفهمتين، أو بين كلمة وحرف غير مفهم "كمسلم" و"مسلمين" و"رجل"، والرجل وهذا الاحتمال يظهر جدا في الاستثناء، إذ المستثنى والمستثنى منه وحرف الاستثناء كالكلمة الواحدة عندنا: فمعنى قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ على هذا، فلبث فيهم تسع مائة وخمسين/ (٢٣٤/ب) عاما من غير فرق إلا في التركيب والبساطة، ومعلوم أن ذلك ليس بمجاز فكذا هذا.
سلمنا: أن ما ذكرتم يدل على أنه مجاز فيه، لكن عندنا: ما
стр. 1354
يدل على أنه حقيقة فيه، وذلك لأن اللفظ كان متناولا له على سبيل الحقيقة، فخروج غيره منه لا يؤثر في صيرورته مجازا فيه.
الجواب عن الأول من وجهين:
أحدهما: أن ما ذكرتم من الاحتمال يقتضي رفع المجاز بالكلية، لأنه لا لفظ يدعي أنه مجاز في معنى، إلا ويمكن أن يقال: إنه وحده حقيقة في معنى، ومع القرينة فيما ادعى أنه مجاز فيه، والكلام في أن العام المخصوص مجاز أم لا "فرع" ثبوت أصل المجاز فلا يسمع في هذا المقام ما يرفع أصله فإن اعتبر هذا الاحتمال بالنسبة إلى استعمال اللفظ في بعض ما وضع له دون المجاز الخارجي كان ذلك تحكما محضا لا يخفي فساده.
وثانيهما: أن دلالة القرينة العقلية ليست وضعية، فلا يمكن أن يقال إن المجموع اللفظ العام أو لقرينة كيف كان حقيقة في ذلك البعض، لأن الحقيقة والمجازية من عوارض الألفاظ دون الأدلة العقلية وفاقا.
وعن الثاني: أنه يقتضي رفع المجاز الخارجي الذي مبينه قرينة لفظية منفصلة، لأن الاحتمال المذكور بعينه قائم فيه لكن لم يقل به أحد من الأمة، فإن الأستاذ أبا إسحاق- رحمه الله تعالى- أنكر المجاز مطلقا وغيره أثبته مطلقا سواء كانت قرينة لفظية أو عقلية.
"فأما الفصل بين القرينة اللفظية المستقلة وبين العقلية" في المجاز
стр. 1355
الخارجي لم يقل به أحد من الأمة.
وعن الثالث: قلنا: أما الدليل على أنه ليس بحقيقة فيما بقى، وإن كان مع القرينة المتصلة، فيما سبق في الاستدلال من أنه يختلف ما هو المعنى من المجاز بسبب اختلاف دليل المبين له.
وأما قوله: في الدلالة عليه أنه يصير مع القرائن المتصلة كلاما واحدا إلى آخره فمسلم: لكن بحيث يتغير بسبب تلك القرينة المتصلة مدلول العام من الكلية إلى البعضية أو لا بهذه الحيثية.
والأول مسلم: وهو اعتراف بالمجازية.
والثاني: ممنوع، وهذا لأن من الظاهر أن قبل تلك "الزيادة" التي هي القرينة المتصلة كان العام وما معه كلاما تاما دالا على جميع أفراده وبعدها/ (٢٣٥/أ) وإن كان أيضا كلاما تاما غير الأول لكنه دال على بعض افرداه معين لمدلوله من الكلية إلى البعضية بخلاف قولك: "مسلم" و"مسلمون" و"رجل" و"الرجل" وبخلاف قولك: "الرجال قاموا" لا يتغير في هذين المثالين مدلول الأول بسبب الزيادة من الكلية إلى الجزئية فلا جرم ليسا من المجاز من شيء.
وأما قوله: فهذا الاحتمال يظهر جدا في الاستثناء إلى آخره فهو أيضا: باطل لأنا نقطع أن دلالة قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ على تسع مائة وخمسين بطريق إخراج الخمسين من الألف، فعلى هذا تعين أن يقال: الألف تدل على الألف، والخمسون على الخمسين، وإلا على معنى الإخراج إذ ليس فيه ما يمكن إحالة معنى النفي إليه إلا إليها ومعرفة الباقي إنما هو بالحساب لا بصراحة اللفظ.
стр. 1356
وأما دلالة قوله: تسع مائة وخمسين على تلك المدة، فليست بطريق الإخراج، بل بالضم وعطف أحد الاسمين على الآخر، وليس يفهم منه معنى الإخراج فقط، فكيف يكون أحدهما عين الآخر؟.
وعن الرابع: أنه إن عني بقوله: إن اللفظ كان متناولا له على سبيل الحقيقة أنه كان متناولا له فقط على سبيل الحقيقة فممنوع، وهذا لأنه كان متناولا له وللمخصوص على سبيل الحقيقة.
وإن عني به أنه كان متناولا له ولغيره على سبيل الحقيقة فمسلم، لكن لا نسلم أن خروج غيره عن الإرادة لا يؤثر في صيرورته مجازا في الباقي، وهذا لأنه يصير إذ ذاك من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، ثم هو منقوص بما إذا بقى واحد على ما نقله الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى.
واحتج من قال: بالتفصيل بين القرينة المتصلة وبين القرينة المنفصلة: بما سبق من أن اللفظ العام مع القرينة [المتصلة] يصير كاللفظ الواحد الدال على ذلك الباقي، ومع القرينة المنفصلة سواء كانت لفظية أو عقلية وإن كان لا تدل إلا على ذلك الباقي، ومع القرينة المنفصلة سواء كانت لفظية أو عقلية وإن كان لا تدل إلا على ذلك الباقي لكن لا يصير الكلام معه كاللفظ الواحد، بل هما كلامان مستقلان، وقد عرفت جوابه.
وأما من قال: أنه حقيقة كيف كان المخصص، أو مع المخصص
стр. 1357
اللفظي كيف كان متصلا أو منفصلا، فقد عرفت مأخذهما أيضا مع جوابهما فيما سبق.
وأما من قال: بالتفصيل بين الاستثناء والشرط وبين الصفة فقد احتج/ (٢٣٥/ب) في الاستثناء بما سبق.
وفي الشرط: بأنه لم خرج من مدلول اللفظ العام شيئا، بل هو باق على حاله، وإنما تقيد الحكم ببعض أحوال مدلول اللفظ العام ألا ترى أنك لو قلت: أكرم الناس إن أكرموك، فإنك بسبب التقييد بالشرط لم يخرج أحدا من الناس، بل قيدت الإكرام بحالة إكرامهم دون حالة عدم الإكرام، وليس لفظ الناس عاما بالنسبة إلى أحوالهم، حتى يلزم من خروج بعض الأحوال تخصيصه، وكذلك القول في اللفظ "أكرم" والمأخذان مفقودان في الصفة، فإنك تخرج من مدلول اللفظ العام فيها من لم يتصف بتلك الصفة.
وجوابه: أما عن الاستثناء فقد سبق، وأما عن الشرط فهو أنه يلزم من خروج بعض الأحوال، خروج بعض مدلولات اللفظ العام عنه، ضرورة أن الأفراد التي لم تأت بذلك الشرط غير مراده من اللفظ، فمن لم يكرم من الناس غير مراد من لفظ الناس في المثال المذكور.
واحتج القاضي: على ما نقل عنه في الرواية الثانية: بأن الدليل المتصل أبطل
стр. 1358
دلالة اللفظ على الاستغراق في جميع الأزمان على وجه البيان فجعل مجاز.
وأما المنفصل: فلأنه إنما أبطل دلالته في بعض الأزمان على وجه المعارضة فلا يكون مجازا. وضعفه لا يخفى على من له أدنى فطانة.
ويمكن أن يحتج له على ما حكي عنه في الرواية الأولى مع بعده: بأن الاستثناء يخرج الفرد بالذات وبصراحة اللفظ، وكذلك القرائن المنفصلة اللفظية، بخلاف الشرط "والصفة" فإنهما يخرجان بالفرض والالتزام، كما عرفت ذلك في الشرط، وخروج الشيء عن أن يكون مرادا بالخطاب بالفرض، كما في موت المكلف قبل وقت العمل بالخطاب لا يقدح في عموم الخطاب، وهذا إنما يستقيم على رأيهم: فإنهم يجوزون تأخير بيانه عن وقت الخطاب بالعام، ولو كان ذلك تخصيصا لما جاز تأخير بيانه، كما في سائر التخصيصات.
وأما نحن فلا نسلم أن هذا ليس بتخصيص، ولا يمكن أن يستدل به علينا، لأنا نجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب.
وأما من ذهب إليه أبو بكر الرازي، فقيل: أنه مبني على أنه أهل يشترط في العموم الاستيعاب أم يكتفي فيه بالجمع؟
فإن قيل: بالثاني: فهو حقيقة، لأنه بقى جمع.
وإن قيل بالأول: فهو مجاز.
стр. 1359
وهذا البناء/ (٢٣٦/أ) ضعيف، لأن الذي لم يشترط الاستيعاب في العموم يشترط كثيرة غير منحصرة عادة، ولا يكفي بأقل الجمع وإلا لم يبق فرق بينه وبين المنكرين له، فإن أرباب الخصوص أيضا ينزلون اللفظ الجمع على أقل الجمع، والاختلاف في شرط العموم فرع القول بالعموم، بل هو ابتداء خلاف جار على القولين.
وإن كان هذا القائل: يجعل اللفظ عند عراية عن القرينة المخصصة حقيقة في العموم ومع القرينة المخصصة إلى أقل الجمع حقيقة فيه ولم يجعله حقيقة في الأقل منه، وإن كان مع القرينة المخصصة إليه لما فيه من إبطال دلالة وزان الصيغة كما تقدم، وهذا مع ضعفه إنما يستقيم في المجموع، أما ما ليس بجمع فلا.
وأما إمام الحرمين ﵀ فقد احتج على ما ذهب إليه: بأن تناول
стр. 1360
اللفظ لما بقي من مسمياته ليس على وجه التجوز، بدليل أنه كان متناولا له على الحقيقة قبل التخصيص، وتناوله له بعد التخصيص، وتناوله "له" قبله لا اختلاف فيه من جهة احتياج اللفظ في الدلالة إلى أمر زائد، نحو القرينة وغيرها مع احتياج المجاز إليه في الدلالة على المعنى المجازي، لكن اختصاصه به وقصور الدلالة عليه، هو الذي حدث بعد التخصيص، وهو في هذا محتاج إلى أمر زائد، وهو أنه المجاز فكان مجازا من هذا الوجه.
وجوابه: أنا لا نسلم اتحاد التناولين، وهذا لأن التناول قبل التخصيص شرط الاستيعاب وبعده شرط عدمه والمشروط بشيء غير المشروط بعدمه، وحينئذ لا يلزم من كون التناول في الأول على وجه الحقيقة أن يكون في الثاني أيضا كذلك.
تنبيه: القائلون بالتفصيل بين المخصص المتصل والمنفصل: اختلفوا فيما إذا قال الله تعالى": ﴿اقتلوا المشركين﴾ فقال الرسول ﵇ عقيبه إلا زيدا.
стр. 1361
هل هو مخصص متصل أو منفصل؟.
فمنهم من جعله متصلا: محتجا بأن الشارع للحكم هو لله تعالى لا غير والرسول ﵇، إنما هو مبلغ، فكان تخصيصه كتخصيصه، لو خصصه لله تعالى على ذلك النمط كان متصلا، فكذا تخصيصه ﵇.
ومنهم: من جعله منفصلا.
وهو الأظهر، لأن الاستثناء كالجزء من الكلام ولا يستقل بالإفادة دون ما قبله، ولهذا لا يقبل منفصلا (٢٣٦/ب)، والجزء من الكلام إذا صدر من الله تعالى، والآخر من الرسول [ ﷺ ] فإنا لا نجعلهما كالصادر من الله تعالى فكذا هنا.
المسألة السابعة
[يجوز التمسك بالعام المخصوص مطلقا]
يجوز التمسك بالعام المخصوص مطلقا عند جماهير فقهاء الفريقين.
стр. 1362
وذهب بعض الحنفية، عيسى بن إبان، ومحمد بن شجاع، وأكثر المعتزلة: إلى أنه لا يجوز التمسك به مطلقا.
ومنهم من فصل، وذكر فيه وجوهًا:
أحدها: أنه إن خص بدليل متصل، يجوز التمسك به وإلا فلا، وهو مذهب الرخي والبلخي.
وثانيها: أنه إن كان المخصوص معلومًا، يجوز التمسك به سواء كان المخصص متصلًا أو منفصلا وإلا فلا، وهو رواية الكرخي، وهو اختيار
стр. 1363
الإمام.
ونقل بعضهم: أنه لا خلاف في أنه لا يجوز التمسك به فيما إذا كان المخصوص مجهولا، وهو الأظهر.
إذ لا يظهر جواز التمسك به وجه إذ ذاك، لأن كل فرد يفرض يحتمل أن يكون هو المخصوص أو منه.
نعم: قد يتجه أن يقال: إنه يستقيم التمسك به في كل فرد من أفراد مسمياته لكون دلالته عليه معلوما أو مظنونا ظنا غالبا على اختلاف فيه، وكونه مخصوصا مشكوك فيه والشك لا يزيل العلم والظن، لكن ليس هو مما نحن فيه في شيء، لأن مسألتنا مفروضة في الاحتجاج بالعام المخصوص فيما عدا المخصوص وما ذكر من الاحتمال [آت] في الكل المخصوص وغيره.
وثالثها: أن التخصيص: إن كان قد منع من تعلق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر لم يجز التعليق به، كما في قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، لأن قيام الدلالة على
стр. 1364
اعتبار النصاب والحرز، وكون المسروق لا شبهة فيه للسارق، يمنع من تعلق الحكم، وهو القطع بعموم اسم السارق، وموجب لتعلقه بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ.
وإن كان التخصيص لا يمنع "من" تعلق الحكم به جاز التعلق به، كما في قوله "تعالى": ﴿اقتلوا المشركين﴾، لأن قيام الدلالة على المنع من قبل أهل الذمة لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل باسم المشركين. وهو قول: أبي عبد الله البصري.
ورابعها: أن العام المخصوص: إن كان بحيث لو تركنا وظاهره من غير بيان التخصيص، لكنا نمتثل ما أريد منا، ولكن يضم إليه شيئا آخر لم يرده منا، كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾، فإنا لو خلينا وظاهره، لكنا نقتل كان من صدق عليه الإسلام من الحربي والذمي والمستأمن.
فكنا قد امتثلنا في ذلك ما أريد منا وما لم يرده جاز التمسك به.
وإن كان العام بحيث لو تركنا وظاهره من غير بيان التخصيص، لم يمكننا أن نمتثل ما أريد منا لم يجز التمسك به، وهو كقوله تعالى ﴿أقيموا الصلاة﴾
стр. 1365
لأنه لو لم يبين مراده لم يمكننا فعل ما أراده من الصلاة الشرعية أصلا، بخلاف آية السرقة فإنا لو خلينا وظاهرها، لكنا قطعنا كل سارق، وفي ذلك امتثال ما أريد منا وما لم يرده، وهو قول القاضي عبد الجبار.
وخامسها: أنه يجوز التمسك "به" في أقل الجمع، ولا يجوز فيما زاد عليه، وهذا يشبه أن يكون قول: من لا يجوز التخصيص إلى [أقل] من أقل الجمع.
واحتج الأولون بوجوه:
أحدها: الإجماع: وتقريره أن التمسك بالعام المخصوص كان شائعا ذائعا فيما بين الصحابة.
روي أن فاطمة- ﵂ احتجت على أبي بكر- ﵁ حين طلبت ميراثها من أبيها بقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾، مع
стр. 1366
أن الآية مخصوصة بالعبد والقاتل والكافر.
ولم ينكر عليها أبو بكر ولا غيره من الصحابة- ﵃ في ذلك، بل عدل أبو بكر ﵁ في منعها منه إلى التمسك بقوله ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة".
وروي عن علي ﵁ أنه احتج على جواز الجمع بين الأختين في ملك اليمين بقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾، مع أنه مخصوص بالمجوسيات، والأخوان وغيرهما، ولم ينكر عليه أحد بل من حرم تعلق بقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾.
وعنه، وعن عثمان ﵁: (أحلته آية وحرمته آية)، فلو لم يكن قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ حجة فيما بقى بعد التخصيص
стр. 1367
لم يكن محللا للجمع بينهما في ملك اليمين.
وروي عن ابن عباس ﵁ أنه- احتج على تحريم المرضعة ولو بمصة أو مصتين بقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ وقال: (قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير)، لأن ابن الزبير كان لا يرى التحريم بالرضعة والرضعتين، مع أن الآية مخصوصة بالمرضعة في غير
стр. 1368
سن الرضاعة، وأمثالها كثيرة غير داخلة تحت التعداد، وكيف لا: وتمسكهم بالنصوص/ (٢٣٧/ب) في الوقائع مشهور، وما من نص إلا وهو مخصوص، كما تقدم ولم ينقل عن أحد منهم في ذلك إنكار فكان إجماعا.
وثانيها: أن المقتضى لثبوت الحكم فيما بقى من الأفراد قائم، وهو اللفظ العام: دال على ثبوت الحكم في كل واحد من مسمياته، ولا شك أن غير المخصوص من جملة مسمياته، فيكون دالا على ثبوت الحكم فيه، والمعارض الموجود وهو: انتفاء الحكم عن الصورة المخصوصة لا يصلح أن يكون معارضا، لأن عدم الحكم فيها لا يستلزم عدم الحكم في غيرها لا قطعا ولا ظاهرا، اللهم إلا أن يكون معللا بعلة مشتركة بينها وبين غيرها من الصور، لكن ذلك ليس لنفس انتفاء الحكم بل لأمر زائد عليه، وليس كلامنا فيه، بل في نفس انتفاء الحكم، والمعارض لدليل الثبوت لا بد وأن يستلزم النفي إما قطعا أو ظاهر، وحينئذ يلزم ثبوت الحكم في غير المخصوص عملا بالمقتضى.
وثالثها: أنه لو لم يكن حجة فيما بقى فإما أن لا يكون حجة في شيء منه.
وهو باطل، لأنه تعطيل النص، إذ غيره من المجاز غير مراد لعدم قرينة تدل عليه أو يكون حجة في شيء منه. وهو باطل، لأنه تعطيل للنص، إذ غيره من المجاز غير مراد لعدم قرينة تدل عليه أو يكون حجة في شيء منه، لكنه غير معلوم إجمال، وهو خلاف الأصل فيكون أيضا: باطلا فيتعين أن يكون حجة فيما بقي.
стр. 1369
ورابعها: وهو ما احتج به الإمام: وهو أن اللفظ العام كان متناولا للكل فكونه حجة في كل واحد من أقسام ذلك الكل، إن كان متوقفا على كونه حجة في الكل من حيث إنه كل، أو على كل واحد من أقسامه مع التعاكس لزم الدور، لأن كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة في كل واحد من أقسامه، فلو توقف كونه حجة في الكل لزم الدور وأيضا، فإنه يلزم حينئذ أن تكون دلالة العام على كل واحد من تلك الأقسام بالتضمن، كدلالة أسماء الأعداد على الأفراد الداخلة تحت مسمياتها، وكذا القول: في لزوم الدور على التقدير الثاني، وإن لم يكن متوقفا عليهما، أو كان متوقفا على كونه حجة في كل واحد من أقسامه من غير تعاكس لزم أن يكون حجة في الباقي، وإلا لكان متوقفا عليهما، ونحن نتكلم على خلاف هذا التقدير، ثم القسم الثاني: مختص بما أنه يستلزم الترجيح من غير مرجح، لأن نسبة دلالة اللفظ العام على كل/ (٢٣٨/أ) تلك الأقسام على حجته في الباقي من غير عكس ترجيح لأحد المتساويين على الآخر من غير مرجح، وهو محال.
وهذا ضعيف: لأنه إن عني بالتوقف التوقف بصفة التقدم والتأخر، أي يكون المتوقف عليه متقدما ولو بالرتبة والمتوقف متأخر كذلك، فلا يلزم من عدمه جواز كونه حجة في البعض، وإن لم يكن حجة في البعض الآخر، لاحتمال أن يكون حجته في البعض ملازم لحجته في البعض الآخر بصفة
стр. 1370
المعية، ويستحيل وجود أحد المتلازمين بدون الآخر، وإن عني به عدم وجوده بدون الآخر، فلا نسلم أن الآخر لو كان كذلك يلزم "منه" الدور الممتنع، فإن المتلازمات والمتضايفات بأسرها كذلك، وهي ليست بممتنعات وفاقا.
احتجوا بوجهين:
أحدهما: إنه لو دل على ما بقى، فإما أن يدل عليه بطريق الحقيقة، وهو باطل لما تقدم من الدلائل، ولمساعدتكم عليه، أو بطريق التجوز،
следующие страницы →