← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

أن الآية مخصوصة بالعبد والقاتل والكافر. ولم ينكر عليها أبو بكر ولا غيره من الصحابة- ﵃ في ذلك، بل عدل أبو بكر ﵁ في منعها منه إلى التمسك بقوله ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة". وروي عن علي ﵁ أنه احتج على جواز الجمع بين الأختين في ملك اليمين بقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾، مع أنه مخصوص بالمجوسيات، والأخوان وغيرهما، ولم ينكر عليه أحد بل من حرم تعلق بقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾. وعنه، وعن عثمان ﵁: (أحلته آية وحرمته آية)، فلو لم يكن قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ حجة فيما بقى بعد التخصيص

стр. 1367

لم يكن محللا للجمع بينهما في ملك اليمين. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه- احتج على تحريم المرضعة ولو بمصة أو مصتين بقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ وقال: (قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير)، لأن ابن الزبير كان لا يرى التحريم بالرضعة والرضعتين، مع أن الآية مخصوصة بالمرضعة في غير

стр. 1368

سن الرضاعة، وأمثالها كثيرة غير داخلة تحت التعداد، وكيف لا: وتمسكهم بالنصوص/ (٢٣٧/ب) في الوقائع مشهور، وما من نص إلا وهو مخصوص، كما تقدم ولم ينقل عن أحد منهم في ذلك إنكار فكان إجماعا. وثانيها: أن المقتضى لثبوت الحكم فيما بقى من الأفراد قائم، وهو اللفظ العام: دال على ثبوت الحكم في كل واحد من مسمياته، ولا شك أن غير المخصوص من جملة مسمياته، فيكون دالا على ثبوت الحكم فيه، والمعارض الموجود وهو: انتفاء الحكم عن الصورة المخصوصة لا يصلح أن يكون معارضا، لأن عدم الحكم فيها لا يستلزم عدم الحكم في غيرها لا قطعا ولا ظاهرا، اللهم إلا أن يكون معللا بعلة مشتركة بينها وبين غيرها من الصور، لكن ذلك ليس لنفس انتفاء الحكم بل لأمر زائد عليه، وليس كلامنا فيه، بل في نفس انتفاء الحكم، والمعارض لدليل الثبوت لا بد وأن يستلزم النفي إما قطعا أو ظاهر، وحينئذ يلزم ثبوت الحكم في غير المخصوص عملا بالمقتضى. وثالثها: أنه لو لم يكن حجة فيما بقى فإما أن لا يكون حجة في شيء منه. وهو باطل، لأنه تعطيل النص، إذ غيره من المجاز غير مراد لعدم قرينة تدل عليه أو يكون حجة في شيء منه. وهو باطل، لأنه تعطيل للنص، إذ غيره من المجاز غير مراد لعدم قرينة تدل عليه أو يكون حجة في شيء منه، لكنه غير معلوم إجمال، وهو خلاف الأصل فيكون أيضا: باطلا فيتعين أن يكون حجة فيما بقي.

стр. 1369

ورابعها: وهو ما احتج به الإمام: وهو أن اللفظ العام كان متناولا للكل فكونه حجة في كل واحد من أقسام ذلك الكل، إن كان متوقفا على كونه حجة في الكل من حيث إنه كل، أو على كل واحد من أقسامه مع التعاكس لزم الدور، لأن كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة في كل واحد من أقسامه، فلو توقف كونه حجة في الكل لزم الدور وأيضا، فإنه يلزم حينئذ أن تكون دلالة العام على كل واحد من تلك الأقسام بالتضمن، كدلالة أسماء الأعداد على الأفراد الداخلة تحت مسمياتها، وكذا القول: في لزوم الدور على التقدير الثاني، وإن لم يكن متوقفا عليهما، أو كان متوقفا على كونه حجة في كل واحد من أقسامه من غير تعاكس لزم أن يكون حجة في الباقي، وإلا لكان متوقفا عليهما، ونحن نتكلم على خلاف هذا التقدير، ثم القسم الثاني: مختص بما أنه يستلزم الترجيح من غير مرجح، لأن نسبة دلالة اللفظ العام على كل/ (٢٣٨/أ) تلك الأقسام على حجته في الباقي من غير عكس ترجيح لأحد المتساويين على الآخر من غير مرجح، وهو محال. وهذا ضعيف: لأنه إن عني بالتوقف التوقف بصفة التقدم والتأخر، أي يكون المتوقف عليه متقدما ولو بالرتبة والمتوقف متأخر كذلك، فلا يلزم من عدمه جواز كونه حجة في البعض، وإن لم يكن حجة في البعض الآخر، لاحتمال أن يكون حجته في البعض ملازم لحجته في البعض الآخر بصفة

стр. 1370

المعية، ويستحيل وجود أحد المتلازمين بدون الآخر، وإن عني به عدم وجوده بدون الآخر، فلا نسلم أن الآخر لو كان كذلك يلزم "منه" الدور الممتنع، فإن المتلازمات والمتضايفات بأسرها كذلك، وهي ليست بممتنعات وفاقا. احتجوا بوجهين: أحدهما: إنه لو دل على ما بقى، فإما أن يدل عليه بطريق الحقيقة، وهو باطل لما تقدم من الدلائل، ولمساعدتكم عليه، أو بطريق التجوز،

стр. 1371

وحينئذ ليس حمله عليه أولى من حلمه على البعض الآخر، فيصير مجملا، بل حمله على أقل الجمع أولى أما أولا: فلما فيه من تقليل المجاز. وأما ثانيا: فلأنه متيقن فيه. وثانيهما: أن العام بعد التخصيص يتنزل "منزلة" ما لو قي: اقتلوا المشركين إلا بعضهم، وهذا ليس بحجة لمساعدتكم عليه، فكذا ما يتنزل منزلته. الجواب عن الأول: أنا لا نسلم أن ليس الحمل عليه أولى من الحمل على البعض الآخر، وهذا لأنه متعين والبعض الآخر من مسميات العام مبهم فيها والحمل على المتعين أولى لما فيه من دفع الإجمال، وأما ما ذكرتم من الوجهين فهو معارض بوجهين آخرين:- أحدهما: أن الحمل عليه أحوط، ولا يخفى عليك تقريره. وثانيهما: أنه أقرب إلى الحقيقة على أن الوجه الثاني، مما ذكرتم ممنوع على رأي من يجوز التخصيص إلى الواحد. وعن الثاني: أنا لا نسلم أنه يتنزل منزلته، وهذا لأن في تلك الصورة يتعذر العمل بالعام، إذ لا يمكن حمله على الكل وهو ظاهر ولا على البعض منه، لأنه ما من بعض إلا ويحتمل أن يكون هو المخصوص، بخلاف ما نحن فيه لا يتعذر العمل به، إذ الخارج معين فيعمل به فيما وراءه.

стр. 1372

المسألة الثامنة [التمسك بالعام قبل استقصاء طلب المخصص] اختلفوا في جواز/ (٢٣٨/ب) التمسك بالعام في إثبات الحكم قبل استقصاء طلب المخصص. فذهب ابن سريج- رحمه الله تعالى- إلى أنه لا يجوز ما لم يستقص في طلب المخصص. وذهب أبو بكر الصيرفي رحمه الله تعالى إلى أنه يجوز التمسك به ابتداء من غير طلب ما لم يظهر المخصص. ثم قوله: هذا يحتمل أن يكون بناء على أنه يجب على المجتهد أن يظن عمومه إذ ذاك، إذ ليس من شرط جواز التمسك بالدليل أن يكون المتمسك قاطعا بمقتضى الدليل الذي تمسك به.

стр. 1373

ويحتمل أن يكون بناء على أنه يجب عليه أن يقطع بعمومه إذ ذاك، لكن صرح إمام الحرمين- رحمه الله تعالى- وغيره بالاحتمال الثاني نقلا عنه. ثم كلامه يدل على أن هذا إنما يليق بمذهب من لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب. وأما من يجوز ذلك فلا، لأن القول بجواز ورود المخصص معه القول بوجوب الجزم باعتقاد العموم متناقض، لكن أبا بكر الصيرفي ليس منهم. واستدل عليه: بأنه من الرادعين عليهم في كتبه، فألزمه التناقض المذكور. لكن نقل ابن الصباغ وغيره، عن أبي بكر الصيرفي في أنه لا يجوز

стр. 1374

تأخير البيان عن وقت الخطاب فيما له ظاهر، وقد أريد منه غير ظاهره. "وأما قوله": أنه من الرادعين عليهم في كتبه، صحيح لكن في غير هذه المسألة، فعلى هذا يندفع عنه التناقض المذكور على رأي الإمام. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الجزم باعتقاد العموم إنما يليق بمذهب من لا يجوز تأخير البيان على وقت الخطاب، بل التناقض المذكور لازم لهم أيضا إلا من لم يجوز منهم إسماع المكلف العام دون الخاص، فإن التناقض المذكور إنما يندفع عنهم لا غير، وهذا لأنهم "وإن" أوجبوا اتصال المخصص بالعام في الورود، لكنهم لم يوجبوا وصوله إلى من يصل إليه العام، فيحتمل أن يظهر المخصص للمكلف بعد سماع العام، وإن كانا عند الورود مقترنين ومع هذا الاحتمال والتجويز كيف يجب القطع عليه بالعموم. واعلم أن هذا الذي حكينا عن الصيرفي: أنه يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص، هو ما حكاه الإمام عنه، وهو اللائق بأصله.

стр. 1375

إذ الجماعة متفقون على النقل عنه: بأنه يجب اعتقاد العموم جزما عند ورود العام، فمع الجزم بالعموم يستحيل أن لا يجوز التمسك به. لكن نقل الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى: أنه لا خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن أدلة التخصيص. ولا يخفى أن هذا لا يستقيم أصلا على مذهب الصيرفي "في" هذا كله قبل حضور/ (٢٣٩/أ) وقت العمل به. أما إذا حضر وقته فلا شك في وجوب العمل به، لكن مع القطع بعدم المخصص، والجزم بإرادة العموم، أم لا يشترط فيه ذلك؟. فيه خلاف: فذهب القاضي منا وجماعة من الأصوليين إلى الاحتمال الأول: وزعموا أن معرفة عدم المخصص بطريق القطع ممكن، وذلك بأن تكون المسألة التي تمسك

стр. 1376

المجتهد فيها بالعموم مما كثر فيها الخلاف، وطال فيها النزاع فيما بين العلماء ولم يطلع أحد منهم على ما يقتضي تخصيصه، مع كثرة بحسم وشدة فحصهم عن مواقعة واستقصاء طلبهم، فهذا يفيد القطع بعدم المخصص، إذ لو كان هناك مخصص لاستحال أن يكون لا يعرف عادة، كالطالب لمتاع في البيت إذا فتش عنه في جميع البيت ولم يجده، يقطع بعدمه فيه. واحتجوا عليه أيضا: بأنه لو كان مخصوصا، لنصب الله عليه دليلا ويبلغه إلى المكلفين عند حضور وقت العمل به إزالة للتلبيس والخطأ في العمل. وذهب ابن سريج، وإمام الحرمين، والغزالي، وأكثر الأصوليين إلى الاحتمال الثاني: وهو الحق. قال إمام الحرمين: إذا حضر وقت العمل بالعام، فقد يقطع المكلف بمقتضى العموم، لقرائن تتوفر عنده فيصير العام كالنص، وقد لا يقطع بذلك لعدم القرائن التي تفيد القطع، بل يغلب على ظنه العموم فيعمل به بناء على غلبة [ظنه]، كما في خبر الواحد والقياس.

стр. 1377

واعلم: أن الأولين: إن أرادوا بقولهم: إنه يجب على المكلف أن يقطع بعدم المخصص، وأن يجزم بإرادة العموم أنه يقطع بذلك بالنسبة إلى ما في نفس الأمر. فهذا باطل، وما ذكروه من الطريق في إفادة القطع فغير مفيد. أما أولا: فلأنه مبني على أن عدم الوجدان بعد البحث والفحص الشديد يدل على عدم الوجود. وهو ضعيف لاحتمال أن يكون موجودا ولم يطلع أحد منهم [عليه]. والقياس على طلب المتاع في البيت غير صحيح لو سلم الحكم فيه، لظهور الفرق، وهو أن الذي طلب فيه المتاع منحصر مضبوط، بخلاف ما طلب فيه دليل الخصوص. وإما ثانيا: فلأنه مبني على ما لو وجد الفعل، وهو أيضا غير واجب لاحتمال أن يكون واحد منهم قد وجد ذلك ولم ينقله، ولو تمسك في ذلك بأن علمه وعدالته يمنع من ذلك، فمن المعلوم أن هذا لا يفيد القطع، بل يفيد الظن الغالب. وأما ثالثا: فلأنه من شرط كل مسألة استدل عليها بالعام أن تكون صفته ما ذكروه ليكون/ (٢٣٩/ب) ذلك طريقا عاما، بل لو صح فإنما يصح

стр. 1378

بالنسبة إلى المسألة التي صفتها ما ذكروه وأما ما ذكروه من الدلالة عليه ثانيًا، فمن الظاهر أنه لا يستقيم على مذهبنا، فلا يصح به الاستدلال علينا، وإنما يصح الاستدلال على من يقول بالتحسين [والتقبيح] "فيه الأصح"، وإن أرادوا بذلك أنه يقطع بعدم المخصص وأن يجزم بإرادة العموم منه بالنسبة على نفسه، فهذا ينبغي أن يبنى على أن المصيب واحد أم كل مجتهد مصيب. فإن قيل بالأول: فالقطع بعدم المخصص وبجزم إرادة العموم منه أيضًا باطل لما تقدم. وإن قيل بالثاني: فصحيح إذ لو لم يقطع بعدم المخصص في حق نفسه لما كان قاطعًا بإصابته، بل جاز أن يكون مخطئًا. واحتج لأبي بكر الصيرفي بوجوه: أحدها: أن ترك التمسك بالعام لاحتمال وجود المخصص [يستلزم ترجيح المرجوح على الراجح، فإن احتمال وجود المخصص] مرجوح بالنسبة إلى اللفظ العام الدال على ثبوت الحكم، إذ هو معلوم قطعًا، وترجيح المرجوح على الراجح ممتنع عقلًا. وثانيها: أن الأصل عدم المخصص، وذلك يوجب ظن عدم التخصيص، وهو يكفي في ظن إثبات الحكم.

стр. 1379

وثالثها: أنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص، لما جاز التمسك باللفظ على حقيقته إلا بعد الطلب أنه هل وجد ما يقتضي صرفه عن المجاز أما لا؟ بجامع تعليل احتمال الخطأ، لكن لا يجب ذلك، لأنه لا يجب ذلك عرفا، بليل أنهم يحملون الألفاظ على حقائقها من غير بحث عن أنه هل وجد ما يقتضي صرفها عنها أم لا؟ وإذا لم يجب ذلك عرفا فكذا شرعا للحديث المشهور. ولقائل أن يقول: احتمال تطرق التخصيص إلى العام أكثر من احتمال تطرق التجوز إلى اللفظ، بدليل أنه ما من عام إلا وقد خص عنه البعض إلا قوله تعالى: ﴿والله بكل شي عليم﴾ وليس كل لفظ مستعمل تطرق إليه التجوز بمعنى أنه مستعمل في مجازه، فلا يلزم من وجوب طلب المخصص ثمة لدفع الاحتراز عن الخطأ المحتمل الغالب، وجوب طلب ما يصرف اللفظ عن حقيقته مع أنه ليس كذلك.

стр. 1380

واحتج ابن سريج: أن اللفظ العام بتقدير وجود المخصص لا يكون حجة في صورة التخصيص، فتكون حجته مشروطة بعدم المخصص، وقبل الطلب وجوده وعدمه مشكوك فيه، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، فحجته بالنسبة إلى كل فرد مشكوكة فيها، وهذا القدر كاف في أن لا يكون حجة كيف والأصل أن لا يكون حجة. وأجيب/ (٢٤٠/ أ): بمنع أن وجود المخصص وعدمه مشكوك فيه، بل عدمه عندنا أغلب فيكون ظن حجته أغلب، فلو أجاب عن هذا المنع بما أن الغالب وجود المخصص بالاستقراء ولما تقدم من الأثر، فإن لم يكن هذا فلا أقل من الشك، فنحن نعارض الغالب بالأصل، إذا الأصل عدم المخصص، ولئن عارض هذا الأصل بما أن الأصل عدم الحجية كما تقدم، فنحن نعارض ذلك بأن الأصل عدم التعارض، وأن الأصل عدم التجوز.

стр. 1381

فرع: إذا قلنا: يجب طلب المخصص، فلا يجب ذلك إلى أن يقطع بعدمه، لما تقدم أن القطع بعدمه متعذر، بل إلى أن يغلب على ظنه عدمه، وحد البحث في ذلك أن يبلغه إلى حيث لو بحث عنه ثانيًا وثالثا لما أجداه نفعا. واعلم: أن أدلة التخصيص تنقسم إلى: متصل، ومنفصل، والمتصل ينقسم إلى: الاستثناء، والشرط، والتقييد بالغاية، والصفة، فلنعقد في كل واحد منها فصلا.

стр. 1382

الفصل الأول في الاستثناء

стр. 1383

الفصل الأول في الاستثناء وفيه مقدمة ومسائل: أما المقدمة: ففي اشتقاقه وحده. أما الاشتقاق: فهو أنه استفعال من الثني، وهو الصرف والعطف، يقال: ثنيت الثوب إذا عطفته، وثنى الثوب ما كف وعطف من أطراف الأذيال. وسمي الاستثناء استثناء: لأنه يصرف "المستثنى" عن حكم الكلام المتقدم. وأما حده: فأقرب ما قيل فيه وجهان: أحدهما: هو أن الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة بلفظ: إلا، أو ما أقيم مقامه. وفيه نظر: لأنه أراد بقوله: أو ما يقوم مقامه. أنه يقوم مقامه في

стр. 1384

الإخراج فينتقض بمثل قول القائل: أكرم العلماء ولا تكرم زيدا منهم، فإنه يقوم مقام قوله: أكرم العلماء إلا زيدا في الإخراج مع أنه ليس باستثناء. وإن أراد به أنه يقوم مقامه في الاستثناء، فهو دور. ولو بدل قوله: أو ما يقوم مقامه بقوله: أو أحد أخواتها، "حتى يصير هكذا: الاستثناء عبارة عن إخراج بعض الجملة عن الجملة بلفظ: إلا أو أحد أخواتها" اندفع الإشكال المذكور. وثانيهما: أنه عبارة عما لا يدخل في الكلام "إلا" لإخراج بعضه بلفظه ولا يستقل بنفسه. خرج عنه الخارج من العام بدليل العقل والقياس، لأنه ليس بلفظ، والخارج عنه بالأدلة المنفصل، لأنها مستقلة، والخارج بالشرط والصفة، لأنهما وإن لم يكونا مستقلين لكن الخارج بهما ليس خارجًا باللفظ، أي ليس الخارج ملفوظا وقد قلنا/ (٢٤٠/ ب): في التحديد أن يكون الإخراج بلفظه. مثال الخارج بالصفة: أكرم بني تميم الطوال، خرج عنه القصار وهو وإن كان بعض بني تميم، لكن لفظ: الطوال، الذي أخرجه لم يتناولها.

стр. 1385

مثال الشرط: أكرم بني تميم إن كانوا علماء، خرج عنه الجهال ولفظ "العلماء" لم يتناول الجهال. والخارج بالتقييد بالغاية: لأن الغاية قد تكون داخلة، كما في قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾. وقد قلنا: في الحد أن لا يدخل إلا الإخراج. وقد اعترض عليه بوجوه: أحدها: أنه غير جامع، لأن قولنا: جاء القوم غير زيد، استثناء وفاقا، وهو غير داخل [وفاقا] في الحد، ضرورة أنه لا يصدق على غير أنه لا يدخل في الكلام إلا لإخراج بعضه، لأنه قد يدخل لغرض الوصفية، وهو حيث لا يصلح أن يقام إلا مقامه. كقوله: عندي درهم غير جيد، إذ لا يجوز أن يقول مكانه عندي درهم إلا جيدا. وثانيها: أن الاستثناء ليس لإخراج بعض الكلام، بل لإخراج بعض ما دل عليه، وفرق بين الأمرين. وثالثها: أنه تعريف للاستثناء بالاستثناء، لأن قوله: إلا لإخراج بعضه استثناء فلا يعرف معناه: حتى يعرف معنى الاستثناء فتعريف الاستثناء به دور. واعلم أن الإشكال الأول، والثالث: يندفعان لو غير، وقيل هكذا: أنه عبارة عما يدخل في الكلام لإخراج بعضه بلفظه ولا يستقل بنفسه.

стр. 1386

وأما الثاني: فإنا لا نسلم أن الضمير في قوله: لإخراج بعضه راجع إلى الكلام، بل إلى مدلول الكلام، ولفظ الكلام قد دل عليه. ولئن سلم: أنه راجع إليه، لكن المراد مدلوله، وإطلاق اسم الدليل وإرادة المدلول مجاز مشهور، واستعمال مثله في الحدود غير قبيح. وأما حروف الاستثناء وأحكامه في الإعراب فمذكورة في كتب النحو لا حاجة لنا إلى ذكرها هاهنا، إذ ليست من هذا الفن في شيء، وإن كان بعضهم: ذكرها هاهنا محبة منه للعربية. المسألة الأولى [اتصال الاستثناء بالمستثنى منه] أطبق الجماهير على وجوب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه بحسب العادة، فعلى هذا طول الكلام والفصل بينهما بالتنفس والسعال لا يقدح فيه، لأنه يعد متصلا بحسب العادة. وروى عن ابن عباس ﵁ أنه جوز الاستثناء المنفصل وإلى مدة مديدة.

стр. 1387

............................................................................

стр. 1388

واستبعد المحققون هذا النقل منه. وقالوا: تكذيب الناقل أو تخطيئه، أهون من نسبة هذا النقل عن ابن عباس وأمثاله، فإن صح هذا النقل منه فمحمول/ (٢٤١/ أ) على ما إذا نوى الاستثناء متصلا بالمستثنى منه، لكن لم يظهره في ذلك الوقت، ثم أظهر نيته بعد ذلك فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى.

стр. 1389

وإليه ذهب بعض أصحاب مالك ﵁. ثم إن كان مذهبه أن كل ما يدين فيه العبد فيما بينه وبين الله تعالى يقبل أيضًا: في الظاهر كان هذا الاستثناء مقبولا أيضا في الظاهر وإلا فلا. ونقل عن عطاء بن "أبي" الرباح: أنه يجوز الاستثناء المنفصل ما دام في

стр. 1390

المجلس. وقال قوم: يجوز في كتاب [الله] خاصة لزعمهم أن كلام الله تعالى في الأزل واحد، والتقدم والتأخر إنما هو في الوصول إلى المخاطبين، فالاستثناء وإن تأخر عن المستثنى منه في الوصول إلينا، لكنه غير متأخر عنه حيث حصل التعدد، وأما ما قبله فقد كان واحدا. وضعفه لا يخفى على ذي لب، فلا حاجة إلى تضعيفه. واحتج الجماهير على بطلان الاستثناء المنفصل بوجوه:

стр. 1391

أحدها: وهو المعول عليه: أن الإجماع منعقد على أن الطلاق والعتاق إذا نفذا لا مرد لهما، ولهذا لو كانا بعوضين فإنهما لا يفسدان بفسادهما، والقول بصحة الاستثناء المنفصل يرفع هذا الإجماع، لأنهما يريدان بعد النفوذ بالاستثناء بعده على تقدير صحته، وكذلك يلزم أن لا يستقر شيء من العقود والأقارير لتوقع الاستثناء بعدها، فيلزم أن لا يجوز الانتفاع للمشتري بالمبيع، كما في زمن الخيار لعدم استقرار الملك، وكل ذلك خلاف الإجماع، وكذلك لا يحصل الثقة باليمين والوعد والوعيد، وفي ذلك من الفساد ما فيه. وثانيها: أن الرجل إذا قال لوكيله مثلاً: بع داري ممن شئت، ثم قال بعد مدة: إلا أن زيد، فإن أهل اللسان لا يعدون هذا الاستثناء عائدًا إلى الكلام الأول، حتى لو باع الوكيل الدار من زيد لا يلومه أحد على المخالفة، ولو لامه الموكل على ذلك لاستهجن واستقبح لومه. وثالثها: القياس على تأخير المبتدأ والشرط، فإنه لا يجوز تأخيرهما عن المبتدأ وعما هو شرط له وفاقا، فكذا هذا، والجامع أن كل واحد منهما لا يستقل بنفسه دون الانضمام إلى ما قبله، بل الاستثناء أولى بعدم الاعتبار لما فيه من إبطال معنى الكلام الأول حتما، بخلاف خبر المبتدأ فإنه ليس على تقدير الضم إلى الأول يبطل معناه: بل يصلحه، وبخلاف الشرط فإنه ليس يبطل مدلول ما سبق حتما، بل إن لم يوجد ذلك الشرط. ورابعها: أن مقتضى الدليل أن لا يصح الاستثناء/ (٢٤١/ ب) أصلا، لأنه رفع بعد الإثبات وإنكار بعد الإقرار، وترك العمل به في المتصل لمسيس

стр. 1392

الحاجة، فإن الإنسان قد يخبر عن شيء ويذهل "عن" جزئية "ثم" يتذكر أن ذلك الجزئي على خلاف ذلك الشيء في ذلك الحكم فيستثنيه، وهذه الحاجة مفقودة بعد طول المدة، فوجب أن يبقى على الأصل. وخامسها: أنه ﵇ أرشد الصحابي الذي كان يخدع في البيوع، وقال له: قل "لا خلا به واشترط الخيار لنفسك ثلاث أيام" ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا لأرشد إليه، إذ هو أصلح من الخيار لاستبداده به بدون رضا البائع ولطول مدته، وحيث "لم يرشد إليه" دل على أنه

стр. 1393

لا يصح، وهذا التقرير بعينه آت أيضًا: في قوله ﵇: "من حلف على يمين فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" أو " [فليكفر عن يمينه] وليأت الذي هو خير" على اختلاف الروايتين.

стр. 1394

واحتجوا بوجوه: أحدها: ما روى أنه ﵇ قال: "والله لأغزون قريشا"، ثم سكت وقال بعده "إن شاء الله تعالى"، ولو لم يصح الاستثناء بعد السكوت لما فعله لكونه عبثا، ولأنه يوهم صحته وإيهام الباطل باطل.

стр. 1395

وجوابه: أنه لم يرد في الروايات سوى أنه سكت، فلعل ذلك السكوت كان لعذر من بلع ريق أو إزاحة بلغم أو شيء من الحلق أو انتظار كلمة من سامع هذه اليمين، وإذا كان هذا محتملا وجب الحمل عليه جمعا بين الدليلين. وثانيهما: ما روى أنه ﵇ سئل عن عدة أصحاب الكهف، وعن مدة لبثهم، فقال ﵇: "أخبركم غدا" ولم يقل إن شاء الله تعالى: فتأخر الوحي عنه أياما كثيرة على اختلاف في عددها على ما هو

стр. 1396

مشهور في التفاسير فنزل قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾، فقال ﵇: "إن شاء الله تعالى" على أنه استثناء عن خبره الذي تقدم، وهو قوله: "أخبركم إذا" ولو لم يكن الاستثناء المنفصل صحيحا لما فعله لما سبق. وجوابه: أنه لا نسلم أنه عائد إلى ما تقدم من خبره، بل هو عائد إما إلى قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ وهو الأظهر، أو إلى قوله: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾. فكأنه قال على التقدير الأول: لا أقول لشيء إني فاعل ذلك غدا، إلا أن أقول معه إن شاء الله تعالى، فيكون الاستثناء الأول متعلقا بقوله: ﴿إني فاعل ذلك غدا﴾، والثاني متعلقا بقوله/ (٢٤٢/ أ): إلا أن أقول معه إن شاء الله تعالى. وأما على التقدير الثاني: يصير تقديره أذكر ربي إذا نسيت إن شاء الله تعالى، وهذا كما إذا قال الرجل لغيره افعل كذا فقال: إن شاء الله تعالى، أي أفعل ذلك إن شاء الله تعالى. وثالثها: أن الاستثناء رافع لحكم اليمين فجاز تأخيره كالكفارة. وجوابه: أن الجامع وصف طردي، وهو غير معتبر. ولئن سلم اعتباره: لكن الفرق بين الرفعين ظاهر، وذلك لأن الاستثناء رافع لحكم اليمين يرفع أصل اليمين، والكفارة رافعة لحكمها في هتك حرمة اسم الله تعالى بسبب الحنث، فلم يكن أحد الرافعين مثل الآخر حتى يصلح أن يكون جامعاً بينهما.

стр. 1397

سلمنا: ذلك لكن النزاع في صحة الاستثناء المنفصل من جهة اللغة لا من جهة الشرع، فلم يصح قياسه على الحكم الشرعي. ورابعها: القياس على التخصيص والنسخ. وجوابه: المطالبة بالجامع. ولئن سلم: صحته لكنه قياس في اللغة، وهو ممنوع. ولئن سلم: جوازه لكنه منقوض بخبر المبتدأ والشرط. ولئن سلم: سلامته عن النقض، لكن الفرض بينهما وبين الاستثناء ظاهرة، أما بينه وبين التخصيص فهو: إن التخصيص يجوز بدليل العقل والقياس وقرائن الأحوال والاستثناء لا يجوز بشيء من ذلك، والافتراق في الحكم ينبئ عن الافتراق في الحكمة. وأيضا: فإن الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظ الواحد، والتخصيص بالمنفصل ليس كذلك وفاقا، وأما بينه وبين النسخ، فهو: أن النسخ يجب تراخيه، والاستثناء لا يجب فيه ذلك. وأيضا: الاستثناء يجب أن يبقى من حكم المستثنى منه شيئا، لأن الاستثناء المستغرق لا يصح وفاقا، والنسخ لا يجب فيه ذلك. وأيضا: النسخ يصح فيما علم ثبوته، ولو بدليل غير اللفظ، بخلاف الاستثناء فإنه لا يصح إلا من الدليل اللفظي، وكل ذلك يدل على افتراقهما في الحكمة.

стр. 1398

المسألة الثانية [في الاستثناء من غير الجنس] ذكر اختلاف قول بين العلماء في صحة الاستثناء من غير الجنس. فنقل عن الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وجماعة من المتكلمين: كالقاضي أبي بكر ﵏، القول: بالجواز. ونقل عن الآخرين القول بعدم الجواز.

стр. 1399

هذا النزاع والاختلاف فيه إن كان من جهة الحقيقة فهو غير متجه، فإنا نعلم بالضرورة أن المتبادر إلى الفهم من سماع لفظ الاستثناء ومن سماع الاستثناء نفسه أعنى به: مدلول هذا اللفظ المخصوص، معنى الصرف والعطف على ما دل عليه/ (٢٤٢/ ب) الاشتقاق أيضا: إذ المشتق منه لابد وأن يوجد في المشق. وما يقال [من] أن الاستثناء مشتق من التثنية، لأن الكلام كان واحدا قبله فثنى. فضعيف لا لعدم اطراده في كل ما يوجد فيه معنى التثنية، إذ

стр. 1400

الاشتقاق غير واجب الاطراد، بل لأن الأصل يطابق التبادر والاشتقاق، فإن اختلاف المعاملات من قبيل التعارض وهو خلاف الأصل. ومعنى الصرف والعطف: إنما يعقل في المستثنى لو دل عليه اللفظ، وغير الجنس لا يدل عليه اللفظ، فلم يعقل فيه معنى الصرف، فلم يصح كالاستثناء بطريق الحقيقة [ولو حمل اللفظ على المعنى المشترك بين مسماه، وبين المستثنى من غير الجنس حتى يصح الاستثناء بطريق الحقيقة] إذ فيه معنى الصرف على هذا التقدير، لوجب أن يصح استثناء كل شيء من كل شيء، لأن كل شيئين لابد وأن يشتركا من بعض الوجوه، فإذا حمل اللفظ على ذلك المشترك صح الاستثناء عنه بطريق الحقيقة. لكنه باطل، لأنا نعلم بالضرورة فساد قول من يقول: مثلا فلان لا يتعلم إلا أنه مستثنى في السوق، وما يجري مجراه من الهذيانات. فإن قلت: ما ذكرتم إنما يلزم أن لو حمل اللفظ على أي مشترك كان بينهما، وجوازه ممنوع. ولم يجوز أن يقال: إنه يشترط في ذلك لصحة الاستثناء على وجه الحقيقة، حمله على معنى مشترك بينهما مناسب قريب؟. كما قال الشافعي ﵁: أنه لو قال: الرجل لفلان على مائة درهم إلا ثوبا، فإنه يصح استثناؤه لو بين الثوب بما قيمته أقل من مائة درهم. ويكون معناه: إلا قيمة ثوب، أما على إرادة حذف المضاف وإقامة المضاف

стр. 1401

إليه مقامه، أو على إرادة القيمة من الثوب، لأنها لازمة من لوازمه، وهي تشتمل المستثنى منه أيضا. وكما قال أبو حنيفة ﵁: أنه لو قال الرجل لفلان علي كر من من الحنطة إلا منوين من اللحم صح استثناؤه، لأنه يجوز استثناء المكيل عن الموزون وبالعكس، على التأويل السابق في الثوب لاشتراكهما في علة الربا. كما يشهد بذلك استعمالات أهل اللسان، إذ لم يوجد في كلامهم استثناء بعيد غير مناسب منافر من غير الجنس، بل غاية ما يوجد مثل قولهم: ليس له ابن إلا بنت، وما في الدار رجل إلا امرأة، وما رأيت أحدا إلا ثورا، وليس له إبل إلا بقر. وهذه الاستثناءات يحتمل أن تكون من الجنس على تقدير حمل اللفظ الأول على/ (٢٤٣/ أ) المشترك القريب المناسب بين مدلوله وبين المستثنى كالولد في الأول والإنسان في الثاني، والحيوان في الثالث، لو سلم اختصاص إلا حد بالإنسان أو بمن يعقل وهو ممنوع. وهذا لأنه يقال: رأيت أحد الحمارين، وركب أحد الفرسين، والنعم في الرابع، وإذا كان كذلك لا يلزم صحة استثناء كل شيء عن كل شيء.

стр. 1402

قلت: نحن لا ننكر اشتراط ما ذكرتم من الاحتمال في صحة الاستثناء من غير الجنس، لكن على وجه التجوز، إذا لا يجوز استثناء كل شيء عن كل شيء، وإن كان على وجه التجوز. فإما على وجه الحقيقة فلا ويدل عليه وجهان: أحدهما: ما سبق في اللغات، وهو: أن تقييد جواز استعمال اللفظ في معنى بأمر، مع عدم تقييده به في آخر، دليل التجوز. وثانيهما: أن حمل اللفظ على لازم مدلوله، وإن كان قريبا بينا مجاز بالاتفاق، وهو خلاف الأصل، فلو كان الاستثناء من غير الجنس حقيقة مشروطا بما ذكرتم من الاحتمال، لكانت الحقيقة مستلزمة للمجاز الذي هو على خلاف الأصل، ومستلزم خلاف الأصل أيضا، فتكون الحقيقة خلاف الأصل، هذا خلف. وإن كان على وجه التجوز، فهذا أيضا: لا يتجه، لأنه قد ورد في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﵇، وفي كلام الفصحاء من أهل اللسان، في نظامهم، ونثرهم كثيرا خارجا عن الحصر على ما عرفت بعضه فيما تقدم

стр. 1403

وجوابهم: عن ذلك حيث عجزوا عن حمل اللفظ على ما به يصير الاستثناء من الجنس بجعل: إلا، بمعنى: لكن، لا يرفع احتمال التجوز، بل يحققه، لأنه متى لم يكن "إلا" مستعملة في حقيقته كان الاستثناء مجازا قطعا. وإنما دافع الاحتمال كون الاستثناء في غير الجنس حقيقة، لكن قد ذكرنا أن الخلاف فيه أيضا: غير متجه حتى يفرض الاستدلال فيه، فيحتاج إلى الدفع فالمسألة حينئذ تكون اتفاقية لا يتجه فيها الخلاف ببطلان الاستثناء فيه على وجه الحقيقة، وجوازه على وجه التجوز والخلاف على "هذا" الوجه

стр. 1404

"الأول" أقرب قليلا من الوجه الثاني، إذ لا يتجه إنكاره على وجوه التجوز أصلا. وفي المسألة وجه آخر: وهو أنا أجمعنا على أن الاستثناء من الجنس بطريق الحقيقة دفعا للاشتراك، ولا يمكن/ (٢٤٣/ ب) جعله حقيقة فيهما باعتبار معنى مشترك بينهما، لأن الدلالة الالتزامية معتبرة وحاصلة في الاستثناء من غير الجنس على تقدير كونه حقيقة فيه قطعا وهي غير معتبر وغير حاصلة في الاستثناء من الجنس فلم يتحدد مدلوله فيهما. المسألة الثالثة [في الاستثناء المستغرق] اتفقوا: على أن الاستثناء المستغرق فاسد، وأن الثابت في ذلك هو مقتضى المستثنى منه، وبلغو المستثنى، وهو كقولك: لفلان على عشرة إلا عشرة والواجب في ذلك هو العشرة بالإجماع. واتفقوا أيضا: على أن الاستثناء الأقل صحيح، وأن الواجب في ذلك في الأقارير ما بقى بعد الاستثناء. لكن نقل عن بعض أئمة اللغة استقباح استثناء عقد صحيح وإن كان أقل مما

стр. 1405

بقي كالعشرة من مائة. واختلفوا: في استثناء الأكثر، والمساوي، فمنع بعض أئمة العربية الأول لا غير، وعزى إلى مالك- ﵁، ولا يكاد يصح ذلك عنه. ومنع القاضي والحنابلة منهما.
следующие страницы →