← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

إليه مقامه، أو على إرادة القيمة من الثوب، لأنها لازمة من لوازمه، وهي تشتمل المستثنى منه أيضا. وكما قال أبو حنيفة ﵁: أنه لو قال الرجل لفلان علي كر من من الحنطة إلا منوين من اللحم صح استثناؤه، لأنه يجوز استثناء المكيل عن الموزون وبالعكس، على التأويل السابق في الثوب لاشتراكهما في علة الربا. كما يشهد بذلك استعمالات أهل اللسان، إذ لم يوجد في كلامهم استثناء بعيد غير مناسب منافر من غير الجنس، بل غاية ما يوجد مثل قولهم: ليس له ابن إلا بنت، وما في الدار رجل إلا امرأة، وما رأيت أحدا إلا ثورا، وليس له إبل إلا بقر. وهذه الاستثناءات يحتمل أن تكون من الجنس على تقدير حمل اللفظ الأول على/ (٢٤٣/ أ) المشترك القريب المناسب بين مدلوله وبين المستثنى كالولد في الأول والإنسان في الثاني، والحيوان في الثالث، لو سلم اختصاص إلا حد بالإنسان أو بمن يعقل وهو ممنوع. وهذا لأنه يقال: رأيت أحد الحمارين، وركب أحد الفرسين، والنعم في الرابع، وإذا كان كذلك لا يلزم صحة استثناء كل شيء عن كل شيء.

стр. 1402

قلت: نحن لا ننكر اشتراط ما ذكرتم من الاحتمال في صحة الاستثناء من غير الجنس، لكن على وجه التجوز، إذا لا يجوز استثناء كل شيء عن كل شيء، وإن كان على وجه التجوز. فإما على وجه الحقيقة فلا ويدل عليه وجهان: أحدهما: ما سبق في اللغات، وهو: أن تقييد جواز استعمال اللفظ في معنى بأمر، مع عدم تقييده به في آخر، دليل التجوز. وثانيهما: أن حمل اللفظ على لازم مدلوله، وإن كان قريبا بينا مجاز بالاتفاق، وهو خلاف الأصل، فلو كان الاستثناء من غير الجنس حقيقة مشروطا بما ذكرتم من الاحتمال، لكانت الحقيقة مستلزمة للمجاز الذي هو على خلاف الأصل، ومستلزم خلاف الأصل أيضا، فتكون الحقيقة خلاف الأصل، هذا خلف. وإن كان على وجه التجوز، فهذا أيضا: لا يتجه، لأنه قد ورد في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﵇، وفي كلام الفصحاء من أهل اللسان، في نظامهم، ونثرهم كثيرا خارجا عن الحصر على ما عرفت بعضه فيما تقدم

стр. 1403

وجوابهم: عن ذلك حيث عجزوا عن حمل اللفظ على ما به يصير الاستثناء من الجنس بجعل: إلا، بمعنى: لكن، لا يرفع احتمال التجوز، بل يحققه، لأنه متى لم يكن "إلا" مستعملة في حقيقته كان الاستثناء مجازا قطعا. وإنما دافع الاحتمال كون الاستثناء في غير الجنس حقيقة، لكن قد ذكرنا أن الخلاف فيه أيضا: غير متجه حتى يفرض الاستدلال فيه، فيحتاج إلى الدفع فالمسألة حينئذ تكون اتفاقية لا يتجه فيها الخلاف ببطلان الاستثناء فيه على وجه الحقيقة، وجوازه على وجه التجوز والخلاف على "هذا" الوجه

стр. 1404

"الأول" أقرب قليلا من الوجه الثاني، إذ لا يتجه إنكاره على وجوه التجوز أصلا. وفي المسألة وجه آخر: وهو أنا أجمعنا على أن الاستثناء من الجنس بطريق الحقيقة دفعا للاشتراك، ولا يمكن/ (٢٤٣/ ب) جعله حقيقة فيهما باعتبار معنى مشترك بينهما، لأن الدلالة الالتزامية معتبرة وحاصلة في الاستثناء من غير الجنس على تقدير كونه حقيقة فيه قطعا وهي غير معتبر وغير حاصلة في الاستثناء من الجنس فلم يتحدد مدلوله فيهما. المسألة الثالثة [في الاستثناء المستغرق] اتفقوا: على أن الاستثناء المستغرق فاسد، وأن الثابت في ذلك هو مقتضى المستثنى منه، وبلغو المستثنى، وهو كقولك: لفلان على عشرة إلا عشرة والواجب في ذلك هو العشرة بالإجماع. واتفقوا أيضا: على أن الاستثناء الأقل صحيح، وأن الواجب في ذلك في الأقارير ما بقى بعد الاستثناء. لكن نقل عن بعض أئمة اللغة استقباح استثناء عقد صحيح وإن كان أقل مما

стр. 1405

بقي كالعشرة من مائة. واختلفوا: في استثناء الأكثر، والمساوي، فمنع بعض أئمة العربية الأول لا غير، وعزى إلى مالك- ﵁، ولا يكاد يصح ذلك عنه. ومنع القاضي والحنابلة منهما.

стр. 1406

جميعا. والدليل على فساد المذهبين جميعا، إجماع الفقهاء، قبل ظهور المخالف على صحة قول القائل: لفلان على عشرة إلا تسعة، وإن الواجب في ذلك هو الواحد، فلو كان استثناء الأكثر، والمساوي فاسدا، لما صح هذا، وإن إجماعهم حينئذ يكون باطلا. وهو باطل.

стр. 1407

لا يقال: ما ذكرتم لو صح فإنه إنما يدل على صحته شرعا لا غير، لأنهم أئمة الأحكام لا أئمة اللغة والعربية، وإجماعهم إنما يعتبر بالنسبة إلى أحكام الشرع، إذا الإجماع المعتبر يجب أن يكون صادراً من أهل ذلك الفن. فلم قلتم أنه يصح لغة أيضا؟ لأنا نقول: الأصل عدم التعبير لاسيما فيما لا يوجد فيه دليل شرعي على الخصوصية. وأما الاستدلال: في ذلك بقول الشاعر: أدوا التي نقصت سبعين في مائة .. ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا

стр. 1408

وبقياس الاستثناء على التخصيص على ما استدل به بعض الأصحاب، فضعيف: إذ لا استثناء في الشعر، لأن معناه: أدوا المائة التي تسقط منها تسعون، ولا يلزم أن يكون سقوطها بطريق الاستثناء بل قد يكون بغيره، كما لو صرح وقال: أسقطت التسعين "من مائة". والفرق قائم بين التخصيص والاستثناء، على ما عرفت ذلك من قبل. وأما الدليل على فساد المذهب الثاني: خاصة وهو مذهب القاضي والحنابلة فقوله تعالى/ (٢٤٤/ أ): ﴿إن عبادي ليس عليك سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾. وقال حكاية عن إبليس: ﴿لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾. استثناء الغاوين في الآية الأولى: عن العباد فمقتضى هذا على رأي الخصم أن يكون المخلصون أكثر، ضرورة أنه ليس بعد الغاوين إلا المخلصون "ولأنه نفى عنهم سلطانه والذين ليس له عليهم سلطان هم المخلصون" بدليل قوله: ﴿لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾. واستثنى المخلصين في الآية الثانية: ومقتضى هذا على رأيهم أن يكون الغاوين أكثر لما سبق، وحينئذ يلزم أن يكون كل واحد من الغاوين

стр. 1409

والمخلصين أقل من الآخر والأقل من الأقل أقل، فيلزم أن يكون كل واحد منهما أقل من نفسه وهو محال. أو نقول بطريق آخر: وهو أنه تعالى استثنى الغاوين من العباد وهم أكثر المخلصين الباقين بعد الاستثناء، بدليل قوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ ﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾. والاستقراء أيضا يشهد بذلك، فلو كان شرط المستثنى أن يكون أقل لما صح هذا الاستثناء، لكنه صح إذ ورد في كتاب الله تعالى، فدل ذلك على أنه ليس بشرط. واعترض عليه بوجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أن "إلا" في قوله تعالى: ﴿إلا من اتبعك﴾ للاستثناء، بل هي عندنا بمعنى: لكن، فلم قلتم إن ذلك لا يجوز؟ سلمنا: أنها للاستثناء، لكن إنما يمتنع استثناء الأكثر لو كان عدد المستثنى والمستثنى منه "مصرحا، كما في استثناء الأعداد من الأعداد، أما إذا لم يكن" مصرحا به، كما إذا قال: أكرم الناس الذين يدخلون في داري إلا

стр. 1410

الجهال، فإنه يصح وإن كان الجهال أكثر الداخلين، فلم تكن الآية دالة على صورة النزاع، ضرورة أن العدد "غير" مصرح به. وجواب الأول: أن جعل: "إلا"، بمعنى: "لكن"، خلاف الأصل، والأصل استعمال كل لفظ في موضوعه إلا لدلالة صارفة عنه، والأصل عدمه. وعن الثاني: أن القول بالفصل في الجواز وعدمه في الاستثناء بين ما يكون العدد مصرحا به وبين ما لا يكون كذلك، لكن المتكلم والسامع يعلم كل واحد منهما أن المستثنى أكثر من المستثنى منه حالة الاستثناء، سواء كان معلقا بصفة، كما في الآية المتلوه/ (٢٤٤/ ب)، أو لا يكون معلقا بها كما إذا قال: جاءني كل الناس إلا أكثرهم. قول: "لم يقل به أحد: وفيه نظر ولا هو متجه إذ لا فرق بينهما في مأخذ الخصم" على ما ستعرفه. نعم: قد يتجه الفصل في الجواز وعدمه بينه وبين ما يكون معلقا بصفة لا يعلم المتكلم ولا السامع أنه "يكون" أكثر من المستثنى منه، حالة الاستثناء وإن كان يتفق أنه يكون أكثر منه فيما بعد، كما إذا قال السيد لعبده: أكرم كل من دخل داري إلا الصبيان، وإن كان يتفق أن الصبيان أكثر الداخلين، لما إن علة المنع غير متحققة حالة الاستثناء، وإن كنا

стр. 1411

لا نعلم أن أحدًا "منهم" قال به أم لا. ولقائل أن يقول: إنا لا نسلم أن مجموع الغاوين المنتزع من العبادة لو كان أقل من المخلصين الباقين، وأن المخلصين المستثنين، لو كان أقل من الغاوين الباقين، لزم أن يكون كل واحد منهما أقل من نفسه، وإنما يلزم ذلك "أن لو كانا" منتزعين من شيء واحد، وهو ممنوع. وهذا لأن الغاوين منتزع من العباد المتناول، للملائكة، والجن والإنس، والشياطين، ولا شك أن المخلصين الباقين من هؤلاء أكثر من الغاوين المستثنين، لأن الملائمة وحدها تزيد على من سواها من المخلوقات، على ما تشهد به الآثار الواردة في كثرتهم نحو قوله ﵇: "أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد".

стр. 1412

ونحو ما روي عنه ﵇: "أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة "السماء" الثانية"، وهكذا إلى السماء السابعة، فكيف وينضم إليها كثير من مخلصي الجن والإنس؟ وأما المخلصون في الآية الأخرى فمنهم مستثنون من بني آدم، لأن الضمير في قوله تعالى ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ راجع إليهم ولا شك أن

стр. 1413

المخلصين منهم أقل من الغاوين الباقين، وحينئذ لم يلزم ما ذكروه من المحذور، وهو أن يكون كل واحد منهما أقل من نفسه. وأما الآيات التي استدل بها على أن الغاوين أكثر في الطريقة الثانية فهي مختصة ببني آدم، إذ الضمائر فيها راجعة إليهم، ولفظ العباد وإن كان/ (٢٤٥/ أ) عاما في قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، لكنه يجب أن يكون مختصا بهم أيضا: ضرورة أن الملائكة المعصومين ليسوا كذلك، والاستقراء إنما يدل على كثرة الغاوين من الإنسان لا من غيرهم، وإذا كان كذلك لم يكن المستثنى أكثر من المستثنى منه في النصين جميعا. واستدل أيضا: على جواز استثناء النصف خاصة بقوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلا "نصفه"﴾. ووجه الاستدلال به هو أن النصف بدل من "القليل" الذي هو المستثنى وإنما جعل النصف قليلا، لأنه قليل بالنسبة إلى الكل، فيكون هو المستثنى في الحقيقة، إذ البدل هو المقصود بالنسبة دون المبدل. وأجيب عنه بمنع كونه بدلا عنه، بل هو بدل عن "الليل" وتقديره: قم الليل نصفه إلا قليلا، فهو على هذا ظرف للقيام، لأنه مستثنى. ولقائل أن يقول: جعله بدلا عن: القليل، أولى من جعله بدلا عن

стр. 1414

الليل" لوجهين: أحدهما: أنه على التقدير الأول: يكون بدل الكل من الكل، وعلى التقدير الثاني: يكون بدل البعض من الكل، ولا شك أن الأول أولى، لعدم التخصيص فيه ووجوده في الثاني. وثانيهما: أنا لا نحتاج إلى التقديم والتأخير الذي هو على خلاف الأصل على تقدير أن يجعل بدلا من القليل، بخلاف ما إذا جعل بدلا عن الليل، فإنا نحتاج إليه ومعلوم أن المحوج إلى خلاف الأصل، خلاف الأصل فيكون جعله بدلا عن الليل، خلاف الأصل. احتج المانعون بوجهين: أحدهما: أن الدليل يأبى قبول الاستثناء، لكونه إنكارا بعد الإقرار، وجحدا بعد الاعتراف وترك العمل به في القليل، لأنه بصدد النسيان لعدم التفات النفس إليه، فالمعترف بشيء عليه إنما نسى أن ذلك الشيء عليه بنقصان شيء يسيرا، وإن كان تماما لكن أدى منه شيئا يسيرا ونسيه لقلته، فإذا اعترف به فعند ذلك إنما يتذكر ذلك، فلو لم يكن متمكنا من استدراكه بالاستثناء لكان ذلك ضررا ظاهرا عليه، فسوغنا له الاستثناء في ذلك اليسير الذي في معرض النسيان، ثم درجات القلة متفاوتة بالنسبة إلى المال

стр. 1415

المعترف به، وإلى الشخص المعترف ولا ينضبط ذلك، وضبطنا القلة بما دون النصف، وهذا/ (٢٤٥/ ب) [المعنى] غير موجود في النصف والأكثر، لأنه يضاد الذكر لكثرته فوجب أن يبقى على الأصل. وجوابه: أن من قال من الجوزين أن الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة، فهذا ساقط عنه بالكلية، وأما من لم يقل به فهو يقول: إنا لا نسلم أن الاستثناء إنكار بعد الإقرار حتى يأبى الدليل قبوله، وهذا لأن الكلام إنما يتم بآخره، فقبل الإتمام ليس هو معترفا بشيء، وإنما يصير معترفا بما تقدم على الاستثناء أن لو انقطع الكلام عنده، أما إذا لم ينقطع فلا، وإذا كان كذلك لم يكن قبول الاستثناء على خلاف الدليل فلم يكن عدم قبوله في النصف والأكثر منه على وفق الدليل. وثانيهما: أن الرجل إذا قال لفلان: على عشرة إلا تسعة وخمسة أسداس وخمس حبات، يعد كلامه هراء وهزوا، والهراء والهزو ليسا من كلام العرب، وإذا لم يجز في هذه الصورة لم يجز في النصف أيضا: لعدم القائل بالفصل. وجوابه: أنا نسلم أن ذلك خلاف الأحسن، لكن ليس كل ما هو خلاف الأحسن ليس من كلامهم، ألا ترى أن الرجل إذا قال لفلان: على سبعة وخمسة أسداس وخمس حبات، كان خلاف الأحسن مع أنه جائز بالاتفاق، وكذلك لو قال لفلان: على عشرة إلا خمسة أسداس وخمس حبات ونصف حبة، كان على خلاف الأحسن، لأن الأحسن أن يقول: لفلان على تسعة ونصف حبة، مع أنه جائز بالاتفاق.

стр. 1416

المسألة الرابعة الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، عند أصحابنا خلافا للحنفية فيهما . وإيراد الإمام يشعر بتخصيص الخلاف في الأول.

стр. 1417

والحق ما ذكرناه على ما صرح به بعضهم، لأن مأخذه في ذلك هو أن بين الحكم بالنفي وبين الحكم بالإثبات واسطة، وهو عدم الحكم وتركه على ما كان عليه قبل الاستثناء، فمقتضى الاستثناء، هو خروج المستثنى عن أن يكون محكوما عليه بالحكم المذكور، وبقاؤه على ما كان عليه قبل الحكم لا يفرق بين الاستثناء من النفي وبين الاستثناء من الإثبات، إذ الواسطة بين الحكم بالنفي وبين الحكم بالإثبات بعدم الحكم، حاصلة سواء كان الاستثناء من النفي أو من الإثبات. نعم: يلزم النفي للمستثنى من الإثبات عنده، بناء على أنه الأصل قبل الحكم بالإثبات، لأن الاستثناء اقتضى ذلك/ (٢٤٦/ أ). فإن القائل إذا قال مثلا: لفلان على عشرة إلا درهما، كان معناه عنده إن الدرهم غير محكوم عليه باللزوم، لأنه محكوم عليه بعدم اللزوم، ومتى كان الدرهم غير محكوم عليه باللزوم، كان عدم اللزوم لازما له بناء على العدم الأصلي. ولعل الإمام "لهذا" السبب خصص الخلاف في النوع الأول، إذ لا يظهر للخلاف في الثاني، فائدة، فإن النفي ثابت فيه بالاتفاق، لكن المأخذ مختلف، فعندنا بسبب الاستثناء، وعنده بسبب البقاء على

стр. 1418

الحكم الأصلي. احتج الأصحاب: على صحة مذهبهم بوجهين: أحدهما: أنا أجمعنا، بأن الكافر سواء كان مشركا أو دهريرا لا يرى للعالم صانعا، إذا قال كلمتي الشهادة: فإنه يصير مؤمنا عند ذلك، ولو لم يكن الاستثناء من النفي إثباتا، لما كان مؤمنا، إذ ذاك، لأنه حينئذ لم يكن مثبتا للإلهية لله تعالى، بل نافيا لها من غيره تعالى فقط وبمجرده لا يحصل التوحيد، لأن التوحيد يتوقف على أمرين: أحدهما: نفي الإلهية عن غير الله تعالى. وثانيهما: إثباتها لله تعالى، وحينئذ يلزم إلا يصير مؤمنا بقولهما، وهو خلاف الإجماع، وإنما فرضنا الكلام في الدهري أيضا: كيلا يظن أن المقصود من هذه الكلمة إنما هو نفي الشركاء، فإما إثبات الإلهية لله تعالى، فليس هو المقصود من هذه الكلمة، بل كان ذلك حاصلا للكافر قبل التلفظ بكلمتي الشهادة، بدليل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولون الله﴾. فإذا حصل مع ذلك اعتقاد نفي الشركاء صار الكافر مؤمنا، لأن هذا لا يستقيم في حق الدهري الذي لا يرى للعالم صانعا، إذ ليس هو مثبتا للإلهية لأحد، والضمير في قوله: ﴿ولئن سألتهم﴾ ليس براجع إلى جميع أصناف الكفار، بل إلى بعضهم لما علم أن بعضهم لم يقولوا بإثبات الإلهية لله

стр. 1419

تعالى، كما أخبر الله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيات وما يهلكنا إلا الدهر﴾. وثانيهما: أن المتبادر إلى الفهم، عند سماع قول القائل: لا عالم في المدينة إلا زيد، إثبات كونه عالما ونفي غيره عن أن يكون كذلك، ويفهم منه من كمال علمه ما لا يفهم من قولنا: زيد عالم، ولو لم يكن الاستثناء من النفي مفيدا للإثبات لما فهم ذلك، فضلا عن أن يكون متبادرا وإحالة الفهم إلى قرينة المدح/ (٢٤٦/ ب) وإلى العرف خلاف الأصل. احتجوا: بأنه لا يفيد الإثبات في مثل قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي".

стр. 1420

...........................................................................

стр. 1421

...........................................................................

стр. 1422

"ولا صلاة إلا بطهور"، ولا يلزم من تحقق الولي والطهور، تحقق النكاح والصلاة. والأصل في الاستعمال الحقيقة، والاشتراك خلاف الأصل. وأيضا: لو جعل مفيدا للإثبات فحيث لم يفد يلزم الترك بالدليل، أما لو جعل مفيدا لإخراج المستثنى عن الحكم المستثنى عنه فقط فحيث استعمل للإثبات لم يلزم منه إلا إثبات حكم آخر لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا بإثبات. ومعلوم أن الثاني أولى. ولأنه استعمل في إفادة الإثبات، كما ذكرتم واستعمل أيضاً حيث لا يفيده، بل يفيد عدمه كما ذكرنا، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فوجب جعل حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو أخراج المستثنى عن حكم المستثنى منه لا غير. الجواب عن الأول من وجهين:

стр. 1423

أحدهما: أنا إنما ندعي ذلك، حيث يصدق اسم المستثنى منه على المستثنى وهو في الاستثناء من الجنس، وما ذكرتم من المثالين ليسا كذلك، إذ لا يصدق النكاح على الولي، والصلاة على الطهور. وثانيهما: أن الفرق بين قولنا: لا قضاء إلا بالعلم، ولا كرم إلا بالمال، وبين قولنا: لا قاضي إلا فلان، ولا كريم إلا فلان، معلوم بالضرورة. فإن الأول: إنما يستعمل لإفادة الشرطية لا غير، ولذلك أدخلوا باء الإلصاق في المستثنى ليؤذن بإلصاق المستثنى منه بالمستثنى، ولذلك أيضا: يصح استعماله وإن لم يوجد قاض وكريم في الدنيا، إذ الشرطية بين الشيئين لا يتوقف على وجودهما. بخلاف النوع الثاني فإنه لا يفهم منه معنى الشرطية أصلا، ولم يصح استعماله حيث لا وجود للمستثنى، ولم يصح دخول الباء عليه. وعن الثاني: المعارضة بما أنا لو جعلناه حقيقة في إفادة الإثبات أمكن جعله مجازا في الإخراج، ولو جعلناه حقيقة في الإخراج، لم يمكن جعله مجازا في إفادة الإثبات، إذ هو غير لازم له، وأيضا: الترك بالدليل وإن كان خلاف الأصل، لكن قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه وما ذكرنا من الدليل دال عليه فوجب المصير إليه. وعن الثالث: أنا لا نسلم استعماله، حيث لا يفيده إذا كان المستثنى من الجنس. سلمناه: لكنه معارض بما أنه يستلزم مجازين، وهو استعماله في تينك/ (٢٤٧/ أ) الصورتين، بخلاف ما إذا جعل حقيقة في أحديهما فإنه لا

стр. 1424

يلزم إلا التجوز في الصورة الأخرى. سلمنا: سلامته عن هذا المعارض، لكن المجاز قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه. المسألة الخامسة [في تعدد الاستثناءات] الاستثناءات إذا تعددت، فلا يخلوا إما أن يكون البعض معطوفا على البعض أو لا يكون. فإن كان الأول: فإما أن يكون مجموعها ناقصا عن المستثنى منه، أو لا يكون كذلك. فإن كان الأول: عاد الكل إلى المستثنى منه، وهو كقولك: لفلان على عشرة إلا اثنين وإلا ثلاثة وإلا أربعة، وهو ظاهر غني عن البيان. وإن لم يكن مجموعها ناقصا عنه، سواء كان مساويا، أو أزيد بعضها أو مجموعها، فإن حصلت المساواة بالاستثناء الأول: فلا كلام في فساده، ووجوب المستثنى منه كاملا، وإن حصلت بالأول

стр. 1425

وبالثاني: مثلا، فلا يخلو: إما أن يكون الثاني مساويا للاستثناء الأول، أو أنقص منه. فإن كان الأول: فقد تعذر رجوعه "مع" الأول إلى المستثنى منه، وبقدر رجوعه أيضا إلى الثاني "بيان" "لعلتين": العطف، والمساواة، فيفسد لا محالة. وهل يفسد معه الأول: حتى لا يسقط من المستثنى منه شيء، لأن العطف يجعل الاستثناءات المتعددة كاستثناء واحد، أم يخص الثاني بالإفساد لأن الفساد نشأ منه؟. فيه احتمالان: لكن الظاهر إنما هو الثاني. وإن كان الاستثناء الثاني أنقص من الاستثناء الأول، فالظاهر أن هاهنا يقع التعارض بين واو العطف وبين ما يقتضي حمل كلام العاقل البالغ على الصحة، لأن بتقدير أن يعود الاستثناءان إلى المستثنى منه يفسدان، وبتقدير أن يعود الأول إلى المستثنى منه، ويعود الثاني إلى الأول يصحان، لكن تبطل دلالة الواو على العطف، إذا لا عطف على هذا التقدير، هذا كله إذا كان البعض معطوفا على البعض. أما إذا لم يكن البعض معطوفا على البعض، فالاستثناء الثاني لا يخلو إما أن يكون مساويا للاستثناء الأول أو أزيد، أو أنقص، وعلى كل واحد من

стр. 1426

هذه التقادير الثلاثة، لا يخلو أيضا: إما أن يكون مساويا لما بقي من المستثنى منه بعد الاستثناء الأول، أو أزيد، أو أنقص، فهذه أقسام تسعة، تحصل من ضرب الثلاثة في الثلاثة، تبين أمثلتها وأحكامها. فأولها: كقولك: لفلان على عشرة إلى خمسة إلا خمسة، فهاهنا يفسد الاستثناء الثاني لا محالة، لتعذر رجوعه إلى الاستثناء الأول، وإلى المستثنى منه، ويجب من المستثنى من ما بقى بعد الاستثناء الأول. وثانيها: كقولك: لفلان على تسعة إلا خمسة إلا خمسة وحكم هذا القسم في فساد الاستثناء الثاني، ووجوب ما بقى من المستثنى منه بعد الاستثناء الأول كحكم الأول. وثالثها: كقولك: لفلان على عشرة إلا أربعة إلا أربعة، فهاهنا يرجع الاستثناء الثاني إلى المستثنى منه كالاستثناء حملا لكلام البالغ العاقل على الصحة، لأن بتقدير أن يرجع إلى الاستثناء الأول يلغو. ورابعها: كقولك: لفلان على عشرة إلى أربعة إلا ستة، فهاهنا يفسد الاستثناء الثاني أيضا لما سبق. وخامسها: كقولك: لفلاه على عشرة إلا أربعة إلا سبعة، وحكمه

стр. 1427

ما سبق. وسادسها: كقولك: لفلان على عشرة إلا أربعة إلا خمسة، فهاهنا أيضا يعود الاستثناء الثاني إلى المستثنى منه لما سبق". وسابعها: "كقولك": لفلان على عشرة إلا ستة إلا أربعة فهاهنا يعود الاستثناء الثاني إلى الاستثناء الأول، ولا يعود إلى المستثنى منه لما سبق. وثامنا: كقولك: لفلان على عشرة "إلا ستة إلا خمسة، وحكم هذا كحكم السابع. وتاسعها: كقولك: لفلان على عشرة" إلا خمسة إلا أربعة، فهاهنا يصلح أن يعود الاستثناء الثاني إلى الأول، وإلى المستثنى منه أيضا. فلا يخلو إما أن يقال: إنه يعود إليهما، وإلا إلى واحد منهما، أو إلى المستثنى منه فقط، أو إلى الاستثناء الأول فقط، والأقسام الثلاثة الأول باطلة فيتعين الرابع. أما الأول فلوجهين: أحدهما: أن المستثنى منه إذا كان منفيا مثلا بالاستثناء الأول يكون إثباتا قطعا لما سبق، فالاستثناء لو عاد إليهما جميعا لزم أن يكون نفيا وإثباتا معا وهو محال. فإن قلت: النفي والإثبات إنما يستحيل اجتماعهما في شيء واحد باعتبار

стр. 1428

واحد، أما باعتبارين مختلفين فلا نسلم استحالة اجتماعهما، ولو كان في شيء واحد. وقلت: ذلك إنما يعتبر فيما يجوز أن يختلف باختلاف/ (٢٤٨/ أ) الاعتبارات، "كالأمور النسبية أما وجود الشيء وثبوته في نفسه فذلك لا يختلف باختلاف الاعتبارات"، إذ لا يجوز أن يقال: الشيء موجود في نفسه بالنسبة إلى هذا ومعدوم بالنسبة إلى هذا. وثانيهما: أنه [لو] عاد إليهما النفي من المستثنى منه عين ما أثبته من الاستثناء الأول، ضرورة أنه نفي، فيكون الاستثناء عنه ثبوتا فينجبر النقصان بالزيادة ويبقى ما كان حاصلا قبل الاستثناء فيلغو الاستثناء، ويضان كلام البالغ العاقل عنه. وأما الثاني: فبهذا وبالإجماع. وأما الثالث: فلأن القرينة يوجب الرجحان، فإن لم يوجب ذلك فلا أقل من المساواة.

стр. 1429

المسألة السادسة في أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة المعطوفة بعضها على بعض هل يعود إليه بأسرها [أم يختص بالأخيرة ؟. اختلفوا فيه، فذهب الشافعي وأكثر الصحابة: إلى أنه يرجع

стр. 1430

إليها بأسرها]. وذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أنه يختص بالجملة الأخيرة.

стр. 1431

وذهب المرتضى من الشيعة: إلى أنه مشترك بين الرجوع إلى الكل، وبين أن يختص بالأخيرة. [وتوقف القاضي أبو بكر، والغزالي، وجماعة من أصحابنا في ذلك]، بمعنى لا ندري أن حكمه في اللغة ماذا. ومنهم من فصل وذكروا فيه وجوها: وأحدها: وهو ما ذكره إمام الحرمين- رحمه الله تعالى- واختاره: أن الجمل التي تباعدت معانيها واختلفت مقاصدها كقولك: أكرموا من يزورنا، وحبست ضيعتي على أقاربي، وبعت داري من بني فلان، واعتقوا عبيدي إذا مت إلا لفاسق منهم، فهاهنا يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة.

стр. 1432

وإن لم يكن كذلك، بل تقاربت معانيها وتناسبت مقاصدها، كقولك وقفت داري على بني فلان، وحبست ضيعتي على أقاربي إلا الفاسق منهم، فهاهنا يجب أن يتوقف فيه، كما اختاره القاضي. ثم قال: وآية القذف وإن كانت أحكامها متناسبة، لكن لا يتوقف استثنائها، بل يجب ردها إلى ما قبل الأخيرة، لأن الأخيرة كالعلة لما قبلها، فكأنه قيل: ولا تقبلوا لهم شهادة، لأنهم الفاسقون، فإذا رفعت العلة بالتوبة رفع ما يتفرع عليها. وثانيها: أن الجمل كلها إن كانت لغرض واحد عاد الاستثناء إلى الكل، وإن كانت الأغراض مختلفة اختص الاستثناء بالأخيرة، وهو اختيار القاضي عبد الجبار بن أحمد على ما نقله بعضهم.

стр. 1433

وثالثها: وهو أن الجملتين من الكلام إما أن يكون من نوع واحد، أو من نوعين مختلفين/ (٢٤٨/ ب). فإن كان الأول: فإما أن تكون الثانية منهما متعلقة بالأولى، بأن يكون اسمها مصغرا فيها كقولك: أكرم ربيعة واخلع عليهم إلا الطوال، أو حكمها كقولك: أكرم ربيعة ومضر إلا الطوال، فهاهنا الاستثناء راجع إليهما لعدم استقلال الثانية بدون الأول، لكن الثانية أولى برجوع الاستثناء إليهما، لأن المقصود من الاستثناء إخراج المستثنى عن أن يكون محكوما عليه بالحكم السابق، والجملة الثانية متعلقة بالأولى في المقصود الأصلي بالاستثناء، وهو الحكم، فيكون رجوعه إليهما أولى. أو لم يكن، وحينئذ إما أن تكون الجملتان مختلفتي الاسم والحكم سواء كان بين الحكمين اشتراك في أمر خاص، كقولك: وقفت ضيعتي على ربيعة، وأعتقت عبيدي إلا لفاسق منهم، فإن بين الحكمين اشتراكا خاصا غير كونهما قربه، وهو كونهما قربة مالية وإزالة ملك على وجه لا يجوز التصرف فيه بالبيع والهبة والانتفاع به لا له ولا لغيره. أو لم يكن كذلك كقولك: أكرم ربيعة، واضرب مضر إلا الطوال. أو متفقتي الاسم ومختلفتي الحكم سواء كان بين الحكمين اشتراك في غرض من الأغراض، إما اتحاد القصة كقولك: القاذف مجلود، والقاذف مردود الشهادة، القاذف فاسق إلا التائب منه. فإن هذه الأحكام مشتركة في غرض الإهانة مع اتحاد القصة.

стр. 1434

أو لا مع اتحاد القصة كقولك: أطعم ربيعة واخلع على ربيعة إلا الطوال، إذ الحكمان يشتركان في غرض الإحسان بعد غرض الإعظام مع عدم اتحاد القصة. أو لم يكن كقولك: أطعم ربيعة واصفع ربيعة إلا الطوال. أو متفقتي الحكم ومختلفتي الاسم كقولك: أطعم ربيعة وأطعم مضر إلا الطوال، فالاستثناء في هذه الصور يختص بالجملة الأخيرة، لأن الظاهر أنه لم ينقل عن الجملة [الأخيرة] المستقلة بنفسها إلى جملة أخرى مثلها في الاستقلال إلا وقد تم غرضه منها، وذلك ينفي عود الاستثناء إليها ظاهرا، لكن بعض هذه الصور أولى من البعض باختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة. فالثانية: من القسم الأول أولى بذلك من الأولى، ومن كل ما بعدها ولتغاير الاسم والحكم، ولعدم المناسبة. ثم الأول منه: أولى بذلك من كل ما بعدها، لتغاير الاسم والحكم، لأنه أولى بالاعتبار من المناسبة. والثالثة: من القسم الثاني أولى بذلك من الثانية، والأولى منه والثانية أولى بذلك من الأول. والقسم الثالث/ (٢٤٩/ أ) أولى بذلك من الثالثة من القسم الثاني لما سبق أن المقصود من الاستثناء إخراج المستثنى عن الحكم لا إخراج ذاته. وأما القسم الثالث والثانية والأولى من القسم الثاني، فالظاهر أنها متساوية في ذلك لوجود أمرين معنويين.

стр. 1435

هذا كله إذا كانتا الجملتان من نوع واحد، أما إذا لم يكونا من نوع واحد بل كانتا من نوعين مختلفين فحينئذ، إما أن تكون الجملتان متضمنتين لحكمين متنافيين. أما مع اتحاد القصة، كقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ..﴾ الآية، فإن الجملة الأولى أمر، والثانية نهي، والثالثة خبر، وإن أحكامها متناسبة لعرض الإهانة والزجر عن ذلك الفعل مع اتحاد القصة. أولا مع اتحادها كقولك: من زنى فاجلده، ومن قذف فلا تقبل شهادته. أو لا يكونا كذلك كقولك: أكرم ربيعة والعلماء هم المتكلمون إلا أهل البدعة والضلال، فالاستثناء في هذه الصور الثلاثة يختص بالجملة الأخيرة. ولا يخفى عليك مما سبق أن هذه الثلاثة أولى بذلك. وهو اختيار أبي الحسين البصري وجماعة من المعتزلة، خلا أمور زدناها فيه على المنقول عنهم على ما ظهر لنا وإنما نبهنا عليه، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى أحد ما لا يقول هو به، إما صريحا أو ضمنا سواء كان حقا أو باطلا،

стр. 1436

وإذا قد عرفت المذاهب فيه. فاعلم: أن المختار في ذلك: إنما هو التوقف على ما قاله: إمام الحرمين- رحمه الله تعالى- وهو التوقف في الجمل المتقاربة، والتقارب، إما أن يكون بسبب تعلق بعضها بالبعض كما تقدم، أو بسبب مناسبة بينهما، إما لفظية أو معنوية. أما في الجمل المتباعدة كقولنا: أكرم ربيعة وأهنت أهل بغداد إلا الطوال فهاهنا يظهر اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة. وهذا ظاهر غنى عن البيان، وإنما الشأن في إثبات التوقف فيما وراءها، وذلك ببيان حجج القاطعين، وبيان ضعفها، فإن المتوقف ليس عليه أن يذكر على التوقف حجة، بل يكفيه في ذلك القدح في أدلة القاطعين. احتج أصحابنا بوجوه: أحدها: أن الشرط بمشيئة الله تعالى أن تعقب الجمل عاد إلى الكل بالاتفاق، فكذا الاستثناء، والجامع أن كل واحد منهما لا يستقل بنفسه، وهذا الإلزام بعينه آت في الشرط أيضا: فإنا أجمعنا على أن الشرط إن

стр. 1437

تعقب الجمل عاد إلى الكل، فكذا الاستثناء والجامع ما سبق، ولأنه لا فرق بينهما في المعنى، لأن قول/ (٢٤٩/ ب) القائل: أكرم العلماء وأحسن إلى الشرفاء إلا الفاسق منهم، جاري مجرى قوله: أكرم العلماء وأحسن إلى الشرفاء إن لم يفسقوا. أجيب بالفرق، أما بين الأول منهما، وبين الاستثناء، فلأن في الاستثناء- بمشيئة الله تعالى- قرينة معنوية لازمة له تقتضي عودة إلى الكل، وهي ما علم من توقيف وجود الأشياء كلها على مشيئة الله تعالى، وهذه القرينة وإن كانت حاصلة قبل التلفظ بهذا التعلق والشرط، فإن حقيقة الاستثناء بمشيئة الله تعالى راجعة إلى الشرط، وإن سموه العلماء بالاستثناء، بدليل جريانه في الواحد وعدم جريان الاستثناء فيه، لكن لا عمل بها بالإجماع لما أن المعلق عليها منجبر في اللفظ ونحن إنما نعتبر حال اللفظ لا ما هو الواقع في نفسه، فإذا ذكر ذلك عاد إلى الكل، إذ ليس البعض في ذلك أولى من بعض. وأما بين الثاني منهما وبينه، فلأن الشرط متقدم في المعنى، وإن كان متأخرًا في اللفظ لوجوب تقدم الشرط على الجزاء، ولهذا كان تقديمه في اللفظ جائزًا بل أولى، بخلاف الاستثناء فإنه لا يجوز تقديمه على المستثنى منه، وإذا كان متقدمًا على الكل صار كل ما بعده مشروطًا به، وهذا الفرق بعينه آت في الاستثناء بمشيئة الله تعالى لما تقدم، أنه راجع إليه. وهو ضعيف.

стр. 1438

أما أولا: فلأنه غير قادح، وهذا لأنه إذا لم يعتبر ما هو الواقع في نفسه فالمعتبر، إما الملفوظ وحده، أو هو مع ما هو الواقع في نفسه وعلى التقديرين لم قلتم أنه راجع إلى الكل حتى يصير الكل موقوفًا عليه؟. فإن الشيء قد يختص بذكر نسبته إلى الشيء، وإن كان نسبة غيره إليه كنسبته إليه، لاسيما إذا كان الحكم يختلف بذلك. وأما الثاني: فغير قادح أيضًا: وهذا لأن الشرط مقدم في المعنى على ما هو شرط له، فتقديمه على الكل إنما يثبت إن لو ثبت أنه شرط للكل، فإثبات شرطيته للكل بكونه متقدمًا على الكل دور وهو ممتنع. سلمنا: تقدمه على الكل، مطلقا، لكن لم قلتم إن كل ما بعده يصير مشروطا به، ولم لا يجوز أن يكون المشروط "به" هو الذي يليه لا غير؟ وجوابه: أنا نمنع الحكم فيهما ولا يدفع ذلك بالإجماع، بأن يقال: التسوية بينهما وبين الاستثناء في الاختصاص بالجملة الأخيرة قول لم يقل به أحد، لأنا لا نسلم ذلك، وهذا إنا لو سلمنا أن أبا حنيفة/ (٢٥٠/ أ) وأصحابه يسلمون الحكم فيهما، إلا أن بعض أهل العربية والواقفية يمنعون من ذلك. سلمنا: الحكم لكن ما الجامع، وما ذكرتم من الجامع لا يناسب الحكم، وهو العود إلى الكل، بل إنما يناسب إن تعلق بشيء قبله لا بكل ما قبله. سلمنا: مناسبته لذلك، لكنه قياس في اللغة. وهو ممنوع. وثانيها: أن حرف العطف يصير الجمل الكثيرة المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، قياسًا على المفرد وتمسكًا بعموم قول أهل العربية إذ

стр. 1439

قالوا: إن، واو، العطف في المختلفات كواو الجمع في المتفقات، فلا فرق حينئذ بين قولك: أحسن إلى المسلمين إلا الفاسق منهم، وبين قولك: أحسن إلى العلماء وأحسن إلى الشرفاء، وهلم جرا إلى أن يذكر جميع أصناف المسلمين إلا الفاسق منهم، فإذا كان الاستثناء في الأول يعود إلى جميع المسلمين المذكورين وجب أيضًا: أن يعود في الثاني إلى جميع المذكورين. وجوابه: منع أن حرف العطف يصير الجمل المعطوف بعضها على بعض كالجملة الواحدة، أما قياسه على المفرد فيمنع صحته، إذ هو قياس في اللغة. ولئن سلم: صحته فالفرق بينهما ظاهر، وبيانه من حيث الإجمال أن الاشتراك بين المعطوف، وبين المعطوف عليه في نسبة الفعل المذكور واجب، وهو غير واجب في الجمل المعطوف بعضها على بعض، فإنه يجوز أن يعطف الجملة المنفية على المثبتة وبالعكس، بل "لا" يجب الاشتراك بينهما في مطلق الفعل أيضًا: إذ يجوز عطف الجملة الأسمية على الجملة الفعلية. وأما قول: أهل العربية مختص بالمفردات لما تقدم ولمقابلتهم "واو" المختلفات "بواو" الجمع في المتفقات، ومن المعلوم أن "واو" الجمع في المتفقات لا يتصور في غير المفردات إذ الجمع لا تجمع، وإذا كان كذلك فلا يلزم من عود الاستثناء إلى جميع المذكورين في الجملة الواحدة، عودة إلى جميع المذكورين في الجملتين.

стр. 1440

فإن قلت: فما فائدة "الواو" في الجمل المعطوف بعضها على بعض. قلت: ليس الفائدة فيه سوى تحسين الكلام، فإن قولك: قام زيد وباع عمرو داره، أحسن منه بدون "الواو". سلمنا: أنها تصير كالجملة الواحدة، لكن في كل الأمور أو في بعضها والأول ممنوع، وهذا لأن المتكسر لفظًا ومعنى لا يكون واحدًا كذلك وبتقدير تسليمه فقياس الجمل على الجملة الواحدة فاسد، لأنه قياس للشيء على نفسه والثاني مسلم/ (٢٥٠/ ب)، لكن لم يلزم منه الاشتراك فيما ذكرتم فإن اشتراك الشيئين في بعض الأمور لا يوجب اشتراكه في البعض الآخر، فإن بنيتم ذلك بطريق القياس فأين الجامع، وبتقدير صحته فإنه قياس في اللغة، وهو ممنوع. وثالثها: أن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من تلك الجمل وذلك مما لا نزاع فيه، ولهذا فإن الخصم يحمله عليه عند أدنى قرينة دالة عليه، ولو لم يكن صالحا له، لما حمل عليه ولو دل عليه ألف قرينة وليس البعض أولى من البعض، فوجب حمله على العود إلى الكل كاللفظ العام. وجوابه: إن عنيتم بالصلاحية الصلاحية بطريق الحقيقة فممنوع، وهذا لأنه غير صالح لذلك بطريق الحقيقة عندنا، بل بطريق التجوز، ولهذا يحتاج الحمل على ذلك إلى القرينة. وإن عنيتم الصلاحية بطريق التجوز فمسلم، لكن ذلك لا يوجب الحمل
следующие страницы →