← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وإذا قد عرفت المذاهب فيه. فاعلم: أن المختار في ذلك: إنما هو التوقف على ما قاله: إمام الحرمين- رحمه الله تعالى- وهو التوقف في الجمل المتقاربة، والتقارب، إما أن يكون بسبب تعلق بعضها بالبعض كما تقدم، أو بسبب مناسبة بينهما، إما لفظية أو معنوية. أما في الجمل المتباعدة كقولنا: أكرم ربيعة وأهنت أهل بغداد إلا الطوال فهاهنا يظهر اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة. وهذا ظاهر غنى عن البيان، وإنما الشأن في إثبات التوقف فيما وراءها، وذلك ببيان حجج القاطعين، وبيان ضعفها، فإن المتوقف ليس عليه أن يذكر على التوقف حجة، بل يكفيه في ذلك القدح في أدلة القاطعين. احتج أصحابنا بوجوه: أحدها: أن الشرط بمشيئة الله تعالى أن تعقب الجمل عاد إلى الكل بالاتفاق، فكذا الاستثناء، والجامع أن كل واحد منهما لا يستقل بنفسه، وهذا الإلزام بعينه آت في الشرط أيضا: فإنا أجمعنا على أن الشرط إن

стр. 1437

تعقب الجمل عاد إلى الكل، فكذا الاستثناء والجامع ما سبق، ولأنه لا فرق بينهما في المعنى، لأن قول/ (٢٤٩/ ب) القائل: أكرم العلماء وأحسن إلى الشرفاء إلا الفاسق منهم، جاري مجرى قوله: أكرم العلماء وأحسن إلى الشرفاء إن لم يفسقوا. أجيب بالفرق، أما بين الأول منهما، وبين الاستثناء، فلأن في الاستثناء- بمشيئة الله تعالى- قرينة معنوية لازمة له تقتضي عودة إلى الكل، وهي ما علم من توقيف وجود الأشياء كلها على مشيئة الله تعالى، وهذه القرينة وإن كانت حاصلة قبل التلفظ بهذا التعلق والشرط، فإن حقيقة الاستثناء بمشيئة الله تعالى راجعة إلى الشرط، وإن سموه العلماء بالاستثناء، بدليل جريانه في الواحد وعدم جريان الاستثناء فيه، لكن لا عمل بها بالإجماع لما أن المعلق عليها منجبر في اللفظ ونحن إنما نعتبر حال اللفظ لا ما هو الواقع في نفسه، فإذا ذكر ذلك عاد إلى الكل، إذ ليس البعض في ذلك أولى من بعض. وأما بين الثاني منهما وبينه، فلأن الشرط متقدم في المعنى، وإن كان متأخرًا في اللفظ لوجوب تقدم الشرط على الجزاء، ولهذا كان تقديمه في اللفظ جائزًا بل أولى، بخلاف الاستثناء فإنه لا يجوز تقديمه على المستثنى منه، وإذا كان متقدمًا على الكل صار كل ما بعده مشروطًا به، وهذا الفرق بعينه آت في الاستثناء بمشيئة الله تعالى لما تقدم، أنه راجع إليه. وهو ضعيف.

стр. 1438

أما أولا: فلأنه غير قادح، وهذا لأنه إذا لم يعتبر ما هو الواقع في نفسه فالمعتبر، إما الملفوظ وحده، أو هو مع ما هو الواقع في نفسه وعلى التقديرين لم قلتم أنه راجع إلى الكل حتى يصير الكل موقوفًا عليه؟. فإن الشيء قد يختص بذكر نسبته إلى الشيء، وإن كان نسبة غيره إليه كنسبته إليه، لاسيما إذا كان الحكم يختلف بذلك. وأما الثاني: فغير قادح أيضًا: وهذا لأن الشرط مقدم في المعنى على ما هو شرط له، فتقديمه على الكل إنما يثبت إن لو ثبت أنه شرط للكل، فإثبات شرطيته للكل بكونه متقدمًا على الكل دور وهو ممتنع. سلمنا: تقدمه على الكل، مطلقا، لكن لم قلتم إن كل ما بعده يصير مشروطا به، ولم لا يجوز أن يكون المشروط "به" هو الذي يليه لا غير؟ وجوابه: أنا نمنع الحكم فيهما ولا يدفع ذلك بالإجماع، بأن يقال: التسوية بينهما وبين الاستثناء في الاختصاص بالجملة الأخيرة قول لم يقل به أحد، لأنا لا نسلم ذلك، وهذا إنا لو سلمنا أن أبا حنيفة/ (٢٥٠/ أ) وأصحابه يسلمون الحكم فيهما، إلا أن بعض أهل العربية والواقفية يمنعون من ذلك. سلمنا: الحكم لكن ما الجامع، وما ذكرتم من الجامع لا يناسب الحكم، وهو العود إلى الكل، بل إنما يناسب إن تعلق بشيء قبله لا بكل ما قبله. سلمنا: مناسبته لذلك، لكنه قياس في اللغة. وهو ممنوع. وثانيها: أن حرف العطف يصير الجمل الكثيرة المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، قياسًا على المفرد وتمسكًا بعموم قول أهل العربية إذ

стр. 1439

قالوا: إن، واو، العطف في المختلفات كواو الجمع في المتفقات، فلا فرق حينئذ بين قولك: أحسن إلى المسلمين إلا الفاسق منهم، وبين قولك: أحسن إلى العلماء وأحسن إلى الشرفاء، وهلم جرا إلى أن يذكر جميع أصناف المسلمين إلا الفاسق منهم، فإذا كان الاستثناء في الأول يعود إلى جميع المسلمين المذكورين وجب أيضًا: أن يعود في الثاني إلى جميع المذكورين. وجوابه: منع أن حرف العطف يصير الجمل المعطوف بعضها على بعض كالجملة الواحدة، أما قياسه على المفرد فيمنع صحته، إذ هو قياس في اللغة. ولئن سلم: صحته فالفرق بينهما ظاهر، وبيانه من حيث الإجمال أن الاشتراك بين المعطوف، وبين المعطوف عليه في نسبة الفعل المذكور واجب، وهو غير واجب في الجمل المعطوف بعضها على بعض، فإنه يجوز أن يعطف الجملة المنفية على المثبتة وبالعكس، بل "لا" يجب الاشتراك بينهما في مطلق الفعل أيضًا: إذ يجوز عطف الجملة الأسمية على الجملة الفعلية. وأما قول: أهل العربية مختص بالمفردات لما تقدم ولمقابلتهم "واو" المختلفات "بواو" الجمع في المتفقات، ومن المعلوم أن "واو" الجمع في المتفقات لا يتصور في غير المفردات إذ الجمع لا تجمع، وإذا كان كذلك فلا يلزم من عود الاستثناء إلى جميع المذكورين في الجملة الواحدة، عودة إلى جميع المذكورين في الجملتين.

стр. 1440

فإن قلت: فما فائدة "الواو" في الجمل المعطوف بعضها على بعض. قلت: ليس الفائدة فيه سوى تحسين الكلام، فإن قولك: قام زيد وباع عمرو داره، أحسن منه بدون "الواو". سلمنا: أنها تصير كالجملة الواحدة، لكن في كل الأمور أو في بعضها والأول ممنوع، وهذا لأن المتكسر لفظًا ومعنى لا يكون واحدًا كذلك وبتقدير تسليمه فقياس الجمل على الجملة الواحدة فاسد، لأنه قياس للشيء على نفسه والثاني مسلم/ (٢٥٠/ ب)، لكن لم يلزم منه الاشتراك فيما ذكرتم فإن اشتراك الشيئين في بعض الأمور لا يوجب اشتراكه في البعض الآخر، فإن بنيتم ذلك بطريق القياس فأين الجامع، وبتقدير صحته فإنه قياس في اللغة، وهو ممنوع. وثالثها: أن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من تلك الجمل وذلك مما لا نزاع فيه، ولهذا فإن الخصم يحمله عليه عند أدنى قرينة دالة عليه، ولو لم يكن صالحا له، لما حمل عليه ولو دل عليه ألف قرينة وليس البعض أولى من البعض، فوجب حمله على العود إلى الكل كاللفظ العام. وجوابه: إن عنيتم بالصلاحية الصلاحية بطريق الحقيقة فممنوع، وهذا لأنه غير صالح لذلك بطريق الحقيقة عندنا، بل بطريق التجوز، ولهذا يحتاج الحمل على ذلك إلى القرينة. وإن عنيتم الصلاحية بطريق التجوز فمسلم، لكن ذلك لا يوجب الحمل

стр. 1441

عليه بدون القرينة، وأما القياس على اللفظ العام فغير صحيح، لأن صلاحيته لذلك بطريق الحقيقة. سلمنا: أنه صالح له مطلقا، لكن لا نسلم أنه ليس البعض أولى من البعض، وهذا لأن الجملة الأخيرة أولى بذلك. ورابعها: أن الحاجة قد تدعو إلى الاستثناء عن الجمل الكثيرة بأسرها، فلابد وأن يكون له طريق، وذلك إما بتكرره عقيب كل جملة، بأن يقول: من زنا فاجلده إلا من تاب، ومن سرق فاقطعه إلا من تاب، ومن قذف فرد شهادته إلا أن تاب، وهؤلاء كلهم فساق إلا من تاب، أو يذكره مرة واحدة عقيب كل الجمل، لكن الأول: قبيح وركيك باتفاق أهل اللغة فيبعد أن تتخذ العرب الذين هم أهل الفصاحة والبلاغة ذلك سبيلًا لما تدعو الحاجة إليه فيتعين الثاني، وإذا كان سبيلا إليه في هذه الصورة وجب أن لا يكون سبيلا إلا غيره بطريق الحقيقة دفعا للاشتراك ولا يعارض بمثله. لأنا لا نسلم أنه لا طريق له سوى ذلك، وهذا لأن له طريقًا آخر وهو أن يفصل بين الجملة الأخيرة وبين ما قبلها بسكتة، ثم يأتي بها وبالاستثناء ولا يعطفها على ما قبلها ليكون مقتطعًا عما قبلها. وجوابه: أنا نسلم إن الطريق المستحسن وهو الثاني، لكن مع البينة على ما يقتضي العود إلى الكل، وليس كل ما يعبر به عن معنى أن يكون هو حقيقة فيه.

стр. 1442

وخامسها: لو قال: لفلان على خمسة وخمسة إلا سبعة صح ورجع إلى الخمستين، والأصل في الاستعمال الحقيقة/ (٢٥١/ أ)، وإذا كان حقيقة فيه لم يكن حقيقة في الاختصاص بالجملة الأخيرة دفعًا للاشتراك. وجوابه: أنا لو سلمنا الحكم فيه، إذا هو ممنوع على رأي فإنما كن ذلك لأن الرجوع إلى الأخير وحده متعذر لفساده وكلام العاقل البالغ يصان عن ذلك فلا جرم رجع إلى الجملتين ودلالة اللفظ على معنى للقرينة لا يدل على أنه حقيقة فيه بل الدلالة المجردة عن القرينة دليل الحقيقة. وسادسها: أن الرجال إذا قال: العلماء والشرفاء أكرموهم إلا الفاسق منهم، فإن الاستثناء يعود إلى الجميع وفاقًا، فكذا لو قال: أكرموا العلماء والشرفاء إلا الفاسق منهم، ضرورة أنه لا فرق بينهما في المعنى. وجوابه: أن الاستثناء في الأول: إنما رجع إلى العلماء، والشرفاء، لأنه استثناء عن الضمير الراجع إليهما، فكان الاستثناء عن الجملة الواحدة. وأما في الثاني فليس كذلك، بل هو استثناء عن الجملة الأخيرة عندنا. وسابعها: أن القول بعود الاستثناء إلى جميع الجمل المذكورة تقتضي القطع بحصول مراد المتكلم منه، لأنه إذا كان مراده ذلك فظاهر، وإن كان مراده منه العود إلى البعض، فذلك أيضًا: حاصل في ضمن الكل. وأما القول: باختصاصه بالجملة الأخيرة فلا يقتضي القطع بحصول مراده منه، لأن بتقدير أن يكون مراده منه العود إلى الكل لا يحصل مراده بالجمل على العود إلى الجملة الأخيرة، فكان الأول أولى.

стр. 1443

لا يقال: أنا لا نسلم أنه يحتمل أن يكون مراده منه العود إلى الكل، حتى كون الحمل عليه محصلا لمراده على القطع، وهذا لأنه لا يجوز أن نعني باللفظ غير ظاهره عند عدم قرينة دالة عليه، والعود إلى الكل غير ظاهر عندنا، فلا يجوز أن يكون ذلك مراده مع أنه لا يدل عليه. لأنا نقول: هذا بعد أن يثبت أنه ظاهر في شيء وغير ظاهر في شيء آخر، فأما قبل أن يثبت ذلك، وقبل النظر إلى دليل المذهبين، فلا شك أن احتمال إرادته قائم، وأنه محصل لغرضه قطعًا، إذ ذاك، فكان أولى. وجوابه: منع كونه مقتضيًا للقطع بحصول مراده "وهذا لأنه يجوز أن يكون مراده منه هو العود إلى الجملة الأخيرة، مع إرادة عدم عوده إلى غيرها لا مع عدم إرادة عوده إلى غيرها، فإن القول بالعود على الكل معه يوجب القطع بحصول مراده". فأما مع الأول/ (٢٥١/ ب) فيستحيل، إذا يمتنع وجود الكل عند فرض عدم جرئه. سلمناه: لكن لا يعارض هذا صريح دلالة تلك الجمل على إرادة كل مدلولاتها، لأن الدلالة اللفظية راجحة على القرائن المعنوية، وبهذا خرج الجواب أيضًا: لو رجح القول بالعود على جميع الجمل، بأن يقال: إنه وإن لم يكن محصلا للغرض قطعًا، لكنه محصل له على التقديرين، والقول بأنه يختص بالجملة الخيرة ليس كذلك، فكان أولى.

стр. 1444

احتجت الحنفية -رحمهم الله تعالى- بوجوه: أحدها: أن القول بتعميم الرجوع يستلزم الترك بالدليل في آية القذف، وأمثالها، إذا لم يرجع الاستثناء إلى الجلد، فإنه لا يسقط بالتوبة وفاقا، والترك بالدليل خلاف الأصل، فما يسلتزمه يكون أيضًا كذلك. وجوابه: بعد تسليم أنه لا يرجع إلى الجلد، إذ هو ممنوع على رأي لنا: المعارضة بمثله، وهو أن يقال: إنا لو جعلناه حقيقة في الاختصاص بالجملة الأخيرة، لزم الترك بالدليل في مثل قوله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾. فقوله: ﴿إلا قليلا﴾ ليس باستثناء عن الجملة الأخيرة، إذ لو كان استثناء عنها لصار تقدير الكلام إن أكثر من ليس عليه فضل الله ورحمته يتبع الشيطان، وإن قليلهم لا يتبعه، وهو فاسد فإن كل من لا يتبعه فإنه بفضله وعصمته وتوفيقه فهو إذًا استثناء، إما عن قوله: ﴿أذاعوا به﴾، أو عن قوله: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه﴾ أو عنهما معًا، وعلى التقديرين يلزم الترك بالدليل، فما هو جوابكم عن هذا؟ فهو جوابنا عن ذلك.

стр. 1445

وثانيها: أنه استعمل في العود إلى الجملة الأخيرة فقط، كما في قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة "مؤمنة" ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾، فقوله تعالى: ﴿إلا أن يصدقوا﴾ راجع إلى الدية فقط، إذ الكفارة لا تسقط بتصدق الأهل بالإجماع، والأصل في الاستعمال الحقيقة، وإذا كان حقيقة فيه لا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك. وجوابه: ما سبق في حجج القائلين بتعميم العود. وثالثها: إن الاستئناف على خلاف الأصل، لأنه تخصيص خاص، والتخصيص خلاف الأصل، فهو أيضًا خلاف الأصل ترك العمل بهذا الأصل بالنسبة إلى/ (٢٥٢/ أ) تعليقه إلى جملة واحدة، لضرورة حمل الكلام على الصحة فإنه لو لم يعلق بشيء مما تقدم عليه للغا، فوجب أن يبقى على الأصل بالنسبة إلى غيرها، لأنه قد اندفعت الضرورة بالتعليق إلى جملة واحدة. بقي أن يقال: فلم يتعين لذلك الجملة الأخيرة؟. قلنا: للقرب، فإن للقرب تأثيراً في كلامهم، في أن تعلق القريب من الشيء به، إذا كان محتاجًا إليه.

стр. 1446

ويدل عليه أمور: أحدها: أنهم اتفقوا على أن رجوع الضمير في مثل قول القائل: ضرب زيد عمرا وضربته، إلى عمرو أولى من رجوعه إلى زيد، ولا يحتمل ذلك لمناسبة معنوية، فإنه لو قدم المفعول وأخر الفاعل، لكان عود الضمير إلى زيد أولى من عوده إلى عمرو، وليس ذلك للقرب. وثانيها: أنهم اتفقوا على أن ما يلي الفعل، يجب أن يكون هو الفاعل إذا كان هو والمفعول مقصورين، ولم يكن في الكلام قرينة تدل على أن أحدهما بالفاعلية أولى من الآخر، وليس ذلك إلا للقرب. وثالثها: أنهم اتفقوا في مثل قولهم: أعطي زيد بكرا خالدا، على أن بكرا أولى بأن يكون مفعولا أو لا لأعطي، وليس ذلك إلا للقرب. ورابعها: أنا لو لم نعلقها بالجملة الأخيرة، لزم خرق الإجماع، لأن كل من علقه بجملة واحدة [قال]: إن تلك الجملة هي الجملة الأخيرة، فالقول بأنه يتعلق بجملة واحدة غيرها خلاف الإجماع. وجوابه: أنا لا نسلم أنه خلاف الأصل، قوله: لأنه تخصيص خاص. قلنا: ممنوع على رأي من يقول: إن الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظ الواحد الدال على ما بقى بعد الاستثناء. سلمنا: ذلك لكن دليلكم منقوص بالاستثناء بمشيئة الله تعالى وبالشرط، فإن كل واحد منهما خلاف الأصل لرفع مقتضى الكلام الأول، بل هما أولى بذلك.

стр. 1447

أما الأول: فلأنه يرفع مقتضى الكلام الأول بالكلية. وأما الشرط: فلأنه قد يرفع ذلك لجواز أن لا يحصل الشرط أصلا بالنسبة إلى شيء من مدلولات الكلام الأول، مع أنهما يرجعان إلى كل ما يتقدمهما من الجمل ولا يدفع بالفرق المذكور، لأنه مر تزييفه. سلمنا: سلامته عن النقيض أيضًا: "لكن" التخصيص قد يلتزم بأدنى قرينة، فلم لا يجوز أن يقال: إن جعل كونه حقيقة في العود إلى الكل، أولى من جعله كونه حقيقة في العود إلى الجمل الأخيرة لما عرفت ذلك غير مرة، مع دعو الحاجة إلى العود إلى الكل/ (٢٥٢/ ب) قرينة دالة على أن التزامه أولى. ورابعها: أن الاستثناء من الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة، كقولك: لفلان على عشرة إلا خمسة إلا أربعة، فكذا في سائر الصور، دفعا للمجاز والاشتراك. وجوابه: أن هذا هو الدليل الثاني بعينه [فإن الاختصاص بالجملة الأخيرة هاهنا أيضًا للقرينة، إذ العود إليهما ممتنع لما سبق] غير أن المثال مختلف. فجوابه: "هو" ما سبق "والعود إلى الجملة الأولى فقط أيضا: ممتنع لما سبق فلم يبق" إلا الاختصاص بالجملة الأخيرة "ها هنا أيضاً

стр. 1448

للقرينة، إذ العود إليها ممتنع لما سبق [والعود إلى الجملة الأولى فقط أيضا ممتنع لما سبق فلم يبق] الاختصاص بالجملة الأخيرة. وخامسها: أن العامل في المستثنى هو الفعل المذكور في المستثنى منه أو تقديره بواسطة إلا: على ما هو مختار المحققين منهم ولو رجع الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة المختلفة إليها بأسرها، لزم اجتماع العوامل الكثيرة المختلفة على معمول، لأن تقدير الاستثناء عقيب كل جملة خلاف الأصل، لأنه إضار لكن ذلك ممتنع. أما أولًا: فلنصهم على ذلك. وأما ثانيًا: فلامتناع اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد. وجوابه: أنا لا نسلم إن العامل هو الفعل الذي في المستثنى منه أو تقديره، وها لأنه ليس متفقًا عليه. قلنا: أن نمنعه بل العامل فيه عندنا هو الفعل المقدر وهو استثنى وإلا نابت منابه، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور. سلمنا: ذلك لكن لا نسلم امتناعه. قوله: أولا: لأنهم نصوا عليه.

стр. 1449

قلنا: كلهم أم بعضهم. والأول: ممنوع، وهذا لأن الكسائي وغيره يجوز. والثاني: مسلم لكنه ليس بحجة. قوله ثانيًا: يلزم اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد. قلنا: اجتماع علتين بمعنى مؤثرتين محال. أما اجتماع علتين بمعنى "معرفتين"، فليس كذلك لجواز اجتماع معرفات كثيرة على شيء واحد، والعوامل الإعرابية معرفات عندنا. سلمنا: ذلك لكنه منقوص بما إذا دل دليل على عودة إليها بأسرها، "فإنه لا خلاف في أنه يعود إليها بأسرها، مع أن جميع ما ذكرتم آت فيه إذا أمكن أن يقال: لو رجع الاستثناء المذكور عقيب تلك الجمل "الكثيرة" المختلفة إذ ذاك إليها بأسرها لزم اجتماع العوامل الكثيرة المختلفة على معمول واحد، لأن

стр. 1450

تقدير الاستثناء عقيب كل جملة خلاف الأصل، تعين ما ذكرتم لكن ذلك محال بما ذكرتم من الوجهين، فما هو جوابكم فهو جوابنا. فإن قلت: الإضمار وإن كان على خلاف الأصل، لكن يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، و"لما دل الدليل" على عود الاستثناء إليها بأسرها"/ (٢٥٣/ أ) وقام الدليل على امتناع اجتماع عاملين مختلفين على معمول واحد، مع ما ثبت إن العامل هو الفعل المذكور أو المقدر في المستنثى منه، تعين ذلك أن يكون بطريق الإضمار عقيب كل جملة، وهذا لا يتأتى لكم. قلت: لا نسلم أنه لا يتأتى لنا: فإن ما ذكرنا من قياس الاستثناء بمشيئة الله تعالى والشرط، دليل على عود الاستثناء إلى كل الجمل لا يمكنكم الجواب عنه بما أجبنا عنه، لأنكم سلمتم الحكم فيها والمقدمتان الباقيتان لا تختلف فيكون الدليل دالا على الإضمار في المتنازع فيه أيضًا. وخامسها: أن دخول الأفراد التي يخرجها الاستثناء عما قبل الجملة الأخيرة، على تقدير عوده إلى الكل تحته معلوم، وخروجها عنه بسببه مشكوك فيه، واليقين لا يزال بالشك. وأجيب عنه: بمنع تيقن الدخول مع الاستثناء المتصل بآخر الكلام، وهذا لأنه راجع إلى الكل عندنا: ومع هذا كيف يمكن ادعاء تيقن الدخول علينا؟. وفيه نظر، لأن المعنى من قولنا: اليقين لا يزال بالشك، أن اليقين الذي كان ثابتا قبل ما به الشك لا يزال بالشك، ولا مع ما به الشك لا يبقى اليقين قطعًا، ونظائره في الاستعمال كثيرة لا تخفى عليك، وحينئذ لا يصح المنع، لأن تيقن الدخول كان ثابتًا قبل الاستثناء وفاقًا.

стр. 1451

سلمنا: سلامته عن هذا النقص، لكنه منقوص بالشرط والصفة، فما هو جوابكم عنه فهو جوابنا. وسادسها: أن القول يعود إلى الاستثناء إلى كل الجمل يقتضي جواز الاستثناء المنفصل، وهذا لأن الفصل كما يحصل بالسكوت، فكذا يحصل بالشروع في كلام أجنبي، بل أولى كما في الأذان وغيره، ويدل عليه أيضا/ (٢٥٣/ ب) اعتبار الطول في السكوت حيث هو فاصل وفصله مفسد كما في الأذان، وقراءة الفاتحة عندكم، بخلاف الشروع في كلام أجنبي، فإنه لا يعتبر فيه الطول، والجملة الأخيرة أجنبية عن الجملة الأولى لاسيما إذا كان الشروع فيها إضرابًا عما تقدمها بالكلية، لكن ذلك باطل بما ثبت من فساد الاستثناء المنفصل. وأجيب: عنه: بأنه إنما يصح لو لم يكن الكلام كله كجملة واحدة، أما إذا كان كجملة واحدة [فلا. وهو ضعيف لأنه مبني على أن الواو العاطفة تصير الجملة الكثيرة بسبب القطع كجملة واحدة]، وهو باطل لما تقدم. فالأولى أن يجاب بمنع أن الفصل يحصل بالشروع في كلام أجنبي فضلا

стр. 1452

عن أن يكون ذلك أولى. وأما القياس على الأذان وقراءة الفاتحة فالفرق بينهما ظاهر، لأن المحافظة على نظم الأذان واجبة لئلا يعد تلاعبا فيخل بمقصود الأذان، ولذلك قلنا: إن السكوت القصير لا يضر، والكلام اليسير يضر، لأن إخلال نظمه يحصل بالشروع ولو في كلام يسير دون السكوت القصير. وأما قراءة الفاتحة فلأن الموالاة بين كلماتها واجبة وتخلل كلام يسير يخل بذلك، وليس الموالاة بين المستثنى والاستثناء واجبة، بدليل أنه يجوز الفصل بينهما بكلام طويل يتعلق بصفة المستثنى منه أو بشيء مما يتعلق به حتى يكون تخلل كلام أجنبي مانعا. سلمنا: ذلك، لكن ما ذكرتم إنما يقضى في الجمل التي لا يتعلق بعضها ببعض، ولا يناسب بعضها بعضا، ونحن قد سلمنا: الحكم فيه، وإنما ادعينا التوقف فيما ورائها، وما ذكرتم لا يستقيم فيه، إذ الشروع في الجملة بعد الجملة في الجمل المتعلقة بعضها ببعض والمتناسبة لا تعد إعراضا وشروعا في الكلام الأجنبي. وسابعها: أنه لو كان الاستثناء عائدا إلى جميع الجمل، لوجب في قول القائل: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة، أن يقع اثنتان، لكنه ليس كذلك وفاقا، فلا يكون الاستثناء عائدا إلى الجمل كلها. وجوابه: بعد تسليم الحكم إذ هو ممنوع على رأي لنا "إن ذلك لوجهين":

стр. 1453

أحدهما "أنا" إنما يرد المستثنى بعينه إلى كل واحدة من الجمل بعينها "لأنا" نجمع مدلولات الجمل بأسرها ثم نرد الاستثناء إليها [وذلك متعذر هنا لأنه مستغرق لكل واحد من الثلاثة فيلزم إلغاء كلام العاقل البالغ بالكلية فلا جرم خصصنا بالثلاثة الأخيرة ليصح الأول] فيقع ثلاثا. وثانيهما: أن المعتبر هو الثلاث الأول، وأما الثلاث الأخيرة فغير معتبرة لأن المرأة بانت بالأولى، فلم يبق محلا للطلاق فصار، كما لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق، ولأنه استوى في كمال العدد فلم يبق له التطليق وحينئذ يعود الاستثناء إليها، فيكون مستغرقا فيبطل فتقع الثلاث الأول/ (٢٥٤/ أ) وترك مقتضى الدليل لدليل ليس ببدع، ولئن قال ترك مقتضى الدليل إنما نشأ من مذهبكم فيكون باطلا. فجوابه قد سبق. واحتج المرتضى على الاشتراك بوجوه: أحدها: أنه يحسن أن يستفهم من المتكلم أنه أراد باستثناء عقيب الجمل الكثيرة العود إليها بأسرها أو إلى البعض، وحسن الاستفهام دليل الاشتراك.

стр. 1454

وجوابه: ما سبق في العموم. وثانيها: أنه استعمل فيهما معا، ولا نزاع في جوازه، والأصل في الاستعمال الحقيقة. وجوابه: ما سبق غير مرة، وهو أن الاستعمال دليل الحقيقة، إذا لم يفض إلى الاشتراك، ونزيد هنا وهو يخصه: أنه استعمل في العود إلى الجملة الواحدة غير الأخيرة أيضا: فليكن حقيقة فيه تعين ما ذكرتم وأنت لا تقول به. وثالثها: أن الحال، وظرفي الزمان، والمكان مشترك في العود إلى الكل وفي العود إلى الأخيرة نحو قول القائل: أكرمت العلماء، وأهنت الجهال، فإنما في داري ويوم الجمعة، فكذا في الاستثناء، والجامع أن كل واحد منها فضله يأتي بعد تمام الكلام. وجوابه: منع كونها مشتركة، بل هي عائدة إلى الكل، أو إلى الأخيرة، أو إنا لا ندري ماذا حكمه إذا على حكمه في التفصيل الذي سبق في الاستثناء على اختلاف المذاهب. سلمنا: ذلك لكن الكلام على الجامع مع سبق، سلمنا صحته، لكنه قياس في اللغة، وهو ممنوع.

стр. 1455

الفصل الثاني في التخصيص بالشرط

стр. 1456

الفصل الثاني في التخصيص بالشرط وفيه مسائل: المسألة الأولى في تعريفه قال الشيخ الغزالي- رحمه الله تعالى-: الشرط: هو الذي لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده. واعترض عليه بوجهين: أحدهما: أن معرفة المشروط متوقفة على معرفة الشرط، لكونه مشتقا منه، فلو عرفنا الشرط لزم الدور ضرورة إن معرفته حينئذ متوقفة عليه وهو ممتنع. ويمكن أن يجاب عنه: أن المشروط مشتق من الشرط اللغوي، والمعرف هو الشرط الشرعي والعقلي، فلا دور.

стр. 1457

وثانيهما: أنه غير مانع، لأنه يدخل فيه جزء العلة، إذ الحكم لا يوجد بدونه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده مع أنه ليس بشرط هو منقدح على المشهور، لكن لعل الشيخ الغزالي- رحمه الله تعالى- لا يسلم أنه ليس بشرط، وهو إن كان خلاف المشهور، لكن الخلاف فيه آيل إلى التسمية فله أن يمنع ذلك، فإن رمنا اندفاعه عنه زدنا في التعريف. وقلنا: ولا يكون جزء/ (٣٥٤/ ب) العلة، وحينئذ يكون التعريف جامعا مانعا. وقال الإمام: الشرط هو الذي يقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته. ثم قال: ولا يرد عليه العلة، لأنها نفس المؤثر، والشيء لا يقف على نفسه ولا جزء العلة، ولا شرط ذاتها، لأن العلة تقف عليه في ذاتها، فهذا هو الشرط الشرعي كا "الإحصان"، فإنه شرط اقتضاء الزنا للرجم. واعترض عليه: بأنه غير جامع، لأن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري تعالى وشرط كونه تعالى عالما مع أنه لا تأثير ولا مؤثر.

стр. 1458

وهو غير وارد عليه أصلا: لأنه ذكر تعريف الشرط الشرعي لتصريحه بذلك، ولاستثناءه شرط العلة ومعلوم أن شرطيته عقلية. وهذا التعريف أخص من الأول، لأنه لا يتناول الشرط العقلي، ولا شك أن مطلق الشرط منقسم: إلى شرعي وعقلي، فكان [ما] يتناولهما أولى. وقيل: هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا يكون سببا لوجوده ولا داخلا في السبب. وهو غير مانع، لأنه يدخل تحته المضافان، والمتلازمان، مع أن كل واحد منهما ليس شرطا للآخر، لأن الشرط متقدم بالرتبة على المشروط، والمضافان معا، ولأنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، ويلزم من وجود أحد المضافين وجود الآخر. فإن أردت ما هو أولى مما سبق فقل: هو الذي لا يلزم وجوده وجود شيء آخر مع أنه يلزم من عدمه عدمه ولا يكون بسببه.

стр. 1459

وهو جامع للشرط الشرعي: كالإحصان للزنا في اقتضاء الرجم، والطهارة للصلاة، والعقلي: كالحياة للعمل والقدرة، وشرط الحكم، وشرط السبب، على ما عرفت ذلك في أول الكتاب. والشرط في اصطلاح النحاة: هو الذي علق عليه الحكم بحرف "إن" أو أحد أخواتها، وهي مشهورة مذكورة في كتب العربية لا حاجة إلى ذكرها هنا. المسألة الثانية [في أوان وجود المشروط إذا كان موقوفا على الشرط فقط] الشرط إن كان مما يوجد دفعة واحدة، بأن كان واحدا لا جزء له كالجوهر المفرد والآن، أو كان مركبا، لكن لا توجد أجزاؤه إلا معا كالماهية النوعية المركبة من الجنس والفصل، فإن الجنس والفصل، فإن الجنس لا وجود له في الخارج إلا مع الفصل، وكذلك الفصل لا وجود له في الخارج إلا مع الجنس حصل المشروط أيضا مقارنا لذلك الوقت. وإن كان الشرط مما يمتنع وجوده دفعة واحدة كالكلام والحركة، فإنه

стр. 1460

عندما يكون الجزء/ (٢٥٥/ أ) الأول منهما موجودًا كان الجزء الثاني معدوما، وعندما يحصل الجزء الثاني يصير الجزء الأول معدوما حصل المشروط في زمان حصول الجزء الأخير منه، لأنه كان معلقا على وجوده فلابد من اعتباره، ووجود الحقيقي غير متصور لعدم حصول أجزائه في الخارج معا فلابد من اعتبار وجوده العرفي، وأهل العرف إنما يحكمون عليه بالوجود إذ ذاك. وإن كان الشرط مما يصح أن يوجد دفعة واحدة، ويصح أن يوجد متدرجا أيضا: فالمشروط في هذا القسم "إنما يوجد عند حصوله بجميع أجزائه لأنه الوجود الحقيقي والعدول عنه في القسم الثاني" إنما هو لضرورة أنه لا يمكن اعتباره لامتناعه، وهو منتف فيما نحن فيه، فوجب اعتباره. هذا كله إذا كان الشيء مشروطا بوجود هذه الأقسام الثلاثة. أما إذا كان مشروطا بعدمها فالحكم لا يختلف في الأقسام الثلاثة، فإنه يحصل المشروط في أول زمان عدمها، لأن عدم الشيء يحصل بطريقتين: أحدهما: بانعدام أحد أجزائه. وثانيهما: بانعدام مجموع أجزائه، بخلاف الوجود فإنه لا يحصل إلا بوجود مجموع الأجزاء.

стр. 1461

المسألة الثالثة اعلم أنه لا نزاع في أن الشرط يخرج بعض الأفراد التي كانت تدخل تحت لفظ العام لولاه، وإن كان النزاع حاصلا في أنه يصير بسببه مجازا أم لا على ما عرفت ذلك من قبل. لكن تارة يكون منفردًا بالإخراج كقولك: أكرم الناس إن دخلوا داري، وتارة يكون غير منفرد به بأن يكون مستفادا من دليل آخر، إما عقلي كقولك: تصدقوا إن كنتم قادرين عليها، أو شرعي كقولك: صلوا إن كنتم متطهرين. وفائدة "هذا" النوع: التأكيد لا غير، [فإذا] دار الشرط بين النوع الأول، وبين النوع الثاني، بأن يكون اللفظ مشتركا بين معنيين تخصيصه العام بأحد المعنيين معلوم من دليل آخر، وتخصيصه العام الآخر بالمعنى الآخر غير معلوم من دليل آخر، فيحتمل أن يقال: الحمل على النوع الأول أولى دفعا لزيادة التخصيص، ويحتمل أن يقال: الحمل على النوع الثاني أولى، لأنه يفيده فائدة تأسيسية وهي أولى من الفائدة التأكيدية.

стр. 1462

المسألة الرابعة [في أقسام الشرط والمشروط باعتبار التعدد والاتحاد] الشرط والمشروط: [إما أن يكونا متحدين، أو متعددين، أو يكون الشرط واحد والمشروط] متعددا، أو بالعكس، فهذه أقسام أربعة، لا مزيد عليها، فلنبين مثال كل واحد منها وحكمه. أما الأول: فمثاله ما سبق وحكمه ظاهر/ (٢٥٥/ ب)، وهو أنه متى وجد الشرط وجد المشروط، على الوجه الذي تقدم ذكره. وأما الثاني: وهو أن يكونا متعددين، فهذا على أقسام أربعة: لأن تعدد كل واحد منهما، إما على البدل، أو على الجمع:- فالأول: أن يكون الشرط متعددا على البدل، والمشروط أيضا كذلك، كقولك: إن كلمت زيدا أو دخلت الدار فامرأتي طالق وعبد حر. وحكمه: أنه متحصل أحد الشرطين حصل أحد المشروطين والتعيين "إلى المتكلم". والثاني: أن يكون الشرط متعددا على الجمع والمشروط أيضا كذلك، "ومثاله ما سبق" لكن بحذف الهمزة.

стр. 1463

وحكمه: أنه متى حصل المشروطان، ولا يحصلان ولا أحدهما عند فوات أحد الشرطين. والثالث: أن يكون الشرط متعدد على البدل، والمشروط على الجمع كقولك: إن كلمت زيدا، أو دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر. وحكمه: أنه متى حصل أحد الشرطين حصل المشروطان. والرابع: أن يكون المشروط متعددا على الجمع، والمشروط على البدل كقولك: "إن كلمت زيدا ودخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر". وحكمه: أنه متحصل الشرطان حصل أحد المشروطين، والتعيين إلى القائل. والثالث: أن يكون الشرط واحدا والمشروط متعددا. وهذا على قسمين: أحدهما: أن يكون الشرط واحدا والمشروط متعددا على البدل كقولك: "إن كلمت زيدا فامرأتي طالق أو عبدي حر". وحكمه: أنه متى حصل الشرط حصل "أحد" المشروطين، والتعيين إلى المعلق. وثانيهما: أن يكون الشرط متحدا والمشروط متعددا على الجمع كقولك: "إن كلمت زيدا فامرأتي طالق وعبدي حر". وحكمه: حصولهما عند حصوله.

стр. 1464

والرابع: أن يكون الشرط متعددا، والمشروط متحدا، وهذا أيضا على قسمين: أحدهما: أن يكون الشرط متعددا على البدل والمشروط متحدا كقولك: "إن كلمت زيدا أو دخلت الدار فامرأتي طالق". وحكمه: أنه متى حصل أحد الشرطين حصل المشروط. وثانيهما: أن يكون الشرط متعددا على الجميع كقولك: إن كلمت زيدا أو دخلت الدار فامرأتي طالق. وحكمه: أنه يحصل عند حصولهما ويختل باختلال أحدهما. المسألة الخامسة اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام لا نعرف في ذلك خلافا . ودليله ما مر في الاستثناء. واتفقوا أيضا: على أنه يجوز تقييد الكلام بشرط يكون الخارج به أكثر من النافي، وهذا يجب تنزيله على ما علم أنه كذلك، وأما ما يجهل/ (٢٥٢/ أ) الحال فيه، فإنه يجوز أن يقيد ولو بشرط لا ينفي شيئًا من مدلولاته كقولك:

стр. 1465

أكرم الناس إن كرموك، وإن اتفق أن أحدا منهم لم يكرمه. واتفق الأكثرون ممن قال: الاستثناء عقيب الجمل الكثيرة يختص بالجملة الأخيرة: على أن الشرط المذكور عقيب الجمل الكثيرة تعود إليها بأسرها. خلافا لبعض أئمة العربية فإنه خصه بالأخيرة، كما في الاستثناء، وطرد قياسه في الشرط المتقدم على الجمل الكثيرة. إذا قال: إنه يختص بالجملة التي تليه والكلام في هذا نفيا وإثباتًا واختيارًا، كما هو في الاستثناء فتلك الأدلة بعينها آتية فلا حاجة إلى إعادتها. المسألة السادسة [في تقديم الشرط وتأخيره] لا نزاع في جواز تقديم الشرط وتأخيره، وإنما النزاع في الأولى.

стр. 1466

فذهب الجمهور إلى أن التقديم أولى وهو الحق، لأنه متقدم طبعا فيستحق التقديم وضعا. ونقل عن الفراء وخلافه. ولا أعرف له وجها.

стр. 1467

الفصل الثالث في التخصيص بالغاية

стр. 1468

الفصل الثالث في التخصيص بالغاية اعلم أن غاية الشيء: نهايته ومقطعه. وألفاظها: حتى، وإلى: كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، وقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. وحكما ما وراءها مخالف لحكم ما قبلها، وإلا لم تكن "الغاية" غاية، بل وسطًا وفيه خروج الشيء عن حقيقته وهو مجال، فإن دخل في بعض المواضع فالمنفصل وتمام القول فيه قد تقدم في اللغات.

стр. 1469

ثم الغاية إن كانت واحدة مذكورة عقيب جملة واحدة فلا كلام فيه. وإن كانت واحدة مذكورة، لكن عقيب الجمل الكثيرة: فالخلاف في اختصاصها بما يليها، وفي عودها إليها بأسرها، وفي كونها مشتركة بنيهما، والتوقف، والتفصيل في ذلك كما في الاستثناء. وإن كانت متعددة: فإما أن يكون على الجمع، أو على البدل وعلى التقديرين. إما أن يكون عقيب الجملة الواحدة، أو عقيب الجملة الكثيرة، فهذه أقسام أربعة: أحدها: أن تكون الغاية متعددة على الجمع عقيب الجملة الواحدة، كقولك: ولا تقربوا الحيض حتى ينقطع حيضهن ويغتسلن. وحكمه استمرار التحريم إلى وجود الغايتين، والغاية في هذه الصورة

стр. 1470

وأمثالها في الحقيقة هي الأخيرة، لأن الحكم ينتهي عندها، وتسمية الأولى بالغاية مجاز لقربها من الغاية الحقيقية. وثانيها: أن تكون الغاية/ (٢٥٦/ ب) كذلك لكن عقيب الجمل الكثيرة كقولك: لا تقربوهن، ولا يطفن، ولا يصلين حتى ينقطع حيضهن ويغتسلن. وحكمه استمرار تحريم الأفعال المذكورة إلى وجود مجموع الغايتين عند من يقول: بعود الغاية الواحدة إلى الجمل الكثيرة بأسرها، وأما من لم يقل بذلك فلا يستمر عنده تحريم الجملة الأخيرة إلى وجودها أو يتوقف فيها. وثالثها: أن تكون الغاية متعددة على البدل عقيب الجملة الواحدة كقولك: ولا تقربوهن حتى ينقطع حيضهن أو يغتسلن. وحكمه استمرار التحريم إلى وجود أحد الأمرين، وعند وجود أحدهما يرتفع. ورابعها: أن تكون الغاية كذلك، لكن عقيب الجمل الكثيرة كقولك: لا تقربوهن ولا يصلين، ولا يحملن المصحف حتى ينقطع حيضهن أو يغتسلن. وحكمه استمرار تحريم الكل إلى وجود أحد الأمرين وارتفاعه عند وجود أحدهما عند من يقول: بعود الاستثناء إلى كل الجمل، وأما من لا يقول:

стр. 1471

بذلك فلا يستمر عنده تحريم الجملة الأخيرة إلى وجود أحدهما، ويرتفع عند وجود أحدهما، أو يتوقف في المذهبين.

стр. 1472

الفصل الرابع في التخصيص بالصفة

стр. 1473

الفصل الرابع في التخصيص بالصفة اعلم أن الصفة: إما أن تكون مذكورة عقيب جملة واحدة، أو عقيب جمل كثيرة، "فإن كان الأول: فإما أن يكون واحدة أو كثيرة". فإن كانت واحدة فلا نزاع في عودها إليها وتخصيصها بها كقولك: أكرم العلماء الزهاد، فإنه يخرج بسبب هذا الوصف غير الزهاد منهم. ولولاه لدخل تحته الزهاد وغير الزهاد منهم، فهذا لا نزاع فيه، وإن كان النزاع واقعا في أنه هل يصير بسببه مجازا أم لا؟ وإن كانت كثيرة: فإما أن يكون على الجمع كقولك: أكرم العلماء الزهاد أو العباد، وحكمه تقييده بمجموعها. وإما أن يكون على البدل كقولك: أكرم العلماء الزهاد أو العباد. وحكمه تقييده بأحدها أي واحد كان. وإن كانت الصفة مذكورة عقيب جمل كثيرة: فإما أن تكون واحدة أو كثيرة، إما على الجمع أو على البدل، فهذه أقسام ثلاثة. لا يخفى عليك حكمها مما سبق فلا حاجة إلى تعدادها.

стр. 1474

الفصل الخامس في التخصيص بالأدلة المنفصلة وفيه مسائل:

стр. 1475

الفصل الخامس في التخصيص بالأدلة المنفصلة وفيه مسائل: المسألة الأولى [في التخصيص بدليل العقل] يجوز التخصيص بدليل العقل ضروريا كان أو نظريا. فالأول:/ (٢٥٧/ أ) كتخصيص قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾، وقوله تعالى: ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقا لنفسه وأنه لا قدرة له على ذاته، لأنه واجب الوجود، فمن عرف معنى واجب الوجود، علم بالضرورة أنه لا قدره عليه لأحد. والثاني: كتخصيص قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ فإنا نخصص الصبي والمجنون لعدم لفهمهما الخطاب. وخالف فيه بعضهم.
следующие страницы →