← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المسألة الثانية [لا يصدق المشتق بدون المشتق منه] لا يصدق المشتق بدون المشتق منه عندنا. خلافا للمعتزلة. وهم وإن لم يصرحوا به، لكنهم، قالوا: به ضمنا حيث قالوا: إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في غيره، وهو قائم به مع أنه لا معنى للمتكلم في اللغة إلا من قام به الكلام.

стр. 142

وأيضا: فإن بعضهم قال: "العلم" و "القدرة" و "الحياة" أسماء لمعاني توجب "العالمية" و "القادرية" و "الحيية"، وهي غير ثابتة لله تعالى. ثم أنهم يطلقون عليه القادر [والعالم] والحي، ولا شك أنها أسماء مشتقة منها. وأما الذي يقول: منهم كأبي الحسن البصري: إنها ليست أسماء لمعاني، بل مسمى العلم والقدرة هو نفس العالمية، والقادرية فلا يتحقق معه الخلاف، لأن العالمية والقادرية ثابتة له عنده فلا يكون المشتق صادقا بدون المشتق منه. لنا: أن المشتق ماله المشتق منه فيستحيل أن يثبت بدونه لاستحالة لكل بدون الجزء. واحتجوا بوجهين:- أحدهما: أنه لا معنى للمشتق إلا أنه ذو المشتق منه وذو الشيء/ (٢٣/أ) لا معنى له إلا صاحب الشيء، وهذا المفهوم لا يقتضى الاتصاف به بطريق الحلول والقيام به.

стр. 143

وثانيهما: الأسامي المنسوبة إلى البلدان والصنائع مشتقة مع أنه يمتنع قيام المشتق فيه بالمشتق. وأجيب: عن الأول بمنع أنه لا معنى للمشتق إلا أنه ذو المشتق منه، بل هو عندنا أخص منه، فإن كل ما يمكن أن يوصف بالشيء بطريق الاشتقاق أمكن أن يوصف به بدونه من غير عكس. وعن الثاني: أنه غير وارد على محل النزاع، إذ النزاع في الأسماء المشتقة "له" عما يتصور قيامه به وما ذكروه ليس كذلك. المسألة الثالثة في أن بقاء ما منه الاشتقاق، هل هو شرط في إطلاق اسم المشتق بطريق الحقيقة أم لا ؟ فمن لا يشترط وجوده، لم يشترط بقاءه قطعا.

стр. 144

وأما الذين شرطوا وجوده اختلفوا فيه، فالأكثرون: على اشتراط بقائه فيما هو ممكن الحصول بتمامه، أو حصول آخر جزئه فيما ليس كذلك، كما في المصادر السيالة مثل الكلام وأنواعه. وذهب بعضهم إلى أنه لا يشترط البقاء مطلقا، ونسب ذلك إلى الشيخ أبي علي بن سيناء أيضا. أحتج للأكثرين: بأن الضارب لو صدق على الذات بعد صدور الضرب عنه بطريق الحقيقة لما صدق نفيه عنه مطلقا، لكن يصدق عليه أنه ليس بضارب على الإطلاق لصدق الأخص منه وهو أنه ليس بضارب في الحال فلا يصدق عليه أنه ضارب. فإن قيل: ما الذي تعني بقولك أنه لو صدق عليه الضارب لما صدق نفيه عنه مطلقا. إن عنيت به أنه لا يصدق عليه في شيء من الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل أنه ليس بضارب فهذا مسلم. إذ الإثبات الجزئي يناقض السلب الكلي لكن لا نسلم أنه يصدق عليه بهذا الاعتبار أنه ليس بضارب. وأما قوله: لأنه يصدق عليه ما هو أخص منه وهو أنه ليس بضارب في الحال. فممنوع، فإن من الظاهر أن قولنا: "ليس بضارب في الحال" ليس

стр. 145

أخص من قولنا: ليس بضارب في شيء من الأزمنة لعدم استلزامه إياه، بل هما نوعان داخلا تحت مطلق السلب هو قدر مشترك بين السلب الكلي والسلب الجزئي. وإن عنيت به أنه لا يصدق على أنه ليس بضارب ولو باعتبار زمان ماضيا كان أو غيره، فالملازمة ممنوعة، إذ الضارب لا يقتفى الإثبات في كل الأوقات، حتى يكون قولنا: "ليس بضارب" بالمعنى المذكور مناقضا له حتى يلزم من صدق الضارب عدم صدق ليس بضارب. ثم الذي يدل على أن الضارب لا يقتضى/ (٢٣/ب) الإثبات الكلي وجوه:- أحدهما: بأنه يصدق على الشخص حال تلبسه بالضرب أنه ضارب بطريق الحقيقة بالإجماع، وإن لم يكن ضاربا في الماضي والمستقبل، ولو كان مقتضيا لإثباته في كل الأوقات لم يكن كذلك. وثانيها: أنه حينئذ لا يبقى فرق في المعنى بين قولنا: ضارب وبين قولنا: ضارب في الأزمنة الثلاثة، لكن الفرق معلوم بالضرورة. وثالثها: أن الضارب لو كان مقتضيا للإثبات الكلي، لكان قولنا: "ليس بضارب" في المستقبل لكنه باطل بالإجماع وإذا لم يكن قولنا: ليس بضارب بالمعنى المذكور مناقضا للضارب لم يكن صدقه مستلزما لكذبه فجاز أن يصدقا باعتبار زمانين. لا يقال: استعمال أهل اللسان كل واحد من لفظي ضارب وليس بضارب بإطلاقهما من غير تعيين زمان في تكذيب الآخر يدل على تناقضهما

стр. 146

وتناولهما زمانا معينا، إذا ليس قولنا: ليس بضارب يقتضى عموم السلب في الأزمنة الثلاثة أيضا للوجوه المذكورة حتى يكون مناقضا لقولنا: ضارب وليس ذلك الزمان غير الحاضر بالاتفاق، فهو عينه فيلزم أنه لو صدق عليه بعد انقضاء الضرب أنه ضارب لما صدق عليه أنه ليس بضارب. لا نقول: لا نسلم أنهما يستعملان في التكاذب بإطلاقهما، بل إنما يستعملان فيه عند توافق المتخاطبين على زمان معين بقرينة خالية أو مقالية حاضرا كان ذلك الزمان أو غيره أو عند إرادة العموم من أحدهما بقرينة معينة له، أما بدون هذين الشرطين فلا، ثم الذي يدل على أن الزمان الحاضر ليس مدلولا لهما مع أنه لو كان مدلولهما، فإما أن تكون تلك الدلالة بطريق المطابقة أو التضمن أو الالتزام والأول ظاهر الفساد غنى عن الإفساد، والثاني أيضا باطل. أما أولا: فلاقتضائه دخول اسم الفاعل تحت الفعل، إذ لا معنى للفعل إلا أنه لفظ يدل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، واسم الفاعل على تقدير دلالته على الزمان الحاضر يكون كذلك، فوجب أن يكون فعلا. وأما ثانيا: فلأنه يلزم أن يكون بين قولنا: ضارب، وبين قولنا: ضارب في الحال، فرق وهو خلاف المعلوم من كلامهم. والثالث: باطل أيضا، لأنه إذا لم يكن الزمان الحاضر داخلا في معنى اسم الفاعل لم يكن مدلوله حينئذ إلا الذات المتصف بمعنى المصدر، ومعلوم أن هذا المعنى لا يستلزم فهم الزمان/ (٢٤/أ) المعين حتى يكون لفظه الدال عليه بطريق المطابقة دالا عليه بطريق الالتزام، أو من شرط دلالة الالتزام حصول الملازمة الذهنية بينه وبين المدلول المطابقي، نعم قد تعرف له الدلالة على الزمان المعين نحو الماضي والحال بواسطة العمل وعدمه لكن تلك الدلالة

стр. 147

عارضة غير لازمة له. سلمنا: صحة الملازمة بهذا المعنى، لكن لا نسلم انتفاء اللازم، قوله: لأنه يصدق عليه ما هو أخص منه وهو أنه ليس بضارب في الحال "فيصدق أنه هو". قلنا: لا نسلم أنه أخص منه، بل هو سلب الضاربية في زمان مخصوص، ولا يلزم منه سلب الضاربية على الإطلاق، وهذا كما يصدق إن الفرس ليس بحيوان ناطق، ولا يلزم منه [أنه] ليس بحيوان، وكذا يصدق لا رجل في الدار، ولا في الزمان المعين، ولا يلزم منه صدق لا رجل على الإطلاق، لأنه نفيه على الإطلاق نفى الماهية وذلك ينفي جميع أفرادها. سلمنا: أنه أخص لكنه مناقض لما سبق لكم في تقرير الملازمة، فإنه يدل على أن ليس بضارب بمعنى ليس بضارب في الحال فكيف يكون أخص منه؟ سلمنا: سلامته عن المناقضة لكن لا حاجة إليه، إذ يتم الدليل بدونه، بأن يقال لو صدق الضارب على الذات بعد انقضاء الضرب، كما صدق عليه أنه ليس بضارب، لما سبق لكنه يصدق عليه أنه ليس بضارب ضرورة عدم تلبسه بالضرب في الحال فلا يصدق عليه أنه ضارب بطريق الحقيقة. واحتج من لم يشترط البقاء بوجوه:-

стр. 148

أحدها: أن الضارب من حصل منه الضرب، وهذا المفهوم المشترك بين الضارب في الحال والضارب في الماضي فيكون حقيقة فيهما باعتبار ذلك المشترك لا يقال: ما ذكرتم يقتضى أن يكون الضارب حقيقة فيمن سيحصل منه الضرب، لأن حصول الضرب قدر مشترك بين الضارب في الماضي والحال والمستقبل. لا نقول: الضارب من حصل منه الضرب لا من منه حصول الضرب، ومعلوم أن المفهوم الأول غير مشترك بين الضارب في المستقبل وغيره. وثانيها: أنا نعلم بالضرورة تفرقة في المعنى بين قولنا: ضارب، وبين قولنا: ضارب في الحال، فلو كان معنى قولنا: "ضارب" عين معنى قولنا: "ضارب في الحال" لم تكن التفرقة حاصلة في المعنى. وثالثها: أن أهل اللغة قالوا: إن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عمل الفعل أطلقوا اسم الفاعل على الذات باعتبار الفعل/ (٢٤/ب) الصادر عنه في الماضي، والأصل في الإطلاق الحقيقة. لا يقال كما أطلقوه عليه أيضا: باعتبار ما سيحصل منه الفعل في المستقبل. إذ قالوا: إذا كان بمعنى المستقبل عمل عمل الفعل، فيكون حقيقة فيه تعين ما ذكرتم، وبالإجماع ليس كذلك، لأنا نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن ترك العمل بالدليل في صورة بمعنى يخص تلك الصورة لا

стр. 149

يوجب تركه في غيرها فلا يلزم من ترك العمل بمقتضى الإطلاق في صورة الاستقبال ترك العمل بمقتضاه في صورة الماضي. وثانيهما: أن المجاز خلاف الأصل فكان تقليله أوفق. ورابعها: لو شرط البقاء لما كان اسم "المخبر" و "الآمر" و "المتكلم" حقيقة في شيء من المسميات واللازم باطل، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أن لكلام اسم لمجموع تلك لحروف التي يتألف منها الكلام إجماعا، ولا وجود لمجموع تلك الحروف في الخارج، لأنه حين وجود الحرف الأول لم يكن "كذلك" الحرف الثاني موجودا وحين وجوده ينعدم الأول والعلم به ضروري وإذا لم يكن لمجموع تلك الحروف وجود في الخارج لم يكن اسم المتكلم حقيقة فيمن صدر عنه الكلام على تقدير اشتراط البقاء، وإذا لم يكن حقيقة فيه لم يكن حقيقة فير غيره بالإجماع وأما بطلان اللازم فقد احتج الإمام عليه بأن هذه الألفاظ مستعمله في المعاني وكل مستعمل، إما حقيقة أو مجاز وكل مجاز فله حقيقة، فيجب أن تكون هذه الألفاظ حقائق في بعض الأشياء، وهو ضعيف، إذا المقدمتان

стр. 150

ممنوعتان. أما الأولى: فلأنا لا نسلم: أن كل مستعمل في معنى، إما حقيقة، أو مجاز. ألا ترى أن العلم مستعمل في معناه وهو ليس بحقيقة فيه ولا مجاز "وكذا إذا استعمل لفظ الأرض في السماء بحيث يفيده فإنه أيضا ليس بحقيقة فيه ولا مجاز" على ما اعترف هو به باب الحقيقة والمجاز. وأما الثانية: فلا نسلم أيضا أن كل مجاز حقيقة، فإن المجاز لا تستدعى الحقيقة، بل تستدعى الوضع فقط، ووضع اللفظ لمعنى من غير استعماله فيه ليس بحقيقة "على ما ستعرفه". والعجب منه أنه رد على الأصحاب قولهم: أن كل مجاز يستدعى الحقيقة في مسألة: إثبات الحقيقة اللغوية بما ذكرنا، فكيف استدل هو به هنا؟

стр. 151

واستدل بعضهم: على امتناع اللازم بوجه آخر وهو: أنه لو لم يكن (٢٥/أ) المتكلم حقيقة حقيقة فيمن صدر عنه الكلام لصح نفيه عنه، إذ هو لازم نفى الحقيقة على ما ستعرفه، ولوجب أن لا يحنث من حلف إلا يتكلم حقيقة عند تلفظه بتلك الحروف المفيدة. واللازمان ممتنعان، فالملزوم كذلك فيكون حقيقة فيه فيمتنع أن لا يكون حقيقة في شيء. وهذا مما لا بأس به. وإن كان فيه نظر: فإن لقائل أن يقول: أن تدعى أن صحة النفي لازم لفني الحقيقة مطلقا، أم لازم لنفي الحقيقة اللغوية. فإن ادعيت الأول: فو مسلم لكن لا يلزم حينئذ من عدم صحة نفي المتكلم عمن صدر عنه الحروف المتوالية المفيدة أن يكون هو حقيقة فيه بحسب اللغة لجواز أن يكون حقيقة فيه بحسب العرف وكلامنا فيه إنما هو بحسب الحقيقة اللغوية. وإن ادعيت الثانية: فهو ممنوع، وهذا لأن اللفظ إذا صار حقيقة في معنى بوضع عرفي أو شرعي، فإنه لا يصح نفيه عنه إلا مقيدا، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: الخارج المستقذر ليس بغائط مطلقا، وإن كان يصح أن يقال إنه ليس بغائط في اللغة. فإن ادعيت عدم صحة نفيه مقيدا أيضا: فممنوع وهو النظر بعينه في مسألة اليمين، بل يقوى فيها، إذ مبنى الإيمان على العرف، والحقيقة قد تترك فيها

стр. 152

بمجاز مشهور. فكان تركنا المنقول أولى. ويمكن أن يجاب عنه بأن النقل خلاف الأصل، والأصل بقاء ما كان على ما كان. وللشارطين أن يقولوا أنه غير وارد على محل النزاع، فإنا إنما نشترط البقاء فيما يمكن حصوله فيه، فأما ما لا يمكن حصوله فيه فإنا إنما نشترط فيه حصول آخر جزئه لا غير وهو متحقق في المصادر السيالة. وخامسها: لو كان بقاء ما منه الاشتقاق شرطا لصدق المشتق، لوجب أن لا يصدق المؤمن بطريق الحقيقة وما يجرى مجراه على الشخص حال ما [لا] يكون الشخص متلبسا بالإيمان كما في حالة النوم والغفلة. سواء كان الإيمان عبارة عن التصديق أو عن غيره لكنه يصدق عليه. فوجب أن لا يكون البقاء شرطا. أما الملازمة فبينة، وأما نفي اللازم فلأنه يقال: للنائم يقال: للنائم والمغمى عليه، والمجنون أنه مؤمن والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولأنه لو كان بطريق التجوز لصح نفي المؤمن عنهم على ما

стр. 153

سيأتي، أنه من إمارة نفي الحقيقة لكن لا يصح أن يقال: في أكابر الصحابة، بل آحاد المؤمنين حال نومهم وغفلتهم عن مسمى الإيمان نحو التصديق/ (٢٥/ب) والإقرار ليسوا بمؤمنين. لا يقال: ما ذكرتم معارض بما أنه "لو لم" يشترط البقاء، بل يكفى فيه الوجود، إما في الحال أو في الماضي، لجاز إطلاق الكافر على كل صحابي سبق إيمانه الكفر، والنائم على اليقظان، والقائم على القاعد، والمجامع على المصلى، وعكس كل واحد منها، لكنه غير جائز وفاقا، فيشترط البقاء. لأنا نقول: الحقيقة قد تترك، إما لطلب التعظيم كما في السلام عليك، فإن تلك الألفاظ وإن كانت حقائق في تلك الصور لكن عدل عنه "كما عدل" إلى قولهم السلام على المجلس العالي. وإما للمانع كما في أسامي الله تعالى، وإما للعرف كما في القارورة، والخابية، وإذا ثبت هذا. فنقول: إن المانع من الإطلاق في بعضها ما فيه من الأما [ن] عن النقص، وفي بعضها التخصيص العرفي. وله أن يجيب عنه بأنه حينئذ يقع التعارض بين المقتضى والمانع، وأنه خلاف الأصل، فهذا ما عندي في هذه المسألة.

стр. 154

المسألة الرابعة المعنى القائم بالشيء إذا كان له اسم يمكن الاشتقاق منه، فهل يجب أن يشتق لمحله اسم أم لا ؟ ذهب أصحابنا: إلى أن ذلك واجب. وقالت المعتزلة: أنه غير واجب، إذا قالوا: إن الله تعالى تكلم بكلام يخلقه غير غيره ولا يحب أن يقال كذلك الغير متكلم بذلك الكلام، بل ربما لا يجوزونه، لأن ذلك الكلام عندهم كلام الله تعالى، فلا يجوز أن يوصف به غيره.

стр. 155

واحتج أصحابنا: بأنه لا معنى للمشتق إلا أنه ذات قام به المشتق منه فأي ذات حصل فيه المشتق منه وجب أن يصدق عليه المشتق كسائر الأسماء المتواطئة. واحتجت المعتزلة: بأن القتل والجرح كل واحد منها قائم بالمقتول والمجروح مع أنه لا يسمى قاتلا ولا جارحا. قال الأصحاب: لا نسلم أنهما قائمان بالمقتول والمجروح، بل بالقاتل والجارح، وهذا لأن القتل والجرح عبارة عن تأثير القادر في المقتول والمجروح وهو حكم حاصل للفاعل لا المفعول. أجابت المعتزلة: بأن التأثير عين الأثر وإلا فإن كان قديما، فإن لم يتخلف الأثر عنه لزم من قدمه قدم الأثر، وإن تخلف لزم تقدم النسبة

стр. 156

على المنتسبين، وإن كان حادثا افتقر في حدوثه إلى تأثير والكلام فيه كالكلام في الأول ولزم التسلسل. وهو ممتنع. قال الأصحاب: إن العلم الضروري حاصل بأن التأثير غير الأثر، إذ الأثر ينقسم إلى الجوهر والجسم والعرض، والتأثير غير منقسم إليها/ (٢٦/ب)، ولأن التأثير من الأمور النسبية، والأثر ليس كذلك، ولأنا نعلل الأثر بالتأثير. والعلة غير المعلول، ولأن التأثير من الأمور القائمة بالغير، والأثر قد لا يكون كذلك، ولأن التأثير من الأمور الاعتبارية على ما تقرر ذلك في علم آخر، والأثر ليس كذلك، وعند هذا يظهر أن ما ذكروه من التسلسل فهو غير ممتنع، إذ التسلسل في الأمور الاعتبارية غير ممتنع، فإن الواحد نصف الاثنين وثلث الثلاث، وربع الأربع وهلم جرا إلى ما لا نهاية له من الأعداد. تنبيه: المشتق لا دلالة له على خصوصية الذات، لا بطريق المطابقة ولا بطريق التضمن، لما عرفت أنه لا معنى له إلا أنه ذات قام به المشتق منه، فإن دل على خصوصية كونه جسما أو حيوانا أو غيره فإنما يدل عليه بطريق الالتزام.

стр. 157

المسألة الخامسة في أن القياس، هل هو جار في اللغات، أم لا ؟ اختلف العلماء فيه، فذهب القاضي أبو بكر، وابن سريج، وكثير من فقهائنا، وأهل العربية، كالمازني، وأبي علي الفارسي، وابن

стр. 158

جني. إلا أنه جار فيها، واختاره الإمام أيضا. وذهب المعظم من أصحابنا: كإمام الحرمين، والغزالي، ومعظم الحنفية، وجماعة من أهل العربية إلى امتناعه.

стр. 159

وقبل الخوض في الحجاج لابد من تلخيص محل النزاع. فنقول: لا خلاف في امتناعه في أسماء الأعلام، لأنها غير معقولة المعاني ولا في دائرة بدوران وصف في محالها، والقياس فرعهما، إذ لا يمكن إلحاق الفرع بالأصل إلا بعد أن يعقل في الأصل معنى هو على التسمية أو يعرف فيه صفة يدور الاسم معه وجودا وعدما فهي كالأحكام التعبدية التي لا يعقل معناها. فإن قلت: قد ساغ في العرف العام، أن يقال للشخص البالغ في علم الأحكام شافعي الوقت، ونعمان الثاني، والبالغ في علم العربية سيبويه الزمان، وليس ذلك إلا بطريق القياس وإلا لم يحصل مقصودهم، وهو المدح يذلك النوع من العلم. قلت: لا نسلم أنه بطريق القياس. ولم لا يجوز أن يكون ذلك بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير أنه حافظ كتاب سيبويه، وعارف علم الشافعي، وأبي حنيفة رحمهما الله.

стр. 160

سلمنا: أنه ليس بهذا الطريق، لكن لا نسلم أنه طريق له إلا القياس. قوله: إن لم يكن بطريق القياس، لم يحصل المقصود من المدح. قلنا: لا نسلم. ولم لا يجوز أن يقال؟: إنهم توهموا فيه أنه إنما أطلق على الشخص المعين/ (٢٦/ب) بإزاء ذلك العلم المخصوص، فحيث توهموا وجوده أو أرادوا أن يمدحوا الشخص المعين بوجوده أطلقوا ذلك الاسم عليه، فعلى هذا التقدير يصير اللفظ من أسماء الصفات بالعرف الطارئ، وإن كان حكما في أصله، والمراد أسماء الصفات حيث يوجد معانيها ليس من القياس في شيء على ما سيأتي. ولا يجرى القياس أيضا في أسماء الفاعلين والمفعولين، وأسماء الصفات كالعالم والقادر، لأن القياس لابد فيه من أصل وفرع وهو غير متحقق فيها. إذ ليس جعل البعض أصلا والبعض الآخر فرعا أولى من العكس. ولا يجرى فيها القياس، فاطرادها ليس مستفادا منه بل هو معلوم بالضرورة وطريق الوضع. لا يقال: لم ينقل عن العرب أنهم وضعوا العالم والقادر والمريد بإزاء كل من قام به العلم والقدرة والإرادة، بل غاية ما يعلم منهم أنهم استعملوا هذه الأسامي في ذوات موجودة في زمانهم متصفة بتلك الصفات فإلحاق الغائب بها في كونه كذلك يكون بطريق القياس، وبهذا ظهر أيضا ضعف قولهم: ليس جعل البعض أصلا والبعض الآخر فرعا أولى من العكس، فإن الذي كانت موجودة في زمانهم أولى بذلك من غيرها، ويكون ما عداها أولى بالفرعية.

стр. 161

لأنا نقول: فعلى هذا تناول الإنسان والحيوان للأفراد التي حدثت بعدهم، يكون بطريق القياس أيضا، إذ لم ينقل عنهم بصراحته أنهم وضعوا الإنسان بإزاء كل حيوان ناطق، ولا الحيوان بإزاء كل جسم حساس متحرك الإرادة، بل غايته أنهم استعملوا في الأفراد التي كانت موجودة في زمانهم من ذلك الجنس، وحينئذ يلزم أن يكون كل اللغات قياسيا ولا قائل به، فإن منعهم "عدم" النقل بصراحته هنا، منعنا نحن أيضا في أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الصفات بطريق القياس؟ فإنه مختلف فيه، واطرادها متفق عليه، والمتفق عليه غير مستفاد من المختلف، ولئن سلم: أنه غير مختلف فيه على ما زعم بعضهم أنه غير مختلف فيه، بين أهل العربية، أذا اتفقوا على صحة تعليم الأحكام الإعرابية وإلحاق المختلف فيه بالمتفق عليه بالعلة التي فيه، وذلك يدل على اتفاقهم على جريان القياس في اللغات، لكن الحكم المستفاد منه ظني، لأن الطرق الدالة على علية الوصوف/ (٢٧/أ) فيها نحو الدوران والمناسبة "ظنية"، واطراد أسماء الصفات والفاعلين والمفعولين قطعي معلوم بالضرورة من كلامهم فلا يجوز أن يكون مستفادا من القياس. وبهذا ظهر أيضا: ضعف ما استدل به المازني على جريانه في اللغات: وهو أنه لا خلاف بين أهل العربية، أن كل فاعل رفع وكل مفعول منصوب، ولم يثبت ذلك إلا بالقياس، لأنهم رفعوا بعض الفاعلين ونصبوا بعض المفعولين واستمروا عليه في كلامهم، ولم تختلف عاداتهم في ذلك. علم أنهم إنما رفعوا لكونه فاعلا ونصبوا لكونه مفعولا، فإلحاق غيره

стр. 162

به بطريق القياس، لأن اطراد ذلك كاطراد أسماء الصفات، وقد ظهر أنه ليس بطريق القياس. إذا عرفت هذا فاعلم: أن النزاع إنما هو في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودا وعدما، كالخمر فإنها اسم للمسكر المعتصر من العنب، وهذا الاسم يدور مع وصف الإسكار، فإن المعتصر من العنب لما لم يكن في الأول مسكر لم يسم خمرا بل يسمى عصيرا، فإذا حدث فيه وصف الإسكار سمي بالخمر ثم إذا زال ذلك الوصف عنه زال عنه ذلك الاسم ويسمى باسم آخر وهو الخل. فهل يجوز أن يقاس عليها النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته إياه في وصف الإسكار أم لا؟. فمن جوز القياس في اللغات جوزها، ومن لا فلا. وكذلك السرقة اسم لأخذ مال الغير على سبيل الخفية، وهذا الاسم يدور مع وصف الخفية وجودا وعدما، أما وجودا فظاهر، وأما عدما فلأنه

стр. 163

إذا لم يكن مع الخفية يسمى اختلاسا إن كان مع الصون وغصبا إن لم يكن معه، فهذا يجوز أن يقاس النبش عليها في كونه مسمى بذلك الاسم لمشاركته إياها في الوصف المذكور فعلى الخلاف السابق. واحتج من قال به بوجوه:- أحدها: "أن الاسم" يدور مع الوصف وجودا وعدما، كما سبق، والدوران يفيد ظن العلية لما سيأتي إن شاء الله تعالى في القياس، فيحصل ظن أن العلة لتلك التسمية هو ذلك الوصف فإنما حصل ذلك الوصف حصل ظن كونه مسمى بذلك الاسم وحينئذ يلزم أن يثبت لتلك المحال الأحكام المرتبة

стр. 164

على ذلك الاسم. وجوابه: أن الدوران إنما يفيد ظن العلية بمعنى الأمارة والعلامة لا بمعنى الداعي، لأنه لا مناسبة بين الاسم والمسمى وحينئذ لا يكون الدوران خاليا عن المزاحم، لأنه كما/ (٢٧/ب) دار مع ما ذكرتم من الوصف فكذا مع خصوصية إسكار المعتصر من العنب والدوران إنما يفيد ظن العلية عند خلوه عن المزاحم المعارض، وهو غير خال عنه هنا على هذا التقدير. فإن قلت: لو اعتبر في كون الدوران يفيد ظن العلية خلوه عن مثل هذا المزاحم لوجب أن لا يفيده في الشرعيات أيضا لعدم خلوه عنه. قلت: إن فسرت لعلة ثمة بالداعي والباعث اندفع هذا النقص، وإن فسرت بالعرف والعلامة فكذلك، لأن القاطع الذي دل على جواز القياس في الشرعيات دال على أن تلك الخصوصيات لا مدخل لها في إثبات تلك الأحكام وإلا لم يصح القياس فلا يصلح أن "يقال" الخصوصية مزاحمة ثمة فيكون الدوران عريا عن المزاحم ولا قاطع في اللغات يدل على جريان القياس فيها فلا يكون الدوران خاليا عن المزاحم، كيف؟ والاستقراء يدل على أن للخصوصيات مدخلا في الأكثر في إطلاق اللفظ دون الشرعيات،

стр. 165

فإن الفرس المتلون بلونين يسمى أبلق وغيره المتصف به لا يسمى به، والأسود منه يسمى أدهم ولا يسمى غيره به، ومنه ما يلغب بياضه سواده أسهل وغيره لا يسمى به، والقارورة مختصة بالوعاء المخصوص وغيرها لا يسمى بها، إن كان فيه معنى القرار والنخلة تطلق على الطويل من الإنسان ولا تطلق على كل طويل يشاركها فيه، وأمثاله كثيرة غير عديدة بخلاف الشرعيات، فإن كل حكم عقل معناه فإنه قل ما يختص بمحله. سلمنا: أنه يفيد ظن العلية لكن إنما يلزم من علية ذلك الوصف جواز إطلاق ذلك الاسم حيث ثبت ذلك الوصف إن ثبت أن علية ذلك الوصف بجعل الشارع، فإن بتقدير أن يكون عليته بجعل العبد لم يلزم ذلك، فإن الحكم لا يطرد باطراد ما يجعله العبد [علة] ألا ترى أنه لو قال: لوكيله اعتق غانما لسواده، والعلة فيه هو السواد لا غير، وقس عليه غيره فإنه لا يجوز له أن يعتق غيره للسواد لكن لم يثبت أن اللغات توقيفية على ما تقدم فلا يلزم جواز الإطلاق.

стр. 166

وثانيها: ما ذكرناه عن المازني وقد عرفت ضعفه أيضا. وثالثها: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ فإنه يتناول كل الأقيسة بعمومه. وجوابه: منع عمومه وفيه كلام ستعرفه- إن شاء الله تعالى- في القياس ولئن سلمنا: عمومه لكنه خص عنه بعض الأقيسة وفاقا، والعام بعد التخصيص لا يكون حجة لما سيأتي. سلمنا: ذلك لكنه يقتضى ما لا يقولون به، وما يقولون به لا/ (٢٨/أ) يقتضيه، لأنه يقتضى وجوب القياس في اللغات ولا قائل به، فإن منهم من أنكر جوازه، ومنهم من أثبت جوازه، فأما الوجوب فلم يقل به أحد، وأما الجواز الذي يقولون به فلم يدل عليه. سلمنا: ذلك لكنه مخصوص بالنسبة إلى اللغات لما يذكر من الأدلة المانعة من جواز القياس في اللغات. ورابعها: وهو الوجه الإلزامي على من أنكره من الشافعية خاصة أن إنكار القياس مناقض لمذهبكم، فإنكم سميتم النبيذ خمرا وأدرجتموه تحت الأدلة الدالة على تحريمها وحد شاربها فحرمتموه وأوجبتم على شاربه الحد،

стр. 167

وكذلك سميتم اللائط زانيا وأدرجتموه تحت عموم قوله تعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ فأوجبتم عليه الحد، وكذلك سميتم النباش سارقا وأدرجتموه تحت قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فأوجبتم عليه القطع. وجوابه: أنا لا نثبت تلك الأحكام في تلك الصور بالطريق الذي ذكرتموه، وإنما أثبته كذلك بعض أصحابنا القائلون: بالقياس في اللغة كابن سريج وغيره. وأما نحن نثبتها إلا بالقياس الشرعي وذلك بأن نبين أن الموجب للحكم في الأصل هو الوصف الفلاني وذلك الوصف بعينه حاصل في المتنازع فيه فيلزم منه ثبوت الحكم فيه.

стр. 168

وأما المانعون احتجوا بوجوه:- أحدها: الوجوه التي تدل على أن اللغات بأسرها توقيفية، وقد سبق ذكرها، وحينئذ يمتنع أن يكون شيء منها بالقياس. وقد عرفت ضعف تلك الوجوه. ولئن سلمنا: صحة دلالتها على التوقيف لكن لا نسلم أنها تنافى القياس فيها، وهذا لأنه يجوز أن يكون للكل بوضع الله تعالى: لكن علمنا البعض بالتنصيص والبعض الآخر بالقياس كما في الأحكام الشرعية. وثانيها: أن اللغات إن كانت اصطلاحية: فيمتنع فيها القياس لما ذكرنا أن ما يجعله العبد عليه فإنه لا يتكرر الحكم بتكرره، وإن صرح بالقياس فكيف فيما لم يوجد ذلك فيه؟ وإن كانت توقيفية: فيحتمل أن يجرى فيها القياس عند حصول أركانه وشرائطه نحو ورود الإذن به، وعدم المانع منه ويحتمل أن لا يجري فيها، إما لعدم العلة، أو وإن كانت موجودة لكنها قاصرة، أو وإن كانت متعدية لكن وجد المانع من التعدية، أو وإن لم تكن كذلك لكن لم يرد الإذن به، وما يحتمل وقوعه على الطرق الكثيرة يكون راجحا على ما يحتمل وقوعه على طريق واحد. فيكون المنع من القياس راجحا على الإذن فيه، فيكون العمل بالقياس/ (٢٨/ب) مرجوحا فيكون غير جائز.

стр. 169

وثالثها: الوصف الذي جعل علة التسمية إن نقل من العرب فيه أن كل ما اتصف به فهو مسمى بذلك الاسم، فحينئذ تكون تسمية تلك الموصوفات تلك الأسامى بالنص لا بالقياس. وإن نقل فيه عنهم أن الذات الفلاني إذا اتصف به يسمى بكذا خاصة دون غيره فحينئذ يمتنع القياس عليه، لأنه خلاف النص، وإن لم ينقل لا هذا ولا ذاك ولم يوجد إلا استعمال بإزائه وجودا وعدما فيحتمل أن يكون الوصف علة متعدية، ويحتمل أن لا يكون كذلك لكن الاحتمال الثاني أظهر لاعتضاده بالأصل من وجهين فتمتنع التعدية عملا بالاحتمال الراجح. مقتضى هذا الدليل والذي قبله أن لا يجوز القياس الشرعي أيضا، لكن ترك العمل به فيه لوجود القاطع الدال على جوازه فيبقى معمولا به فيما عداه. ورابعها: أنا وجدنا الاسم معللا بوصف دائر معه وجودا وعدما. في محل مخصوص مع أنه لا يجوز إلحاق غيره به إجماعا. وذلك يدل على جريان القياس في اللغات. بيان الأول: بما تقدم من الصور، وزيد هنا صور ثلاثة:- أحدها: أن الجن والجنين إنما سميا بذلك لاستتارهما عن العيون، ثم إن الملائكة والنفوس البشرية كذلك مع أنها تسمى بذلك. وثانيها: أن الملك مأخوذ من الألوكة وهي الرسالة، ثم إنها حاصلة للبشر مع أنه لا يسمى بذلك. وثالثها: أن المصلى من الفرس إنما يسمى به، لكونه رأسه عند صلا

стр. 170

السابق، ثم إن الإنسان الذي يتلو الإنسان الآخر أو حيوانا غيره بحيث يكون رأسه عند صلاة لا يسمى به. بيان الثاني: أن اعتماد القياس على تعليل التسمية بالوصف الدائر معه الاسم وجودا وعدما فإذا لم يحصل تعديه العلة بهذا الطريق لم يصح القياس. لا يقال: حاصل ما ذكرتم يرجع إلى أنه حصل في اللغات ألفاظ قليلة لا يجرى القياس فيها وذلك لا يقدح في صحة القياس فيها، كما أنه حصل في أحكام الشرع أحكام لا يجرى القياس فيها وهو غير قادح فيه وفاقا. لأنا نقول: الأحكام التي لا يجرى القياس فيها في الشرع هي الأحكام التعبدية التي لا يعقل معناها. وتلك الأحكام غير دائرة مع شيء من الأوصاف، ولا يدل أيضا طريق من الطرق الدالة على علية الوصف على علية وصف هناك لتلك الأحكام، بخلاف ما نحن فإنه لا طريق إلى معرفة علية الوصف في اللغات إلا الدوران وإذ لا يناسب الاسم المسمى وظاهر أن

стр. 171

غيرها من الطرق سوى الدوران متعذر فيه/ (٢٩/أ) وبتقدير أن تعرف عليته بطريق من الطرق، لكن لم تجر التعدية مع ذلك فلم يبق طريق معول عليه في صحة القياس في اللغات. فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذه المسألة.

стр. 172

"الفصل العاشر" في الترادف والتوكيد

стр. 173

الفصل العاشر في الترادف والتوكيد وفيه مسائل: المسألة الأولى في تعريف الألفاظ المترادفة . وهى الألفاظ المفردة المتغايرة الدالة على مسمى واحد. فقولنا: الألفاظ، احترزنا بها عن اللفظ الواحد. وقولنا: المتغايرة، احترزنا بها عن اللفظ الواحد إذا كرر للتأكيد، كقولك زيد زيد، أو رجل رجل فإنهما ليسا بمترادفين لعدم التغاير. واحترزنا بقولنا: "الدالة على مسمى واحد" عن الألفاظ المتباينة بأسرها وقد عرفت أقسامها من قبل. ولا حاجة إلى ما زيد فيه. باعتبار واحد. أو: من غير تفاوت، ليخرج عنه ما دل على الذات فقط،

стр. 174

وما دل عليه مع الصفة أو صفة الصفة، فإن دلالتهما على الذات باعتبارين لا باعتبار واحد، لأنهما من جملة الأقسام المتباينة على ما تقدم فيخرجان بقيد كون المسمى واحدا فلا حاجة إلى قيد آخر. المسألة الثانية في وقوع الترادف من الناس من أنكر وقوعه في اللغة العربية، وزعم أن كل ما يظن أنه من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات، كما في الإنسان والبشر, فإن الأول: موضوع له باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه "يونس"، والثاني: باعتبار أنه بادي البشرة، وكذلك الخندريس، والعقار، فإن الأول: باعتبار العتق، والثاني: باعتبار عقر الدن لشدتها. أو بالذات، والصفة، كالأسد والليث، فإن الثاني: يدل على الذات مع اعتبار الصفة

стр. 175

وهي: إما "مع" التوثب، إذا "الليث" اسم لضرب من "العناكب" التي تصطاد الذباب بالتوثب، أو باعتبار أنه يلوث ويكثر للفساد. أو باعتبار الصفة وصفة الصفة كـ "الأسود" و "الأفحم"، فإن الثاني وإن كان يدل على الذات المتصف بالسواد كالأسود لكن باعتبار أنه يميل إلى الصفرة. واعلم أن ما ذكروه وأن كان ممكنا، لكن الأغلب على الظن وقوعه بالاستقراء، وما يتكلفه الاشتقاقيون من التكلفات النادرة البارزة فذلك مما لا يشهد لصحته عقل ولا نقل. نعم "بعض" ما يظن انه من المترادفات فيجوز أن يكون من المتباينات تباين الصفتين أو تباين الصفة وصفة الصفة، فأما الكل فلا. ثم/ (٢٩/ب) نقول: الدليل على إمكان وقوعه وإن كان لا يظن بعاقل أن ينازع فيه وجوه:-

стр. 176

أحدها: أنه ممكن نظرا إلى ذاته، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال، ونظرا إلى داعية الواضع، فإن الواضع يتبع الغرض، وقد يتعلق الغرض به لتسهيل التعبير عن الشيء، فإن الشيء إذا كان له اسمان كان التعبير عنه أسهل مما إذا كان له اسم واحد، لجواز أن ينسى أو يعسر حفظه لتنافر تركيبه وللأقدار على الفصاحة ورعاية السجع والتجنيس وسائر أصناف البديع، فإن الشعر قد يمتنع وزنه وقافيته مع أحد الاسمين ولا يمتنع ذلك مع الآخر، وكذلك الكلام في السجع والتجنيس وسائر أصناف البديع. وثانيها: أن الشيء إذا كان له اسم واحد كانت الدواعي متوفرة على حفظه، لأنه لا يمكن التعبير عنه إلا به، فإذا ورد خطاب الشرع به عرفه كل واحد من غير اجتهاد في طلبه. أما إذا كان له اسمان لم تكن الدواعي متوفرة في حفظهما، لأن تعريفه حاصل بأحدهما فإذا ورد خطاب الشرع به فربما ورد بالاسم الذي لم يعرفه المكلف فيجتهد في طلب معناه فيتناول الثواب، فهذا الغرض يجوز أن يكون باعتبار للواضع على الوضع.

стр. 177

وثالثها: أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين، والأخرى الاسم الآخر له من غير أن تشعر كل واحدة منهما بصنيع الأخرى، ثم يتسع الوضعان فيكون الترادف واقعا ضمنا بالداعي الأصلي للوضع، ويشبه أن يكون هذا هو السبب الأكثري لوقوعه، ولا يخفى عليك أن هذا مبني على كون اللغات اصطلاحية. وأما الدليل على وقوعه: أما بالنسبة إلى لغتين فلا حاجة إليه لأنه معلوم بالضرورة. وأما بالنسبة إلى اللغة العربية فما نقل من العرب أنهم وضعوا الحنطة والقمح والبر للطعام المخصوص، واللجين والفضة للنقد المخصوص، وغير ذلك من الأسامي التي لا يعقل في معناها التفاوت أصلا. واحتجوا على عدم وقوع بوجوه:- أحدها: أنه يتضمن تعريف المعرف، وهو عيب غير واقع من الحكيم.

стр. 178

وثانيها: أنه يؤدي إلى أحد المحذورين، وهو: إما الإخلال بالفهم، أو حصول المشقة الزائدة. فما يؤدي إليه يغلب على الظن عدم وقوعه لأنهما يقبحان من الحكيم إذا أمكنه الاحتراز عنهما. بيان الملازمة: أن كل واحد من أهل اللسان إن لم يحفظ المترادفين لزم الأمر الأول، على تقدير أن يرد الخطاب باللفظ الآخر وإن حفظهما لزم الاسم الثاني. وثالثها: الترادف مشتمل على المفسدة الراجحة، ولهذا قل وجوده على رأي من/ (٣٠/أ) يقول به وما كان كذلك وجب أن لا يكون. والجواب: عن الأول: أنه إنما يكون عيبا ممتنع الوقوع، إن لو كانت الفائدة منحصرة في التعريف، وهو ممنوع بل فيه فوائد أخر، كما تقدم ذكرها. وهذا إن قيل بالتحسين والتنقيح العقلي وإلا فأصله مندفع. وعن الثاني: النقض باللغات المختلفة، ثم ما ذكرتم من المحذور معارض بفوائد الترادف كما سبق ذكرها. وعن الثالث: أنا نسلم أنه مشتمل على المفسدة التي توجب قلة وجوده، لا على ما يوجب عدمه، على أنه فاسد الوضع، لأنه استدلال بندورته المستلزمة لوجوده على عدمه.

стр. 179

فرعان: الأول: القائلون بوقوع الترادف: اعترفوا أنه خلاف الأصل. واحتجوا عليه: بأنه نادر، إذ الغالب تعدد المسميات عند تعدد الأسماء يدل على الاستقراء. ولا نعني بكونه خلاف الأصل سوى هذا. الثاني: نحو: أن يكون أحد المترادفين شرحا للآخر عند ما يكون أجلى منه عند المخاطب، فعلى هذا يختلف التعريف بحسب اختلافهما في الجلاء والخفاء بالنسبة إلى المخاطب. وهذا هو الحد اللفظي المسألة الثالثة في أنه هل يصح "صحة" إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر ؟ في صحة الضم إلى اللفظ. اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب: منهم من أوجب ذلك على الإطلاق، سواء كان ذلك بالنسبة إلى اللغة الواحدة أو بالنسبة إلى لغتين. ومنهم من منع ذلك مطلقا.

стр. 180

ومنهم من فصل، فأوجب ذلك في اللغة الواحدة دون لغتين, وهو الأظهر. وهذا القول وإن لم يكن صريحا لكن يكن ضمنا في كلامهم. واحتج من منع مطلقا: بأنه يجوز أن يقال: ضربت زيدا، وأخذت الدراهم، ولو أبدلت لفظتي "ضربت" و "أخذت" بمرادفهما بالفارسية و "لم" يصح التركيب. وإذا لم يصح ذلك في اللغتين، فلم لا يجوز أن يكون لأمر كذلك في اللغة الواحدة؟ فلم يجب صحة إقامة كل واحد منها مقام الآخر. وأجيب عنه: بمنع الملازمة تارة، والفرق أخرى. أما الأول: فلأنا لا نسلم أنه لم يصح التركيب عند اختلاف اللغتين مطلقا، بل لو لم يصح فإنما لم يصح بالنسبة إلى غير العارف باللغتين، أما
следующие страницы →