← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

.........................................................................

стр. 1507

ومن مخالفة الخصوص بدليل صحة تقسيمها إليهما فوجب رده. وجوابه: النقص بالخبر المتواتر، فإنه يجوز تخصيص كتاب الله تعالى به إجماعًا، فما هو جوابكم ثمة فهو جوابنا هنا. فإن قلت: فنحن نجيب عنه بأنه وإن اقتضى أن لا يجوز التخصيص بالتواتر أيضا: لكنه خص عنه لكونه مقطوعًا به في متنه كالكتاب، وبهذا انعقد الإجماع على جواز التخصص به، وهذا المعنى غير حاصل في خبر الواحد، ولا يلزم من كونه مخصوصا عنه خصوصه عنه، وهذا الجواب لا يتأتى لكم. قلت: فنحن إن جوزنا التخصيص بخبر الواحد، لم يلزم سوى تخصيص ما ذكرتم من الخبر أيضا، لكن من وجه آخر وهو أن المخالفة لغة، وإن كانت متناولة لمخالفة العموم ولمخالفة الخصوص. أعني بالأول المخالفة من بعض الوجوه، وبالثاني المخالفة من كل الوجوه، على ما ذكرتم، لكن نحن نحمل قوله ﵇ في الحديث،

стр. 1508

فإن خالفه على على النوع الثاني لإجماع الصحابة على قبول ما يخالف من السنة عموم الكتاب، والجمع بين الدليلين كما تقدم فحينئذ يلزم تخصيص الحديث المذكور لتخصيص المخالفة المذكورة فيه، وإذا كان التخصيص لازمًا على المذهبين، فلم كان تخصيصكم أولى من تخصيصنا وعليكم الترجيح، لأنكم المستدلون، ثم أنه معنا. وبيناه من وجهين: أحدهما: أن المخصص لا يوصف بالمخالف على الإطلاق لاسيما في العرف، بل لو وصف بذلك فإنما يوصف به مقيدا، وإنما يوصف بكونه مبينا للمراد ومقررا له، ولهذا لا يتبادر إليه الفهم لا غير. وثانيهما: أنا وإن سلمنا: أنهما يفهمان عند لفظ المخالف، لكن دلالة لفظ المخالف عليهما بالتشكيك/ (٢٦١/ ب)، لأن دلالة لفظ المخالف على ما يخالف دلالة اللفظ والمراد معا، وهو مخالف الخصوص أولى وأقوى من دلالته على ما يخالف دلالة اللفظ فقط، وهو مخالف العموم على وجه التخصيص إذ هو مقرر للمراد، وتخصيص المرجوح من المشكك أولى من تخصيص ما ليس كذلك، فكان تخصيصنا أولى. وثالثها: أن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فتقديمه عليه

стр. 1509

تقديم للمرجوح على الراجح، وهو ممتنع عقلا. وجوابه من وجوه: أحدها: أن نقول: ما المراد من قولكم: إن الكتاب مقطوع به؟ تعنون به أنه مقطوع به في متنه فقط، أو في متنه وفي دلالته على العموم معا. والأول مسلم لكن لا نسلم أن تقديم خبر الواحد الخاص عليه حينئذ تقديم للمرجوح على الراجح، وهذا لأنه حينئذ يكون مظنون الدلالة على العموم، وخبر الواحد وإن كان مظنون المتن لكنه مقطوع الدلالة، فلم يترجح العام عليه من جهة القطع. فإن قلت: هب أنه لا يترجح عليه، لكن خبر الواحد الخاص أيضا لا يترجح عليه، بل يتساويان فتقديم أحدهما على الآخر تقديم لأحد المتساويين على الآخر، وهو ممتنع، فيجب التوقف، كما ذهب إليه القاضي أبو بكر- رحمه الله تعالى. قلت: الجواب عنه من وجوه:

стр. 1510

أحدها: أنا لو خلينا والعقل كان الأمر كما ذكرتم، لكن منعنا من ذلك إجماع الصحابة ﵃. وثانيها: أنهما وإن تساويا في جهة القطع على ما ذكرتم، لكن تقديم الخاص على العام يستلزم العمل بهما، وأما التوقف فإنه يبطل فائدتهما، فكان الأول أولى. وثالثها: أنهما وإن تساويا في جهة القطع على ما ذكرتم، لكن ظن صدق خبر الواحد أكثر من ظن دلالة العام على العموم، وهذا لأن أكثر العمومات مخصوصة وليس أكثر خبر العدل الواحد كاف فيترجح هو عليه من جهة الظن، لأن احتمال التخصيص ظاهر فيه جدا، وهذا الجواب لا يستقيم على أصول [المعتزلة، ومن يقول: إن دلالة العام على العموم قطعية. وثانيها: أنه وإن كان] مظنون المتن، لكن لما دل القاطع على وجوب العمل به أفاد فائدة مقطوع المتن في وجوب العمل بمضمونه، إذ لا فرق بين أن يقول النبي ﵇ للمكلف شفاها: أوجبت عليك الشيء الفلاني، وبين أن يقول: إذا روى لك عني أني

стр. 1511

أوجبت عليك الشيء الفلاني وغلب على ظنك صدقه فاعلم واقطع بأني أوجبت عليك ذلك الشيء، فعلى هذا/ (٢٦٢/ أ) يتساويان في إفادة القطع بوجوب العمل بمضمونهما ويزيد الخاص عليه بخصوصه. وثالثها: النقض بالبراءة الأصلية فإنها يقينية مع أنها تترك بخبر الواحد وفاقا. ولقائل أن يقول: الفرق بينهما قائم، وبيانه من حيث الإجمال وهو أن البراءة الأصلية يقينية عقلية، وهي أضعف من اليقينية الشرعية، بدليل أنها تترك بخبر الواحد، وإن كان عاما وبالقياس الظني، وإن كان عاما ومضمون اليقيني الشرعي لا يترك بالعام الظني، وكذلك بالقياس العام الظني وفاقا. ورابعها: أنه لو كان مخصصا لكان بيانا، ولو كان بيانا لوجب أن يكون مقارنا للمبين، ولوجب أن يبلغه النبي ﵇ إلى أهل التواتر لتقوم الحجة به. وجوابه: منع وجوب اقتران البيان بالمبين.

стр. 1512

سلمناه: لكن لا نسلم عدمه، فلعله كان مقارنا لكن لم ينقل اقترانه، ولا نسلم وجوب إبلاغه إلى أهل التواتر، فإن ذلك إنما يجب فيما كلف فيه بالعلم لا بالعمل. وخامسها: القياس على النسخ، فإنه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد وفاقا، والجامع بينهما رفع المفسدة الناشئة من إلغاء الخاص. وجوابه: أنا نمنع الحكم أولا: وهذا لأن بعض أهل العلم القائلين "بجواز" تخصيص الكتاب بخبر الواحد يجوز نسخه به أيضا. سلمنا: الحكم على ما هو رأي الجماهير، لكن نقول: لو خلينا والقياس لكان الأمر على ما ذكرتم، لكن منعنا من ذلك الإجماع، فإن الصحابة أجمعوا على رد خبر الواحد إذا كان ناسخا للمقطوع، كما أجمعوا على قبوله إذا كان مخصصا له. سلمنا: عدم حصول هذا الإجماع، لكن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن التخصيص أهون من النسخ لما عرفت ذلك من الفروق المذكورة بينهما التي مضى ذكرها، لأنه دفع، والنسخ رفع، والدفع أسهل من الرفع، فلا يلزم من تأثيره فيه تأثيره في الأقوى.

стр. 1513

وأما مذهب القاضي أبي بكر- رحمه الله تعالى- قد عرفت مأخذه فلا نعيده. وأما مآخذ ما ذهب إليه عيسى بن أبان والكرخي، فهو أن العام قبل التخصيص دلالته على العموم قطعية عندهما فيكون العام من الكتاب قبل التخصيص قطعي المتن وقطعي الدلالة، فلا يجوز تقديم الخاص من خبر الواحد عليه، أما بعد أن خص بمقطوع به مثله أو بالمنفصل كيف كان عند الكرخي صار مجازا، وصارت دلالته على نفيه الأفراد ظنية، فجاز تخصيصه به. وجوابه: لا يخفى عليك مما سبق هنا ومن قبل فلا حاجة/ (٢٦٢/ ب) إلى الإعادة.

стр. 1514

المسألة السابعة في بناء العام على الخاص . إذا وجدنا نصين: أحدهما عام، والآخر خاص، وهما متنافيان في النفي، والإثبات. فأما أن يكونا من الكتاب، أو أحدهما منه، والآخر من السنة، أما متواترا، أو غير متواتر، أو يكونا من السنة، إما متواتران، أو غير متواترين أو أحدهما متواتر والآخر غير متواتر. والحكم في الكل واحد إلا فيما يتعلق بالنسخ عندما يكون المتأخر ظنيا، والمتقدم قطعيا، فإنه يتعذر المصير إليه إذ ذاك عند من لا يجوز نسخ القطعي بالظني، لكن نحن نعين منها مسمى واحدا، ليكون الكلام أضبط ويعرف منه حكم الباقي. فنقول: إذا وجد خبران من الآحاد شأنهما (ما) ذكرنا، فإما أن يعلم تاريخها، أو لا يعلم: فإن علمنا تاريخهما، فإما أن يعلم مقارنتهما، أو يعلم تراخي أحدهما عن الآخر، فإن علمنا مقارنتهما، فإما أن يكون الخاص مقارنا للعام، أو يكون العام مقارنا للخاص. فإن كان الأول: نحو أن يقول: "فيما سقت السماء العشر" ثم يقول

стр. 1515

عقيبه: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" فهاهنا يكون الخاص مخصصا لعلام لوجوه: أحدهما: أنا لو لم نخصص العام به: فإما أن نجريه على عمومه، وهو باطل لما فيه من إلغاء الخاص بالكلية، أو نجعلهما متعارضين في ذلك القدر، فيتوقف فيه إلى المرجح، أو يتخير بين الحكمين فين، وهو أيضًا باطل لما فيه من ترك العمل بكل واحد منهما، وإذا بطل الاحتمالان تعين تقديم الخاص عليه. وثانيها: أن الخاص أقوى دلالة على مدلوله من دلالة العام على مدلوله، لأن العام يجوز إطلاقه من غير إرادة العموم منه، ولا يجوز إطلاق الخاص من غير إرادة ذلك الخاص منه، فيكون أقوى، والأقوى راجح، فالخاص راجح على العام. وثالثها: أن الموكل إذا أذن لوكيله في شيء عام، ثم خص بعض أفراده عقيبه بالمنع، فهم منه إخراجه عن الكلام الأول، وفهم المعنى عند إطلاق اللفظ، دليل على أنه حقيقة فيه.

стр. 1516

ونقل عن بعض من شذ من القدر من العام يصير معارضا للخاص. ويرجع في تقديم أحدهما على الآخر إلى دليل آخر، وكان هذا القائل يشترط التراخي في المخصص كما في الناسخ وإلا فلا مأخذ له، إذ لا يمكنه إنكار أصل التخصيص ولا اشتراط تقدم المخصص، ولو تشبث في ذلك بأن العام لتناوله ما يتناوله الخاص وغيره جاري مجرى خبرين، ولو كان كذلك لكان/ (٢٦٣/ أ) الخاص معارضا لما ينافيه، فكذا هنا كان القول بالتعارض لازما عليه في جميع الصور، وهو إنكار للتخصيص من أصله. فإن قلت: ليس يتعين في العمل بهما ما ذكرتم من الطريق، بل هنا طريق آخر، وهو أن يحمل قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" على الندب، وقوله: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" على الوجوب. وهذا وإن كان خلاف الظاهر، إذ لا تقدير في الصدقة المندوبة، لعدم ورود التقدير فيها، بل (الأمر) فيها مفوض إلى رأي المتصدق كلما كان أكثر كان أكثر استحبابا، لكن التخصيص أيضا: خلاف الظاهر فلم

стр. 1517

قلتم: إن خلاف الظاهر الذي ذكرتم أولى من هذا الذي ذكرنا؟ وعليكم الترجيح، لأنكم المستدلون؟. قلت: ما ذكرنا أولى، لأنه لم يلتزم خلاف الظاهر فيه إلا في محل الضرورة، وهو محل التعارض وأما ما ذكرتم فيلتزم فيه خلاف الظاهر في غير محل الضرورة، والتعارض، وهو في خمسة أوسق فصاعدًا، لأن قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" يقتضي بظاهرة وجوب العشر فيما دون خمسة أوسق" وما زاد عليه ولم يوجد له المعارض إلا فيما دون خمسة أوسق". فلو حملناه بعمومه على الندب، لزم ترك ظاهره في خمسة أوسق فصاعدًا من غير معارض له فيه، وهو باطل فكان ما ذكرنا من التزام التخصيص أولى، وأيضا: فإن ما ذكرنا مثال ليس الخلاف منحصرا فيه فلنعدل إلى مثال لا يتأتى فيه التأويل المذكور مع بقاء الخلاف، نحو أن يقول: أوجبت فيما سقت السماء العشر، ثم يقول عقيبه: لا تجب فيما دون خمسة أوسق شيء. "وإن كان" الثاني: وهو أن يكون العام مقارنا للخاص نحو أن يقول: لا زكاة فيما دون خمسة أوسق، ثم يقول عقيبه: فيما سقت السماء العشر.

стр. 1518

فحكم هذا القسم كحكم ما قبله. وإن جوز نسخ الخاص بالعام، لأنه لا يمكن القول بالنسخ هاهنا، لأن الناسخ يجب أن يكون متراخيًا وفاقا، والعام فيما نحن فيه مقارنا، فلا يمكن أن يكون ناسخا فلم يبق إلا بناء العام على الخاص أو تعارضهما على ما سبق. وأما إن علمنا تراخي أحدهما عن الآخر، فالمتراخي: إما الخاص أو العام. وعلى التقديرين: إما أن يكون متراخيًا عن وقت العمل، أو لا يكون متراخيًا عنه، بل يكون متراخيًا عن وقت الخطاب لا غير فهذا أقسام أربعة: أحدها: أن/ (١٦٣/ ب) يكون الخاص متراخيا عن وقت العمل بالعام، فهاهنا يكون الخاص ناسخا لذلك القدر الذي تناوله من العام وفاقا، إذ لا يمكن حمله على التخصيص، لأن تأخير بيانه عن قوت العمل غير جائز وفاقا، فيعمل بالعام في بقية الأفراد في المستقبل. وثانيها: أن يكون متراخيا عن وقت الخطاب "بالعام"، دون وقت العمل به. فمن لم يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب". ولم يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، كالمعتزلة: أحال المسألة.

стр. 1519

ومن جوزهما اختلفوا فيه: فالذي عليه الأكثرون منهم، نحو أصحابنا وغيرهم: إن الخاص يكون مخصصا للعام، لأنه وإن جاز أن يكون ناسخًا لذلك القدر من العام، لكن التخصيص أقل مفسدة من النسخ، وقد أمكن حمله عليه فالحمل عليه أولى من الحمل على النسخ الذي هو أكثر مفسدة. ونقل عن معظم الحنفية: أن الخاص إذا تأخر عن العام بحيث أن يتخلل بينهما زمان يتمكن المكلف فيه من العمل، أو الاعتقاد بمقتضى العام، كان الخاص ناسخا لذلك القدر الذي تناوله من العام، لأنهما دليلان وبين حكميهما تناف، فيجعل المتأخر ناسخا للمتقدم عند الإمكان دفعا للتناقض. وهو ضعيف لما تقدم. وثالثها: أن يكون العام متراخيا عن وقت العمل بالخاص، فهاهنا يبني العام على الخاص عندنا، وأهل الظاهر، وبعض الحنفية

стр. 1520

وأبي الحسين البصري من المعتزلة. وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه، والقاضي عبد الجبار، إلى أن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم. وتوقف فيه ابن العارض. لنا: وجوه:

стр. 1521

أحدها: ما تقدم غير مرة، وهو أن تقديم العام على الخاص يوجب إلغاء الخاص بالكلية، وتقديمه عليه لا يوجب ذلك، فكان تقديمه أولى. وثانيها: أن الخاص المتقدم يحتمل أن يكون منسوخا [بما] بعده بأن أريد بالعام كل ما يتناوله، ويحتمل أن يكون مخصصا له بأن أريد منه ما وراء مدلول الخاص، وإذا احتمل الأمرين كان الحمل على التخصيص أولى، لأنه أقل مفسدة. وثالثها: أن الخاص أقوى دلالة على مدلوله من العام على متناوله، لأنه ما من فرد من أفراده إلا ويجوز تخصيصه بالنسبة إليه، فيجوز إطلاقه بغير إرادة مدلول الخاص عنه بخلاف الخاص بأنه لا يجوز إطلاقه بغير إرادة مدلوله منه، فيكون أقوى، والأقوى راجح، فالخاص راجح. احتجوا بوجوه: أحدها: ما روى عن ابن عباس/ (٢٦٤/ أ) ﵁ أنه قال: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث".

стр. 1522

.........................................................................

стр. 1523

والعام أحدث فيجب الأخذ به والأخذ به إنما يكون بإعماله في عمومه فيكون ناسخا. وجوابه: أنه قول صحابي واحد، فيكون ضعيف الدلالة، فنحمله على ما إذا كان الأحدث خاصا جمعا بين الأدلة. وثانيها: ما تقدم من أن العام جاري مجرى خبري بالنسبة إلى صنفين، أعني به مدلول الخاص وما عداه، وإذا كان كذلك كان قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" بالنسبة إلى قوله: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق". جاريا مجرى قوله: فيما (دون) خمسة أوسق العشر "أو" سقى بماء السماء وفي خمسة أوسق وما زاد عليها العشر إذا سقى بماء السماء،

стр. 1524

فإذا فرض تأخير هذين القولين عن قوله: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" كان ما ينافيه لا محالة ناسخا له، فكذا قوله: "فيما سقت السماء العشر" إذا كان متراخيا عنه. وجوابه: منع أنه جاري مجراه، وهذا لأن تخصيص العام والاستثناء عنه جائز وفاقا، وما فصلت إفراده لا يجوز تخصيصه ولا الاستثناء عنه. وثالثها: لفظان تعارضا، وعلم تراخي أحدهما عن الآخر، فوجب تسليط المتأخر على المتقدم، كما لو كان الأخير خاصا، واحترازنا، بقولنا: "لفظان" عن دليل العقل، فإن العام، وإن كان متأخرا عنه، لكن لا يسلطه عليه، بل يسلط دليل العقل عليه. وجوابه: بالفرق، وهو ما ذكرنا في الاستدلال. ورابعها: وهو ما ذكرنا من أنهما دليلان، وبين حكميهما تناف، فيجعل المتأخر ناسخا للمتقدم عند الإمكان دفعا للتناقض. وجوابه: المعارضة بمثله: وهو أن يقال: دليلان بين حكميهما تناف فيجعل المتقدم مخصصا للمتأخر "عند" الإمكان دفعا للتناقض، فإن

стр. 1525

التناقض مندفع أيضا على تقدير التخصيص. وخامسها: أن الخاص المتقدم: متردد بين أن يكون مخصصا لما بعده ومنسوخًا به، وذلك مانع من كونه مخصصا إذ البيان لا يحتاج إلى البيان الآخر. وجوابه: أن التردد على سبيل التساوي ممنوع، وهذا لأن احتمال كونه مخصصا راجح عندنا على ما عرفت دليله، وأما سبيل المرجوحية لا يضرنا، فإن الظهور كاف في البيان ولا يشترط الجزم فيه. واحتج ابن العارض: على ما ذهب إليه بوجهين. أحدهما: أن الخاص المتقدم راجح من جهة الخصوص، مرجوح من جهة/ (٢٦٤/ ب) [التقدم، والعام لمتأخر مرجوح من جهة] العموم راجح من جهة التأخر فاستويا، فيجب التوقف إلى ظهور مرجح آخر. وجوابه: أن التقدم متى يوجب المرجوحية نشرط التساوي في جهة الدلالة أولا بهذا الشرط بل مطلقا، والأول: مسلم ولا يضرنا إذ الشرط مفقود فيما نحن فيه، والثاني: ممنوع. وهذا لأن دليل العقل متقدم مع أنه غير مرجوح لما أن دلالته على مدلوله أقوى. وثانيهما: أن الخاص المتقدم أخص من العام المتأخر من وجه وأعم منه.

стр. 1526

من وجه، لأن قوله: لا تقتلوا اليهود مثلا أخص من قوله: اقتلوا المشركين لما أن اليهود أخص من المشركين وأعم منه من وجه، كما أنه دخل تحته من الأزمنة المتقدمة ما لم يدخل تحت العام المتأخر. وهو ما بين وروده وورود العام المتأخر، فيكون الخاص على هذا أخص من العام في الأعيان وأعم منه في الأزمان، والعام بالعكس من هذا، فيكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص منه من وجه، فليس تقديم أحدهما على الآخر أولى من العكس، فيجب التوقف فيه إلى ظهور المرجح. وجوابه: أن ما ذكرتم لا يتأتى فيما إذا كان الخاص المتقدم أمرا والعام المتأخر نهيا نحو أن يقول: صل اليوم ركعتين"، ثم يقول: متراخيا عنه: "لا تصل اليوم شيء يا"، فإن العام المتأخر هاهنا أعم من الخاص المتقدم في الأعيان والأزمان معا. أما الأول: فظاهر. وأما الثاني: فلأن الأمر لا يقتضي التكرار والنهي يقتضيه، والخلاف في الكل واحد ولو تمسك في إثبات هذا القسم بعد إثبات ذلك القسم بالإجماع، إذ القول بالفصل بينهما قول لم يقل به أحد لا يفيده، لأنه معارض بمثله بعد إثبات الحكم في هذا القسم الذي ذكرناه. سلمنا: أنه يتأتى فيهما جميعا، لكن لا نسلم أن ليس تقديم أحدهما على الآخر أولى من العكس، وهذا لأنهما وإن استويا من جهة العموم والخصوص، لكن العام المتأخر يترجح عليه لتأخيره، فلم لا يجوز أن

стр. 1527

يترجح به؟ ورابعها: أن يكون العام متراخيا عن وقت الخطاب بالخاص، لكنه قبل وقت العمل به. فحكم هذا القسم كحكم القسم الثالث في البناء والنسخ، إلا على رأي من لم يجوز منهم نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، كالقاضي عبد الجبار، فإنه لا يمكنه الحمل على النسخ، فيتعين عليه أن يقول: بالبناء/ (٢٦٥/ أ) أو بالتعارض في ذلك القدر الذي حصل البناء فيه، أو يحيل المسألة وإن كان إطلاق قوله: يقتضي أن يكون العام ناسخا له، إذ قال: إن ورد الخاص بعد العام كان ناسخا له، وإن ورد العام بعد الخاص فكذلك، لكن أصله يقتضي تنزيله بما إذا كان الوورد بعد حضور وقت العمل بالخاص. أما إذا لم يعرف تاريخهما: فعندنا يبنى العام على الخاص، وساعدنا القاضي عبد الجبار، وبعض الحنفية من المخالفين عليه.

стр. 1528

وعند أبي حنيفة يتوقف فيه إلى ظهور التاريخ، أو المرجح، أو يرجح إلى غيرهما، وكل من الإمامين ذهب إلى ما يقتضه أصله. أما الشافعي- ﵁، فلأنه يبني العام على الخاص في جميع الأحوال عند العلم بالتاريخ مقارنا كان له، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه، لكن في بعض الصور يكون البناء على وجه التخصيص، وفي بعضها على وجه النسخ، وحالة الجهل لا تخلو عن هذه الأحوال الثلاثة، فوجب أن يبنى العام على الخاص، والجهل يكون ذلك البناء على وجه النسخ، أو على وجه التخصيص لا يمنع منه، أما في حق العمل بمقتضى البناء فظاهر، إذ العمل بمقتضاه لا يختلف بسبب ذلك، وأما في حق اعتقاد التخصيص على وجه غلبة الظن فكذلك لأن الاحتمال المرجوح لا يقدح في غلبة الظن، والبناء على وجه النسخ احتمال مرجوح. أما أولا: فلأن البناء على وجه التخصيص على التقادير الثلاثة، والبناء على وجه النسخ على تقدير واحد، وما يحتمل وجوده على أكثر الاحتمالات أغلب على الظن مما لا يوجب إلا على احتمال واحد.

стр. 1529

وأما ثانيا: فلأن تقدير النسخ يستدعي دخوله تحت الخطاب وإرادته منه ثم خروجه عنه، والتخصيص لا يستدعى إلا التناول، فكان وجوده في الظن أغلب، لأن ما يتوقف على أكثر المقدمات أندر وجودا مما ليس كذلك. وأما ثالثا: فلأن التخصيص أكثر من النسخ والإلحاق بالأكثر أولى فاعتقاد التخصيص أولى (وهذا إنما يصح فيما إذا كان متساويين في القوة أو الضعف، فأما إذا اختلفا في ذلك فلا، لأن الخاص الظني إذا ورد بعد حضور وقت العمل بالعام القطعي، لم يقبل لا ناسخا ولا مخصصا وفاقا). وأما أبو حنيفة- ﵁ فلأنه ينسخ الخاص بالعام، إذا كان متقدما عليه، ويخصص العام أو ينسخه به إذا كان متأخرا عنه، فعند الجهل بالتاريخ ذكر الخاص بين أن يكون منسوخا، أو مخصصا، أو ناسخا، فعند التردد/ (٢٦٥/ ب) في هذه الأقسام يجب التوقف. وأما القاضي عبد الجبار: فقد استدل على البناء عند الجهل، بأن يقال: إن من حق من ثبتت حكمته أن لا يلغا كلامه، متى أمكن حمله على وجه يفيد، فإذ صح ذلك، فلو وجب استعمال العام، لزم إلغاء الخاص، ومتى استعملنا الخاص لم يوجب طرح العام، بل يوجب حمله على وجه يصح أن يريده الحكيم، فوجب لأجل ذلك بناء العام على الخاص.

стр. 1530

وما ذكره منقوض بما إذا تقدم الخاص، وورد العام بعد حضور وقت العمل بالخاص، فإنه يجعله ناسخا مع أن ما ذكره قائم بعينه فيه، ولو فرق بأن شرط النسخ متحقق عند العلم بالتاريخ، وقد صلح أن يكون العام ناسخا له فوجب حمله عليه. وهو غير معلوم التحقق عند الجهل به فهو غير قادح، لأن تحقق الشرط مع صلاحية وجود المقتضى لا يوجب تحقق المشروط، بل لابد معه من تحقق المقتضى قطعا أو ظنا، حتى يوجب تحقق المشروط قطعا أو ظنا، وكون اللفظ عاما إنما يقتضي ظن إرادة شمول الأفراد إن لو لم يلزم منه مفسدة، أما لو لزم فلا نسلم ذلك، ولا شك أن إلغاء الخاص مفسدة فوق مفسدة التخصيص. ثم استدل الأصحاب على بناء العام على الخاص عند الجهل بالتاريخ في وجوه التعارض كلها سواء كان بين المتساويين، أو بين المختلفين في القوة والضعف بوجوه: أحدها: وهو المعول عليه وهو الإجماع، فإن فقهاء العصور كلها من الصحابة والتابعين، وتابع التابعين، وهلم جرا إلى زماننا هذا، وغيرهم، في الأمصار بأسرها يسارعون إلى الحكم بالخاص على العام مع عدم علمهم بالتاريخ. وعدم تخصيص ابن عمر ﵁ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾، ولقوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾

стр. 1531

بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾، مع خصوصه، وبقوله ﵇: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان" مع

стр. 1532

خصوصة، غير قادح فيما ذكرنا من الإجماع. لاحتمال أن يكون "﵁" قد امتنع من ذلك لدليل آخر غير الجهل بالتاريخ، نحو إن علم، أو ظن نسخ الخاص بخاص آخر، أو بالعام لتقدمه عليه، بأن كان يرى ذلك. ولا يلزم منه القول: بالتوقف عند الجهل بالتاريخ حتى يكون ذلك قادحا أيضا: فيما ذكرنا من الإجماع بطريق الاستلزام/ (٢٦٦/ أ)، لا من حيث إنه قول لم يقل به أحد: لما عرفت أن جماعة ممن يرون نسخ الخاص بالعام، قالوا به: ولا من حيث المعنى: إذ قد ثبت الحكم للشيء مع تطرق الاحتمال المنافي له، لاسيما إذا كان الاحتمال المنافي منشأ للمفسدة الرجحة، كما في موت جماعة من الغرقى، أو الحرقى، ومن يقع عليهم سقف أو جدار

стр. 1533

من الأقرباء، فإنا لا نورث ورثة البعض من البعض، ونقدر موتهم معا مع تطرق احتمال التقدم والتأخر في موتهم المنافي لذلك الحكم. ولو قيل: بأن ذلك للضرورة، فتلك الضرورة بعينها قائمة فيما نحن فيه إذ يستحيل الاطلاع على التاريخ بعد انقراض عصر الصحابة، وكذلك يتعذر الاطلاع على المرجح بعد تقرر المذاهب، أو كان يرى أن المراد من الخاص غير ظاهر من صور المجاز، لدليل دل عليه عنده، أو ضعف الحديث، ولو سلم أنه قادح في إجماع الصحابة، لكنه غير قادح في إجماع أهل العصر الثاني والثالث، وحصول الإجماع بعد الخلاف جائز- على ما ستعرف ذلك في الإجماع إن شاء الله تعالى. وثانيها: قالوا: إن أحوال ورود الخاص مع العام منحصرة في المقارنة،

стр. 1534

والتقدم، والتأخر، وقد دللنا أن العام يبنى على الخاص في الأحوال الثلاثة فكذا في حالة الجهل بالتاريخ، ضرورة أنه لا يخلو عن الأحوال الثلاثة. وهذا الاستدلال لا يستقيم في وجود التعارض كلها، بل إنما يستقيم في المتساويين في القوة والضعف، وفي المختلفين فيهما، فيما إذا كان العام مظنونا، والخاص مقطوعا مطلقا، لأنه كيف ما فرض حال من الأحوال من المقارنة والتقديم، والتأخير، قبل حضور وقت العمل، أو بعده، يكون العام مبنيا على الخاص، على ما ذكروا من الدلالة عليه. أما إذا كان العام مقطوعا، والخاص مظنونا فلا، بل إنما يستقيم في الأحوال الثلاثة، وهي ما إذا كان الخاص مقدما، والعام متأخرا عن وقت خطابه فقط، أو عن وقت عمله، أو كان الخاص متأخرا عن العام، لكنه ورد قبل حضور وقت العمل به. أما إذا كان بعد حضور وقت العمل به فلا يستقيم فيه هذا الاستدلال، لأنهم ما دلوا عليه ولا يبنى العام عليه وفاقا، إذ يلزم منه نسخ المقطوع بالمظنون، وهو باطل باتفاق المذهبين. وثالثها: أن العموم يخص بالقياس مطلقا، فكذا بخبر الواحد، بل أولى، لأنه أرجح من القياس. وهو ضعيف، لأنهم: إن أرادوا بذلك حالة/ (٦٦/ ب) الجهل بالتاريخ، وغيرها فممنوع، وهذا لأنه إنما يجوز تخصيص العام به عندنا: لو علم أن

стр. 1535

أصل ذلك القياس متأخر عن العام، أما إذا علم تقدمه عليه، أو جهل التقدم والتأخر فلا. فرع: اعلم أن أبا حنيفة وأصحابه- رحمهم الله تعالى- لما اعتقدوا أن الواجب في حالة الجهل بالتاريخ، إنما هو التوقف إلى ظهور المرجح، أو التاريخ أو يرجع إلى غيرها من الدليل، ذكروا في الترجيح وجوها: أحدها: اتفاق الأئمة على العمل بأحدهما، لخبر الوسق وهو قوله: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق". وثانيهما: عمل أكثر الأمة بأحد الخبرين وعيبهم على من لم يعمل به كخبر أبي سعيد في الربا، فإن عمل أكثر الأمة به، وأنهم عابوا ابن عباس

стр. 1536

رضي الله عنه حين ترك العمل به، وتعلق بقوله ﵇: (لا ربا إلا في النسيئة).

стр. 1537

وثالثها: أن تكون رواية أحدهما أشهر. ورابعها: أن يكون أحدهما بيانا للآخر، إما بالاتفاق، أو لدلالة تدل عليه، كاتفاقهم على "أن" قوله ﵇: "لا قطع إلا "في" ثمن المجن أو في ربع دينار أو إلا في عشرة دراهم) على ما يرويه الحنفية بيان لآية السرقة.

стр. 1538

وخامسها: أن يكون مضمون أحد الخبرين حكما شرعيا دون الآخر "وهذه الأمور كلها أمارات على تأخر أحد الخبرين" كما قاله أبو الحسين البصري. فإنه لو لم يكن متأخرا، لما اتفق على عمله كل الأمة، أو أكثرهم مع عيبهم على من ترك العمل به، ولما كان نقله أشهر ولا اتفق على كونه بيانا للآخر، وكونه متضمنا للحكم الشرعي، أمارة لكونه متأخرا عن الذي يتضمن حكما عقليا [تقليلا] للنسخ. وفيه كلام سيأتي في التراجيح إن شاء الله تعالى.

стр. 1539

المسألة الثامنة في أنه يجوز تخصيص كتاب الله تعالى والسنة، بالإجماع . والدليل عليه وجوه: أحدها: الإجماع، فإنا لا نعرف في ذلك خلافا بين القائلين بكون الإجماع حجة. وثانيها: الوقوع، فإنهم خصصوا آية القذف، وآية الزنا، بإجماعهم على أن العبد كالأمة في تنصيف الجلد في الزنا والقذف، والوقوع دليل الجواز وزيادة.

стр. 1540

وثالثها: أن الإجماع دليل قاطع، فجاز تخصيص الكتاب والسنة به، كما جاز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، بل أولى إذ السنة قابلة للتأويل، والإجماع غير قابل لذلك. وأما/ (٢٦٧/ أ) تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة فغير جائز، لاستحالة أن ينعقد الإجماع على خلاف الكتاب والسنة، وأما تخصيص نص أهل الإجماع على الإجماع فجائز، لكن ليس ذلك تخصيص الإجماع، بل هو تخصيص للفظ أهل الإجماع وبينهما فرق.

стр. 1541

المسألة التاسعة في أن تخصيص الكتاب والسنة هل يجوز بفعل الرسول أم لا ؟ وتحقيق القول في ذلك، أن يقال: إن ذلك العام الذي صدر فعله ﵇ مخالفا له، إما أن يكون متناولا له وللأمة، أو للأمة فقط. فإن كان الأول: كما إذا فرض أنه قال: حرم الله تعالى كشف الفخذ، أو الوصال على كل مكلف، ثم روى أنه كشف فخذه بحضور أبي بكر وعمر ﵄.

стр. 1542

وروي أنه واصل. فلا شك أن فعله مخصص له عن عموم ذلك الخطاب. ثم إن دل دليل على أن كل من سواه من المكلفين مساو له في ذلك الحكم، إما على سبيل الخصوصية كالخبر الدال على وجوب التأسي به في الصلوات والحج، أو على سبيل العموم بالنسبة إلى ذلك الحكم وغيره

стр. 1543

كآية التأسي، كان ذلك نسخا للحكم، فعلى هذا يعتبر في ذلك الدليل، وذلك الفعل ما يعتبر في الناسخ من التساوي في القوة، وكونه واردًا بعد وقت العمل بالعام، على رأي من يشترط ذلك، فإن الناسخ هو مجموعها في الحقيقة، إذ لولا واحد منهما لما ثبت النسخ، مع أن لكل واحد منهما مدخلا في النسخ، وكيف ينكر مدخليه الفعل في النسخ مع أنه هو المثبت بالذات كضد حكم ذلك العام. والدليل الذي دل على شرعيته في حق الكل غير مثبت له بالذات، فإن حصل هذه الشرائط صير إليه إلا لم يقبل، فيكون الفعل مخصصا له ﵇ فقط، وإن دل على أن بعض من سواه من المكلفين كذلك، كان ذلك تخصيصا في حقهم أيضا، وإن لم يوجد دليل على شيء من ذلك لم يجز التخصيص ولا النسخ به في حق غيره. وإن كان الثاني: كما إذا فرض أنه قال: نهيتكم عن كشف الفخذ، أو عن الوصال، ثم روى عنه ﵇ فعلهما، إذ المخاطب لا يدخل في مثل هذا الخطاب، ففعله في هذه الصورة لا يكون مخصصا له، لأنه لم يدخل تحت العام، فكيف يفعل تخصيصه عنه. وهل يكون تخصيصا أو نسخا في حق الأمة؟ فعلى التفصيل السابق. وعند هذا ظهر أنه لا معنى لإنكار من أنكر التخصيص، أو النسخ بالفعل

стр. 1544

على الوجه المذكور. أو توقف في ذلك. زعما منه أن المخصص بالحقيقة إنما هو ذلك الدليل الذي دل/ (٢٦٧/ ب) على مساواة الأمة للنبي ﵇ في ذلك الفعل وغيره نحو قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾، وهو أعم من ذلك العام، ضرورة أنه إنما يدل على نوع من أنواع الحكم، نحو الإباحة، أو التحريم، أو غيرهما، في قسم من الأقسام نحو العبادات، أو المعاملات، بخلاف ذلك الدليل، فإنه يعم الكل فتخصيصه به تخصيص العام بما هو أعم منه، وأنه غير جائز، وهذا مع ضعفه [على] ما عرفت غير آت في النسخ، إذ نسخ العام بالعام أو بما هو أعم منه جائز، نعم لو قيل: [بالعمل] به لا على وجه النسخ، بل على وجه التعارض والترجيح يتأتى ذلك، إذ ليس ترجيح أحد العاملين على الآخر أولى من العكس، فيجب التوقف.

стр. 1545

وجواب. الكل هو ما تقدم من أن المخصص والناسخ إنما هو ذلك الدليل مع ذلك الفعل، وهما أخص من ذلك العام. المسألة العاشرة إذا فعل واحد بحضرة الرسول فعلا، يخالف مقتضى العموم، وهو ﵇ غير ذاهل عنه ولم ينكر عليه، دل ذلك على أنه مخصوص من ذلك العام، إن كان ذلك قبل حضور وقت العمل به . لكنه ينفرد بذلك أو لا يتفرد به، وعند ذلك ماذا يكون حكمه، فعلى ما تذكره، ثم إن وجد في ذلك الشخص معنى مناسب لإحالة التخصص إليه، كان ذلك تخصيصا في حقه، وفي حق كل من يشاركه في ذلك المعنى على رأي من يجوز تخصيص العام بالقياس، لكن يشترط أن لا يستوعب ذلك المعنى جميع أفراد العام، فإنه إذ ذاك يتعذر الحمل على التخصيص، إذ لم يبق شيء من أفراده، بل يكون ذلك نسخا، إن جوز النسخ قبل حضور وقت العمل، وبالقياس والاقتصار إلى التعارض، أو يلغى المعنى المناسب ليقتصر
следующие страницы →