Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
المسألة التاسعة
في أن تخصيص الكتاب والسنة هل يجوز بفعل الرسول أم لا ؟
وتحقيق القول في ذلك، أن يقال: إن ذلك العام الذي صدر فعله ﵇ مخالفا له، إما أن يكون متناولا له وللأمة، أو للأمة فقط.
فإن كان الأول: كما إذا فرض أنه قال: حرم الله تعالى كشف الفخذ، أو الوصال على كل مكلف، ثم روى أنه كشف فخذه بحضور أبي بكر وعمر ﵄.
стр. 1542
وروي أنه واصل.
فلا شك أن فعله مخصص له عن عموم ذلك الخطاب.
ثم إن دل دليل على أن كل من سواه من المكلفين مساو له في ذلك الحكم، إما على سبيل الخصوصية كالخبر الدال على وجوب التأسي به في الصلوات والحج، أو على سبيل العموم بالنسبة إلى ذلك الحكم وغيره
стр. 1543
كآية التأسي، كان ذلك نسخا للحكم، فعلى هذا يعتبر في ذلك الدليل، وذلك الفعل ما يعتبر في الناسخ من التساوي في القوة، وكونه واردًا بعد وقت العمل بالعام، على رأي من يشترط ذلك، فإن الناسخ هو مجموعها في الحقيقة، إذ لولا واحد منهما لما ثبت النسخ، مع أن لكل واحد منهما مدخلا في النسخ، وكيف ينكر مدخليه الفعل في النسخ مع أنه هو المثبت بالذات كضد حكم ذلك العام.
والدليل الذي دل على شرعيته في حق الكل غير مثبت له بالذات، فإن حصل هذه الشرائط صير إليه إلا لم يقبل، فيكون الفعل مخصصا له ﵇ فقط، وإن دل على أن بعض من سواه من المكلفين كذلك، كان ذلك تخصيصا في حقهم أيضا، وإن لم يوجد دليل على شيء من ذلك لم يجز التخصيص ولا النسخ به في حق غيره.
وإن كان الثاني: كما إذا فرض أنه قال: نهيتكم عن كشف الفخذ، أو عن الوصال، ثم روى عنه ﵇ فعلهما، إذ المخاطب لا يدخل في مثل هذا الخطاب، ففعله في هذه الصورة لا يكون مخصصا له، لأنه لم يدخل تحت العام، فكيف يفعل تخصيصه عنه.
وهل يكون تخصيصا أو نسخا في حق الأمة؟
فعلى التفصيل السابق.
وعند هذا ظهر أنه لا معنى لإنكار من أنكر التخصيص، أو النسخ بالفعل
стр. 1544
على الوجه المذكور.
أو توقف في ذلك. زعما منه أن المخصص بالحقيقة إنما هو ذلك الدليل الذي دل/ (٢٦٧/ ب) على مساواة الأمة للنبي ﵇ في ذلك الفعل وغيره نحو قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾، وهو أعم من ذلك العام، ضرورة أنه إنما يدل على نوع من أنواع الحكم، نحو الإباحة، أو التحريم، أو غيرهما، في قسم من الأقسام نحو العبادات، أو المعاملات، بخلاف ذلك الدليل، فإنه يعم الكل فتخصيصه به تخصيص العام بما هو أعم منه، وأنه غير جائز، وهذا مع ضعفه [على] ما عرفت غير آت في النسخ، إذ نسخ العام بالعام أو بما هو أعم منه جائز، نعم لو قيل: [بالعمل] به لا على وجه النسخ، بل على وجه التعارض والترجيح يتأتى ذلك، إذ ليس ترجيح أحد العاملين على الآخر أولى من العكس، فيجب التوقف.
стр. 1545
وجواب. الكل هو ما تقدم من أن المخصص والناسخ إنما هو ذلك الدليل مع ذلك الفعل، وهما أخص من ذلك العام.
المسألة العاشرة
إذا فعل واحد بحضرة الرسول فعلا، يخالف مقتضى العموم، وهو ﵇ غير ذاهل عنه ولم ينكر عليه، دل ذلك على أنه مخصوص من ذلك العام، إن كان ذلك قبل حضور وقت العمل به .
لكنه ينفرد بذلك أو لا يتفرد به، وعند ذلك ماذا يكون حكمه، فعلى ما تذكره، ثم إن وجد في ذلك الشخص معنى مناسب لإحالة التخصص إليه، كان ذلك تخصيصا في حقه، وفي حق كل من يشاركه في ذلك المعنى على رأي من يجوز تخصيص العام بالقياس، لكن يشترط أن لا يستوعب ذلك المعنى جميع أفراد العام، فإنه إذ ذاك يتعذر الحمل على التخصيص، إذ لم يبق شيء من أفراده، بل يكون ذلك نسخا، إن جوز النسخ قبل حضور وقت العمل، وبالقياس والاقتصار إلى التعارض، أو يلغى المعنى المناسب ليقتصر
стр. 1546
الحكم عليه، فيكون ذلك تخصيصا في حقه فقط.
وإن كان ذلك بعد حضور وقت العمل بالعام، فلا يمكن حمله على التخصيص، إذ البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة وفاقا، فكان ذلك نسخا للحكم في حقه لا محالة.
وهل يكون نسخا في حق الباقين أم لا؟
فمن رأى عموم قوله ﵇: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" مع أنه ﵇ لم يبين تخصيصه بذلك جعله نسخا في حق الباقين أيضا لأنه لو كان مختصا به لوجب عليه أن يبينه دفعا لمحذور التلبيس.
ومن لم ير تعميمه بناء على أن المفرد المضاف لا يعم، لا يجعله نسخا في حق الباقين، إذ التخصيص إنما يحتاج إليه إذا كان/ (٢٦٨/ أ) ثمة ما يوجب التعميم، إما على سبيل القطع، أو على سبيل الظن، وهو غير حاصل فيما نحن فيه، فعدم بيان التخصيص لا يدل على تعميم الحكم، فلا يجعل ذلك نسخا في حق الكل.
وهذا فيه نظر، لأنا نمنع أنه إنما يحتاج إلى بيات التخصيص إذا كان ثمه ما يوجب التعميم على القطع أو الظن، وهذا لأنه يحتاج إليه حيث يوهم ذلك دفعا لإيهام الباطل، ولا يمكن إنكار قيام الإيهام فيما نحن فيه.
سلمنا أنه إنما يحتاج إليه عند قيام ما يقتضي غلبة الظن بذلك، لكن لا
стр. 1547
نسلم أنه غير حاصل فيما نحن فيه، غاية ما في الباب أنه غير حاصل من الحديث، ولا يلزم منه أن لا يحصل أصلا لجواز أن يحصل من دليل آخر، وهو "غير" حاصل هنا.
وبيانه: أن الغالب في الأحكام المشروعة إنما هو التعميم لا التخصيص، وإلحاق الفرد بالأعم والأغلب أولى من إلحاقه بالنادر، فهذا يقتضي غلبة الظن بشرعية ذلك الحكم في حق الباقين، فيكون نسخا في حق الكل، ثم الدليل على ما ذكرنا أن فعله لو كان منكرا لما جاز للنبي ﵇ السكوت.
أما أولا: فلما أن النهي عن المنكر واجب.
وأما ثانيا: فلأن سكوته يغلب على الظن جوازه.
وهب أنه لم يغلب جوازه، لكن لا أقل من أن يوهم جوازه، ودفع إيهام الباطل واجب حيث لا يدل على نفيه.
فإن قلت: فلو كان تقدم من النبي- ﵇ إنكار ذلك الفعل على التعميم ينبغي أن لا يجب عليه- صلوات الله عليه والسلام- الإنكار، إذ الظن الغالب أو الإيهام بجوازه من مندفع بذلك الإنكار السابق، فلعله- ﵇ اكتفى بذلك ولم يجدد الإنكار، فعلى هذا ينبغي أن ينعطف هذا ضدا في المسألة، بأن يقال: مع [عدم] الإنكار عليه سابقا.
قلت: لو كفى ذلك فيه لكفى العام نفسه، فإن مقتضى العموم إذا كان الوجوب على سبيل التعميم كان متضمنا للإنكار على فعل ضده قطعا فليكتف به، ثم السبب في عدم اشتراط ذلك هو أنه كما يحتمل تخصيصه عن مقتضى
стр. 1548
العام بسبب فعله والسكوت عنه أو كونه منسوخا عنه، يحتمل أيضا: أن يكون كذلك عن الإنكار السابق الذي صدر على سبيل التعميم، لأنه إذا فعل بحضرته ما أنكر عليه من قبل ولم ينكر عليه إذ ذاك احتمل أن يكون مخصوصا عن عن ذلك الإنكار أو نسخ عنه/ (٢٦٨/ ب) حكم، وإذا كان احتمال التخصيص أو النسخ بعينه قائما فيه لم يكن في اشتراطه فائدة فلم يشترط ذلك.
المسألة الحادية عشرة
[التخصيص بمفهوم الموافقة]
لا يستراب في جواز التخصيص بمفهوم الموافقة، سواء قيل إن دلالته،
стр. 1549
لفظية أو معنوية، لأنه أقوى دلالة من المنطوق على ثبوت الحكم، إذ الحكم فيه أولى بالثبوت ونفيه مع ثبوت حكم المنطوق يعود بعضا على البعض في الأكثر بخلاف نفي الحكم عن بعض المنطوق وإثباته في البعض.
وكذلك بمفهوم المخالفة عند القائلين به.
وعلى هذا الأصل بنى الشافعي ﵁ مذهبه في المياه، فإنه خصص عموم قوله ﵇ "خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه".
стр. 1550
.............................................................................
стр. 1551
بمفهوم قوله ﵇: "إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل خبثا".
стр. 1552
والسبب في ذلك هو مفهوم المخالفة، وإن كانت دلالته أضعف من دلالة المنطوق، بدليل أنه يرجح المنطوق عند تعارضهما عموما أو خصوصا، وأنه مفتقر في دلالته إلى المنطوق من غير عكس، لكنه خاص العمل به يستلزم العمل بالدليلين من وجه، والعمل بالعام يستلزم إلغاءه بالكلية، فكان "هو" راجحا بهذا السبب.
وبهذا عرف اندماج ما ذكره الإمام من الإشكال عليه، ولا يبعد فيه
стр. 1553
خلاف بين القائلين به، وإن كنا لا نعرف فيه، إذ ليس هو أقوى من الخبر والقياس وفي التخصيص بهما خلاف بين القائلين بكونهما حجة.
المسألة الثانية عشرة
[في حكم تخصيص عموم الكتاب والسنة والمتواترة بالقياس]
يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة، بالقياس مطلقا، عند الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، وأبي الحسن الأشعري، وجماعة من المعتزلة: كأبي هاشم في إحدى
стр. 1554
الروايتين، وأبي الحسين البصري، والقاضي عبد الجبار الهمذاني، رحمهم الله تعالى.
وذهب جماعة من الفقهاء، كأهل العراق من الحنفية، وجماعة من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم فيما روى عنه أولا: إلى المنع مطلقا.
ومنهم من فصل وذكروا فيه وجوها:
أحدها: وهو قول ابن سريج وجماعة من أصحابنا أنه يجوز بالقياس الجلي دون الخفي.
واختلف هؤلاء في تفسير [الجلي، والخفي، فقال: بعضهم الجلي قياس
стр. 1555
العلة، والخفي قياس الشبه.
وقيل الجلي ما تتبادر] علته إلى الفهم عند سماع الحكم نحو إعظام الأبوين عند سماع قوله تعالى ﴿فلا تقل لهما أف﴾ ونحو اندهاش العقل عند تمام الفكر عند سماع/ (٢٦٩/ أ) قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان".
والخفي ما ليس كذلك.
[وقيل الجلي ما لو قضى القاضي بخلافه لنقض قضاؤه، والخفي ما ليس
стр. 1556
كذلك]، وهو قول الإصطخري رحمه الله تعالى.
وفي هذا التعريف نظر: لأنه ليس كل ما لو قضى القاضي بخلافه لنقض قضاؤه قياسا جليا، فإن القضاء الذي يكون بخلاف الخبر الصريح وإن كان خبرًا واحدًا ينقض، مع أنه ليس بقياس، فليس المراد من كلمة "ما" العموم، بل الخصوص، وهو القياس، ويكون التقدير الجلي: هو القياس الذي لو قضى القاضي بخلافه لنقض قضاؤه، وحينئذ يلزم تعريف الشيء بما لا يعرف إلا به لأنه لا يعرف القضاء الذي بخلاف القياس ينقض إلا بالقياس الجلي، فتعريف القياس الجلي به تعريف بما لا يعرف إلا به وهو باطل.
стр. 1557
وثانيها: وهو قول الغزالي- ﵀ أنه يرجح الأقوى منها في إفادة الظن، وتعرف القوة والضعف بقلة تطرق التخصيص وكثرته، وإن تعادلا فالتوقف.
وثالثها: وهو قول عيسى بن أبان: أنه إن تطرق التخصيص إليه، سواء كان بمتصل، أو بمنفصل جاز تخصيصه بالقياس وإلا فلا.
ورابعها: وهو قول الكرخي: أنه إن تطرق التخصيص إليه بمنفصل جاز تخصيصه ("به" وإلا فلا].
وذهب القاضي، وإمام الحرمين- رحمهما الله تعالى- إلى القول بالتوقف.
стр. 1558
قال إمام الحرمين: يحصل مقصود المخصص من وجه دون وجه، لأنه من حيث إنه لا يحكم في محل التعارض بمقتضى العموم يحصل مقصوده، ومن حيث إنه لا يحكم بمقتضى القياس فيه أيضا لا يحصل مقصوده، هذا كله في القياس المستنبط من الكتاب، وعموم "السنة" المتواترة، أو عموم خبر الواحد، فأما القياس المستنبط من خبر الواحد، بالنسبة إلى عموم خبر الواحد، فعلى الخلاف السابق أيضا، وأما بالنسبة إلى عموم الكتاب فيترتب على جواز تخصيصه بخبر الواحد، فمن لا يجوز ذلك لا يجوز تخصيصه بالقياس المستنبط منه بطريق الأولى، وأما من يجوز ذلك فيحتمل أن لا يجوز ذلك لزيادة الضعف، ويحتمل أن يجوز ذلك أيضا، كما في القياس المستنبط من الكتاب إذ قد يكون قياسه أقوى قوة من عموم الكتاب، بأن يكون قد تطرق إليه تخصيصات كثيرة، ويحتمل أن يتوقف فيه لتعادلهما إذ قد يظهر له ذلك.
لنا وجهان/ (٢٦٩/ ب).
أحدهما: ما تقدم غير مرة، من أن تقديم العام على الخاص يوجب إلغاء الخاص بالكلية، وتقديم الخاص عليه لا يوجب ذلك، فكان ذلك أولى.
وثانيهما: أن العام يحتمل التجوز، ويحتمل الخصوص احتمالاً ظاهراً،
стр. 1559
بناء على ما تقدم، أنه ما من عام إلا وقد خص عنه البعض، والقياس لا يحتمل ذلك فكان أولى.
احتجوا بوجوه:
أحدها: حديث معاذ، فإنه دل على تقديم الكتاب والسنة على القياس والقول بتخصيص عموم الكتاب بالقياس تقديم للقياس على
стр. 1560
...........................................................................
стр. 1561
الكتاب وأنه خلاف النص فكان باطلا.
وجوابه: أنه بعينه يقتضي أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة وإن كانت متواترة، وهو باطل بالإجماع، فما هو جوابكم عنه فهو جوابنا.
فإن قلت: مقتضى الدليل أن لا يجوز ذلك، لكن ترك العمل به في السنة لإجماع الصحابة على جواز التخصيص بها لما تقدم فيبقى فيما عداه على الأصل.
قلت: المعنى الذي لأجله أجمعوا عليه، وهو أن لا يلزم الترك بمقتضى الدليل بالكلية قائم "ما" هنا، فيلزم من جواز التخصيص به جواز التخصيص بالقياس.
وثانيها: أن العام في دلالته على محل التعارض، لا يخلو، إما أن يكون راجحا على القياس، أو مساويا، أو مرجوحا.
فإن كان الأول، وجب العمل به، وامتنع تخصيصه "به ضرورة أن العمل بالراجح واجب.
وإن كان الثاني: وجب التوقف إذ ليس العمل بأحدهما أولى من العمل بالآخر.
стр. 1562
وإن كان الثالث: وجب تخصيصه" وتقديمه عليه، لكن لا شك في أن وقوع احتمالين من الثلاثة أغلب على الظن، من "وقوع" احتمال واحد منها، فيكون عدم تخصيصه به أغلب على الظن، فيكون العمل به واجبا، إذ العمل بما هو غالب الظن واجب.
وجوابه: أن ما ذكرتم إنما يسلم في الاحتمالات المتساوية في المصلحة، أو المفسدة، فأما في المتقاومة في ذلك، فلا نسلم ذلك فيه، وهذا لأنه رب احتمال واحد قد يغلب على الظن وجوده بالنسبة إلى مقاصد الشرع على الاحتمالات الكثيرة، بناء على اشتماله على مصلحة راجحة.
على تلك الاحتمالات ولا شك أن احتمال التخصيص، راجح في المصلحة على احتمال الإلغاء، وعلى احتمال الترك بالدليلين.
وثالثها: أن الحكم المدلول عليه بالعموم معلوم، والحكم المدلول عليه/ (٢٧٠/ أ) بالقياس مظنون، والمعلوم راجح على المظنون.
وجوابه: منع أن الحكم المدلول عليه بالعموم معلوم، وهذا لأن العام عن الكتاب والسنة المتواترة، وإن كان مقطوع المتن، لكنه مظنون الدلالة على العموم: إذ هو مبني على عدم المخصص وهو ظني.
سلمنا: ذلك لكنه لا فرق بينهما، وقد عرفت دليل ذلك في مسألة أنه يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد فلا نعيده.
стр. 1563
ورابعها: أن القياس فرع النص، وتقديم الفرع على الأصل غير جائز.
وجوابه: أنه فرع نص "آخر" لا فرع المخصوص به، حتى يلزم ما ذكرتم من تقديم الفرع على الأصل.
وخامسها: أن الإجماع حاصل على أن من شرط القياس أن لا يرده النص، وإذا كان مقتضى العموم مخالفا له، فقد رده فلم يصح العمل به.
وجوابه: أن النص إنما يرد القياس أن لو كان القياس رافعا لكل مقتضاه، أما إذا كان رافعا لبعض مقتضاه فلا نسلم أن النص حينئذ يرده، وهذا لأنه حينئذ بيان له والمبين لا يرد المبين، وبتقدير أن يكون ذلك "ردا" بناء على ظاهر التعميم، لكن لا نسلم أن الإجماع منعقد على أن من شرط صحة القياس أن لا يرده النص مثل هذا الرد، وإنما الذي يسلم حصوله عليه هو الرد بالمعنى الأول لا غير.
стр. 1564
وسادسها: أن جهة الضعف في العام المقطوع المتن منحصرة في أمرين:
أحدهما: احتمال التخصيص.
وثانيهما: احتمال التجوز، وفي غيره في الثلاثة الاحتمالات المذكوران مع احتمال كذب الناقل.
وأما في القياس فكثيرة:
أحدها: هذه الثلاثة، والاثنان، لأن أصل القياس لابد وأن يكون نصا.
وثانيها: احتمال ألا يكون معللا بعلة أصلا.
وثالثها: أنه وإن كان معللا بعلة، لكن يحتمل أن يكون غير ما ظنه القائس عليه.
رابعها: أنها وإن كانت ما ظنه القائس علة، لكن يحتمل أن لم يصادفها على طريقها، إما بأن يكون ليس أهلًا لذلك، أو وإن [كان] أهلًا له، لكنه أخطأ في طريق إثباتها.
وخامسها: أنه وإن صادفها بطريقها، لكنه يحتمل أن تكون موجودة في الفرع، مع أنه قد ظن وجودها فيه.
стр. 1565
وسادسها: أنها وإن وجدت في الفرع، لكن ربما لم يوجد فيه شرط الحكم، أو أن وجد شرطه، لكن وجد فيه مانع منه، مع أنه قد ظن حصول الشرط وعدم المانع، وإذا كان/ (٢٧٠/ ب) كذلك كان القياس أضعف من العام، لاسيما من المقطوع متنه فلم يجز تقديمه عليه، إذ العمل بالمرجوح مع وجود الراجح غير جائز.
وجوابه من وجوه:
أحدها: أن كميات المقدمات، قد تصير معارضة لكيفياتها، فمقدمات القياس، وإن كانت كثيرة، لكنها قد تكون أقوى من مقدمات العام القليلة، بحيث تصير مع كثرتها بسبب كيفياتها معادلة للمقدمات القليلة التي للعام أو راجحة عليها وهذا، فإنه لا يخفى على ذي لب، أن دلالة قياس "الأرز" على "البر" على تحريم بيعه متفاضلا، أقوى بالنسبة إلى دلالة قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ على جواز بيعه، كذلك وإذا كان كذلك وجب تقديمه عليه.
وعند هذا ظهر أن الحق ما ذهب إليه الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى.
стр. 1566
وثانيها: أنا نسلم أن العام أرجح من القياس مطلقا، ولهذا لا يقدم قياس على عام، وإن كان خبرًا واحدًا عند تعارضهما بالكلية، لكن في تقديمه على القياس إلغاء القياس بالكلية، لكن في تقديمه على القياس إلغاء القياس بالكلية، وفي تقديم القياس عليه على وجه التخصيص ليس ذلك، فكان تقديمه عليه أولى، لأن مفسدة الترك بمقتضى الدليل بالكلية تربو على مفسدة تقديم المرجوح على الراجح في بعض مقتضيات الراجح، بدليل أنه يخص العموم بما أنه لو وقع التعارض بينه وبين العام تعارضا يمتنع الجمع بينهما، لكان تقديم العام واجبا كالفعل إذا دل دليل على تعميمه وكالمفهوم، وقول الصحابي عند من يقول بكونهما حجة.
وثالثها: النقض بجواز تخصيص المقطوع من الكتاب والسنة بالخبر المظنون، وقد سلم ذلك كثير ممن منع تخصيص العام بالقياس.
وسابعها: أنه لو جاز التخصيص بالقياس، لجاز النسخ به، بجامع
стр. 1567
تقديم الخاص على العام واللازم باطل، فالملزوم مثله.
وجوابه ما تقدم غير مرة.
وأما حجة من فرق بين القياس الجلي والخفي: فهي أن الجلي أقوى من العموم، بدليل أنه يتبادر فيه الذهن إلى فهم العلة عند سماع الحكم، بخلاف العموم فإنه قل ما يتبادر الفهم إلى التعميم عند سماع العام، بسبب كثرة تطرق التخصيص إلى العمومات، وإذا كان أقوى وليس في تقديمه على العام إلا مفسدة التخصيص/ (٢٧١/ أ) بخلاف تقديم العام عليه، فإن فيه مفسدة التعطيل وجب تقديمه عليه.
وأما مأخذ ما اختاره الغزالي- رحمه الله تعالى- فظاهر جدا.
وأما مأخذ عيسى بن أبان، والكرخي، والقاضي- ﵏ فما سبق في خبر الواحد.
وأما إمام الحرمين: فإنه لم يتوقف في جواز تخصيص الكتاب بالسنة، بل جزم بجوازه، وتوقف هنا فمأخذه في ذلك: هو أنه زعم أن مقتضى الدليل التوقف في خبر الواحد أيضا.
كما قال القاضي أبو بكر- رحمه الله تعالى- لكن ترك مقتضاه
стр. 1568
الإجماع الصحابة وهو غير حاصل في القياس فوجب أن يبقى على الأصل.
وجوابه: أن ما لأجله أجمعوا عليه حصل هنا، وإن لم يكن الإجماع حاصلا فوجب تقديمه عليه كالخبر.
стр. 1569
الفصل السادس
فيما ظن أنه من مخصصات العموم مع أنه ليس كذلك
وفيه مسائل:
стр. 1570
الفصل السادس
فيما ظن أنه من مخصصات العموم مع أنه ليس كذلك
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
[في حكم عطف الخاص على العام]
عطف الخاص على العام لا يوجب تخصيص العام عندنا.
خلافا لأبي حنيفة وأصحابه- ﵏.
وتوقف فيه بعض المتكلمين.
مثاله: قوله ﵇: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده".
стр. 1571
فإنه لو وقع الاتفاق على أن المراد من قوله: "ولا ذو عهد في عهده" هو أن لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر إذ لا موجب لهذا الإضمار لأنه كلام تام بدونه سوى زيادة المناسبة، وهي قرينة ضعيفة لا تقتضي الإضمار، فهل يقتضي ذلك تخصيص الكافر بالحربي في قوله "لا يقتل مسلم بكافر" فإنه عام إذ النكرة في سياق النفي تعم بناء على أن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي فقط بالإجماع.
فعندنا "لا" ولهذا لا يقتل مسلم بكافر حربيا كان أو ذميا إجراء لعموم قوله ﵇: "لا يقتل مسلم بكافر" وعندهم نعم: ولهذا يقتلون المسلم بالذمي، والمراد من الكفار في قوله: "لا يقتل مسلم بكافر" هو الحربي عندهم لقرينة عطف الخاص عليه، وهو الحربي.
стр. 1572
لنا وجوه:
أحدها: أن المقتضى للتعميم قائم، وهو اللفظ العام، والمعارض الموجود وهو عطف الخاص عليه لا يصلح أن يكون معارضا له، لأن مقتضى العطف هو الإشراك بين المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم الذي عطف عليه، لا الاشتراك فيه من جميع/ (٢٧١/ ب) الوجوه، وإذا كان كذلك لم يكن عطف الخاص منافيا لتعميم المعطوف عليه، فلم يصلح معارضا له، وإذا وجد المقتضى للتعميم ولم يوجد المعارض له وجب القول بالتعميم، لأن المقتضى لا ينفك عن المقتضى إلا لمعارض.
وثانيها: أنه إن لم يرد في استعمالاتهم عطف الخاص على العام مخصصا له لم يجز جعله مخصصا له، لأنه خلاف استعمالاتهم، وهو يقتضي عدم جواز استعمال في ذلك، فإن لم يقتض ذلك، فلا أقل من أن لا يقتضي وجوب ذلك، وإن ورد مخصصا له فقد ورد أيضا غير مخصص له، كما في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فإنه عام في الرجعية والبائن، وقوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾، خاص في الرجعية ولم يختص الأول بالإجماع، وعند ذلك، إما أن يجعل حقيقة فيهما بخصوصيتهما، وهو خلاف الأصل، أو في أحدهما دون الآخر وهو أيضًا خلاف الأصل فوجب جعله حقيقة فيهما بحسب قدر مشترك بينهما، وهو الاشتراك في أصل الحكم من غير أن يكون له دلالة على إثبات أو نفي
стр. 1573
أمر زائد عليه.
وثالثها: أنا لو جعلناه مقتضيا لذلك، فحيث لم يقتضى ذلك كما في الآية المتلوة لزم الترك بالدليل ولو لم يجعله مقتضيا لذلك فحيث اقتضى ذلك لم يلزم منه إلا إثبات أمر زائد عليه، بدليل آخر لم يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا بإثبات، ومعلوم أن لثاني أولى، فجعله غير مقتض لذلك أولى.
ورابعها: أن الاشتراك في الأصل الحكم الذي عطف عليه متيقن، وفي صفاته مشكوك فيه، وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن أول، فجعله حقيقة في الاشتراك في أصل الحكم أولى.
احتجوا بوجهين:
أحدهما: أن حرف العطف يجعل المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد وذلك يقتضي التسوية بينهما في الحكم وتفاصيله.
وجوابه: أن حرف العطف يقتضي ذلك، لكن فيما عطف عليه لا في غيره.
فلم فلتم: إنه عطف على الحكم وتفاصيله؟.
стр. 1574
ولم قلتم: إن ذلك مقتضى العطف حتى يلزم ما ذكرتم؟.
وثانيهما: أنه إما أن لا يضمر في المعطوف شيء مما تقدم في المعطوف عليه، وهو باطل ضرورة أنه غير مفيد حينئذ أو يضمر بعضه المعين، وهو/ (٢٧٢/ أ) أيضا باطل لعدم دلالة الكلام عليه، أو غير المعين وهو أيضا باطل لما فيه من الإجمال فلم يبق إلا أن يضمر الكل.
وجوابه: أنا نختار من الأقسام القسم الثاني.
قوله: إنه باطل لعدم دلالة الكلام عليه ممنوع، فإن الاشتراك في أصل الحكم مع عدم التعرض لإثبات النافي أو نفيه مقتضى العطف عندنا، فلم قلتم إنه ليس كذلك؟
стр. 1575
المسألة الثانية
[تخصيص العموم بمذهب الراوي الصحابي]
لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي الصحابي عندنا وعند أكثر الأصوليين.
خلافا للحنفية، والحنابلة.
ومنهم من فصل: فقال: قوم "إن وجد ما" يقتضي تخصيصه به لم يخص بمذهب الراوي، بل به إن اقتضاه عند الناظر فيه، وإلا خص بمذهبه وهو مذهب القاضي عبد الجبار.
стр. 1576
وقال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: إن علم من حاله أنه فعل ما يخالف الحديث نسيانًا، فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف، إذ لا يظن بعاقل أنه يرجح فعله إذ ذاك، ولو احتمل أن يكون فعله احتياطا، كما لو روى ما يقتضي رفع الحرج عن الفعل فيما يظن فيه التحريم، ثم رأيناه متحرجا عنه غير ملابس به له فالتعويل على الحديث، ويحتمل فعله على الورع والتعلق بالأفضل، وإن لم يحتمل شيء من ذلك لم يجز التعلق بالحديث.
مثاله: ما روى ابن عباس ﵁ عن النبي ﵇ إنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه" فهذا عام في الرجال والنساء.
стр. 1577
لكن من مذهبه أن المرتدة لا تقتل، فهل يخصص عمومه بمذهبه أم لا؟.
فعندنا لا. ولهذا تقتل المرتدة.
стр. 1578
وعندهم نعم، ولهذا لا يقتلونها.
وقد أورد الإمام رحمه الله تعالى، لهذا مثالا: خبر أبي هريرة فإنه روى عنه ﵇: أنه قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب".
ثم إن مذهبه الاكتفاء بالثلاث.
стр. 1579
فهل يجوز تخصيصه به حتى يجوز الاقتصار على الثلاث، فعلى
стр. 1580
الخلاف السابق.
وفي هذا المثال نظر: لأن أسماء الأعداد نصوص في مسمياتها، والنص لا يقبل التخصيص، إذ لا يجوز إطلاق العشرة وإرادة الخمسة منها، وإنما يقبل الاستثناء، وما يجري مجراه، فلا يكون المثال مطابقا.
نعم: قد يحسن إيراد ذلك مثالا: إذا صدرت المسألة هكذا: الراوي الصحابي إذا/ (٢٧٢/ ب) خالف الحديث، وفعل ما يضاده، فالتعويل على الحديث، أو على فعله، فعلى الخلاف نحو خبر أبي هريرة.
следующие страницы →