← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وقال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: إن علم من حاله أنه فعل ما يخالف الحديث نسيانًا، فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف، إذ لا يظن بعاقل أنه يرجح فعله إذ ذاك، ولو احتمل أن يكون فعله احتياطا، كما لو روى ما يقتضي رفع الحرج عن الفعل فيما يظن فيه التحريم، ثم رأيناه متحرجا عنه غير ملابس به له فالتعويل على الحديث، ويحتمل فعله على الورع والتعلق بالأفضل، وإن لم يحتمل شيء من ذلك لم يجز التعلق بالحديث. مثاله: ما روى ابن عباس ﵁ عن النبي ﵇ إنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه" فهذا عام في الرجال والنساء.

стр. 1577

لكن من مذهبه أن المرتدة لا تقتل، فهل يخصص عمومه بمذهبه أم لا؟. فعندنا لا. ولهذا تقتل المرتدة.

стр. 1578

وعندهم نعم، ولهذا لا يقتلونها. وقد أورد الإمام رحمه الله تعالى، لهذا مثالا: خبر أبي هريرة فإنه روى عنه ﵇: أنه قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب". ثم إن مذهبه الاكتفاء بالثلاث.

стр. 1579

فهل يجوز تخصيصه به حتى يجوز الاقتصار على الثلاث، فعلى

стр. 1580

الخلاف السابق. وفي هذا المثال نظر: لأن أسماء الأعداد نصوص في مسمياتها، والنص لا يقبل التخصيص، إذ لا يجوز إطلاق العشرة وإرادة الخمسة منها، وإنما يقبل الاستثناء، وما يجري مجراه، فلا يكون المثال مطابقا. نعم: قد يحسن إيراد ذلك مثالا: إذا صدرت المسألة هكذا: الراوي الصحابي إذا/ (٢٧٢/ ب) خالف الحديث، وفعل ما يضاده، فالتعويل على الحديث، أو على فعله، فعلى الخلاف نحو خبر أبي هريرة.

стр. 1581

لنا: أن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم يوجد له معارض فوجب الجري على موجبه. أما الأول: فظاهر. وأما الثاني: فلأنه لم يوجد ما يصلح أن يكون معارضا له سوى فعله، وهو غير معارض له إما بحسب ذاته فظاهر، وإما بحسب سنده، فلأن فعله

стр. 1582

لم يكن مستندا" إلى قاطع دال على أن المراد من ذلك العام الخاص، كما أنه لم يكن مستندا" إلى مجرد التشهي ومجرد إتباع الهوى، لظهور عدالته لأنه لو كان كذلك لبينه وأشهر، إزالة للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره، ولو كان كذلك لظهر، لأنه مما تتوفر الدواعي على "نقله، وحيث لم يظهر دل على أنه ما بينه وأشهره، بل يكون مستندا إلى" ما يظنه دليلا أقوى منه، فيحتمل أن يكون دليلا، ويحتمل أن لا يكون، وبتقدير أن يكون دليلا، يحتمل أن يكون أقوى منه، ويحتمل أن لا يكون. وإذا كان كذلك لم يكن فعله معارضا له بحسب سنده أيضا، إذ الاحتمالات متعارضة، ولو سلم أن الاحتمالين الأولين أظهر من مقابلتهما، لكن ليس ظهورهما بحيث يقام ظهور العام، إذ الدلالة اللفظية أظهر من القرينة التي ظاهر الحال. ولو سلم أن ظهورها مثل ظهوره، لكن حكمه في وجوب الإتباع مقصور في حقه دون غيره، إذ لا يجب على غيره متابعته مهما أدى اجتهاده إلى شيء بخلاف العام، فإن حكم ظهوره غير مقصود في حقه، بل يجب إتباعه على كل من اعتقد عمومه، فكان بالإتباع أولى. احتجوا: بأن مخالفة الراوي للحديث، إن كانت لا عن طريق قدح ذلك في عدالته، والقدح في عدالته في الخبر، فلم يجز العمل به فضلا عن أن

стр. 1583

يكون واجبا. وإن كانت عن طريق، ذلك الطريق ليس بمحتمل، ولو سلم أنه كذلك فالمقصود أيضا حاصل. أما الأول: فلأنه لو كان كذلك لبينه إزالة للتهمة عن نفسه والشبهة عن غيره، وإذا لم يكن محتملا كان قاطعا فيجب إتباعه إذ إتباع القاطع واجب. وأما الثاني: فلأنه حينئذ يجب تخصيصه به أيضا، كيلا يلزم الترك بذلك الدليل المحتمل. وجوابه/ (٢٧٣/ أ): أن لا نسلم أنه ليس بمحتمل، ولا نسلم أن المقصود حاصل على تقدير أن يكون محتملا. قوله: لو كان محتملا لبينه وأشهره. قلنا: متى إذا اتفق في ذلك مناظرة أو مطلقا. والأول: مسلم لكن لعلها لم تتفق. والثاني: ممنوع، وهذا لأنه لا يجب إتباعه عبثا فلا يجب إظهاره، بخلاف القاطع فإنه يجب إتباعه عبثا فيجب إظهاره. قوله: على تقدير أن يكون محتملا يجب تخصيصه به جمعا بين الدليلين. قلنا: على من ظهر له ذلك الدليل أو على الكل. والأول: مسلم. والثاني: ممنوع. فلم قلتم: إنه يجب علينا تخصيصه به، فإنه لم يظهر لنا ذلك.

стр. 1584

الدليل، ولم يجب علينا إتباعه. وأما تخصيص الخبر بمخالفة الصحابي الغير الراوي، هل يجوز أم لا؟ فمن لا يجوز بمخالفة الراوي لم يجوز بمخالفة الصحابي الغير الراوي بالطريق الأولى. وأما من يجوز تخصيصه به فمن قال منهم: إن قول الصحابي حجة خصص به، وإلا فلا. المسألة الثالثة في أن خصوص السبب لا يخصص عموم اللفظ وتحقيق القول في ذلك، أن يقال: الخطاب الذي يرد جوابا عن سائل الحكم، إما أن لا يكون مستقبلا بنفسه دون السؤال، أو يكون مستقلا بنفسه دونه. فإن كان الأول: فإما أن يكون [ذلك] الأمر يرجع إلى الوضع كقوله ﵇: حين سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا جف"؟ قالوا: نعم. قال: "فلا إذًا"، فقوله: "فلا إذًا" لا يفيد ما لم يعد السؤال فيه،

стр. 1585

وعدم إفادته أينما كان، لأنه لم يوضع لأن يعاد به، أو لا يكون لذلك بل للعرف والعادة، كقول: القائل: والله لا أكلت. في جواب من يقول له: "كل عندي" فإن قوله: "والله لا أكلت" يفيد بحسب الوضع، لأنه كلام تام يحسن السكوت عليه، لكن العرف والعادة اقتضى تخصيصه بالسؤال حتى صار تقديره والله لا أكلت عندك. ولهذا لا يعدونه مخالفا بالأكل عند غيره، وحكم الجواب في هذين القسمين، هو أن يكون تابعا للسؤال في العموم، والخصوص، لكن في أحدهما بحسب اللغة، وفي الآخر بحسب العرف. مثال العام من القسم الأول: ما سبق من الحديث. مثال الخاص منه: نحو قول: القائل: "لا" حين سئل أيجوز بيع هذا الرطب بهذا التمر؟. مثال العام من القسم الثاني: قول القائل/ (٢٧٣/ ب): "والله لا أكلت" حين قيل له كل عن الناس. مثال الخاص منه ما سبق.

стр. 1586

وإن كان الثاني: وهو أن يكون الجواب مستقلا بنفسه بدون السؤال، فهذا على أقسام أربعة: لأنه إما أن يكون مساويا له، أو أخص منه، أو أعم منه، أو أعم منه من وجه وأخص "منه" من وجه. ولنبين أمثلة هذه الأقسام وأحكامها. القسم الأول: وهو أن يكون الجواب مساويا له، وهو إما في العموم: نحو قوله ﵇: "من أفطر في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر" لو فرض أنه قال في جواب من سأله عمن أفطر في نهار رمضان. وأما في الخصوص: نحو قول القائل: يجب عليك كفارة الظهار، حين قال له: "ماذا يجب على وقد أفطرت في نهار رمضان؟ ". وحكمه ظاهر لا إشكال فيه. القسم الثاني: وهو أن يكون الجواب أخص منه، نحو قول القائل: من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر، في جواب من سأله عمن أفطر في نهار رمضان، وهذا الجواب إنما يجوز بثلاث شرائط. أحدها: أن يكون فيما خرج [من] الجواب تنبيه على ما لم يخرج منه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز. وثانيها: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد وإلا لم يفد التنبيه. وثالثها: أن لا يفوت وقت العمل بسبب اشتغال السائل بالاجتهاد، لئلا يلزم التكليف بما لا يطاق، وحكمه حينئذ في العموم والخصوص كحكم السؤال في

стр. 1587

ذلك، لكن لا يسمى عاما وإن كان السؤال عاما، لأن الحكم في غير محل التنصيص غير مستفاد من اللفظ، بل من التنبيه. والقسم الثالث: وهو أن يكون الجواب أعم منه، وهذا ينقسم إلى قسمين: لأنه إما أن يكون أعم منه فيما سئل عنه، لقوله ﵇: لما سئل عن بئر بضاعة: "خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه". أو في غير ما سئل كقوله ﵇: حين سئل عن التوضؤ بماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، وحكم هذا القسم التعميم بالنسبة إلى ما سئل عنه، وإلى غيره من غير خلاف، لأنه وارد ابتداء بالنسبة إلى غير المسؤول عنه، وأما بالنسبة إلى المسؤول عنه فللمطابقة.

стр. 1588

وأما القسم الأول: فقد اختلفوا فيه فذهب أبو حنيفة وأكثر الفقهاء ومعظم الأصوليين إلى تعميم حكمه.

стр. 1589

وذهب مالك، والمزني، وأبو ثور، وأبو بكر القفال، وأبو بكر الدقاق من أصحابنا إلى تخصيص حكمه بالمسؤول عنه.

стр. 1590

وعزى ذلك أيضا إلى الشافعي/ (٢٧٤/ أ) ﵁ وصحح إمام الحرمين نقل ذلك أيضا عنه. وعلى هذا الخلاف أيضا إذا ورد العام ابتداء على سبب خاص من غير

стр. 1591

سؤال، كقوله: ﵇: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" فإنه روى أنه قال ذلك حين مر بشاة ميمونة. ولنا وجوه: أحدها: أنا نعلم بالضرورة أنه يمكن أن يكون حكم غير

стр. 1592

المسؤول مساويا لحكم غير المسؤول عنه. ونعلم أيضا بالضرورة، أنه لا منافاة بينه وبين بيان حكمهما بلفظ واحد عام، وإذا لم يكن بينهما منافاة، والثاني مقتضى لثبوت الحكم فيهما عملا بالمقتضى. وثانيها: أنه لو كان خصوص السبب معارضا لعموم اللفظ، فحيث ثبت التعميم مع خصوص السبب، كما في كثير من العمومات، نحو آية السرقة، والظهار واللعان، وغيرها من الآيات، والأخبار التي يطول استقصاؤها لزم الترك بمقتضى الدليل المخصص، فكان تعميم أحكامها على خلاف الدليل، ولم يقل أحد من الصحابة والتابعين، بل أحد من الأمة أن تعميم كثير من عمومات الكتاب والسنة التي شأنها ما ذكرنا على خلاف الأصل. ولئن سلم أنه لم ينعقد الإجماع عليه، لكن لا شك في أنه على خلاف الأصل فما يستلزمه أيضا خلاف الأصل. وثالثها: لو كان خصوص السبب مقتضيا لاقتصار الحكم عليه فحيث بين حكمه بلفظ يتناوله وغيره، لزم التعارض بينه وبين ذلك اللفظ العام، والتعارض خلاف الأصل، وانتفاء مستلزمه يتعين أن يكون بانتفاء كون خصوص السبب مقتضيًا لاقتصار الحكم عليه، إذ الأمران الباقيان وهو العام وبيان العام وبيان الحكم به ثابتان بالاتفاق. احتجوا بوجوه:

стр. 1593

أحدها: أن اللفظ العام الوارد على السبب الخاص صار نصا صريحا فيه، وبهذا لم يجز تخصيصه عنه بالإجماع، ولو كان اللفظ عاما لم يكن نصا فيه، لأن دلالة العام على مسمياته متحدة، وحينئذ كان يجوز إخراجه عنه كغيره من المسميات، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنه ليس بعام، بل هو مختص بالسبب. لا يقال: لا نسلم حصول الإجماع على عدم جواز تخصيصه عنه، وهذا لأن أبا حنيفة- ﵁ لم يثبت نسبة ولد الأمة المستفرشة عن سيده بمجرد الفراش، بل يعتبر في ذلك الإقرار/ (٢٧٤/ ب) الصريح بالنسب مع ورود قوله ﵇: "الولد للفراش" فيه إذا روى أنه اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1594

في ابن أم زمعة فقال سعد: "أوصاني أخي عتبة بقبض ابن أمة زمعة فإنه ابنه"، وقال عبد الله بن زمعة: "هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه" فقال ﵇: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، وذلك يدل على أن أبا حنيفة ﵁ يجوز إخراجه عنه على وجه التخصيص.

стр. 1595

لأنا نقول: لا نسلم أن ذلك يدل عليه لاحتمال أن يقال: إنه إنما ذهب إليه لعدم اطلاعه على ورود الخبر عليه، أو وإن اطلع عليه لكن لم يصح ذلك عنده. وجوابه: منع اللازم، وهذا لأنه [لا] يجوز أن يصير اللفظ [نصا] صريحا في بعض مسمياته، لقرينة خارجية تتصل به بالنسبة إليه، وهو إنما صار نصا فيه لقرينة الورود فيه لا من حيث الوضع، ودلالة العام إنما تتحد بالنسبة إلى مسمياته من حيث الوضع لا غير، فلا منافاة بين كونه نصا صريحا في محل الورود وبين كونه عاما. وثانيها: أنه لو كان الحكم عاما ثابتا في محل الورود وغيره، لما تأخر البيان إلى وقوع تلك الواقعة ظاهرا، لكنه تأخر فلا يكون عاماً.

стр. 1596

وجوابه: أنه إنما لا يجوز تأخير بيانه إلى ذلك الوقت إن لو اتفقت الحاجة إليه قبله، وهو ممنوع، أما إذا لم تتفق فلا نسلم أنه لا يجوز تأخيره إليه لا قطعا ولا ظاهرا، وما الدليل عليه؟. ولئن سلم ذلك: لكنه منقوض بما أنه لا يختص بذلك الشخص، وبذلك الزمان، وبذلك المكان بالاتفاق. ولئن سلم: سلامته عن هذا النقض، لكنه منقوض بالعمومات الواردة على الأسباب الخاصة الغير المختصة بها. وثالثها: أن الجواب لو لم يستقل بنفسه اختص بالسؤال وفاقا. فكذا إذا استقل قياسا عليه، والجامع عدم إلغاء فائدة السؤال. وجوابه: الفرق وهو ظاهر فإنه لو لم يتعلق به ثمة للغا فائدة السؤال والجواب، وما نحن فيه لو لم يتعلق الجواب بالسؤال كان الجواب مفيدا بنفسه، بل فائدته حينئذ يكون أكثر مما إذا عقلناه به وما هو المقصود من السؤال حاصل أيضا. ورابعها: أن الرجل إذا قال لغيره: كلم فلانا فقال:/ (٢٧٥/ أ) والله لا أكلم، فإنه يختص بذلك الرجل حتى لا يحنث بالكلام مع غيره مع عموم اللفظ وفاقا. فلو لم يكن خصوص السبب مقتضيًا للتخصيص لما كان كذلك.

стр. 1597

وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك لخصوص السبب، بل للقرينة العرفية، فإن من الظاهر أنه لم يحلف على أنه لم يكلم أصلا مع مسيس حاجته إليه، وهذه القرينة منتفية بالنسبة إلى خطاب الشارع، فلم يلزم من تخصيص خطاب الناس بعضهم مع بعض، تخصيص خطاب الشارع. وخامسها: أن الجواب لو كان عاما غير مقتصر على السؤال لم يكن الجواب مطابقا للسؤال، [وحينئذ لم يجز ضرورة أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال] ولهذا لم يجز أن يكون الجواب خاصا والسؤال عاما. وجوابه: أن المعنى من قوله: "الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال، هو أنه يجب أن يستوعبه ولا يغادر منه شيئًا، والخاص لما لم يكن مطابقا "للسؤال" بهذا المعنى لا جرم لم يجز، لا أنه يجب أن لا يتضمن بيان شيء آخر مع بيانه، يدل عليه أنه ﵇ لما سئل عن التوضؤ بماء البحر أجاب بقوله: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" ولو كان يجب أن يكون الجواب مطابقا للسؤال بمعنى أنه لا يزيد عليه ولا ينقص منه، لما جاز هذا الجواب وهو خلاف الأصل إذ لم يقل أحد من الأمة بذلك.

стр. 1598

وسادسها: أن السبب يجري مجرى العلة، لأنه المثير للحكم فوجب أن يختص الحكم به كما في العلة. وجوابه: أنه لا يلزم من اشتراك الشيئين في بعض الأمور اشتراكهما في الماهية، ولئن ذكر ما ذكر بطريق القياس فنطالبهم بالجامع المناسب، ثم نجيبهم بالفرق وهو ظاهر، ولئن سلم صحة القياس، لكنه منقوص بالسائل فإنه هو المثير للحكم، والحكم غير مختص به وفاقا. وسابعها: أنه لو لم يكن للسبب مدخل في اختصاص الحكم به، لم يكن في فعله فائدة، فكان الاشتغال به عبثا، لكن الأمة اتفقت على نقله خلفا عن سلف، ويرون ذلك جائزا، واتفاق الأمة بأسرها على العبث والباطل غير جائز. وجوابه: منع الملازمة، وهذا لأن الفائدة غير منحصرة في اختصاص الحكم به فإن معرفة أسلوب التنزيل ومعرفة تلك القضية وعدم جواز تخصيصه عن النص فوائد. وأما القسم الرابع: وهو أن يكون الجواب أعم من السؤال من وجه دون وجه، فنحو ما إذا سئل هل على من أفطر بالجماع/ (٢٧٥/ ب) في نهار رمضان كفارة؟. فيقول في جوابه: على من أفطر في نهار رمضان الكفارة إذا تعمد الإفطار لا إذا ما أفطر ناسيا، فالسؤال خاص بالمجامع، عام في الناسي

стр. 1599

والمعتمد، والجواب خاص بالمعتمد عام في المجامع وغيره. وحكم هذا القسم على رأي من يرى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ظاهر، وأما على رأي المخصصين فيحتمل أن يختص بالسبب أيضا لكن مع ما ذكر من القيد إذ لم يرد على القسم الثالث سوى ذكر القيد فيعتبر ذلك من غير تغيير وهو الاحتمال الأظهر، ويحتمل أن لا يختص به بل يجري على عمومه، لأنه لما عدل عن ذكر الحكم على إطلاقه إلى ذكر قيد فيه خالف السؤال فكأنه ابتدأ به والخطاب العام المبتدأ به يجري على عمومه، فكذا هذا. المسألة الرابعة [في تخصيص العام بذكر بعضه] لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه عند الجماهير من الفقهاء والأصوليين. خلافاً لأبي ثور.

стр. 1600

مثاله: قوله ﵇: "أي إهاب دبغ فقد طهر" فإنه عام في كل جلد غير مدبوغ، إذ الإهاب اسم لذلك، وقال ﵇ في شاة ميمونة "دباغها طهورها" فهذا لا يكون مخصصا لذلك العام عندنا حتى يقال: إن المراد من الإهاب هو جلد الشاة لا غير.

стр. 1601

خلافا له، فإنه قال: المراد من الإهاب هو جلد الشاة. لنا: أن المخصص يجب أن يكون منافيا للعام، وذكر بعض العام بحكم العام غير مناف له، فلا يكون مخصصا له. احتج الخصم: بأن المفهوم مخصص، كما ذكرتم واعترفتم به، وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم كما عداه بطريق المفهوم فتخصيص جلد الشاة بالذكر يدل على نفي ذلك الحكم عما عداه، وإذا ورد عام متناول لكل الجلود، وقع التعارض بينه وبين مفهوم هذا الخاص، فيكون مخصصا له كيلا يلزم الترك بالدليل الخاص. وجوابه: أن مفهوم المخالفة الذي أثبتناه مخصصا فهو مفهوم الصفة لا مفهوم اللقب، فإن القول به عندنا: باطل، وذكر جلد الشاة إنما يدل على عدم ما عداه بطريق مفهوم اللقب لا بطريق مفهوم الصفة، فلا يرد ذلك علينا إلزاما، ولو سلم أن مفهوم اللقب حجة، لكنه في غاية الضعف لا يصلح أن يكون مقاوما للعموم، فالتمسك بالعموم أولى ولا استبعاد في ذلك، فإن القياس وخبر الواحد حجة عند كثير في الناس/ (٢٧٦/ أ)، فإذا عارضهما

стр. 1602

عموم الكتاب أو السنة المتواترة لم يروا التمسك بهما، بل يرون أن التمسك بالعموم أولى. المسألة الخامسة [في جواز التخصيص بالعادة] لا يجوز تخصيص بالعادة عندنا، وعند جماهير الأصوليين. خلافا للحنفية. واعلم أن كون العادة مخصصة للعام، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الرسول- ﵇ أوجب أو حرم أشياء بلفظ عام، ثم رأينا العادة جارية بترك بعضها، أو بفعل بعضها، فهل تؤثر تلك

стр. 1603

العادة في تخصيص ذلك العام حتى يقال: المراد من ذلك العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه، أو بفعله أم لا يؤثر في ذلك، بل هو باق على عمومه متناول لذلك الفعل ولغيره. ولاحق في هذا النمط التفصيل، وهو أن يقال: إن علم أن العادة كانت حاصلة في عصر الرسول- ﵇ مع علمه بها وعدم منعهم عنها كانت مخصصة كما سبق أن تقريره ﵇ مخصص لكن المخصص بالحقيقة، هو تقرير الرسول ﵇ لا العادة. وإن علم أنها ما كانت حاصلة في عصره، أو ما علم بها، أو كان يمنعهم من ذلك أو لم يثبت شيء من ذلك لم يجز التخصيص بها، لأن أفعال الناس ليس بحجة على الشرع، نعم لو فرضت العادة بحيث يكون مجمعا عليها، بأن يستمر عليها كل واحد من العلماء وغيرهم كانت مخصصة، لكن المخصص بالحقيقة هو الإجماع لا العادة. وثانيهما: أن تكون العادة جارية بفعل معين كأكل طعام معين مثلا، ثم إنه ﵇ نهاهم عنه بلفظ تناوله وغيره، كما لو قال: نهيتكم عن أكل الطعام، فهل يكون النهي مقتصرا على أكل ذلك الطعام فقط، أم يجري على عمومه ولا يؤثر عادتهم في ذلك.

стр. 1604

فمن قال: بأن العادة تخصص حمل النهي عليه لا غير. ومن قال: إنها لا تخصص، وهو الحق أجراه على عمومه، لأن اللفظ عام "ولم يوجد له" معارض إذ العادة ليست بحجة على ما تقدم حتى تكون معارضة له فوجب الجري على موجبه. فإن قلت: قد قدمتم في اللغات، أن المجمل العرفي مقدم على المجمل اللغوي في تنزيل لفظ الشارع عليه. فلم قدمتم المجمل اللغوي على العرفي هنا فإن العموم مجمل لغوي؟ قلت: ليس هذا الذي نحن فيه/ (٢٧٦/ ب) من هذا القبيل، لأنه ليس لأهل العرف عرف طارئ وتصرف في لفظ الطعام ولا في لفظ الأكل، وإنما عرفهم في المأكول لا غير، ولهذا يطلقون على أكل غير ذلك الطعام أكل الطعام من غير استبعاد ولا اعتقاد يجوز بخلاف لفظ الدابة، فإنهم لا يطلقون على غير ذوات الأربع أو على غير الحمار أو على غير الفرس منها على اختلاف في العرف في ذلك، ولو أطلق واحد منهم عليه فمع اعتقاد

стр. 1605

التجوز بالنسبة إلى عرفهم، وإذا لم يكن لهم فيه عرف مغاير للغة واللفظ عام بحسب الوضع، وجب إجراؤه على عمومه بخلاف الألفاظ العرفية، فإن العرف الطارئ نسخ الوضع الأول، فلم يكن ما نحن فيه من قبيل ما ذكرتم في شيء. المسألة السادسة [قصد المدح والذم لا يوجب التخصيص] اللفظ العام إذا قصد به المتكلم المدح أو الذم لا يوجب ذلك تخصيصه عند الجماهير. خلافا لبعض فقهائنا، ونسب ذلك إلى الشافعي ﵁.

стр. 1606

مثاله قوله تعالى: ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ وقوله: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ فالقائلون بالتخصيص: منعوا التعلق بالأول: في وجوب الزكاة في الحلي وما يجري مجراه. وبالثاني: في انقطاع الوعيد عن أصحاب الكبائر. وقالوا: المقصود من الكلام الأول إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة تحذيرا من الادخار وترغيبا في الإنفاق لا التعميم. ومن الثاني: مدح المؤمنين ترغيبا في الإيمان، وذم الكافرين تحذيرا عن الكفر لا التعميم.

стр. 1607

وقال المعممون: لا نزاع في أنه قصد بالكلام المدح والذم، لكن لم قلتم إن قصده مناف لقصد التعميم؟ وما الدليل عليه؟ فظاهر أنه ليس بمناف له إذ الجمع بينهما ممكن، وبهذا لو صرح به معه لم يعد ذلك تناقضا وتهافتا، وإذا لم يكن قصده منافيا لقصد التعميم، وقد وجد المقتضي له، وهو اللفظ العام وجب القول به. المسألة السابعة إذا عقب اللفظ العام باستثناء، أو تقييد بصفة، أو حكم خاص لا يتأتى في كل مدلوله بل في بعضه، فهل يوجب ذلك تخصيصه أم لا ؟ اختلفوا فيه. فذهب أكثر أصحابنا، والقاضي عبد الجبار: إلى أن ذلك لا يوجب تخصيصه، وهو الأظهر. وذهب أكثر الحنفية- رحمهم/ (٢٧٧/ أ) الله تعالى-: إلى أنه

стр. 1608

يخصصه. ولهذا قالوا في قوله ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلا بكيل" أن المراد منه ما يكال من البر، فيجوز بيع الحفنة بالحفنتين، لأن ذلك القدر مما لا يكال. وذهب جماعة نحو إمام الحرمين، والإمام وأبي الحسين البصري، إلى التوقف. مثال: الاستثناء قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن يعفون﴾، فاستثنى العفو عنه بكناية راجعة إلى النساء. ومعلوم أن العفو لا يصح إلا من البالغات العاقلات دون الصبية والمجنونة،

стр. 1609

فهل يوجب ذلك أن يقال: إن المراد من النساء في أول الكلام البالغات العاقلات دونهن أم لا؟. مثال: التقييد بالصفة قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، ثم قال: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ يعني الرغبة في مراجعتهن، ولا شك أن ذلك لا يتأتى في الطلاق البائن، فهل يقتضي ذلك تخصيص الطلاق المذكور في أول الكلام بالرجعى أم لا؟ مثال: التقييد بحكم آخر نحو قوله [تعالى]: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ثم قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾، وهذا مختص بالمطلقة بالطلاق الرجعى دون البائن. فهل يقتضي ذلك أن يقال المراد من المطلقات الرجعيات أم لا؟. إذا عرفت هذا، فنقول: الدليل على أن ذلك لا يوجب تخصيص العام، هو أن اللفظ عام ولم يوجد له مخصص، لأن المخصص لابد وأن يكون منافيا للعام، وكون الضمير عائدا إلى بعض مدلول العام غير مناف لعمومه

стр. 1610

فوجب إجراؤه على العموم عملا بظاهر اللفظ. فإن قلت: إن أردتم بقولكم: إن كون الضمير عائدا إلى بعض مدلول العام غير مناف لعموم أنه غير مناف له على سبيل القطع فهذا مسلم، لكن ليس من شرط المخصص أن يكون منافيا للعام على القطع، وإن أردتم به أنه ليس منافيا له لا قطعا ولا ظاهرا فممنوع. وهذا لأن الأصل مطابقة الكناية في العموم والخصوص، فهذا الأصل يدل على أن المراد من العام البعض الذي يطابق الكناية، وإلا لزم الترك بهذا الأصل. قلت: هذا الأصل إنما يجب العمل به لو لم يستلزم مخالفة أصل آخر، أما إذا استلزم ذلك، كما في مسألتنا فإن العمل بهذا الأصل يستلزم الترك/ (٢٧٧/ ب) بمقتضى العام، وهو أيضا خلاف الأصل، إذ الأصل إجراء العام على عمومه، فلم قلتم: إنه يلزم العمل به حينئذ؟. فإن قلت: فحينئذ يجب التوقف، كما ذهب إليه جماعة، لأنهما يتعارضان ويتساقطان، إذ ليس العم بأحد الأصليين أولى من العمل بالأصل الآخر. قلت: لا نسلم إنه ليس العمل بأحد الأصلين أولى من الآخر، وهذا لأن

стр. 1611

مراعاة إجراء العام على عمومه أولى من مراعاة مطابقة الكناية "للمكنى" لأن المكنى أصل والكناية تابعة لأنها تفتقر في دلالتها على مسعاها إليه من غير عكس، ومراعاة دلالة المتبوع أولى من مراعاة دلالة التابع، ولأنه أكثر فائدة وأظهر دلالة، فكان بالرعاية أجدر.

стр. 1612

"النوع السادس" الكلام في المطلق والمقيد وفيه مسائل:

стр. 1613

" النوع السادس" الكلام في المطلق والمقيد وفيه مسائل: المسألة الأولى اعلم أن المطلق، ينقسم إلى مطلق حقيقي: وهو المطلق على الإطلاق، والمطلق من كل وجه: وهو اللفظ المجرد عن القيود أجمع الدال على ماهية الشيء من غير أن يدل على شيء من أحوالها وعوارضها على ما ذكرناه في باب العموم. وليس ذلك هو المراد فقط هنا، فإن قولنا: "رقبة" و"رجل"، في نحو قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، وفي مثل قولنا: "اعتق رقبة" أو "اضرب رجلا" مطلق باتفاق الأصوليين، مع أنه ليس على الوجه الذي ذكرناه، لأنه يدل على واحد شائع في الجنس، وهما قيدان زائدان على ماهية الرقبة، بل "ما" يعمه وغيره. وإلى مطلق إضافي: نحو "رقبة" أو "رقبة مؤمنة" فإن قولنا: "رقبة" مطلق بالنسبة إلى قولنا: "رقبة" مؤمنة، ومقيد بالنسبة إلى اللفظ الدال على ماهية الرقبة، من غير أن يكون فيه دلالة على كونها واحدة، أو كثيرة أو شائعا في الجنس، أو معينا، وأقرب لفظ يعقل فيه هذا المعنى نحو الرقبة إذا أريد بالألف واللام تعريف الماهية، وكذلك قولنا: "رقبة مؤمنة" مطلق بالنسبة

стр. 1614

إلى "قولنا": رقبة مؤمنة سليمة عن العيوب، ومقيد بالنسبة إلى قولنا: "رقبة". وإذا عرفت أن المطلق ينقسم إلى قسمين. فاعلم أن المقيد أيضا ينقسم إلى قسمين مقابلتهما: فالمقيد على الإطلاق ومن كل وجه: هو اللفظ الذي لا اشتراك فيه أصلا كأسماء الأعلام/ (٢٧٨/ أ). وأما المقيد من وجه دون وجه فنحو "رقبة مؤمنة" و"رجل عالم" على ما عرفته. وإذا "قد" عرفت معنى المطلق والمقيد وأقسامها فلنذكر أنه هل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟. المسألة الثانية في حمل المطلق على المقيد اعلم أن متعلق حكم المطلق: إما أن يكون عين متعلق حكم المقيد، أو لا يكون.

стр. 1615

فإن كان الثاني: نحو أن يقول الشارع "مثلا": أدوا الزكاة، واعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم، فلا خلاف في أنه لا يحمل المطلق على المقيد، لأنه لا مناسبة بينهما ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلا. وإن كان الأول: فإما أن يكون السبب واحدا، أو مختلفا وعلى التقديرين، إما أن يكون كل واحد من المطلق والمقيد أمرا أو نهيا، أو أحدهما أمرا والآخر نهيا، فهذه أقسام ستة: "أحدها": أن يكون السبب واحدا وكل واحد منهما أمرا نحو أن يقول: اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم، ثم يقول مرة أخرى: اعتقوا رقبة إذا حنثتم، فهاهنا لا خلاف في أن المطلق محمول على المقيد. وكذا لو قال أولا: اعتقوا رقبة، ثم قال: اعتقوا رقبة مؤمنة. وكذا لو لم يعلم التاريخ بينهما، وهذا التفصيل وإن لم يكن مصرحا به في المؤلفات، لكن إطلاقهم القول يدل عليه.
следующие страницы →