Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
مراعاة إجراء العام على عمومه أولى من مراعاة مطابقة الكناية "للمكنى" لأن المكنى أصل والكناية تابعة لأنها تفتقر في دلالتها على مسعاها إليه من غير عكس، ومراعاة دلالة المتبوع أولى من مراعاة دلالة التابع، ولأنه أكثر فائدة وأظهر دلالة، فكان بالرعاية أجدر.
стр. 1612
"النوع السادس"
الكلام في المطلق والمقيد
وفيه مسائل:
стр. 1613
" النوع السادس"
الكلام في المطلق والمقيد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
اعلم أن المطلق، ينقسم إلى مطلق حقيقي: وهو المطلق على الإطلاق، والمطلق من كل وجه: وهو اللفظ المجرد عن القيود أجمع الدال على ماهية الشيء من غير أن يدل على شيء من أحوالها وعوارضها على ما ذكرناه في باب العموم.
وليس ذلك هو المراد فقط هنا، فإن قولنا: "رقبة" و"رجل"، في نحو قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، وفي مثل قولنا: "اعتق رقبة" أو "اضرب رجلا" مطلق باتفاق الأصوليين، مع أنه ليس على الوجه الذي ذكرناه، لأنه يدل على واحد شائع في الجنس، وهما قيدان زائدان على ماهية الرقبة، بل "ما" يعمه وغيره.
وإلى مطلق إضافي: نحو "رقبة" أو "رقبة مؤمنة" فإن قولنا: "رقبة" مطلق بالنسبة إلى قولنا: "رقبة" مؤمنة، ومقيد بالنسبة إلى اللفظ الدال على ماهية الرقبة، من غير أن يكون فيه دلالة على كونها واحدة، أو كثيرة أو شائعا في الجنس، أو معينا، وأقرب لفظ يعقل فيه هذا المعنى نحو الرقبة إذا أريد بالألف واللام تعريف الماهية، وكذلك قولنا: "رقبة مؤمنة" مطلق بالنسبة
стр. 1614
إلى "قولنا": رقبة مؤمنة سليمة عن العيوب، ومقيد بالنسبة إلى قولنا: "رقبة".
وإذا عرفت أن المطلق ينقسم إلى قسمين.
فاعلم أن المقيد أيضا ينقسم إلى قسمين مقابلتهما: فالمقيد على الإطلاق ومن كل وجه: هو اللفظ الذي لا اشتراك فيه أصلا كأسماء الأعلام/ (٢٧٨/ أ).
وأما المقيد من وجه دون وجه فنحو "رقبة مؤمنة" و"رجل عالم" على ما عرفته.
وإذا "قد" عرفت معنى المطلق والمقيد وأقسامها فلنذكر أنه هل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟.
المسألة الثانية
في حمل المطلق على المقيد
اعلم أن متعلق حكم المطلق: إما أن يكون عين متعلق حكم المقيد، أو لا يكون.
стр. 1615
فإن كان الثاني: نحو أن يقول الشارع "مثلا": أدوا الزكاة، واعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم، فلا خلاف في أنه لا يحمل المطلق على المقيد، لأنه لا مناسبة بينهما ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلا.
وإن كان الأول: فإما أن يكون السبب واحدا، أو مختلفا وعلى التقديرين، إما أن يكون كل واحد من المطلق والمقيد أمرا أو نهيا، أو أحدهما أمرا والآخر نهيا، فهذه أقسام ستة:
"أحدها": أن يكون السبب واحدا وكل واحد منهما أمرا نحو أن يقول: اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم، ثم يقول مرة أخرى: اعتقوا رقبة إذا حنثتم، فهاهنا لا خلاف في أن المطلق محمول على المقيد.
وكذا لو قال أولا: اعتقوا رقبة، ثم قال: اعتقوا رقبة مؤمنة.
وكذا لو لم يعلم التاريخ بينهما، وهذا التفصيل وإن لم يكن مصرحا به في المؤلفات، لكن إطلاقهم القول يدل عليه.
стр. 1616
ولهذا اعترض الشيخ الغزالي "رحمه الله تعالى" وقال: "هذا صحيح مستقيم على رأي من لا يرى بين العام والخاص تقابل الناسخ والمنسوخ، والقاضي مع مصيره إلى ذلك، نقل الاتفاق من العلماء على ذلك".
وما ذكره الشيخ حسن متجه، لأن المطلق كالعام، والمقيد كالخاص.
فإذا تأخر المطلق عن المقيد، أو إذا لم يعلم التاريخ بينهما، ينبغي أن لا يحمل المطلق على المقيد، لأنه حينئذ يكون ناسخا كالعام إذا تأخر عن الخاص.
"وفي بعض المؤلفات قيل: إن تأخر المقيد نسخ المطلق، ويلزمه عكسه إن رأى نسخ الخاص بالعام".
ثم الدليل على ذلك أن العمل بالمقيد عمل بالمطلق، ضرورة أن المطلق جزء
стр. 1617
من المقيد، والآتي بالكل آت بالجزء، فيكون العمل بالمقيد عملا بالدليلين.
وأما العمل بالمطلق فليس عملا بالمقيد، لأن الآتي بالجزء لا يكون آتيا بالكل، بل يكون تاركا له، فيكون العمل بالمطلق يستلزم الترك بأحد الدليلين بالكلية.
فإذا كان الجمع بين الدليلين واجبا حيث إنه يستلزم/ (٢٧٨/ ب) "الترك" بأحد الدليلين بالكلية فإذا كان الجمع بين الدليلين واجبا حيث يستلزم" الترك بشيء من مدلولات لفظ أحدهما، فلأن يجب ذلك حيث لا يستلزم ذلك بطريق الأولى.
ولعلهم لهذا الفرق اتفقوا على حمل المطلق على المقيد كيف ما فرض الأمر من التقدم والتأخر، ولم يخرج على الخلاف الذي فيما بين العام المتأخر والخاص المتقدم.
فإن قلت: لا نسلم أن المطلق جزء المقيد، وهذا لأن المطلق ضد المقيد، وأحد الضدين لا يكون جزء الآخر.
سلمنا: ذلك لكن ليس يتعين الجمع بينهما بما ذكرتم من الطريق بل هنا طريق آخر غير ما ذكرتم وهو: أن يجري المطلق على إطلاقه، ويحمل المقيد على الندب.
стр. 1618
فلم قلتم: إن ما ذكرتم من الطريق أولى، وعليكم الترجيح، لأنكم مستدلون.
ثم إنه معنا: لأن على هذا التقدير مقتضى المطلق وهو تمكن المكلف من الإتيان بأي فرد شاء باق، ومقتضى المقيد أيضا: باق لأنا اعتبرنا ذلك القيد على وجه الندبية.
وأما على ما ذكرتم من التقدير فإن مقتضى الإطلاق غير باق.
قلت: الدليل على أن المطلق جزء المقيد هو: أن المطلق إن كان حقيقيًا فهو دال على نفس الماهية والحقيقة لا غير، والمقيد الذي يقابله دال عليها مع اعتبار آخر، ولا شك أن المفهوم الأول: جزء من المفهوم الثاني. وإن كان إضافيا فهو دال على الماهية مع اعتبار أمر آخر أو أمرين والمقيد الذي يقابله يدل على ذلك المجموع مع اعتبار أمر آخر ولا خفاء أن المفهوم الأول جزء من المفهوم الثاني.
قوله: المطلق ضد المقيد.
قلنا: لا نسلم بالمعنى الذي ذكرناه، وكيف يكون ضده بذلك المعنى، وقد
стр. 1619
ذكرنا أن جزءه، بل بمعنى أن حكمه ضد حكم المقيد، أو بمعنى الدال على الشيء بشرط الخلو عن جميع القيود، وتحن لا نعتبر ذلك في المطلق، بل نعتبر أن لا يدل على القيود لا أنه يدل على عدم القيود، وفرق بين الشيء لا بشرط بشيء، وبين الشيء بشرط لا شيء، فإن عدم الشرط غير شرط العدم.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن مقتضى المقيد باق حينئذ، وهذا لأن ظاهر يقتضي وجوب المقيد، لأن ظاهر الأمر للوجوب على ما ثبت "ذلك"، ولأن الخصم مساعد عليه، فإذا حمل على الندب فقد ترك ظاهره.
بقى أن يقال: لو راعينا هذا لزم ترك مقتضى الإطلاق، وهو تمكن المكلف من الإتيان بأي فرد شاء، ولو راعينا مقتضى الإطلاق لزم/ (٢٧٩/ أ) ترك ظاهر التقييد، فلم كان التزام ترك مقتضى الإطلاق أولى من التزام ترك مقتضى التقييد؟.
قلنا: التزام ترك مقتضى الإطلاق أولى.
أما أولا: فلأنه غير مدلول عليه باللفظ بطريق الوضع، لأن دلالته عليه معنوية.
ولئن سلم: أنه يدل عليه بطريق الوضع، لكنه ليس بصريح فيه، بخلاف المقيد فإنه يدل على وجوب ذلك المسمى المخصوص بطريق الوضع، وهو صريح في دلالته على اعتبار ذلك القيد.
وأما ثانيا: فلأن مراعاة ظاهر التقيد يقتضي الخروج عن العهدة بيقين،
стр. 1620
ومراعاة مقتضى الإطلاق لا يقتضي ذلك، فكان أجدر بالرعاية.
وأما ثالثا: فلأنه ليس في حمل المطلق على المقيد التزام مجاز، ولهذا يجوز له أن يعتق الرقبة المسلمة، وإن لم يدل عليها قرينة.
وأما في صرف المقيد إلى الندب، فإن فيه التزام ذلك فكان الأول أولى.
وثانيها: أن يكون كل واحد المطلق والمقيد نهيا نحو أن يقول: "لا تعتق رقبة" ثم يقول مرة أخرى: "لا تعتق رقبة كافرة في كفارة اليمين" فمن لا يقول بمفهوم الخطاب لا يخصص النهي العام إذ لا موجب لذلك.
وأما من يقول به فأصله يقتضي تخصيص النهي العام بالكفارة، لأن النهي الثاني عنده يدل على "إجزاء المسلمة لأنه مختص بالنهي عن الكفارة وهو بمفهومه يدل على" إجزاء المسلمة والتخصيص بالمفهوم جائز عنده.
وثالثها: أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، وهو على قسمين: لأنه إما أن يكون المطلق أمرا والمقيد نهيا نحو أن يقول في كفارة اليمين أيضا: اعتق رقبة، ثم يقول: لا تعتق رقبة كافرة، أو بالعكس نحو أن يقول: لا تعتق رقبة، ثم يقول: اعتق رقبة مؤمنة، وفي هاتين الصورتين لا خلاف أيضا:
стр. 1621
في أن المقيد يوجب تقييد المطلق بضده، وهو أهر غني عن البيان.
ورابعها: أن يكون كل واحد منهما أمرا، لكن السبب مختلف نحو قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة مؤمنة﴾، وقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾.
فهاهنا اختلفوا على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو قول الشافعي ﵁، وجمهور أصحابه: أنه إن قام دليل نحو القياس على المقيد أو غيره، حمل المطلق على المقيد وإلا بقى على إطلاقه.
وثانيها: وهو قول بعض أصحابنا أنه يحمل عليه من غير حاجة إلى دليل آخر فإن تقييد أحدهما/ (٢٧٩/ ب) يوجب تقييد الآخر لفظاً.
стр. 1622
وثالثها: وهو قول: الحنفية أنه لا يجوز الحمل عليه بحال، لأن ذلك الدليل إن كان دون المطلق في القوة لم يصلح لنسخه، وإن كان مثله، فإن علم شرط النسخ كان ناسخا له، وإلا كان معارضا فهو غير محمول على المقيد بحال.
لنا وجهان:
أحدهما: أن القياس دليل شرعي عام في كل الصور إلا ما فقد فيه ركنه أو
стр. 1623
شرط لانعقاد الإجماع عليه، ولأن الأدلة التي تدل على أن القياس حجة غير مخصص له بصورة دون صورة، فإذا دل القياس على حمل المطلق على المقيد وجب المصير إليه عملا بالدليل.
فإن قلت: لا نزاع في أنه لو وجد شرائطه وأركانه لوجب العمل به، لكن لا نسلم أنه وجد ذلك فيما نحن فيه، وهذا لأن من جملة شرط صحة القياس أن لا يكون مخالفا للنص، فإذا أوجب تقييده بما اقتضاه النص من الإطلاق كان مخالفا له، لأن التقييد مخالف للإطلاق فلم يجب العمل به.
قلت: إن عنيتم بقولكم إن من [شرط] القياس أن لا يكون مخالفا للنص: أن لا يكون مخالفا له مخالفة لا يمكن الجمع بينهما، بأن يكون رافعا لكل ما اقتضاه، فهذا مسلم لكنه مفقود هنا.
وإن عنيتم به أن لا يكون مخالفا له بوجه ما، بأن لا يكون رافعا ولو لشيء من مقتضاه فهذا ممنوع.
هذا لأن تخصيص النص بالقياس جائز باتفاق بيننا وبينكم، مع أنه مخالف له من بعض الوجوه، إذ هو رافع لبعض مقتضاه.
стр. 1624
سلمنا: ذلك لكنه منقوض بالتخصيص.
فإن قلت: إنه ليس بمخالف، بل هو بيان المراد من العام.
قلت: كذلك نقول: إن المقيد مع ذلك القياس ينبئ عن المراد من المطلق.
وثانيهما: القياس على تخصيص العام بالقياس، والجامع مع صيانة القياس عن الإلغاء، بل هذا أولى، لأن دلالة العام على كل الأفراد لفظية ودلالة المطلق عليه ليست لفظية، بل معنوية والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية، فإذا جاز أن تقاوم القياس أقوى الدلالتين، فلأن يجوز أن تقاوم أضعفها بالطريق الأولى.
احتجوا: بأن تقييد النص المطلق بالقياس نسخ له به إما لأنه رافع لحكم كان ثابتا بالنص لولاه، أو لأنه زيادة على النص، وأنه نسخ والنسخ بالقياس غير جائز بالاتفاق.
وجوابه: أنا لا نسلم أن زوال ذلك الحكم بطريق النسخ، بل هو عندنا بطريق التقييد، ولهذا كان/ (٢٨٠/ أ) الحكم كذلك أيضا، لو كان المطلق والمقيد مقترنين في الورود، أو كان المقيد متقدما ولو كان ذلك بطريق النسخ لما كان كذلك، فلم قلتم إنه ليس كذلك؟ أو أن ذلك غير جائز بالقياس.
وأما الطريقة الثانية: فلا نسلم أن الزيادة على النص نسخ، وسيأتي
стр. 1625
ذلك إن شاء الله تعالى.
سلمناه أنه نسخ لكن يلزم أن يكون التخصيص أيضا نسخا، لأنه يدل على رفع حكم كان ثابتا لولاه، فكان ينبغي أن لا يجوز فما هو جوابكم فهو جوابنا.
سلمنا: سلامته عن هذا النقض، لكنه منقوض بما أنكم اعتبرتم سلامة الرقبة عن كثير من العيوب، فإن اشتراطهما يخرج الرقبة المعيبة عن أجزاء مطلق الرقبة الذي كان ثابتا بالنص، كما أن اشتراط الإيمان يخرج الكافرة عنه، فكان اشتراطها نسخا للنص، فكان ينبغي أن لا يجوز إثباتها بالقياس.
وأما من قال من أصحابنا أن تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظا من غير حاجة إلى دليل آخر.
فقد احتجوا بوجوه:
أحدها: أن المطلق في باب الشهادة نحو قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ محمول على المقيد نحو قوله تعالى: ﴿وأشهدوا
стр. 1626
ذوي عدل منكم﴾، ولذلك اعتبرت العدالة في شهود المداينة مع إطلاق النص فيها فكذا هاهنا، والجامع تقديم المقيد الذي هو كالخاص على المطلق "الذي" هو كالعام.
وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك التقييد بحسب اللفظ من غير دليل، بل هو للإجماع والنص وهو قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾، والقياس على الموضع الذي نص فيه على العدالة، بجامع حصول الثقة بقولهم.
وثانيها: أن الذاكرات محمول على قوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرا﴾ من غير دليل، إذ الأصل عدم ما يفرض دليلا عليه، فلو لم يكن المطلق محمولا على المقيد لفظا لما جاز هذا.
وجوابه: منع أنه من غير دليل، وهذا لأن دليله العطف فإنه يوجب حمله عليه، لأن قوله: ﴿والذاكرات﴾ لا استقلال له في نفسه فلو لم يكن محمولا على قوله: ﴿والذاكرين الله [كثيرا]﴾ ومشاركا له فيما هو به مما للغا، وكلام الله تعالى يصان عن ذلك، بل كلام العقلاء.
стр. 1627
وثالثها: أن القرآن كالكلمة الواحدة، فتقييد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل، كتقييدها به في كفارة الظهار.
وجوابه: أنكم إن ادعيتم أن القرآن كالكلمة الواحدة، في أنه لا تناقض فيه فهذا مسلم [و] معلوم أن الاختلاف في/ (٢٨٠/ ب) الإطلاق والتقييد لا يستلزم ذلك.
وإن ادعيتم أنه كالكلمة الواحدة في كل شيء فهذا ممنوع.
وكيف يمكن ادعاؤه مع اختلافه في العموم والخصوص "والإطلاق"، والتقييد والأمر والنهي وغير ذلك من الاختلافات.
وخامسها: أن يكون كل واحد منهما نهيا والسبب مختلف، نحو أن يقول: لا تعتق رقبة في كفارة الظهار مثلا، ثم يقول: لا تعتق رقبة كافرة في كفارة القتل، فمن يقول: بالمفهوم وتقييد المطلق بالمقيد إن وجد دليل، فأصله يقتضي تخصيص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل وإلا فلا.
стр. 1628
وأما من لا يقول به فلا يخصص النهي العام.
وسادسها: أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا والسبب مختلف.
وهذا أيضا على قسمين: لأنه إما أن يكون المطلق أمرا نحو أن تقول: اعتق رقبة في كفارة الظهار، والمقيد نهيا نحو أن تقول: لا تعتق رقبة كافرة في كفارة القتل، أو بالعكس نحو أن تقول: لا تعتق رقبة في كفارة الظهار، ثم يقول: اعتق رقبة مسلمة في كفارة القتل.
وحكمها واحد لا يخفى عليك مما سبق فلا حاجة إلى ذكره.
المسألة الثالثة
الشارع إذا أطلق الحكم مرة، ثم ذكره مرة أخرى وقيده تقييدًا، ثم ذكره مرة أخرى وقيده تقييدًا مضادًا لقيد المرة الأولى، كيف يكون حكمه ؟.
واعلم أن هذا على قسمين، لأنه إما أن يكون فيما اتحد سببه.
أو فيما اختلف سببه.
فإن كان الأول: نحو ما روي عنه ﵇ أنه قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب"، وروى في حديث آخر: "أولاهن بالتراب"، وروى في حديث آخر: "آخرهن بالتراب".
فحكمه أن يبقى المطلق على إطلاقه، ويتعارض المقيدان، لأن التقييد في هذا القسم متفق عليه، وليس لدليل آخر غير المقيد وفاقا، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر، فيبقى على إطلاقه.
стр. 1629
وإن كان الثاني: فنحو الصوم فإنه أطلق في قضاء رمضان، قال الله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ من غير اشتراط التتابع والتفريق.
وقيد صوم التمتع بالتفريق قال الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ وقيد صوم كفارة الظهار بالتتابع، قال الله تعالى: ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾.
وحكم هذا القسم كحكم القسم الأول: عند من يقول: المطلق يتقيد بالمقيد لفظا من غير حاجة إلى دليل آخر لما سبق.
"وأما من" يقول إنما يتقيد به لو دل/ (٢٨١/ أ) عليه قياس أو دليل آخر فحكمه عنده أنه يحمل على ما كان القياس عليه أولى أو على ما كان دليل
стр. 1630
الحمل عليه أقوى.
تنبيه:
اعلم أن المطلق كالعام، والمقيد كالخاص، فكل ما يجوز به تخصيص العام من خبر الواحد والقياس وغيرهما من الأدلة، إما على الوفاق أو على الخلاف، فإنه يجوز به تقييد المطلق عند من يقول به من غير تفاوت فلا حاجة إلى إعادة تلك المسائل، بعد إحاطة العلم بها.
стр. 1631
"النوع السابع"
الكلام في المجمل والمبين
стр. 1632
" النوع السابع"
الكلام في المجمل والمبين
وهو مرتب على مقدمة وفصلين.
أما المقدمة: ففي تفسير المجمل والمبين والبيان:
أما المجمل: فهو اسم المفعول من الإجمال، وهو في اللغة: عبارة عن جعل الشيء جملة واحدة، يقال: أجملت الحساب إذا جمعت المتفرق منه ورددته إلى جملة واحدة.
وقيل: الإجمال: الإبهام، يقال: أجمل الأمر إذا أبهمه.
والأقرب أن المجمل في اصطلاح الأصوليين مأخوذ من هذا.
وقيل: الإجمال التحصيل يقال: أجملت الشيء إذا حصلته، فالمجمل على هذا المحصل.
وأما في الاصطلاح: فقيل: لفظ تمس الحاجة إلى بيانه في حق السامع دون المتكلم.
وهو غير جامع، لأنه يخرج عنه الفعل والإجمال قد يكون فيه كما يكون في الألفاظ على ما ستعرف ذلك.
стр. 1633
وغير مانع: لأنه يدخل فيه اللفظ الذي له حقيقة ظاهرة، وأريد منه المجاز المرجوح، فإنه يحتاج إلى البيان في حق السامع مع أنه ليس بمجمل.
وقيل المجمل ما لا يطاق العمل به إلا ببيان يقترنه. وهو أيضا غير مانع لما سبق.
وقيل: هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء.
وهو أيضا غير جامع لما سبق، بل لا يتناول شيئا من المجملات، لأنه ما من مجمل من المشترك، والمتواطئ، وغيرهما من أقسامه، على ما ستعرفه إن شاء الله تعالى، وألا يفهم منه شيء نحو أن يفهم من المشترك انحصار المراد في أحد مفهوماته.
ومن المتواطئ نحو قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ إيجاب الحق على سبيل الإيهام، بحيث يصلح أن يفسر بأي جزء أريد نحو النصف والثلث والربع، وكذا من غيرهما لابد من أن يفهم شيء.
وغير مانع: أيضا لما سبق لا لأنه لا يمنع اللفظ المهمل والممتنع والمستحيل
стр. 1634
من الدخول تحته وهي ليست بمجملات، لأنه قد يدفع، بما أن قولنا: لا يفهم منه عند الإطلاق شيء يشعر بأنه عندما لا يكون مطلقا يفهم منه شيء وهي ليست/ (٢٨١/ ب) كذلك، ويخص الأخيران بالدفع، بأن المراد من الشيء ما يطلق عليه اسم الشيء، وإن كان على وجه التجوز لا ما حقيقة شيء، وإطلاق الأسماء المجازية ليس بممتنع في الحدود لاسيما الشائع الكثير الاستعمال.
وقال الشيخ الغزالي- رحمه الله تعالى-: المجمل هو اللفظ الصالح لأحد معنيين الذي لا يتعين معناه، لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال.
وهو غير جامع لما سبق، وأيضا فإنه إن عنى بقوله: لأحد معنيين، أحد معنيين مختلفين فغير جامع، من وجه آخر أيضا: لأنه يخرج عنه المتواطئ إذ ليس له معنيان مختلفان، بل معناه واحد والتعدد والاختلاف إنما هو في مجال معناه.
وإن عنى به أحد معنيين سواء كانا مختلفين أو متفقين فغير مانع، لأنه يدخل تحت نحو أعتق رقبة إذ هي صالحة لأحد معنيين متفقين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال مع أنها ليست مجملة بالاتفاق.
стр. 1635
وقال أبو الحسين البصري: المجمل ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو متعين في نفسه واللفظ لا بعينه.
ولا يرد عليه قولك: اضرب رجلا، فإنه وإن أفاد شيئا من جملة أشياء لكنه غير متعين في نفسه بل أي رجل ضربه جاز، وليس كذلك لفظ: "القراء"، فإنه يفيد إما الطهر أو الحيض بعينه، ولهذا لا يخرج المكلف عن عمدة التكليف الوارد بلفظه بامتثال أيهما كان، وإنما تخرج عن عهدته بامتثال ما دلت القرينة على تعينه.
واعلم أن هذا التعريف إن كان تعريفا لمطلق المجمل وهو الذي أشعر به كلامه إشعارا ظاهرا، فإنه ذكر في أوله لفظة "ما" وهي عامة التناول فيشمل اللفظ والفعل، كان ينبغي أن لا يذكر في آخر اللفظ "فإن ذلك يشعر بأنه أراد من "ما" اللفظ وحينئذ يكون التعريف غير جامع، لخروج الفعل المجمل عنه، وإن كان تعريفا للمجمل اللفظي فقط، إما لأن الإجمال بالذات للفظ
стр. 1636
وبالعرض للفعل إذ الفعل غير موضوع للدلالة على الشيء حتى يتطرق إليه الإجمال والتصريح، أو لأن الغالب إنما هو الإجمال في اللفظ دون الفعل كأن ينبغي أن لا يذكر في أوله ما يتناوله وغيره، بل كان ينبغي أن يصرح بذكر اللفظ دفعا لإيهام التعميم.
هذا مع أن الأولى ذكر التعريف على وجه تناولهما، فإصلاحه بحذف اللفظ وإيراد "هو" وما يجري مجراه مكانه فيقال: ما أفاد شيئا من جملة أشياء/ (٢٨٢/ أ)، وهو متعين في نفسه وهو لا بعينه.
وحينئذ يكون جامعا مانعا لا إشكال فيه.
"وأما المبين" فيطلق على معنيين:
أحدهما: الخطاب الذي يحتاج إلى البيان وقد ورد عليه بيانه.
وثانيهما: الخاطب المبتدأ المستغنى عن البيان، وهو نوعان:
أحدهما: ما دل عليه الخطاب بحسب الوضع وهو النص والظاهر.
وثانيهما: ما دل عليه بحسب المعنى كمفهوم الموافقة والمخالفة، وسائر ما دل عليه النص بطريقة التعليل كقوله ﵇: "إنها من الطوافين والطوافات"، وكقوله: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقالوا:
стр. 1637
(نعم) فقال: "فلا إذا"، وكما دل عليه النص بواسطة الفعل نحو الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به.
وكقوله [تعالى]: ﴿واسأل القرية﴾ فإنه لما تعذر إجراء الخطاب على ظاهره، وجب إضمار "الأهل" وما جرى مجراه، وهكذا كل خطاب دل الفعل على تعين مجازه في بادئ النظر، والأول يشبه أن يكون
стр. 1638
هو الحقيقة، أما لغة فلأنه هو الذي ورد عليه البيان وبين دون الثاني.
والمبين: اسم المفعول من بين الشيء إذا ظهر.
وأما اصطلاحا: فلتبادر الفهم إليه عند إطلاقه وكثرة استعماله فيه.
وأما البيان: في اللغة: فهو اسم مصدر "بين" إذا أظهر، وأزال الإيهام كالكلام والأذان، يقال: بين يبين تبينا وبيانا كما يقال: كلم يكلم تكليما وكلاما وأذن يؤذن تأذينا وأذانا.
وأما في الاصطلاح فاعلم: أن للشيخ الغزالي- رحمه الله تعالى- فيه كلاما حسنا.
وهو: أنه لا شك في أن البيان أمر يتعلق بالتعريف والإعلام، وإنما يحصل الإعلام بدليل، والدليل محصل للعلم أو الظن فهاهنا أمور ثلاثة: الإعلام، ومحصله، ونتيجته.
فمن الناس من جعله عبارة عن التعريف، وإليه ذهب أبو بكر الصيرفي من أصحابنا، وهؤلاء قالوا في حده: إنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز
стр. 1639
التجلي.
ومنهم من جعله عبارة عما به يحصل الإعلام: وهو الدليل.
وإليه ذهب القاضي أبو بكر، وأكثر أصحابنا: نحو الشيخ الغزالي، والإمام، وغيرهما، وأكثر المعتزلة: كأبي هاشم، وأبي حسين البصري، وغيرهما.
وهؤلاء قالوا في حده: إنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم أو الظن بالمطلوب منه.
ومنهم من جعله عبارة عن: نفس العلم أو الظن الحاصل من الدليل. وإليه ذهب أبو عبد الله البصري.
وهؤلاء قالوا: في تحديده "هو" عبارة عن تبيين/ (٢٨٢/ ب) الشيء،
стр. 1640
فالتبيين عندهم واحد.
واعلم أن القول الذي عليه الجماهير هو الأشبه: أما بحسب اللغة فلكثرة الاستعمال فيه، قال الله تعالى: ﴿هذا بيان للناس﴾ أي دليل لهم، ويقال: بين فلان كذا، بيانا حسنا إذا ذكر الدلالة عليه، ويقال: لفلان بيان حسن أي قدرة على تقرير الدلائل.
وأما بحسب الاصطلاح: فلأن الأصولي إذا سمع لفظ البيان من مثله لم يتبادر فهمه إلا إلى الدليل، لكن غايته أنه يتبادر إلى دليل مخصوص، وهو الدليل القولي فقط عند من يعتقد أنه مخصوص به، وأما من لا يعتقد ذلك فلا تخصيص عنده بدليل دون دليل بل يتبادر إلى مطلق الدليل.
ويقول الأصولي: وجد لهذا الكلام بيان أي دليل يبين المراد منه، وإن لم يحصل التعريف والإعلام به بعد، وبهذا عرف فساد المذهبين الآخرين، لأنه إذا لم يحصل التعريف والإعلام به، لم يحصل العلم أو الظن به لا لما قيل "أن" من ذكر الدلالة على الشيء لغيره، وأوضحها غاية الإيضاح يصح لغة وعرفا أن يقال: "تم بيانه" و"هو بيان حسن" وإن لم يحصل منه المعرفة بالمطلوب للسامع فلا يحصل به تعريفه ولا إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، لأنه ليس من شرط التعريف والإعلام حصول المعرفة
стр. 1641
والعلم، بدليل أنه يصح أن يقال: عرفه فما عرف، واعلم فما علم. ومن جعل البيان عبارة عن التعريف والإعلام، لم ينقل عنه أنه يشترط في لك حصول المعرفة للمعرف له، وكذلك ليس من شرط إخراج الشيء عن حيز الإشكال إلى حيز التجلي أن يكون ذلك حاصلا للسامعين لجواز أن يكون ذلك لمانع من جهتهم لا لإشكال في الشيء، ولهذا يصح أن يقال: "ظهر الحق" وتجلى "بحيث ليس فيه إشكال وإن أكثر الناس لا يعرفونه ولا يقال: بأن تحديده بذلك غير جامع لأن ما يدل على الحكم ابتداء من غير سابقه إشكال بيان، ولم يتصور فيه الإخراج عن حيز الإشكال إلى حيز التجلي لأنا نمنع أنه بيان على اصطلاحهم، فإن الذهن لم يتبادر عند سماعه إلا إلى بيان المجمل، أو ما فيه نوع من الإيهام، وكيف لا واختصاص البيان بما يزيل الإشكال على اصطلاحهم أظهر من اختصاصه بالدليل [القولي] والشيخ الغزالي المزيف لهذا الحد بما ذكرنا معترف بأن البيان في اصطلاح القوم مخصوص بالدليل القولي، وليس هو/ (٢٨٣/ أ) عبارة عن مطلق الدليل عندهم، مع أن الفعل قد يكون بيانا للمجمل عندهم على ما ستعرف ذلك، والدليل العقلي أيضا قد يكون بيانا له فإن المشترك إذا استحال حمله على أحد مفهوميه لدليل عقلي، فإنه يتعين حمله على المعنى الآخر إذ ذاك، فبيانه هو ذلك الدليل العقلي.
стр. 1642
وإذا عرفت هذه الألفاظ فلنشرع في المقاصد.
стр. 1643
"الفصل الأول"
في المجمل وما يتعلق به
وفيه مسائل:
стр. 1644
" النوع الأول"
في المجمل وما يتعلق به
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في أقسام المجمل
اعلم أن الدليل إما شرعي، أو عقلي: والشرعي إما أصلى، أو مستنبط منه وهو القياس، والإجمال غير متصور في هذين القسمين: أعني العقل والمستنبط من الشرعي.
والأصلي، إما قول، أو فعل.
والقول: إما مفرد أو مركب.
والمفرد: إما علم "كزيد" المتردد بين الشخصين المسميين به، أو غيره.
وهو إما ظاهر: حكم عليه بالإجمال حال كونه مستعملا في موضوعه، وهو اللفظ الظاهر الذي يتناول معاني كثيرة، لا يجوز الحمل عليها بأسرها لا على وجه التعميم، ولا على وجه البدلية، كما في المطلق.
стр. 1645
وهو على قسمين، لأن تناوله لها: إما بحسب خصوصياتها، وهو اللفظ المشترك كالقرء، والمختار، فإنه مشترك بين الفاعل، والمفعول، وقد عرفت أقسامه في بابه.
وأما بحسب معنى مشترك بينهما، وهو المتواطئ كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
أو حال كونه مستعملا في بعض موضوعه، وهو العام المخصوص، وما يجري مجراه.
إما باستثناء مجهول كقوله تعالى: ﴿وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾.
أو بصفة مجهولة كقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين﴾.
стр. 1646
فإنه لو لم يكن الحل مقيدا بقوله: ﴿... محصنين﴾ كان التعميم معلوما فلما قيده به وهو غير معلوم لنا صار ما هو المراد "منه" مجهولا "لنا".
أو بدليل منفصل، كما إذا قيل في عام، المراد منه البعض لا الكل.
أو حال كونه مستعملا خارج موضوعه، لا في كله، ولا في بعضه، وهو على قسمين لأنه: إما أن يكون مستعملا فيه بطريق النقل إليه، وهو الأسماء المنقولة الشرعية "أي" والمنقولات الخاصة دون العامة، فإن الاشتهار فيها واجب فيما بين أهل العرف، فلا يتحقق فيها الإجمال، أو لا بطريق النقل إليه، بل على وجه التجوز، وهو اللفظ الذي دل الدليل على أن الحقيقة غير مرادة منه وله مجازات عديدة/ (٢٨٣/ ب) متساوية، فإن اللفظ يكون مجملا بالنسبة إلى تلك المجازات، إذ ليس الحمل على بعضها أولى من حمله على بعضها الآخر، كما هو في المشترك والمتواطئ، فيكون مجملا.
أو غير ظاهر نحو اسم الإشارة المتردد بين أمور يصلح كل واحد منها أن يكون مشارا إليه، ونحو اسم الموصول [المتناول] بصلته أشياء كثيرة،
стр. 1647
ونحو الضمير الذي يكون مترددا في عوده إلى الشيء وغير ترددا سويًا، نحو "هو" عندما تقدم عليه ذكر أمور يصلح أن يكون مرجوعا إليه "له" وكذلك الضمير المتصل البارز، فإنه وإن كان لا يتلفظ بدون التركيب "لكن" لا مدخل له في إجماله وما نشاء إجماله من التركيب، لكن لا يجوز الحمل عليهما، لا بطريق المعية، ولا بطريق البدلية، بل يحمل على واحد منهما نحو قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ "فإن قوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ " صالح للزوج، والولي وصادق عليهما.
وقد يكون بسبب حرف العطف الذي يصلح أن يكون ما بعده معطوفا على ما قبله، ويصلح أن يكون مبتدأ نحو قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا﴾، فإن قوله: ﴿والراسخون﴾ يصلح أن يكون معطوفا، ويصلح أن يكون مبتدأ، وإنما يتعين أحدهما بدليل من خارج.
стр. 1648
وقد يكون بسبب التجوز الناشئ من التركيب، كما في النفي الداخل على الشيء الذي علم أنه غير منتفي، فإنه يجب صرف ذلك النفي إلى ما هو المطلوب منه من الصفات، فإذا كان ذلك أمورا عديدة نحو عدل السلطان، وعلمه وقدرته، وشجاعته، لم يمكن صرفه إلى الكل.
أما أولا: "فلأن" كل [ما] هو المطلوب منه غير منفي قطعا.
وأما ثانيا: فلأنه إضمار من غير ضرورة، إذ الضرورة مندفعة بإضمار بعض ملك الصفات فلا حاجة إلى إضمار كلها، ثم ليس البعض أولى من البعض فيتحقق الإجمال، وهذا على رأي بعضهم.
وقد يكون بسبب جميع الصفات وأردافها بما يصلح أن يرجع إلى كلها، أو إلى بعضها نحو قولك: زيد طبيب أديب خياط ماهر، فقولك: "ماهر"
стр. 1649
يصح أن يكون راجعا إلى الكل، وإلى البعض فقط، وذلك البعض يصح أن يكون هو الأخير أو غيره.
فإن قلت: هو ظاهر في عوده إلى الكل عند البعض، وإلى الأخير عند البعض الآخر، وعلى التقديرين لا يتحقق الإجمال.
قلت: أليس أنه عند البعض مجمل غير ظاهر في شيء منهما؟
وغرضنا إنما هو/ (٢٨٤/ أ) تطرق الإجمال في الجملة لا الإجمال المتفق عليه ثم الإجمال في مثل هذا لازم على رأيهم أيضا: إذا دل دليل على أنه لا يرجع إلى الكل أو إلى الأخير.
وقد يكون بسبب أن اللفظ متردد بين جميع الأجزاء، وبين جميع الصفات نظرا إليه، وإن كان أحدهما يتعين بدليل من خارج، نحو قولك: الثلاثة زوج وفرد، فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ لا يتعين أحدهما، وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد فيه جمع الأجزاء، فإن حمله على جميع الصفات، أو على جمعها يوجب كذبه.
وأما الفعل فالاحتمال فيه بالذات، لأنه لا يدل بمجرد على وجه وقوعه
стр. 1650
والظهور والقطع في دلالته على وجه وقوعه، إنما هو من دليل خارج فإن اقترن به ذلك كان مبينا وإلا كان مجملا.
مثال الأول: مداومته ﵇ على الركوع والسجود في الصلاة، فإن مجرد فعلها لا يدل على أنهما من واجبات الصلاة، لكن قرينة المداومة تدل على ذلك، إذ لو كان غير واجب لترك لئلا يعتقد وجوبه، فإن المداومة خصوصا مع قوله: "صلوا كما رأيتموني [أصلي] " يدل على ذلك.
مثال الثاني: تركه التشهد الأول، فإن مجرد تركه لا يدل على أنه ليس من واجبات "الصلاة" لاحتمال أن يكون تركه ناسيا، وإنما يدل عليه أن لو علم تركه متعمداً.
следующие страницы →