Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
فإنه لو لم يكن الحل مقيدا بقوله: ﴿... محصنين﴾ كان التعميم معلوما فلما قيده به وهو غير معلوم لنا صار ما هو المراد "منه" مجهولا "لنا".
أو بدليل منفصل، كما إذا قيل في عام، المراد منه البعض لا الكل.
أو حال كونه مستعملا خارج موضوعه، لا في كله، ولا في بعضه، وهو على قسمين لأنه: إما أن يكون مستعملا فيه بطريق النقل إليه، وهو الأسماء المنقولة الشرعية "أي" والمنقولات الخاصة دون العامة، فإن الاشتهار فيها واجب فيما بين أهل العرف، فلا يتحقق فيها الإجمال، أو لا بطريق النقل إليه، بل على وجه التجوز، وهو اللفظ الذي دل الدليل على أن الحقيقة غير مرادة منه وله مجازات عديدة/ (٢٨٣/ ب) متساوية، فإن اللفظ يكون مجملا بالنسبة إلى تلك المجازات، إذ ليس الحمل على بعضها أولى من حمله على بعضها الآخر، كما هو في المشترك والمتواطئ، فيكون مجملا.
أو غير ظاهر نحو اسم الإشارة المتردد بين أمور يصلح كل واحد منها أن يكون مشارا إليه، ونحو اسم الموصول [المتناول] بصلته أشياء كثيرة،
стр. 1647
ونحو الضمير الذي يكون مترددا في عوده إلى الشيء وغير ترددا سويًا، نحو "هو" عندما تقدم عليه ذكر أمور يصلح أن يكون مرجوعا إليه "له" وكذلك الضمير المتصل البارز، فإنه وإن كان لا يتلفظ بدون التركيب "لكن" لا مدخل له في إجماله وما نشاء إجماله من التركيب، لكن لا يجوز الحمل عليهما، لا بطريق المعية، ولا بطريق البدلية، بل يحمل على واحد منهما نحو قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ "فإن قوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ " صالح للزوج، والولي وصادق عليهما.
وقد يكون بسبب حرف العطف الذي يصلح أن يكون ما بعده معطوفا على ما قبله، ويصلح أن يكون مبتدأ نحو قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا﴾، فإن قوله: ﴿والراسخون﴾ يصلح أن يكون معطوفا، ويصلح أن يكون مبتدأ، وإنما يتعين أحدهما بدليل من خارج.
стр. 1648
وقد يكون بسبب التجوز الناشئ من التركيب، كما في النفي الداخل على الشيء الذي علم أنه غير منتفي، فإنه يجب صرف ذلك النفي إلى ما هو المطلوب منه من الصفات، فإذا كان ذلك أمورا عديدة نحو عدل السلطان، وعلمه وقدرته، وشجاعته، لم يمكن صرفه إلى الكل.
أما أولا: "فلأن" كل [ما] هو المطلوب منه غير منفي قطعا.
وأما ثانيا: فلأنه إضمار من غير ضرورة، إذ الضرورة مندفعة بإضمار بعض ملك الصفات فلا حاجة إلى إضمار كلها، ثم ليس البعض أولى من البعض فيتحقق الإجمال، وهذا على رأي بعضهم.
وقد يكون بسبب جميع الصفات وأردافها بما يصلح أن يرجع إلى كلها، أو إلى بعضها نحو قولك: زيد طبيب أديب خياط ماهر، فقولك: "ماهر"
стр. 1649
يصح أن يكون راجعا إلى الكل، وإلى البعض فقط، وذلك البعض يصح أن يكون هو الأخير أو غيره.
فإن قلت: هو ظاهر في عوده إلى الكل عند البعض، وإلى الأخير عند البعض الآخر، وعلى التقديرين لا يتحقق الإجمال.
قلت: أليس أنه عند البعض مجمل غير ظاهر في شيء منهما؟
وغرضنا إنما هو/ (٢٨٤/ أ) تطرق الإجمال في الجملة لا الإجمال المتفق عليه ثم الإجمال في مثل هذا لازم على رأيهم أيضا: إذا دل دليل على أنه لا يرجع إلى الكل أو إلى الأخير.
وقد يكون بسبب أن اللفظ متردد بين جميع الأجزاء، وبين جميع الصفات نظرا إليه، وإن كان أحدهما يتعين بدليل من خارج، نحو قولك: الثلاثة زوج وفرد، فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ لا يتعين أحدهما، وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد فيه جمع الأجزاء، فإن حمله على جميع الصفات، أو على جمعها يوجب كذبه.
وأما الفعل فالاحتمال فيه بالذات، لأنه لا يدل بمجرد على وجه وقوعه
стр. 1650
والظهور والقطع في دلالته على وجه وقوعه، إنما هو من دليل خارج فإن اقترن به ذلك كان مبينا وإلا كان مجملا.
مثال الأول: مداومته ﵇ على الركوع والسجود في الصلاة، فإن مجرد فعلها لا يدل على أنهما من واجبات الصلاة، لكن قرينة المداومة تدل على ذلك، إذ لو كان غير واجب لترك لئلا يعتقد وجوبه، فإن المداومة خصوصا مع قوله: "صلوا كما رأيتموني [أصلي] " يدل على ذلك.
مثال الثاني: تركه التشهد الأول، فإن مجرد تركه لا يدل على أنه ليس من واجبات "الصلاة" لاحتمال أن يكون تركه ناسيا، وإنما يدل عليه أن لو علم تركه متعمداً.
стр. 1651
المسألة الثانية
يجوز ورود المجمل في كتاب الله تعالى و [سنة] رسول "الله ﷺ "، والدليل عليه ما تلونا من الآيات هنا، وفي مسألة أنه يجوز ورود المشترك في كتاب الله تعالى وسنة ورسول [الله ﵇] والكلام في هذه المسألة نفيا وإثباتا ما سبق في تلك المسألة، ولا حاجة إلى التطويل.
المسألة الثالثة
[لا إجمال في التحريم والتحليل المضافين إلى الأعيان]
ذهب جماهير الأصوليين من الفريقين، إلى أن التحريم والتحليل المضافين إلى الأعيان نحو قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ لا إجمال فيه، بل يفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الأعيان
стр. 1652
فقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ يفيد تحريم الاستمتاع، وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ يفيد تحريم أكل الميتة وشر الدم.
خلافا للكرخي، وأبي عبد الله البصري، فإنهما ذهبا إلى أنه مجمل.
لنا وجوه:
стр. 1653
أحدها: قوله ﵇ "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها".
ووجه الاستدلال به هو أن التحريم المضاف إلى الشحوم، لو لم يفد تحريم كل نوع من أنواع التصرفات المتعلقة بها، لما استحقوا اللعن/ (٢٨٤/ ب) على بيعها وأكل أثمانها.
стр. 1654
فإن قلت: إنه حكاية وهي لا تفيد التعميم، فلعل ذلك التحريم كان "على" وجه يفيد تحريم جميع أنواع التصرفات المتعلقة بها، وذلك مما لا نزاع فيه وليس في الحديث ما يدل على أن ذلك التحريم كان مطلقا حتى حصل مقصودكم.
سلمنا: أنه كان مطلقا، لكن لا نسلم أنه لو لم يفد تحريم جميع أنواع التصرفات لما استحقوا اللعن، وهذا لأنه يجوز أنهم إنما استحقوا ذلك، لأنهم عملوا ذلك قبل الاستكشاف وطلب البيان وصادفوا ما هو المحرم عليهم من جملة تلك التصرفات، وكان الواجب عليهم أن لا يقدموا على شيء من التصرفات المتعلقة بها قبل الاستكشاف، فلما تركوا ذلك وصادفوا المحرم استحقوا اللعن.
قلت: الأصل والظاهر متطابقان في الدلالة على أنهم إنما استحقوا ما استحقوا بمجرد مخالفة تحريم الشحوم لا غير.
أما الأول: فلأن الأصل عدم ما يظن أنه مستفاد منه غير التحريم.
وأما الثاني: فلأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعليته فترتب اللعن على البيع وأكل الثمن بعد تحريم الشحوم، يدل على أن علته هي مخالفة تحريم الشحوم بالبيع وأكل ثمنها.
وعن الثاني: أنه لو كان ذلك لما ذكرتم، لكان الواجب التصريح بذلك علمنا أنه ليس لما ذكرتم.
стр. 1655
ثانيها: أن المتبادر إلى الفهم عند سماع قول القائل: هذه المرأة حرام على هذا الرجل، أو حرمت هذه المرأة عليه، أو هذا الطعام حرام، أو حرم هذا الطعام، إنما هو تحريم الاستمتاع بها، وتحريم أكل الطعام، والتبادر دليل الحقيقة.
فإن أحيل ذلك إلى العرف الطارئ، دفع بأن الأصل عدم التعبير.
ولئن سلم: كان المقصود أيضا حاصلا لأنا ما ادعينا سوى أنه يفيد بحسب العرف تحريم الأفعال المطلوبة من تلك الأعيان سواء كان العرف مطابقا لمقتضى اللغة أو لم يكن.
وثالثها: أن التعميم أكثر فائدة من الإجمال [لأن مدلولاته معينة وأكثر بخلاف مدلول المجمل، فإنه غير معين وأقل منه] فكان الحمل عليه أولى.
فإن قلت: التعميم وإن كان أكثر فائدة من الإجمال، [لأن مدلولاته معينة وأكثر، بخلاف مدلول المجمل، فإنه غير معين] لكنه في هذا المقام يستلزم محذورين، وهما كثرة الإضمار، ولزومها إياه دائما "لأن مدلولاته
стр. 1656
معينة وأكثر بخلاف مدلول المجمل فإنه غير معين وأقل منه" بخلاف محذور الإجمال، فإنه يزول عنه عندما عرف المراد منه، بدليل آخر وليس فيه كثرة الإضمار، بل لا يضمر فيه إلا أمر واحد/ (٢٨٥/ أ) فمع المحذورين، لم قلتم أنه أولى من الإجمال؟
قلت: لا نسلم أولا لزوم كثرة الإضمار، لم سلم أن هناك إضمار وهذا لأن المعنى من قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ حرم عليكم جميع أنواع الاستمتاع بها، وإنما يلزم من الأول دون الثاني.
فإن قلت: إن كثرة المضمر يستلزم كثرة الإضمار، لأن قولنا: حرم جميع أنواع الاستمتاع جار مجرى قولنا: حرم عليكم النظر بالشهوة، وحرم عليكم القبلة، وحرم عليكم المعانقة، وحرم عليكم الوطء، وإذا كان كذلك كان كثرة الإضمار لازما له. قلت: لا نسلم أنه جار مجراه، وقد عرفت سنده فيما سبق غير مرة فلا نعيده.
سلمنا: لزوم كثرة الإضمار ودوامها له، لكنه مع هذا خير من الإجمال، لأن ما هو المقصود من الكلام، هو إفهام المراد منه حاصل فيه كل زمان.
وأما الإجمال فإنه يخل بهذا المقصود قبل البيان في حق الكل وبعده في حق من لا يصل إليه البيان، وهو موقع للمتكلم في كلفة البيان، وللسامع في كلفة طلبه، والنظر بخلاف القول بالتعميم، فكان أولى.
стр. 1657
احتجا بوجهين:
أحدهما: أن التحليل والتحريم يستحيل أن يتعلقا بالأعيان، لأنهما حكمان شرعيان، والحكم الشرعي إنما يتعلق بما هو مقدور للعبد من أفعاله، والأعيان غير مقدورة له فيستحيل تعلقهما بها، وحينئذ يجب صرفهما عن ظاهرهما وتعليقهما بالأفعال المتعلقة بتلك الأعيان دفعا للتعطيل، فإما أن تعلقهما بجميع الأفعال المتعلقة بها وهو باطل، لأنه إضمار من غير حاجة أو يتبعض بمعين وهو أيضا باطل، لأنه ليس البعض أولى من البعض لعدم ما يدل عليه لفظا ومعنى أو ببعض غير معين، وهو أيضا باطل، لأنه خلاف الإجماع "أولا تعلقهما بشيء وهو أيضا باطل، لأنه تعطيل للنص وهو أيضا خلاف الإجماع" فلم يبق إلا لتوقف إلى أن يدل دليل على ذلك التعليق، وهو المطلوب.
وجوابه: أنا لا نسلم أن تعليقها بالأفعال المطلوبة من تلك الأعيان على وجه الإضمار، وهذا لأن اللفظ يدل عليه بطريق الحقيقة بعرف الاستعمال بدليل التبادر كما سبق في الاستدلال، وإذا كان كذلك/ (٢٨٥/ ب) لم يكن هناك إضمار، فضلا عن أن يكون بغير حاجة.
سلمنا: أن تعليقهما بالأفعال المتعلقة بتلك الأعيان على وجه الإضمار، لكن لا نسلم إنه البعض أولى من البعض، بل الأفعال المطلوبة منها أولى بذلك للعرف.
стр. 1658
وثانيهما: أنهما لو دلا على تحريم فعل معين، أو تحليله لدلا عليه في كل موضع واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله.
وجوابه: منع الملازمة، وما الدليل عليه.
سلمناه: لكن في التعين النوعي، فأما في التعين الشخصي فممنوع، والتعين النوعي حاصل فيما نحن فيه فإنهما يدلان في كل موضع على تحريم وتحليل الأفعال المطلوبة من تلك الأعيان.
стр. 1659
المسألة الرابعة
ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ مجمل .
لأنه محتمل لمسح جميع الرأس ولمسح بعضه، وليس أحدهما أولى من الآخر، فتحقق الإجمال، وإنما أوجبنا مسح مقدار الناصية، لأن فعله ﵇ وقع بياناً له.
стр. 1660
وذهب الباقون إلى نفي الإجمال.
لكن منهم من قال: إنه يفيد مسح جميع الرأس وإليه ذهب مالك ﵁، ومن الأصوليين القاضي، ومن الأدباء ابن جني.
ومنهم من قال: إنه يفيد التبعيض وإليه ذهب أصحابنا.
ومنهم من قال: يفيد القدر المشترك بين الكل والبعض، وهو مذهب الشافعي ﵁، واختاره جماعة من الأصوليين، نحو القاضي
стр. 1661
عبد الجبار وغيره.
وتمام الكلام فيه قد مر في اللغات فلا نعيده.
стр. 1662
المسألة الخامسة
اختلفوا في قوله ﵇: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" و"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" و"لا نكاح إلا بولي
стр. 1663
وشاهدي عدل" ..........................
стр. 1664
و"لا صلاة إلا بطهور" وأمثالها فذهب جماهير الأصوليين إلى أنه لا إجمال فيها مطلقا.
وذهب القاضي أبو بكر، وأبو عبد الله البصري، إلى أنه مجملة مطلقا، ونقل ذلك أيضا عن أبي علي وأبي هشام.
ومنهم من فصل وقال: حرف النفي إن كان داخلا على مسمى شرعي: كالصلاة، والصوم، فلا إجمال فيه، بل اقتضى نفي نفس الفعل الشرعي، لأنه حقيقة في نفي الذات، كما في قولهم: لا رجل في الدار.
стр. 1665
وقد أمكن استعماله في حقيقته بحسب الشرع إذ لا يلزم في ذلك كذب، لاحتمال أن يكون الوصف المفقود معتبرا في ماهية ذلك الفعل وبحسب الشرع فوجب المصير إليه، وإن كان/ (٢٨٦/ أ) داخلا على مسمى لغوي فقد تعذر استعماله في حقيقته، لأن استعماله فيها يستلزم كذب الشارع، ضرورة أنه وجد مسماه اللغوي، فيجب صرفه إلى حكمه حذارا عن تعطيل النص، فأما أن يكون له حكم واحد، أو أكثر.
فإن كان الأول: نحو الشهادة، والإقرار فيما ندب ستره، فإذا "فرض" ورود "قوله": لا شهادة لمجلود في القذف، ولا إقرار لمن أقر بالزنا مرة واحدة من الشارع، وجب صرفه إلى نفي الجواز، لأنه تعذر إجماله بالنسبة إلى المسمى لما سبق، وكذا في غير ذلك الحكم، إذ ليس له إلا ذلك الحكم الواحد، فيتعين تعليقه به لئلا يتعطل النص.
وإن كان الثاني: نحو الشهادة فيما لا يندب ستره، بل يندب إظهارها فيه، فإذا فرض أنه قال فيه: لا شهادة لمستورين منه، فيحتمل أن يكون المراد منه نفي الفضيلة والكمال، ويحتمل أن يكون المراد نفي الجواز فهاهنا يتحقق الإجمال وهو مختار الأكثرين.
احتج من قال: بنفي الإجمال مطلقا بوجهين:
أحدهما: أن النفي إن دخل على ما له مسمى بحسب عرف الشرع، سواء
стр. 1666
كان له مسمى بحسب وضع اللغة، أو لا، وجب حمله على نفيه، لما سبق في تقرير مذهب القائلين بالتفصيل فيما يوصف به.
أما إذا لم يكن له حقيقة بحسب اللغة فظاهر.
وأما إذا كان له حقيقة بحسب اللغة أيضا: فكذلك، لأن الغالب منه ﵇ استعمال الألفاظ في مسماها الشرعية، والحمل على الغالب، وبتقدير أن لا يحمل عليه لعلة يذكرها الخصم وستعرفها، وجب حمله نفي حكمه، فإن كان له حكم واحد تعين حمله عليه، وإن كان له حكمان وجب حمله على نفي الجواز، لما سيأتي، وعلى كل تقدير لا إجمال، وإن دخل على ما ليس "له" في مسماه عرف تعذر حمله على نفي حقيقته بحسب عرف اللغة لما سبق وحينئذ يجب صرف النفي إلى حكمه، فإن كان له حكم واحد تعين حمله عليه لئلا يتعطل النص، وإن كان له حكمان الكمال والجواز، وجب حمله على نفي الجواز لوجوه:
أحدها: أن اللفظ دال على نفي الذات بطريق الحقيقة، وذلك مما لا نزاع فيه، والدال على نفي الذات بطريق الحقيقة دال على نفي جميع الصفات بطريقة الالتزام لاستحالة بقاء الصفات مع عدم الذات، فإذا تعذر حمله على حقيقته، وجب حمله على لازمه وهو نفي جميع الصفات فتنتفي/ (٢٨٦/ ب) الصحة والكمال.
стр. 1667
فإن قلت: دلالة الالتزام تابعة لدلالة المطابقة، فإذا انتفى المتبوع انتفى التابع.
قلت: لا نسلم انتفاء المتبوع فيما نحن فيه، فإن دلالة اللفظ بالمطابقة على نفي الذات متحققة فيما نحن فيه وإنما المدلول المطابقي غير متحقق، ولا يلزم من انتقاء المدلول انتفاء الدلالة، وليس المعنى من كون دلالة الالتزام والتضمن تابعة لدلالة المطابقة، هو أنه حيث لم يتحقق المدلول المطابقي لم يتحقق المدلول الالتزامي والتضمني، لأن ذلك يقتضي عدم جواز الحمل على المجاز عند تعذر الحمل على الحقيقة، وهو شرط له.
وثانيها: أنا بينا في اللغات أن اللفظ إذا تعذر حمله على حقيقته، يجب حمله على المجاز الذي هو أكثر مشابهة للحقيقة، ولا شك أن المشابهة بين المنفى، وبين ما لا يصح، ولا يفضل أكثر وأتم من المشابهة بين المنفي وبين ما لا يفصل، ولكنه يصح، وإذا كان كذلك كان الحمل عليه واجبا عند تعذر حمله على نفي الذات.
وثالثها: أن القول بالحمل على نفي الصحة يقتضي رفع الإجمال، والقول بترديد اللفظ بينه وبين نفي الفضيلة يقتضي إثباته، ولا شك أن الإجمال خلاف الأصل فما يقتضيه أيضا خلاف الأصل، وأما أنه يحمل على نفي الفضيلة فقط فقول لم يقل به أحد، وعند هذا يجب حمله على رفع الجواز.
стр. 1668
وثانيهما: أن المتبادر إلى الفهم عند السماع من استعمال النفي فيما هو غير منفي حقيقته إنما هو نفي فائدته وجدواه كقولهم: لا بلد إلا بسلطان، ولا سلطان إلا بعدل، ولا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا حكم إلا لله ولرسوله، ولا طاعة إلا لله ولرسوله، والتبادر دليل الحقيقة، فيكون حقيقة فيه سواء كان بحسب اللغة، أو بحسب العرف الطارئ، وعلى كل تقدير يلزم أن لا يكون اللفظ مجملا، ومتوقفا فيه في الحمل بين نفي الكمال، وبين نفي الجواز، بل هو محمول على حقيقته، وهو نفي الفائدة والجدوى، ولا شك أن ذلك يقتضي نفي الجواز، لأن كل ما كان جائزًا كان مفيدا لآثاره، فهو إذًا دال على نفي الجواز.
احتج الخصم بوجوه:
أحدها: أن حرف النفي إذا دخل على غير ما هو غير منفي بحسب الصورة فتارة يفيد نفي صحته، نحو قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور"، و"قوله": "لا نكاح إلا بشهود".
وتارة يفيد نفي الفضيلة أو الكمال فقط نحو قوله ﵇: "لا صلاة للعبد الآبق حتى يعود إلى "أهله""، و"لا صلاة لجار المسجد إلا في
стр. 1669
المسجد" والأصل في الاستعمال/ (٢٨٧/ أ) الحقيقة فهو حقيقة فيهما، إما بحسب اللفظ، أو بحسب المعنى وإنما كان يلزم الإجمال.
стр. 1670
......................................................................
стр. 1671
وجوابه: أنه حقيقة في نفي الصحة أو فيما يستلزمه مجاز في نفي الكمال، وهذا وإن كان خلاف الأصل، لكن الاشتراك والتواطؤ الذي هو مجمل أيضا خلاف الأصل.
فلم قلتم: إنه أولى من التجوز وعليكم الترجيح لأنكم المستدلون؟ ثم أنه معنا، أما بالنسبة إلى الاشتراك "فلما" سبق في اللغات.
стр. 1672
وأما بالنسبة إلى التواطؤ الذي هو مجمل، فلأن المجاز أكثر من جميع أنواع المجمل للاستقراء، فضلا عن المتواطئ الذي هو مجمل، وذلك يدل على قلة اشتماله على المفسدة بالنسبة إلى المجمل.
وثانيها: أن حرف النفي يقتضي نفي مسمى ما دخل عليه، فإن لم يكن له مسمى شرعيا لم يكن حمله على مقتضاه لئلا يلزم كذب الشارع، وحينئذ يجب صرفه إلى نفي حكمه لئلا يتعطل النص، فإما أن يصرف إلى الكل، وهو باطل، لأنه كثير إضمار من غير ضرورة، إذ الضرورة تندفع بإضمار واحد منها، ولأن إضمار الكل قد يتناقض لأن نفي الكمال يستلزم ثبوت الصحة بطريق المفهوم، فلو أضمرنا معه الصحة لزم التناقص، أو إلى بعض معين وهو أيضا باطل، لأنه ليس البعض أولى من البعض، أو إلى بعض غير معين أي بعض كان وهو المطلوب، وإن كان له مسمى شرعيا سواء كان مع اللغوي أو هو وحده لم يكن صرف النفي إلى نفي الحقيقة أيضا: إذ المسمى حاصل بدليل أنه يصدق عليه الاسم مع ذهاب ذلك الوصف الخصوص، قال ﵇: "دعي الصلاة أيام إقرائك" ويقال: الصلاة فاسدة بدون قراءة الفاتحة، والصوم الفرض بدون نية من الليل فاسد، والأصل في الاستعمال هو الحقيقة، وإذا لم يكن حمله على المسمى وجب صرفه إلى حكمه أيضا لما مر، وما "في" "التقريب" كما مر، ولو
стр. 1673
سلم أنه يمكن حمله لكن لا يتعين لذلك، لأن ذلك الوصف المفقود يحتمل أن يكون داخلا في ماهية المسمى، ويحتمل ألا يكون داخلا فيها في اعتبار الشارع، فعلى الأول، يمكن الحمل على المسمى، وعلى الثاني لا، وحينئذ يتردد اللفظ بين نفي المسمى، وبين نفي الجواز، وبين نفي الكمال فبتقدير إمكان الحمل على نفي المسمى الشرعي يرد احتمال الإجمال، لأنه يرفعه كما ذكرتم.
وجوابه: أن نقول: لم لا يجوز أن يصرف إلى الكل؟.
قوله: لأنه تكثير الإضمار من غير ضرورة.
قلنا: لا نسلم وقد عرفت سنده في/ (٢٨٧/ ب) المسألة السابقة.
قوله: في الوجه الثاني: إن إضمار الكل قد يتناقض.
قلنا: نعم لكن عند من يقول بالمفهوم، ونحن لا نقول به.
سلمنا: القول بالمفهوم، لكنه إنما يعتبر حيث لا منطوق، أو ما هي في حكمه يخالفه، فأما معه فلا.
سلمنا: ذلك لكن لم لا يجوز أن يصرف إلى بعض معين؟.
قوله: ليس البعض أولى من البعض.
قلنا: بل الصرف إلى نفي الجواز أولى لما سبق، ونخص القسم الثاني: أنا لا نسلم لا يمكن صرف النفي إلى المسمى، وهذا لأنه يجوز أن يكون الوصف المفقود داخلا في المسمى في اعتبار الشارع، فينتفي المسمى بانتفائه فحينئذ يتصرف النفي إليه.
стр. 1674
قوله: المسمى حاصل بدليل صدق الاسم عليه.
قلنا: لا نسلم وصدق الاسم عليه إنما هو على وجه التجوز للمشابهة في الصورة، بدليل أن لو حلف أنه لا يصلي، فصلى صلاة فاسدة لا يحنث، ولأن في حمل التمسية على التجوز جمعا بين ظاهر النفي وبين التسمية، لأن ظاهر النفي يقتضي نفي مسمى ما دخل عليه، بخلاف حمله على الحقيقة، لأن ظاهر النفي يصير متروكا فكان أولى.
وبهذا خرج الجواب أيضا عن قوله: أنه لا يتعين لذلك [بتقدير الإمكان، لأنه يتعين لذلك] ظاهرا لظاهر النفي.
وثالثها: أن صرف النفي إلى الجواز، عند تعذر صرفه إلى الحقيقة يترجح من وجه، وهو أنه أقرب إلى الحقيقة، وأكثر مشابهة لها، وصرفه إلى الكمال يترجح من وجه آخر، وهو أنه متيقن، لأنه منتفي على تقدير نفي الصحة أيضا، لكن غايته أنه على سبيل الالتزام، وإذا ترجح كل منهما على صاحبه من وجه لم يتعين، لأن يصرف النفي إليه وحينئذ يتحقق الإجمال.
وجوابه: أن الصرف إلى الجواز أولى، لأنه لازم ما يتبادر إليه الفهم، ولأن فيه تقليل مخالفة الدليل ومراعاة زيادة المشابهة ونفي الإجمال.
فإن قلت: فقوله ﵇: "لا عمل إلا بنية" وقوله: "إنما الأعمال بالنيات".
стр. 1675
هل هو كقوله ﵇: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" أم لا؟
قلت: هو عندنا في نفي الإجمال كالأخبار التي تقدم ذكرها لاطراد الدليلين المذكورين.
وخالف فيه بعض من وافقنا في نفي الإجمال عن الأول، بناء على أنه ليس للشارع في مسمى "العمل" عرف، فلا يدري إلى "ماذا" يرجع النفي، فإنه غير راجع إلى نفس العمل وفاقا، ولا يخفى عليك إنما ذكروه غير قادح في الدليلين المذكورين، لأنهما مطردان فما للشارع فيه عرف وفيما ليس له له عرف، فلا يكون عدم عرف الشارع قادحا في الدليل/ (٢٨٨/ أ).
المسألة السادسة
ذهب جماهير الأصوليين إلى أنه لا إجمال في قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وأمثاله .
стр. 1676
خلافا لأبي عبد الله وأبي الحسين البصريين.
لنا: أن المتبادر منه وأمثاله إلى الفهم حيث لا يرتفع نفس الخطأ والنسيان، كما في قول السيد لعبده: رفعت عنك الخطأ والنسيان، إنما هو رفع المؤاخذة والعقوبة عن الفعل الذي أخطأ فيه أو نسيه والتبادر دليل الحقيقة، ولأنه لو قال: ذلك ثم أخذ يعاقبه على ما أخطأ فيه أو نسيه عد مناقضا، فيكون حقيقة فيه فإذا صدر من الشارع وجب حمله عليه، لأنه كما لا يمكن حمله على رفع نفس الخطأ والنسيان ثمة لعدم قدرته عليه، هكذا لا يمكن حمله عليه في كلام الشارع، لكن لعلة أخرى وهي صيانة منصبه عن الكذب فإن الخطأ والنسيان واقعان من أمته، وحينئذ يجب حمله على ما هو المتبادر إلى الفهم، ضرورة أنه يجب حمل الألفاظ على حقائقها ما لم يصرفها صارف عنها.
ثم اعلم أن المعنى من رفع المؤاخذة والعقوبة عما فعل خطأ ونسيانا هو: أنه ما كان من خصائص تحريمه، وهو الذم عاجلا والعقاب آجلا يكون مرتفعا عنه، إذ هو المتبادر إلى الفهم، من المؤاخذة والعقاب على الفعل، لا أنه يرتفع عنه جميع أحكامه نحو وجوب القضاء والضمان والكفارة، فإن كل ذلك ليس من خصائص التحريم ولا هو متبادر إلى الفهم من إطلاق المؤاخذة والعقاب على الفعل ولا وجوبها على وجه العقاب، "ألا ترى" أن القضاء
стр. 1677
يجب على من حبس عن الصلاة مع أنه لا يعصى بالترك.
وكذلك يجب قضاء الصوم على من أفطر على ظن الغروب، أو تسحر على ظن عدم طلوع الفجر ثم بان خلافهما، مع أنهما لا يعصيان ولا يستحق كل هؤلاء العقاب، ولا هو أهل للمؤاخذة.
وكذلك الضمان فإنه قد يجب في مال من لا يعصى بالإتلاف كالصبي والمجنون، وقد يجب على من يثاب على فعله كالرامي إلى صف الكفار إذا قتل مسلما، وقد يجب على من يجب عليه الإتلاف كالمضطر في المخمصة، إذا وجد طعام الغير، فإنه يجب عليه أن يأكل، ويجب عليه الضمان، فليس هو من خصائص المحرم ولا وجوبه على وجه المؤاخذة والعقاب على ذلك الفعل فإن المندوب والواجب لا يستحق على فعلهما المؤاخذة والعقاب
стр. 1678
ولهذا يجب على العاقلة "مع" أنه لم يصدر منهم ما يوجب المؤاخذة/ (٢٨٨/ ب) والعقاب فهو إذا قد يجب جبرانا للحق وامتحانا ليثاب عليه، وكذلك تجب الكفارة حيث لا مؤاخذة ولا عقاب، بل هو يثاب كما في الرامي إلى صف الكفار إذا قتل مسلما، فلا يلزم من رفع المؤاخذة والعقاب عن فعل خطأ ونسيانا، رفع الضمان والكفارة والقضاء عنه، فعلى هذا لا حاجة لنا إلى التزام التخصيص بالنسبة إلى هذه الأحكام كما التزمه بعضهم ورجحه على احتمال الإجمال.
واحتج الخصم: بأن ظاهر الحديث يقتضي رفع الخطأ والنسيان عن الأمة وهو غير مرفوع عنهم لوقوعه منهم فلم يمكن حمله عليه لئلا يلزم الكذب، فيجب صرفه إلى حكمه لئلا يتعطل، وحينئذ إما أن يصرف إلى الكل وهو باطل، لأنه يكثر الإضمار من غير حاجة أو بعض معين أو غير معين وهما باطلان لما سبق فيتعين الإجمال.
وجوابه: ما سبق.
стр. 1679
المسألة السابعة
الحق أنه لا إجمال في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وهو مذهب جماهير الأصوليين ، لأنه لا إجمال في لفظ ﴿السارق والسارقة﴾ وهو متفق عليه ولا في لفظ "اليد" لأنها حقيقة في العضو المخصوص إلى المنكب ويدل عليه وجوه:
أحدها: ما روى عن الصحابة ﵃ مسحت إلى المناكب والآباط.
стр. 1680
لما نزلت آية التيمم، ولولا أنهم فهموا من إطلاق لفظ اليد العضو بجملته لما فعلوا ذلك، إذ لا قرينة يمكن إحالة الفهم إليها.
أما أولا: فبالأصل.
وأما ثانيا: فلأنه يلزم الترك بمقتضى تلك القرينة، إذ لا يجب المسح إلى المنكب بالإجماع، وأنه خلاف الأصل ولا يعارض هذا الثاني بمثله، لأنا نرجحه بأنه لا يلزم على هذا الإجمال، بخلاف القول بالإحالة إلى القرينة.
стр. 1681
فإنه يستلزم الإجمال والترك بمقتضى القرينة، "بل لو قيل بوجود" قرينة تدل على عدم استيعاب مسح جميع العضو لكان أقرب، فإن كون التيمم بدلا عن الوضوء، وأن البدل لا يزيد على المبدل بدل عليه، وفهم ذلك يدل على أنها حقيقة في العضو المخصوص بحملته.
وثانيها: أنه لا نزاع في أن لفظ اليد يطلق تارة ويراد منه العضو إلى المنكب، ويطلق مرة ويراد منه العضو إلى المرفق، ويطلق أخرى ويراد منه العضو إلى الكوع، فإما أن يجعل حقيقة في الكل وهو باطل، لأنه يلزم منه الاشتراك أو مجازا في الكل وهو أيضا باطل بالإجماع، فلم يبق إلا أن يحصل حقيقة في واحد منها ومجازا في الباقي/ (٢٨٩/ أ) وحينئذ إما أن يجعل حقيقة فيه إلى المنكب مجازا في الباقيتين، أو يجعل حقيقة فيه إلى المرفق مجازا في الباقيتين، أو يجعل حقيقة [فيه] إلى الكوع مجازا في الباقيتين، والأول راجح على الاحتمالين الأخيرتين، لأنه حينئذ يكون التجوز من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، وعلى التقديرين الآخرين يكون من باب إطلاق اسم الجزء على الكل وقد ثبت أن الأول راجح على الثاني.
وثالثها: كما "يقال" إذا قطعت يده من المنكب أنه قطعت يده بالكلية، بل يقال: ما قطعت يده بالكلية، وإنما قطعت يده من المرفق أو من
стр. 1682
الكوع، ولا يصح هذا إذا قطعت يده من المنكب، ولو كان اسم اليد حقيقة في العضو إلى المرفق أو الكوع لصدق الأول، كما في سائر الأعضاء، لأن من شأن الحقيقة الاطراد عند عدم المانع، والأصل عدمه ولما صح السلب، فإن الحقيقة لا يصح سلبها عن مسماها، ولهذا لا يصح السلب فيما إذا قطعت من المنكب، ولا في لفظ القطع، لأن القطع حقيقة في الإبانة، فإذا أضيف إلى شيء أفاد إبانته، والشق إنما أطلق عليه القطع، كما في قولهم: فلان كان يبري القلم فقطع يده، لأنه يفيد إبانة الجلد عما كان متصلا به لا لخصوصية الشق حتى يلزم الاشتراك، فالقطع على هذا مستعمل في موضوعه، وإنما التجوز في إطلاق اسم اليد على الجلد الذي هو جزؤها، ولا يلزم من استعمال لفظ في معناه المجازي استعمال ما يتعلق به، ويقارنه في مجازاه أو "نقول" القطع حقيقة في الإبانة مجاز في الشق إذ التجوز خير من الاشتراك، وعكسه فانتفى بالإجماع، وإذا كان كذلك لم يكن الإجمال حاصلا في لفظ القطع أيضا: وإذا انتفى الإجمال عن هذه الألفاظ الثلاثة لم تكن "الآية" مجملة.
стр. 1683
وذهب بعضهم: إلى أنها مجملة لزعمه أن اليد مجملة، لترددها بين المعاني الثلاثة، وهي العضو المخصوص إلى الكوع، وإلى المرفق، وإلى المنكب، لأنها مستعملة فيها، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
ولزعمه أن القطع أيضا مجمل لتردده بين المعنيين، وهما: الإبانة، والشق، لأنه مستعمل فيهما فيكون حقيقة فيهما.
وهو ضعيف لما سلف أنه لا إجمال فيهما، والاستعمال إنما يدل على كون اللفظ حقيقة فيما استعمل فيه، لو لم يستلزم الاشتراك، فأما إذا استلزمه فلا.
المسألة الثامنة
قد سبق في اللغات أنه يجب تنزيل لفظ الشارع على الحقيقة الشرعية أولا، ثم العرفية/ (٢٨٩/ ب) اللغوية ، فعلى هذا إذا كان للفظ معنى شرعي، ومعنى لغوي، فليس هو بمجمل بالنسبة إليهما.
وقال القاضي: أنه مجمل بالنسبة إليهما، ولعله قال ذلك تفريعا على القول
стр. 1684
بالحقائق الشرعية وإلا فهو منكر لها.
وفصل الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى بين الوارد في الإثبات كقوله ﵇: "إني إذا أصوم" حين كان يقال له ليس في البيت شيء بعد سؤاله عنه، وبين الوارد في النهي كقوله ﵇: "إلا لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وابتعال".
فقال: ما ورد في الإثبات فهو للمعنى الشرعي، فقوله ﵇: "إني إذا أصوم" محمول على المعنى الشرعي حتى يستفاد منه صحة الصوم بنية من النهار.
وما ورد في النهي فهو مجمل، لتردده بين المعنى الشرعي، واللغوي
стр. 1685
حتى لا يستفاد بالنهي الوارد عن الصوم في أيام النحر وأيام التشريق "صحة" الصوم في هذه الأيام، لاحتمال أن يكون المراد هو: الصوم اللغوي، فلا يدل ذلك على صحة الصوم الشرعي في هذه الأيام، ولو كان المراد منه الصوم الشرعي، دل ذلك على إمكان الصوم الشرعي في هذه الأيام، إذ النهي عن الممتنع ممتنع، إذ يقال للأعمى لا تبصر، ولا للزمن لا تمش.
واعلم أن ما ذهب إليه القاضي أبو بكر رحمه الله تعالى ضعيف لا يظهر له مأخذ، إلا أن يفرض أن المسمى الشرعي ما صار بحيث ينسخ المسمى اللغوي، وجعله مجازا فيه لا يفهم من اللفظ إلا بقرينة، بل يتردد الذهن بينه وبين المسمى الشرعي عند سماع ذلك اللفظ، لتعادلهما، كما في المشترك، فأما إذا فرض بحيث يتبادر إلى الفهم عند سماع اللفظ من الشارع، أو من جملة الشرع وصار المسمى اللغوي بسببه منسوخا لا يفهم منه إلا لقرينة فلا، لأن تبادره إلى الفهم مع أن الغالب من الشارع في الألفاظ "التي" له فيها عرف إنما هو إطلاقها وإرادة معانيها الشرعية ينفي كونه مجملا، ولأن كونه ﵇ مبعوثا لبيان الأحكام الشرعية يغلب على الظن حمل لفظه عليها.
следующие страницы →