← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

فإنه يستلزم الإجمال والترك بمقتضى القرينة، "بل لو قيل بوجود" قرينة تدل على عدم استيعاب مسح جميع العضو لكان أقرب، فإن كون التيمم بدلا عن الوضوء، وأن البدل لا يزيد على المبدل بدل عليه، وفهم ذلك يدل على أنها حقيقة في العضو المخصوص بحملته. وثانيها: أنه لا نزاع في أن لفظ اليد يطلق تارة ويراد منه العضو إلى المنكب، ويطلق مرة ويراد منه العضو إلى المرفق، ويطلق أخرى ويراد منه العضو إلى الكوع، فإما أن يجعل حقيقة في الكل وهو باطل، لأنه يلزم منه الاشتراك أو مجازا في الكل وهو أيضا باطل بالإجماع، فلم يبق إلا أن يحصل حقيقة في واحد منها ومجازا في الباقي/ (٢٨٩/ أ) وحينئذ إما أن يجعل حقيقة فيه إلى المنكب مجازا في الباقيتين، أو يجعل حقيقة فيه إلى المرفق مجازا في الباقيتين، أو يجعل حقيقة [فيه] إلى الكوع مجازا في الباقيتين، والأول راجح على الاحتمالين الأخيرتين، لأنه حينئذ يكون التجوز من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، وعلى التقديرين الآخرين يكون من باب إطلاق اسم الجزء على الكل وقد ثبت أن الأول راجح على الثاني. وثالثها: كما "يقال" إذا قطعت يده من المنكب أنه قطعت يده بالكلية، بل يقال: ما قطعت يده بالكلية، وإنما قطعت يده من المرفق أو من

стр. 1682

الكوع، ولا يصح هذا إذا قطعت يده من المنكب، ولو كان اسم اليد حقيقة في العضو إلى المرفق أو الكوع لصدق الأول، كما في سائر الأعضاء، لأن من شأن الحقيقة الاطراد عند عدم المانع، والأصل عدمه ولما صح السلب، فإن الحقيقة لا يصح سلبها عن مسماها، ولهذا لا يصح السلب فيما إذا قطعت من المنكب، ولا في لفظ القطع، لأن القطع حقيقة في الإبانة، فإذا أضيف إلى شيء أفاد إبانته، والشق إنما أطلق عليه القطع، كما في قولهم: فلان كان يبري القلم فقطع يده، لأنه يفيد إبانة الجلد عما كان متصلا به لا لخصوصية الشق حتى يلزم الاشتراك، فالقطع على هذا مستعمل في موضوعه، وإنما التجوز في إطلاق اسم اليد على الجلد الذي هو جزؤها، ولا يلزم من استعمال لفظ في معناه المجازي استعمال ما يتعلق به، ويقارنه في مجازاه أو "نقول" القطع حقيقة في الإبانة مجاز في الشق إذ التجوز خير من الاشتراك، وعكسه فانتفى بالإجماع، وإذا كان كذلك لم يكن الإجمال حاصلا في لفظ القطع أيضا: وإذا انتفى الإجمال عن هذه الألفاظ الثلاثة لم تكن "الآية" مجملة.

стр. 1683

وذهب بعضهم: إلى أنها مجملة لزعمه أن اليد مجملة، لترددها بين المعاني الثلاثة، وهي العضو المخصوص إلى الكوع، وإلى المرفق، وإلى المنكب، لأنها مستعملة فيها، والأصل في الاستعمال الحقيقة. ولزعمه أن القطع أيضا مجمل لتردده بين المعنيين، وهما: الإبانة، والشق، لأنه مستعمل فيهما فيكون حقيقة فيهما. وهو ضعيف لما سلف أنه لا إجمال فيهما، والاستعمال إنما يدل على كون اللفظ حقيقة فيما استعمل فيه، لو لم يستلزم الاشتراك، فأما إذا استلزمه فلا. المسألة الثامنة قد سبق في اللغات أنه يجب تنزيل لفظ الشارع على الحقيقة الشرعية أولا، ثم العرفية/ (٢٨٩/ ب) اللغوية ، فعلى هذا إذا كان للفظ معنى شرعي، ومعنى لغوي، فليس هو بمجمل بالنسبة إليهما. وقال القاضي: أنه مجمل بالنسبة إليهما، ولعله قال ذلك تفريعا على القول

стр. 1684

بالحقائق الشرعية وإلا فهو منكر لها. وفصل الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى بين الوارد في الإثبات كقوله ﵇: "إني إذا أصوم" حين كان يقال له ليس في البيت شيء بعد سؤاله عنه، وبين الوارد في النهي كقوله ﵇: "إلا لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وابتعال". فقال: ما ورد في الإثبات فهو للمعنى الشرعي، فقوله ﵇: "إني إذا أصوم" محمول على المعنى الشرعي حتى يستفاد منه صحة الصوم بنية من النهار. وما ورد في النهي فهو مجمل، لتردده بين المعنى الشرعي، واللغوي

стр. 1685

حتى لا يستفاد بالنهي الوارد عن الصوم في أيام النحر وأيام التشريق "صحة" الصوم في هذه الأيام، لاحتمال أن يكون المراد هو: الصوم اللغوي، فلا يدل ذلك على صحة الصوم الشرعي في هذه الأيام، ولو كان المراد منه الصوم الشرعي، دل ذلك على إمكان الصوم الشرعي في هذه الأيام، إذ النهي عن الممتنع ممتنع، إذ يقال للأعمى لا تبصر، ولا للزمن لا تمش. واعلم أن ما ذهب إليه القاضي أبو بكر رحمه الله تعالى ضعيف لا يظهر له مأخذ، إلا أن يفرض أن المسمى الشرعي ما صار بحيث ينسخ المسمى اللغوي، وجعله مجازا فيه لا يفهم من اللفظ إلا بقرينة، بل يتردد الذهن بينه وبين المسمى الشرعي عند سماع ذلك اللفظ، لتعادلهما، كما في المشترك، فأما إذا فرض بحيث يتبادر إلى الفهم عند سماع اللفظ من الشارع، أو من جملة الشرع وصار المسمى اللغوي بسببه منسوخا لا يفهم منه إلا لقرينة فلا، لأن تبادره إلى الفهم مع أن الغالب من الشارع في الألفاظ "التي" له فيها عرف إنما هو إطلاقها وإرادة معانيها الشرعية ينفي كونه مجملا، ولأن كونه ﵇ مبعوثا لبيان الأحكام الشرعية يغلب على الظن حمل لفظه عليها.

стр. 1686

احتج القاضي: بأنه ﵇ كان يناطق العرب بعرفهم، كما كان يناطقهم بعرفه، نحو قوله ﵇: "دعي الصلاة أيام إقرائك" ونحو نهيه ﵇ عن بيع المضامين والملاقيح، ونهيه عن بيع الحر، والخمر، فإنه لا يجوز أن يراد منها معانيها الشرعية، وإلا لكانت الصلاة الشرعية متصورة في أيام القروء، والبيع متصورا في المضامين، والملاقيح والحر، لأن/ (٢٩٠/ أ) النهي عن الشيء يقتضي إمكانه لامتناع النهي عن الممتنع لما سبق، وإذا كان كذلك كان اللفظ مجملا بالنسبة إلى كل واحد منها.

стр. 1687

وجوابه: أنا لا نسلم أن النهي عن الشيء يستدعي إمكان وجوده، وهذا لأن تكليف ما لا يطاق جائز عندنا. سلمنا: امتناعه لكن يستدعى إمكان وجوده، بحسب العقل، وبحسب الشرع. والأول: مسلم، والثاني: ممنوع، فلم لا يجوز أن يقال: أنه وإن كان متصور الوجود بحسب العقل، لكنه غير متصور الوجود بحسب الشرع؟ سلمنا: ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال: أنها محمولة على المعاني الشرعية وأن هذا وإن اقتضى إمكان وجود المنهي [عنه] بحسب الشرع، لكن ترك ذلك لدليل؛ وهذا وإن كان خلاف الأصل، لكن الإجمال أيضا خلاف الأصل. فلم قلتم: إنه "أولى"؟ سلمنا: ذلك لكن الاستعمالات المذكورة إنما هي في طرف النفي لا في طرف الإثبات، فلم قلتم أنه في طرف الإثبات أيضا مجمل؟ سلمنا: الاستعمال في الطرفين لكنه نادر بالنسبة إلى الاستعمال في المعنى الشرعي، والحمل على الغالب أولى. سلمنا: التساوي في الاستعمال لكنه إنما يعتبر لو لم يستلزم الإجمال، أما إذا استلزم فلا نسلم اعتباره. سلمنا: اعتباره مطلقا، لكن الحمل على المعنى الشرعي أولى لما سبق. ومما سبق لا يخفى عليك مأخذ من قال: بالتفصيل. وجوابه:

стр. 1688

المسألة التاسعة في أن لفظ الشارع إذا دار بين أن يفيد معنى، وبين أن يفيد معنيين، فهل هو مجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما، أم هو ظاهر بالنسبة إلى إفادة المعنيين . اختلفوا فيه: فذهب الأكثرون: إلى أنه ظاهر بالنسبة إلى إفادة المعنيين. وذهب الأقلون: منهم الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى إلى أنه مجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما. والنزاع إنما هو في "ما لم" يظهر أنه حقيقة في المعنيين، أو في المعنى الواحد بل يحتملهما، فمن لم يجعله مجملا يجعله حقيقة في المعنيين مجازا في المعنى الواحد.

стр. 1689

واللفظ الدائر بين الحقيقة والمجاز ليس بمجمل، بالنسبة إلى كل واحد منهما، بل هو ظاهر بالنسبة إلى الحقيقة، ومن جعله مجملا لا يجعله حقيقة في أحدهما عينا، بل يحتمل عنده احتمال سواء أن يكون حقيقة في المعنى الواحد مجازا في المعنيين، وبالعكس، وأن يكون حقيقة فيهما ولا ترجح بسبب إفادة المعنيين. احتج الأكثرون بوجوه: أحدها: أن حمله على المعنيين أكثر فائدة من حمله على معنى واحد وكان أولى قياسا على الحمل على التأسيس، فإن/ (٢٩١/ ب) اللفظ إذا دار بين أن يفيد فائدة التأسيس، وبين أن يفيد التأكيد كان الحمل على التأسيس أولى، وقياسا على الحمل على التباين، فإن اللفظ إذا دار بين أن يفيد معنى لفظ آخر، وبين أن يفيد معنى غير مدلول عليه للفظ آخر، كان الحمل على الثاني أولى، والجامع زيادة الفائدة، ثم هذا ليس من القياس المتنازع فيه في اللغات على ما عرفت ذلك في اللغات حتى يدفع بأنه غير جائز. وثانيها: أن المقصود من الكلام إنما هو الإعلام والإفادة، وكل ما فيه الفائدة

стр. 1690

أكثر كان أقرب إلى المقصود بالوضع، وكان الحمل على ما هو أكثر فائدة أولى لقربه من المقصود. وثالثها: المفيد للمعنى الواحد، كالمهل بالنسبة إلى المفيد للمعنيين، لعدم إفادته معنى يفيده الثاني، والمفيد راجح على المهمل والمشابه للراجح راجح على المشابه للمرجوح فالمفيد للمعنيين راجح، فكان الحمل عليه أولى. احتجوا: بأن المفيد للمعنيين راجح من وجه، وهو أنه أكثر إفادة والمفيد للمعنى الواحد راجح من وجه آخر وهو أن المفيد للمعنى الواحد أغلب في ألفاظ الشارع وغيره، والغلبة توجب الرجحان فيتعارضان فيتحقق الإجمال. وجوابه: أن الحمل على إفادة المعنيين أولى لما فيه من رفع الإجمال الذي هو خلاف الأصل، وهذا المقصود وإن كان حاصلا في الحمل على المعنى الواحد، لكنه خلاف الإجماع، إذ القائل: قائلان، قائل يقول بالحمل على المعنيين، وقائل يقول بالإجماع لتردده، بين أن يكون محمولا على إفادة المعنى الواحد، وبين أن يكون محمولا على إفادة المعنيين، فإما أن يتعين الحمل على معنى واحد فقول لم يقل به أحد.

стр. 1691

المسألة العاشرة ذهب الأكثرون، إلى أن لفظ الشارع إذا دار بين أن يكون محمولا على حكم شرعي متجدد، وبين أن يكون محمولا على التقرير على الحكم الأصلي العقلي، أو الاسم اللغوي، كان حمله على الحكم الشرعي المتجدد أولى . وذهب الأقلون: منهم الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى: إلى أنه محتمل لهما مجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما. مثال الأول: قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما﴾ الآية، فإنه يقتضي نفي التحريم عما عدا المذكورات في الآية، ونفيه عنه يحتمل أن يكون بأن ينفى على حكم الأصل، ويحتمل أن يكون بأن يثبت الحل فيه وهو حكم شرعي متجدد والتقرير على الأصل، وإن كان حكما شرعيا/ (٢٩١/ أ) لكنه غير متجدد.

стр. 1692

مثال الثاني: كقوله ﵇: "الطواف بالبيت صلاة" فإنه يحتمل

стр. 1693

أن يكون المراد منه أنه كالصلاة حكما في الافتقار إلى الطهارة عن الحدث والخبث، ويحتمل أن يكون المراد منه أنه مسمى بالصلاة بناء على أن فيه الدعاء الذي هو مسمى بالصلاة اللغوية، ويحتمل أن يكون المراد منه أنه مسمى بالصلاة شرعا "لم يكن مسمى بها لغة، وفي هذا أيضاً

стр. 1694

يرجع إلى الحمل على الحكم الشرعي" لأنه إنما يراد تسميته بها شرعا ليترتب عليه أحكامها المنوطة بالاسم، كقوله ﵇: "الأذنان من الرأس". فإنه يحتمل أن يكون المراد منه أنه في الحكم كالجزء من الرأس حتى يمسح

стр. 1695

بما مسح به الرأس ولا يحتاج إلى ماء جديد، وكذا في غيره من الأحكام، إلا ما خصه الدليل. ويحتمل أن يكون المراد أن اسم الرأس مشتمل عليه وأنه جزؤه، وكذا قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فإنه يحتمل أن يكون

стр. 1696

المراد منه أن الاثنين كالجماعة في الحكم في انعقاد صلاة الجماعة، وإحراز فضيلتها وفي جواز السفر، فإنه روى عنه ﵇: "أنه كان ينهى عن السفر إلا في جماعة"، ويحتمل أن يكون المراد منه أنه مسمى بالجماعة إذا عرفت هذا. فنقول: الدليل على أن حمله على الحكم الشرعي أولى، هو أن حمله على الحكم الشرعي حمل له على ما [هو] بيانه به ﵇ أمس وأخص، لأنه ﵇ مبعوث لبيان الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا منه، دون التسمية اللغوية التي يستقل بمعرفتها كل واحد من أهل اللسان، وعلى ما نحن إلى معرفته أحوج، ولا شك أن حمل اللفظ على ما يتعلق به غرض المتكلم تعلقا ظاهرا ويحتاج إليه السامع احتياجا بينا ماسا أولى مما ليس كذلك، ولأن حمله على الحكم الشرعي لا يتضمن تعريف المعرف بالنسبة إلى أحد، وحمله على التسمية يتضمن ذلك بالنسبة إلى أهل اللسان، ولا شك أنه خلاف الأصل فما يتضمنه أيضًا، كذلك فإن "غلب" الحمل على الحكم الشرعي، وإن كان يترجح مما ذكرتم لكن الحمل على التسمية في مثل قوله ﵇: "الطواف بالبيت صلاة" و"الاثنان فما فوقهما جماعة" يترجح بوجهين: أحدهما: أنه لا يحتاج إلا الإضمار، لأن قولنا: "الطواف بالبيت

стр. 1697

صلاة" جاري مجرى قولنا: الإنسان حيوان، وهو ليس بمستعمل على طريق الإضمار، فكذا ما نحن فيه ولو سلم أنه/ (٢٩١/ ب) يحتاج إليه لكنه قليل، إذ التقدير فيه على تقدير الإضمار الطواف مسمى بالصلاة بخلاف الحمل على الحكم الشرعي، فإنه يحتاج إلى إضمار كثير، لأن تقديره حينئذ يصير حكم الطواف حكم الصلاة في كذا أو في كل شيء إلا ما خصه الدليل. وجوابه: أنا نسلم أن قوله: "الطواف بالبيت صلاة"، جار مجرى قوله: الحيوان إنسان، لكن لا نسلم أنه ليس يتضمن الإضمار، وهذا لأن قولنا: الحيوان إنسان، ليس المراد منه أن لفظ الحيوان لفظ الإنسان، بل مدلوله مدلوله، وحينئذ يحتمل أن يكون المراد منه أن ما حقيقته الحيوان حقيقته الإنسان، ويحتمل أن يكون المراد منه، إنما وصف بأنه حيوان، "وصف بأنه إنسان" وهو خارج عن ماهيته، وصف بأنه إنسان وهو خارج عن ماهيته ويحتمل أن يكون المراد منه أن ما صدق عليه الحيوان سواء كان ذلك حقيقته أو لم يكن بل يكون وصفه صدق عليه الإنسان سواء كان ذلك حقيقته أو لم يكن، بل يكون وصفه، وإذا كان محتملا لهذه التقديرات، وعلى كل تقدير يلزم الإضمار، كان استعماله بطريق الإضمار لا محالة. قوله: الإضمار على تقدير الحمل على التسمية أقل. قلنا: ممنوع، وهذا لأن تقدير حينئذ ليس ما ذكرتم، لأن الطواف نفسه

стр. 1698

ليس مسمى بالصلاة، بل مسمى الطواف مسمى بالصلاة، وإذا كان كذلك كان حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لازما على التقديرين. وثانيهما: أن الحمل على التسمية والحكم الأصلي، لا يستلزم النقل عن شيء، بخلاف الحمل على الحكم الشرعي المتجدد، فإنه يستلزم النقل عن الحكم الأصلي، وهو خلاف الأصل. وجوابه: أنه إن كان كذلك، لكنه معارض بوجه آخر، وهو أن حمله على الحكم الشرعي يقتضي إلحاق الفرد بالأعم والأغلب، إذ الغالب في كلام الشارع إنما هو بيان الأحكام الشرعية دون بيان التسمية، والنفي الأصلي وحمله على التسمية أو النفي الأصلي يقتضي إلحاقه بالشاذ والنادر، ولا شك أن إلحاق الفرد بالأعم والأغلب أولى. وبهذا أيضا خرج، الجواب عن قولهم: إنه ﵇ كما كان ينطق بالحكم الشرعي، فكذا كان ينطق أيضا بالحكم الأصلي العقلي، كقوله ﵇: "ليس في الكسعة ولا في النخسة ولا في الجبهة صدقة"،

стр. 1699

وكقوله "ليس في الحلي صدقة"، وكقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق

стр. 1700

.......................................................................

стр. 1701

صدقة" وبالتسمية أيضا كقوله: "كل (٢٩٢/ أ) مسكر خمر" لأنه نادر والغالب إنما هو الحكم الشرعي المتجدد.

стр. 1702

المسألة الحادية عشرة روي عن الشافعي ﵁ أنه تردد في إجمال قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ وتعميمه .

стр. 1703

وإلى كل واحد من الاحتمالين ذهب قوم. وفصل إمام الحرمين، وقال: إنه مجمل في البيع الذي اشتمل على جهة من جهات الزيادات، مبين في البيع الذي لا مفاضلة فيه بوجه من الوجوه. واعلم أن تردده فيه- ﵁ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه بناء على تردده في أن الألف واللام في المفرد، هل هما ظاهران في العموم أو في الجنس، فإنه بتقدير أن يكون ظاهرا في الجنس، يكون اللفظ صادقا على الكل والبعض، فيكون مجملا بالنسبة إلى كل واحد منهما.

стр. 1704

وكلام الغزالي- رحمه الله تعالى- يشعر باحتمال التردد بين التعميم والعهد. وهو باطل، لأنه يلزمه القول بالإجمال في الجمع المعرف، لإمكان هذا الاحتمال فيه وهو جزم بالإجمال لا تردد فيه. وثانيهما: أنه وإن جعلهما ظاهرين في إفادة التعميم، عند عدم معهود سابق، لكن يجعل قول الله تعالى فيه: ﴿وحرم الربا﴾ جاريا مجرى الاستثناء منه وهو المجهول، لأن الربا هو الزيادة لغة، ومن المعلوم أن كل زيادة لا تحرم فما هو المراد من الربا المجهول، والعام إذا استثنى المجهول منه صار مجملا وفاقا. ومن هذا المأخذ نشأ تفصيل إمام الحرمين- رحمه الله تعالى- وأما من جزم باحتمال لتعميم فهو بناء على أن الألف واللام في المفرد للعموم، وقد مر مأخذه ولم يجعل قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ جاريا مجرى الاستثناء بل يجعله جملة أخرى مستقلة فمقتضى قوله تعالى:

стр. 1705

﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ عنده إحلال كل بيع إلا ما خصه الدليل وتحريم كل زيادة إلا ما خصه الدليل. وأما من جزم باحتمال الإجمال فهو بناء على أنهما ليستا للعموم في المفرد بل للجنس، والجنس يصدق على القليل والكثير، فيكون اللفظ مترددًا بين الكل وبين البعض، فيكون مجملا بالنسبة إلى كل واحد منهما. وترددوا أيضا في إجمال قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾. وتعميمه. فذهب جماعة من الأصوليين إلى أنه عام حتى استدلت به على وجوب

стр. 1706

الوتر من قال منهم بوجوبه. وذهب جماعة إلى أنه مجمل، ومأخذ هذا الاختلاف بعض ما سبق. ومن المجمل قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾، عند من لم (٢٩٢/ ب) يجعله عاما. المسألة الثانية عشرة اختلفوا في أنه هل بقي مجمل في كتاب الله تعالى "و" بعد وفاة الرسول ﵇ أم لا ؟. فذهب الذاهبون إلى المنع منه محتجين عليه بوجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الآية، وإكمال الدين، وإتمام النعمة هو بيان ما في القرآن، لأنه لو بقي فيه شيء مجهول لم يكن الدين مكملا، ولم تكن النعمة متممة إذ ذاك، لأن عند معرفته الدين

стр. 1707

أكمل والنعمة أتم. وثانيهما: أن الدليل ينفي اشتماله عليه ابتداء ودواما، وهو ما ذكرنا في باب الاشتراك، ترك العمل به في الابتداء لضرورة الوقوع، فوجب أن يبقى معمولا به في الدوام. وذهب آخرون إلى تجويزه، لأنه ممكن عقلا. أما أولا: بالاتفاق. وأما ثانيا: فلأنا نعلم بالضرورة أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، لا بحسب الذات، ولا بحسب الغير، وليس في السمع ما يحيله وينفيه بالأصل، فوجب أن يبقى على جوازه. وأما ما ذكروه من الوجه الأول: فضعيف، لأنه إنما يكون الدين والنعمة عند معرفته أكمل وأتم، إن لو لم يكن معرفته على التفصيل مفسدة، أما إذا كان كذلك فلا. وقد ذكرنا في باب الاشتراك أن معرفة الشيء على الإجمال قد يكون منشأ للمصلحة، ومعرفته على التفصيل قد يكون منشأ للمفسدة، فلم قلتم: إن هذا الاحتمال منتف عما في كتاب الله تعالى؟.

стр. 1708

سلمنا: ذلك لكن دليلكم منقوض، لأنه يقتضي أن يكون جميع العلوم حتى أخبار الأمم السابقة والآتية، وجميع ما يتعلق بالمبدأ والمعاد، من أحوال خلق السماوات والكواكب [والأرض] وما فيها من البحر والجبال، وأحوال الجنة والنار، وأحوال الثقلين فيهما مبين لنا عند نزول الآية، ومن المعلوم أنه ليس كذلك، فكل ما هو "من" جوابكم فيه فهو جوابنا عما بقى مجملا في كتاب الله تعالى. وأما الوجه الثاني: بجواب ما ذكروه من الدليل على امتناع اشتمال كتاب الله تعالى على المجمل، وقد سبق ذلك في باب الاشتراك.

стр. 1709

"الفصل الثاني" في المبين وما يتعلق به وفيه مسائل:

стр. 1710

الفصل الثاني في المبين وما يتعلق به وفيه مسائل: المسألة الأولى [جواز كون الفعل بيانا] ذهب جماهير الأصوليين والفقهاء بأسرهم إلى أن الفعل قد يكون بيانا، ثم لا يظن أن من قال منهم كالغزالي وغيره أن البيان مخصوص بالدليل القولي، لم "يقل" بكون الفعل بيانا، لأن ذلك نزاع في التسمية بحسب الاصطلاح بسبب غلبة الاستعمال/ (٢٩٣/أ) بناء على أن الغالب إنما هو البيان بالقول لا في حقيقة ما يقع به البيان ولا في جوازه. وذهب بعض المتأخرين الشاذين "إلى" أن البيان لا يقع بالفعل.

стр. 1711

لنا: المنقول، والمعقول: أما المنقول: فما روى أنه عيه السلام بين للصحابة كيفية الصلاة والحج بفعله وقال: "خذوا عني مناسككم". وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وروى أن رجلا سأله عن أوقات الصلاة، فقال ﵇: "صل معنا"، مبين له بفعله، بأن أقامها في أوقاتها، وكذلك بين الوضوء أيضا بفعله إذ روى أنه ﵇: توضأ مرة مرة فقال: "هذا وضوء لا يتقبل الله صلاة] امرئ [بدونه"، وتوضأ مرتين فقال: "هذا

стр. 1712

وضوء ضاعف الله فيه الأجر" وتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال: "هذا وضوئي

стр. 1713

ووضوء الأنبياء من قبلي"، وكذلك أصحابه ﵃ ببنوا الوضوء بأفعالهم. وأما المعقول فهو: أن القول حيث يكون بيانا للفعل إنما كان بيانا له لكونه مرشدا إلى كيفية ذلك الفعل، وهذا المعنى متحقق في الفعل بل هو أكثر إرشادا منه، لأنه قد يرشد إلى دقائق تقصر عنها العبارة وأشد ترسيخا للكيفية في الخاطر، ألا ترى أن فهم الأشكال الهندسية عند مشاهدتها، أشد من حال الإخبار عنها، ولهذا قيل: "ليس الخبر كالعيان" فيلزم بطريق

стр. 1714

الأولى أن يكون الفعل بياناً.

стр. 1715

احتجوا بوجوه: أحدها: أن البيان يجب أن يكون متعلقا بالمبين، ليعلم أنه بيان له، والفعل لا ينبئ عن التعليق به، فلم يعلم أنه بيان له، فلم يصح أن يقع به البيان. وجوابه: أنا نسلم أن الفعل لا ينبئ عن التعلق بالمبين، وأن البيان يجب أن يكون متعلقا بالمبين، لكن لا نسلم أنه لا يعلم كونه بيانا له، وهذا لأنه لا يلزم من عدم إثباته ذلك أن لا يعلم، لجواز أن يعلم ذلك بطريق آخر، نحو أن بعلم بصريح القول: بأن يقول: هذا الفعل بيان لهذا المجمل أو بقرائن الأحوال أو بالفعل نحو أن يتلفظ بالمجمل، ولم يأت بشيء يصلح أن يكون بيانا له، ثم إنه فعل ما يصلح أن يكون بيانا له عند حضور وقت عمله فيعلم أنه بيان له، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت العمل، وهو غير جائز وفاقا ولا يقال أن البيان في الحقيقة حينئذ إنما يقع بتلك الأشياء لا بالفعل، لأن المتضمن / (٢٩٣/ب) لصفة مدلول المجمل، وكيفية أفعاله، إنما هو الفعل لا تلك الأشياء، وهي إنما تدل على أنه وقع بيانا له لا على صفاته، وليس فيها دلالة على إزالة الإيهام أصلا فكيف، يقال: أن البيان في الحقيقة إنما وقع بتلك الأشياء. وثانيها: أن الفعل يطول فيفضي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة. وجوابه: أن القول أيضا يطول، بل ربما كان أطول منه، فإن زمان

стр. 1716

الإتيان بركعة واحدة أقصر من زمان وصف أفعالها وتركها على الاستقصاء، إذ ليس من شرط البيان القولي أن يكون وجيزا، بل يجوز أن يكون طويلا مع القدرة على الوجيز، فما جوابكم ثمة فهو جوابنا. وثالثها: أن البيان يجب أن يكون متصلا بالمبين، واتصال الفعل مع القول غير متصور، فلا يصح به البيان. وجوابه: أنه ممنوع على رأينا لأنا نجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب. سلمنا: ذلك لكن لا يوجب الاتصال الحقيقي على هذا التقدير، بل الاتصال العرفي والعادي] وذلك متصور بأن يشرع في الفعل عقيب تلفظه بالمجمل بل لو صبر لحظة يسيرة ثم [شرع في الفعل جاز أيضا، كما هو في القول، فالبيان يجب أن يكون متصلا أو في حكم الاتصال، والثاني متصور في الفعل فلم يمتنع كونه بيانا، ولو قيل بأنه يطول بعد الشروع، فإذا انضم هذا مع ما قبل الشروع من الفصل لزم تأخيره عن وقت خطابه. فجوابه: ما سبق. تنبيه: إذا علمت أن البيان يقع بالفعل، فاعلم أنه يقع بالترك أيضا، إذ لا قائل بالفصل بينهما، لكن الفعل يبين صفة الفعل، والترك لا يبين ذلك بل لا يبين إلا ما يناسبه من الأحكام العدمية وهو على أنواع:

стр. 1717

أحدها: عدم الوجوب فإن الرسول ﵇ إذا داوم على فعل نحو القنوت في الفجر، أو الجلسة الأولى، ثم تركه متعمدا فإن تركه ذلك متعمدا يدل على عدم وجوبه، إذ لا يجوز أن يكون النبي ﵇ يتعمد ترك الواجب. وثانيها: أن يسكت عن بيان حكم حادثة وقعت بين يديه، أو سئل عنها فإنه يدل على أنه ليس فيها حكم شرعي، وإلا لزم تأخير البيان عن

стр. 1718

وقت الحاجة وأنه غير جائز. وثالثها: أن يترك ابتداء ما يوجبه اللفظ العام المتناول له ولأمته، فإنه يدل على أنه ﵇ مخصوص منه. ورابعها: أن يتركه بعد ما فعله، فإنه يدل على نسخ ذلك الحكم في حقه، وفي حق الأمة أيضا: عن كانوا مشاركين له في علة الحكم وإلا فلا. وخامسها: أن يترك الإنكار على فعل فُعل بين يديه أو إن / (٢٩٤/أ) لم يكن بين يديه، لكن علم ذلك ولم يتقدم له ببيان في كتاب الله تعالى، ولا في سنته ﵇، فإنه يدل على أنه ليس بقبيح. وأما البيان بالفعل: فيقع تارة بالكتابة- والبيان بها متصور من الله تعالى، ومن الرسول ﵇، ومرة بعقد الأصابع كما بين الرسول ﵇ الشهر به حيث قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا وحبس إبهامه

стр. 1719

في الثالثة"، فبين به أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما، وهذا النوع من البيان مستحيل على الله، لاستحالة أن يكون له أصابع وجوارح.

стр. 1720

وطورًا بالإشارة وقد بين بها الرسول ﵇ حيث أشار إلى الذهب والحرير، وقال: "هذان محرمان على ذكور أمتي حل لإناثها".
следующие страницы →