Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
الإتيان بركعة واحدة أقصر من زمان وصف أفعالها وتركها على الاستقصاء، إذ ليس من شرط البيان القولي أن يكون وجيزا، بل يجوز أن يكون طويلا مع القدرة على الوجيز، فما جوابكم ثمة فهو جوابنا.
وثالثها: أن البيان يجب أن يكون متصلا بالمبين، واتصال الفعل مع القول غير متصور، فلا يصح به البيان.
وجوابه: أنه ممنوع على رأينا لأنا نجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
سلمنا: ذلك لكن لا يوجب الاتصال الحقيقي على هذا التقدير، بل الاتصال العرفي والعادي] وذلك متصور بأن يشرع في الفعل عقيب تلفظه بالمجمل بل لو صبر لحظة يسيرة ثم [شرع في الفعل جاز أيضا، كما هو في القول، فالبيان يجب أن يكون متصلا أو في حكم الاتصال، والثاني متصور في الفعل فلم يمتنع كونه بيانا، ولو قيل بأنه يطول بعد الشروع، فإذا انضم هذا مع ما قبل الشروع من الفصل لزم تأخيره عن وقت خطابه.
فجوابه: ما سبق.
تنبيه: إذا علمت أن البيان يقع بالفعل، فاعلم أنه يقع بالترك أيضا، إذ لا قائل بالفصل بينهما، لكن الفعل يبين صفة الفعل، والترك لا يبين ذلك بل لا يبين إلا ما يناسبه من الأحكام العدمية وهو على أنواع:
стр. 1717
أحدها: عدم الوجوب فإن الرسول ﵇ إذا داوم على فعل نحو القنوت في الفجر، أو الجلسة الأولى، ثم تركه متعمدا فإن تركه ذلك متعمدا يدل على عدم وجوبه، إذ لا يجوز أن يكون النبي ﵇ يتعمد ترك الواجب.
وثانيها: أن يسكت عن بيان حكم حادثة وقعت بين يديه، أو سئل عنها فإنه يدل على أنه ليس فيها حكم شرعي، وإلا لزم تأخير البيان عن
стр. 1718
وقت الحاجة وأنه غير جائز.
وثالثها: أن يترك ابتداء ما يوجبه اللفظ العام المتناول له ولأمته، فإنه يدل على أنه ﵇ مخصوص منه.
ورابعها: أن يتركه بعد ما فعله، فإنه يدل على نسخ ذلك الحكم في حقه، وفي حق الأمة أيضا: عن كانوا مشاركين له في علة الحكم وإلا فلا.
وخامسها: أن يترك الإنكار على فعل فُعل بين يديه أو إن / (٢٩٤/أ) لم يكن بين يديه، لكن علم ذلك ولم يتقدم له ببيان في كتاب الله تعالى، ولا في سنته ﵇، فإنه يدل على أنه ليس بقبيح.
وأما البيان بالفعل: فيقع تارة بالكتابة- والبيان بها متصور من الله تعالى، ومن الرسول ﵇، ومرة بعقد الأصابع كما بين الرسول ﵇ الشهر به حيث قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا وحبس إبهامه
стр. 1719
في الثالثة"، فبين به أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما، وهذا النوع من البيان مستحيل على الله، لاستحالة أن يكون له أصابع وجوارح.
стр. 1720
وطورًا بالإشارة وقد بين بها الرسول ﵇ حيث أشار إلى الذهب والحرير، وقال: "هذان محرمان على ذكور أمتي حل لإناثها".
стр. 1721
وهذا النوع من البيان يستحيل أيضا على الله تعالى.
وتارة بأن يفعل فعلا يعلم أنه قصد بذلك بيان ما أمر به من الأفعال على الإجمال، وغنما يعلم ذلك بما سبق من الطرق الدالة على كون الفعل بيانا.
المسألة الثانية
في أن القول مقدم على الفعل في البيان .
اعلم أن القول والفعل إما أن يتوافقا في البيان أو يتنافيا في ذلك وعلى التقديرين، إما أن يعلم التاريخ بينهما أو لا يعلم ذلك فهذه أقسام ستة:
أحدها: أن يكون القول مقدما على الفعل الموافق له في البيان.
فهاهنا البيان مضاف إلى القول لتقدمه في إفادة التعريف المعني عن تعريف آخر، وحمل الثاني على التأكيد.
وقيل: إن كان الفعل أضعف دلالة على البيان من ذلك القول، فإن
стр. 1722
الفعل قد يكون أقوى دلالة على البيان من القول، وإن كان مفتقرا إليه في الجملة، لا في كل موضوع، وذلك حيث علم بالضرورة بسبب قرائن الأحوال أنه قصد به البيان، والألفاظ المستعملة في القول تكون دلالتها على الوصف ضعيفة لم يجز أحالة إصداره إلى تأكيد البيان لاستحالة تأكيد الشيء بما هو دونه في الدلالة، بل حمل على أنه فعل لغرض آخر، نحو قصد الامتثال "وغيره" وإن كان أقوى أو مساويا حمل على التأكيد، إذ الحمل عليه أكثر فائدة.
وفيه نظر: لأنا لا نسلم أنه لا يجوز تأكيد الشيء بما هو دونه في الدلالة، وهذا لأنه لا معنى للتأكيد إلا تقوية المفهوم الأول، والشيء قد يتقوى بما هو دونه إذا انضم إليه، ألا ترى أن المتعارضين إذا انضم إلى أحدهما ما هو أضعف دلالة منه فإنه يترجح على صاحبه.
وثانيها: أن يعلم تقدم الفعل على القول، فهاهنا / (٢٩٤/ب) أيضا البيان مضاف إلي الفعل لما سبق، وأما القول بكون الثاني تأكيدا أم لا فكما سبق.
ثالثها: أن لا يعلم التاريخ بينهما، فهاهنا حكم على الجملة بأن الأول منهما بيان، والثاني تأكيد.
стр. 1723
وقيل: وإن كانا متساويين كان الأمر كما ذكرتم، وإن كانا مختلفين.
فالأشبه أن المرجوح هو المتقدم، لأنا لو فرضنا عكسه لضاع الإتيان بالمرجوح، إذ لا يمكن الحمل على التأكيد لما سبق، ومنصب الشارع يصان عن الإتيان بما لا يفيد.
وهذا الذي ذكره غير لازم، لأنه لا يلزم من أن لا يكون تأكيدا أن لا يكون فعله مفيدا أصلا لما عرفت، نعم: الحمل على التأكيد أولى، لأنه أكثر فائدة.
ورابعها: أن يتقدم القول الفعل وهما متنافيان فيه.
فهاهنا البيان إنما هو بالقول، وحمل الفعل على الندب، إن كان القول دل على الوجوب مثلا، او غيره فيما يليق به من المحامل، ولا يحمل على الحكم الذي دل عليه القول، لئلا يلزم التخصيص أو النسخ إمام عموما أو خصوصا أعني في حقه خاصة.
وخامسها: أن يتقدم الفعل القول، فهاهنا البيان مضاف إلى الفعل أيضا، ثم إن أمكن تنزيل اللفظ على مجمل لا يلزم منه التنافي فعل، وإن لم يمكن، فإما أن يكون عاما متناولا له، ولأمته، أو لأمته فقط، أو يكون
стр. 1724
خاصا به، فإن كان خاصا به جعل ناسخا لحكم الفعل في حقه ﵇ لا غير.
أما الأول: فللضرورة فإنا لو لم نحمل عليه لزم إهماله ولا يخفى أن أعمال الدليل ولو بطريق النسخ خير من إهماله.
وأما الثاني: فلأنه لا يعارض الفعل في مقتضاه في حق غيره ﵇.
وإن كان متناولا لأمته فقط جعل الفعل بيانا في حقه فقط، والقول في حق أمته.
وهذا وإن كان على خلاف الغالب، إذ الغالب المشاركة في الأحكام وتخصيصه ببعض الأحكام نادر، لكنه أولى من النسخ والإهمال اللازم على تقدير أن لا يجعل كذلك، وإن كان متناولا له ولأمته فالحكم ما سبق في الثاني، لأنه لا يلزم على هذا إلا التخصيص وهو خير من النسخ والإهمال "اللازم" على تقدير التعميم.
وقال أبو الحسين البصري: المتقدم هو البيان في القسمين.
فإن أراد به: أنه بيان في حق الكل فهو ضعيف، لأنه يلزمه تعطيل
стр. 1725
القول.
وسادسها: أن لا يعلم التاريخ بينهما، نحو ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا" وروى عنه / (٢٩٥/أ)] عليه [السلام: "أنه قرن فطاف لهما طوافين وسعى سعيين" فهاهنا القول هو المتقدم في كونه بيانا، وقدر أنه ورد قبل الفعل.
стр. 1726
أما أولا: فلأنه مستقل بنفسه غير محتاج في الدلالة "على كونه بيانا إلى شيء آخر، بخلاف الفعل فإنه محتاج في ذلك" إلى غيره ما عرفت ذلك.
وأما ثانيا: فلأنا لو لم نقدمه في كونه بيانا، فإما أن نقدم الفعل عليه فيه أو لا نقدم واحدا منهما بل يحكم بالتعارض.
والأول: باطل، لأن تقديمه عليه إنما يكون بتقدير تقدمه في الورود، وذلك يستلزم أحد المحذورات، وهو إما الإجمال، أو النسخ أو التخصيص، أو الحكم بخلاف الغالب على ما عرفت ذلك، وتقدير تقدم القول عليه لا يستلزم ذلك فكان أولى.
المسألة الثالثة
] جواز البيان بالأدنى [
ذهب الجماهير إلى أن البيان لا يجب أن يكون كالمبين في القوة، بل
стр. 1727
يجوز أن يكون أدنى منه، فيقبل المظنون في بيان المعلوم.
خلافا للكرخي، فإنه قال: إذا كان المبين لفظا معلوما كان بيانه يجب أن يكون كذلك أيضا، ولا يتوهم في حق أحد أنه ذهب إلى اشتراط أنه كالمبين في قوة الدلالة، فإنه لو كان كذلك، لما كان بيانا له، بل كان هو يحتاج إلى بيان آخر، لأن ما يكون كالمجمل في الدلالة لا يكون مبين الدلالة، فيحتاج هو إلى بيان آخر ولزم التسلسل، هذا في بيان المجمل.
وأما في بيان التخصيص والتقييد فالأمر فيه أظهر ضرورة أن المبين هاهنا أظهر دلالة من المجمل، وبيانه يجب أن يكون أظهر دلالة منه ولزم التسلسل بل المراد أنه هل هو كالمبين في قوة المتن حتى لو كان المبين معلوما والبيان مظنونا لا يكون مقبولا عند من يشترط المساواة.
لنا: أنا بينا أنه يجوز تخصيص مقطوع المتن، نحو القرآن، والسنة المتواترة، وتقييده بمظنون المتن، كخبر الواحد والقياس، مع ما بينهما من
стр. 1728
المنافاة، فلأن يجوز بيان المقطوع بالمظنون مع عدم المنافاة بطريق الأولى.
وأيضا: فإن كثيرا من مجملات القرآن مبين بالمظنون نحو قوله تعالى:﴾ وآتوا حقه يوم حصاده ﴿بما روى عنه ﵇: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بالنضح والدوالي نصف العشر"، وقبلوا حديث المغيرة في المسح، في بيان قوله:﴾ وامسحوا برءوسكم ﴿، وكذا الأخبار التي وردت في صفة الصلاة فإنها أخبار آحاد، وقبلت الأمة ذلك.
واحتج له: بأن البيان يدل على ما لم "يدل" عليه المبين، فيشبه ذلك زيادة على النص والزيادة / (٢٩٥/ب) على النص نسخ، فوجب أن لا يقبل فيه ما لم يقبل في النسخ.
وجوابه: أن المشابهة من وجه لا توجب المساواة في الحكم إلا إذا ثبت أن ما به المشابهة علة الحكم وهو ممنوع هنا.
стр. 1729
سلمنا: ذلك لكن لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ- وستعرف] ذلك [إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت أن البيان لا يجب أن يكون كالمبين في القوة.
فاعلم أنه لا يجب أيضا أن يكون كالمبين في الحكم.
ونقل عن قوم أنهم قالوا: إن البيان يجب أن يكون كالمبين في الحكم.
والظاهر أن مرادهم من هذا أن المبين إذا كان واجبا كان بيانه واجبا، وإلا فلا، لأنه بيان لشيء واجب فأن ذلك مما لا يحتمله اللفظ بل لبنوا عنه، ولا أنه يدل على ما دل عليه المبين من الحكم، حتى يرد بأنه لم يكن أحدهما حينئذ بيانا للآخر، لأنه إنما يكون أحد الأمرين بيانا للآخر، إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر، لأن ذلك ظاهر الفساد، ولا أنه يدل على وجوب ما تضمنه من صفات مدلول المبين أو ندبيته، كما دل المبين على أصل وجوب مدلوله أو ندبيته، وهذا وإن كان أقرب الاحتمالين المذكورين.
واختاره القاضي عبد الجبار بن أحمد، في تأويل ما نقل عنه، لكنه أيضا باطل، لأنه ليس البيان من حيث إنه بيان مشتمل على صفات مدلول المبين، لأن البيان قد يكون بأن يعين أحد مدلوي المجمل ولا يتصور فيه هذا الاحتمال.
стр. 1730
ولئن سلم ذلك/ لكن ليس يجب أن يكون في البيان صيغة تدل على وجوب تلك الصفات أو ندبيتها، بل ليس يجب أن يكون فيه إلا ذكر تلك الصفات فبعضها يحتمل أن يكون واجبا، وبعضها ندبا، وليس من شرط بيان الواجب أو الندب أن لا يكون] مشتملا إلا على ذكر الصفات الواجبة أو المندوبة فقط، بل يجوز أن يكون [مشتملا على الواجب والندب معا، ثم يتميز أحدهما على الآخر بدليل آخر، كالأحاديث التي وردت في بيان الصلاة، فإنها مشتملة على ما هو واجب فيها ومندوب، ثم هذا المفهوم الظاهر من كلامهم أيضا باطل، لأنه إن كانت الحاجة داعية إلى بيان المجمل كان بيانه واجبا على الشارع سواء كان مدلوله واجبا أو غير واجب لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق، إما بالنسبة إلى العمل والاعتقاد معا أو بالنسبة إلى الاعتقاد فقط، حيث لا تكليف في العمل، كما في الإباحة والندب والكراهية على رأي بعضهم، وأيضا فإن النزاع في أنها هل هي من التكليف أم لا؟ نزاع في التسمية ولا نزاع في أن الندب والكراهة دعاء إلى الفعل والترك، وفي الإباحة إذا / (٢٩٦/أ) في الفعل والترك فإذا لم يعلم ما إليه الدعاء وكيفية علمه كان الدعاء إليه عبثا غير مفيد، وكذلك إذا لم يعلم ما أذن في فعله وتركه كان الأذن فيه عبثا غير مفيد، وإن لم تكن الحاجة داعية إلى بيانه لم يكن بيانه واجبا، سواء كان مدلوله واجبا أو لم يكن واجباً.
стр. 1731
المسألة الرابعة
] تأخير البيان [
اتفق الكل على أنه لا يجوز تأخير بيان الخطاب عن وقت الحاجة، وهي وقت العمل سوى القائلين بجواز تكليف ما لا يطاق، فإنهم يجوزونه، والكلام فيه نفيا وإثباتا، فرع الكلام في تكليف ما لا يطاق، قد تقدم.
وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فقد اختلفوا فيه: فذهب جماهير أصحابنا، والحنفية إلى جواز تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت العمل مطلقا.
وذهب جماهير المعتزلة، والظاهرية، وبعض أصحابنا: كأبي بكر الصيرفي، وأبي حامد المروزي، وأبي إسحاق المروزي على ما
стр. 1732
روى الغزالي عنه، وكثير من الحنفية إلى: امتناعه مطلقا إلا في تأخير بيان النسخ فإنهم يجوزونه.
ومنهم من فصل: فذهب جماعة إلى تجويزه في الأمر والنهي، دون الوعد والوعيد.
وذهب الكرخى وجماعة من الفقهاء: إلى تجويزه في المجمل دون غيره
стр. 1733
وذهب أبو الحسين البصري: إلى المنع من تأخير البيان الإجمالي لا التفصيلي عن الخطاب الذي له ظاهر، وقد استعمل في خلاف ظاهره كتأخير بيان تخصيص العام، وتأخير بيان المنقولات الشرعية والمجازات اللغوية عن الحقائق الأصلية، وتأخير بيان النكرة إذا أريد بها شيء معين.
وكون هذا القسم من قبيل ما نحن فيه،] فيه [نظر: إن فسر خلاف الظاهر ينفي ما يثبته اللفظ أو إثبات ما ينفيه، وذلك لأن النكرة إنما تدل على واحد لا بعينه لعدم دلالته على التعيين لا لدلالته على عدم التعيين وبينهما فرق، وكيف لا وأصحابنا صرحوا بأن حمل المطلق على المقيد ليس خلاف ظاهر المطلق، بل هذا إثبات "أمور زائدة" لا يتعرض له المطلق لا بنفي ولا بإثبات بدليل آخر، وأي فرق بين حمل المطلق على المقيد، وبين حمل النكرة على المعين حتى يكون الثاني من قبيل خلاف الظاهر دون الأول، وتأخير بيان النسخ دون الخطاب الذي ليس له ظاهر بل نسبته إلى المعنيين سواء كالأسماء المشتركة والمتواطئة التي هي مجملات، فإنه يجوز تأخير بيانه إلى وقت الحاجة، والبيان الإجمالي هو أن نقول / (٢٩٦/ب): هذا العام مخصوص وإن المراد من هذه اللفظة الحقيقة الشرعية أو المجاز اللغوي دون حقيقتها، وإن هذا الحكم سينسخ وهذا التفصيل ذكره بعض أصحابنا: كأبي بكر
стр. 1734
القفال وأبي بكر الدقاق.
والعم أن البيان الإجمالي غير مفيد أصلا في القسم الثاني، لأن من المعلوم على تقدير إجمال المشترك أن المراد منه بعض مدلولاته، ومن المتواطئ بعض ما يصدق عليه الاسم فلذلك يشترطون ذكره عقيب الخطاب، كما شرطوه في القسم الأول لكونه مفيدا.
وأما البيان التفصيلي فتأخيره جائز في القسمين عندهم، فلا فرق بينهما إلا من حيث إنما هو فائدة البيان الإجمالي في القسم الأول حاصل في القسم الثاني من لفظه، فلا معنى لاشتراطه بخلاف القسم الأول فإنه غير مستفاد منه ذلك.
وإذا عرفت مذاهب الناس فيه فلنذكر الدليل عليها.
أما الدليل على ما ذهب إليه أصحابنا فعام تناول كل الصور، وخاص يختص ببعضها، أما العام فوجوه:
أحدها: قوله تعالى:﴾ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ﴿.
ووجه الاستدلال به ظاهر وهو أن قوله:﴾ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ﴿.
يدل على إنزاله عليه لاستحالة أن يكون مأمورا بإتباع القرآن قبل إنزاله
стр. 1735
عليه، ثم إنه تعالى أخر بيانه عنه، لأنه قال:﴾ ثم إن علينا بيانه ﴿، لان كلمة "ثم" للتراخي والمهلة، على ما تقرر ذلك في اللغات، وذلك يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الإنزال وهو المطلوب.
فإن قلت: لا نسلم أن المراد من البيان: هو البيان الذي اختلفنا فيه، وهو بيان المجمل والعموم والمطلق، بل المراد منه عندنا إظهارا وإشهاده للخلائق، فإن البيان في اللغة عبارة عن الإظهار على ما تقدم تعريفه، يقال: بان لنا الكوكب الفلاني إذا ظهر، وبان لنا سور المدينة إذا ظهر، وإذا كان كذلك فليس حمله على الإظهار خلاف الظاهر، بل هو على وقفه إذ حمل اللفظ على موضعه وهو الظاهر، فلم قلتم إنه لا يجوز الحمل عليه وأن يكون مرادا منه؟ ثم الذي يدل على أن الحمل عليه أولى، هو أن على تقدير الحمل عليه لا يلزم منه تخصيص "وأما على تقدير الحمل على البيان المختلف فيه يلزم منه تخصيص" الضمير الذي في قوله:﴾ ثم إن علينا بيانه ﴿، لأن ذلك الضمير راجع إلى ما ترجع إلية الضمائر التي قبله، لئلا يلزم عود الضمير إلى غير المذكور وهي التي في قوله:﴾ لا تحرك به لسانك / (٢٩٧/أ) لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ﴿.
стр. 1736
وهي راجعة إلى كل القرآن.
أما أولا: فلأن أول هذه الضمائر هو الذي في قوله:﴾ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴿.
إما أن يكون راجعا إلى القرآن وإلى بعضه، إما معينا، أو غير معين، والقسمان الأخيران باطلان فتعين الأول.
أما الأول: منهما فلعدم دلالة الدليل عليه، إذ الأصل عدم ما يظن دليلا عليه.
وأما الثاني: فلاستلزام الإجمال، وأما ما يعمهما فلأن دأبه ﵇ بذلك ما كان مختصا ببعض القرآن دون بعض حتى نهى عنه، بل كان يفعل ذلك بكل القرآن حرصا على الحفظ فنهى عنه.
وإذا كان ذلك الضمير راجع إلى كل القرآن، وجب أن يكون ما بعده كذلك لئلا يلزم التخصيص.
وأما ثانيا: فلأن الضمير في قوله:﴾ إن علينا جمعه وقرآنه ﴿راجع إلى كل القرآن، لأنه لا يحصل مقصوده من جمع بعض القرآن وقراءته، وهذا لأن مقصود تأمين الرسول ﵇ عما كان يخاف عليه، وهو ذهاب بعض القرآن عنه فإنه ﵇ ما كان يعجل في التلقف إلا خوفا منه، بل إنما "يحصل" بجمع كل القرآن وقراءته فوجب أن يكون الضمير راجعا إليه تحصيلا للمقصود وتحسينا للتعليل، فإنه وارد لتعليل النهي.
стр. 1737
وأما ثالثا: فلأنه ليس بعض القرآن بذلك أولى من بعض، فأما أن لا يعود إلى شيء منه وهو باطل بالإجماع "أ" وإلى بعض غير أي معين أي بعض كان، وهو أيضا باطل لما سبق، أو يعود إلى الكل وهو المطلوب.
وأما رابعا: فلأن الضمير في قوله:﴾ فإذا قرآناه فاتبع قرآنه ﴿راجع إلى كل القرآن، وإلا لزم ان يكون راجع إلى البعض لئلا يلزم خلاف الإجماع، لكن ليس البعض بذلك أولى من البعض لعدم ما يدل عليه لفظا، ومعنى، والعمل على أي بعض كان يوجب سقوط التكليف بالإتباع ولو بإتباع آية، وهو خلاف الإجماع فثبت بهذه الوجوه أن الضمائر التي قبل الضمير الذي في قوله:﴾ ثم إن علينا بيانه ﴿راجع إلى كل القرآن.
فلو كان المراد من البيان المجمل والعام والمطلق، لزم أن يكون ذلك الضمير عائدا إلى بعض القرآن ضرورة أن كل القرآن ليس بعام مخصوص "ومطلق مقيد"، ومجمل محتاج إلى البيان وضرورة أن بيان الكل] غير [متراخ عنه بخلاف ما إذا حملنا البيان على الإظهار / (٢٩٧/ب) فإنه حينئذ يمكن أن يعود الضمير إلى الكل إذ إظهار الكل وإشهاره ممكن فثبت أن على تقدير حمل البيان على الإظهار لا يلزم منه تخصيص وعلى تقدير حمله على البيان المختلف فيه يلزم منه تخصيص الضمير، فكان الحمل على الإظهار أولى.
سلمنا: أن الحمل على ما ذكروه أولى، لكن لم لا يجوز أن يكون
стр. 1738
المراد منه البيان التفصيلي وتراخيه جائز عند بعض أصحابنا كأبي الحسين البصري.
سلمنا: أن المراد منه مطلق البيان الإجمالي والتفصيلي، لكن الآية تدل على وجوب تأخير البيان، لأن كلمة "علي" للوجوب، لكنه قول لم يقل به أحد، لأن الخصم يقول بجواز التراخي والمقارنة معا، وأما نحن فنقول: بوجوب المقارنة.
فالقول بوجوب التراخي قول لم يقل به أحد، فكان باطلا وحينئذ يتعذر العمل بظاهر الآية، فوجب صرفها إلى المجاز، وليس صرفهم الآية عن ظاهرها يحملهم على جواز التراخي أولى من صرفها إياها عن كونها مقتضية للتراخي بحمل "ثم" على معنى "الواو"، كما في قوله تعالى:﴾ فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴿، وكما في قوله تعالى:﴾ ثم آتينا موسى الكتاب ﴿.
ففي بقاء معنى الوجوب إذ مقارنة البيان مع المبين واجب عندنا في كل الصور وعليهم الترجيح لأنهم المستدلون.
قلت: الجواب عن الأول من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن البيان في اللغة عبارة عن مجرد الإظهار بل هو عبارة عنه مع إزالة إشكال وإبهام، بدليل الاستعمال وشعور الذهن بذلك عند سماعه، وما ذكرتم من الاستعمال ففيه أيضا معنى إزالة الإبهام والإشكال على ما لا يخفى عليك تقريره، فما فيه الظهور من غير إزالة الإبهام
стр. 1739
والإشكال كظهور الألفاظ فلا نسلم أنه يسمى بيانا.
وثانيهما: أنا نسلم أنه في اللغة عبارة عما ذكرتم، لكن نقول: إن البيان إن كل حقيقة في بيان المجمل والعام والمطلق بعرف الشارع، وحمله الشرع وجب حمل البيان المذكور في الآية عليه لما تقدم، من أنه يجب حمل الألفاظ على الحقائق الشرعية أولا، ثم على الحقائق العرفية، ثم على الحقائق اللغوية، وإن لم يكن حقيقة فيه وجب حمله على الحقيقة اللغوية التي هي الإظهار وهو قدر مشترك بين إظهار اللفظ، وبين إظهار المعنى المراد منه، وحينئذ إن قيل بأن المفرد المضاف كالفرد المعرف] بالألف واللام [وهو عام وجب حمله / (٢٩٨/أ) عليهما وإن لم يقل به فحينئذ، إما أن يحمل على أحدهما على التعيين وهو باطل، لأنه ترجيح من غير مرجح، لأن نسبة اللفظ إليهما على السواء، أو لا يحمل على واحد منهما ما لم يدل عليه دليل من خارج، وهو أيضا باطل، لأنه إجمال وتعطيل للفظ إلى أو أن وجود الدليل، وهو خلاف الأصل أو يحمل على كل واحد منهما بطريق البدلية، كما في المطلق وهذا يقتضي جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب أيضا، وإن حمل البيان المذكور على الإظهار والإشهار، لأن التخيير بين حمل اللفظ على ما يجوز، وبين حمله على ما لا يجوز لا يجوز.
فلما ورد ما يوجب التخيير دل ذلك على جوازه، وبه أيضا يعرف اندفاع ما ذكروه من الأولوية بسبب لزوم محذور التخصيص لو سلم لزومه، لأن ذلك إنما يظهر لو حمل عليه فقط، أما لو حمل عليهما إما معا أو بطريق
стр. 1740
البدلية فلا
فإن قلت لو كان البيان محمولا عليهما لزم أن يكون الضمير في قوله تعالى:﴾ ثم إن علينا بيانه ﴿، راجعا إلى كل القرآن وإلى بعضه معا، لأنه من حيث أنه محمول على إظهاره وإشهاره يجب أن يكون راجعا إلى كله ومن حيث أنه محمول على بيان المجمل والعام يجب أن يكون راجعا إلى بعضه كما سبق، لكن ذلك باطل، لأنه جمع بين الحقيقة والمجاز في الإرادة من اللفظ الواحد.
قلت: من جوز منا استعمال اللفظ في معنيين مختلفين فقد سقط عنه هذا الكلام بالكلية، وأما من لم يجوزه فإنه يمنع لزوم أن يكون الضمير عائدا إليها، وهذا لأنه لا يسلم أن البيان من حيث إنه محمول على الإظهار والإشهار يكون الضمير عائدا إلى الكل.
وأما الدليل عليه وكون إظهار الكل ممكنا لا يوجب عوده إليه، بل نقول: هو عائد إلى البعض، وهو البعض الذي يستأنف نزوله عليه، فلم لا يجوز ذلك؟ ثم الذي يدل على صحته هو أن الضمير في قوله تعالى:﴾ لا تحرك به لسانك ﴿عائد إلى ما يتلقاه من القرآن في المستقبل دون ما مضى، لأنه نهى له عنه عن التعجيل في التلقف، وذلك إنما يمكن فيما يستقبل، إذ النهي عن الماضي محال، وإذا كان ذلك الضمير عائدا إلى البعض، وجب أن يكون محل ما بعده من الضمائر راجعا إليه أيضا: لئلا يلزم عود الضمير إلى غير المذكور.
стр. 1741
وبهذا يعرف أيضا: عدم لزوم التخصيص على تقدير حمل البيان على البيان المختلف فيه / (٢٩٨/ب) وبه أيضا: خرج الجواب عما ذكر من الأدلة الدالة على كون الضمائر التي قبل ضمير البيان راجعة إلى كل القرآن، لأن الضمير راجع إلى البعض على التقديرين لما سبق.
ثم الذي يؤكد "أن" الضمير على تقدير أن يكون البيان محمولا على الإظهار والإشهار أيضا راجع إلى البعض دون الكل بمعنى كل جزء منه لا الكل من حيث إنه كل، فإن ذلك باطل وفاقا، هو أن قوله:﴾ ثم إن علينا بيانه ﴿يقتضي أن الإظهار والإشهار ما كان حاصلا لمن يرجع إليه الضمير، لأن تحصيل الحاصل محال، وما تلقفه الرسول ﵇ من القرآن من قبل كان قد ظهر وبلغ إلى أهل التواتر بحيث تقوم به الحجة، وهو المطلوب من الإظهار، لا أنه يصل إلى كل من في الشرق والغرب فاستحال أن يرجع الضمير إلى الكل بالمعنى المذكور.
لا يقال: المحذور المذكور لازم، أيضا: على تقدير عود الضمير إلى البعض، وهذا لأن تقدير أن يكون المراد من البيان الإظهار كان الضمير راجعا إلى كل ما بقي من القرآن، وبتقدير أن يكون المراد منه البيان المختلف فيه لا يكون راجعا إليه، بل إلى البعض منه لاستحالة أن يكون ما بقي عاما مخصوصا ومطلقا ومجملا فيلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين،
стр. 1742
لأن ذلك البعض غير هذا البعض، وبهذا أيضا عرف لزوم التخصيص على تقدير حمل البيان المختلف على البيان المختلف فيه دون تقدير حمله على الإظهار ...
لأنا نقول: نحن نسلم أن ذلك البعض غير هذا البعض، لكن ليس دلالة البعض على كل بعض بطريق الاشتراك أو بطريق الحقيقة والمجاز حتى يلزم ما ذكرتم من استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، بل دلالته على كل بعض بطريق التواطؤ، فجاز أن يطلق.
ويراد به كل ما صدق عليه البعض باعتبار كونه بعضا، لا باعتبار الخصوصية فإن ذلك يجوز.
ألا ترى أنك إذا قلت: البعض من الناس أكرمته وأهنته لا يلزم أن يكون البعض المكرم هو البعض المهان، بل الظاهر أنه غيره، والإلزام التناقض إلا على تأويل، وإذا كان كذلك لم يلزم ما ذكروه من المحذور.
واما التخصيص فلا نسلم لزومه أيضا: على ذلك التقدير، وهذا لأن الضمير الذي في قوله:﴾ ثم إن علينا بيانه ﴿راجع إلى ما ترجع إليه الضمائر التي قبله وإن كان البيان محمولا على البيان المختلف فيه، وكون كل ما بقي من القرآن "ليس" عاما مخصوصا ومجملا ومطلقا ومقيدا لا ينافي ذلك، لأن البيان والتفسير والشرح / (٢٩٩/أ) مضاف إلى الجملة في عرف الاستعمال، وإن لم يكن فيها ما لا يحتاج إلى التفسير والشرح، يقال:
стр. 1743
هذا تفسير القرآن وإن كان فيه ما لا يحتاج إلى التفسير، ويقال هذا شرح الكتاب الفلاني وإن كان فيه ما لا يحتاج إلى الشرح ويقال بين فلان كلام فلان، وإن كان ما بين منه إلا كلمتين، والأصل في الإطلاع الحقيقة.
ولو سلم ابتداء أن الضمير الذي في البيان راجع إلى كل القرآن كان هذا الجواب أيضا.
وأما الجواب: عن الثالث: فهو أن البيان مطلق، وتقييد المطلق خلاف الظاهر، فتقييده بالبين التفصيلي خلاف الظاهر، وما قيل: عليه أنه إذا كان مطلقا لا يمكن حمله على جميع صوره، وإلا لكان عاما لا مطلقا بل غايته أنه إذا عمل به في صورة واحدة فقد وفي بالعمل لدلالته، وعند ذلك فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على التفصيلي دون الإجمالي أو بالعكس يكون تقييدا للمطلق، وهو ممتنع من غير دليل.
وإن لم يقل: بتنزيله عليه، فلا حجة فيه، ظاهر السقوط، لأن تنزيل المطلق على أحد مجملاته على وجه التخصيص خلاف الأصل، أما تنزيله عليه على وجه الجواز والتخيير فليس ذلك خلاف الأصل، بل هو مقتضاه، فتنزيله على تأخير البيان الإجمالي على وجه الجواز والتخيير ليس خلاف الأصل بل هو مقتضاه وفي ذلك حصول المطلوب، فبطل قوله: إن لم يقل:
стр. 1744
بتنزيله عليه فلا حجة فيه، إن أراد به التنزيل على وجه التخصيص، وإن أراد به ما هو أعم منه فلا نسلم أنه يلزم ذلك من امتناع التنزيل عليه وجه التخصيص حتى لا يقول به.
وعن الرابع: أنا نقول: به لأنه تعالى أخبر بأن بيانه عليه بكلمة "ثم" فلو كان كل بيان مقارنا لزم الخلف في خبره تعالى، وهو محال.
سلمنا: عدم وجوبه لكن "فيه" صرف الآية عن الوجوب وحملها على الجواز أولى من صرف "ثم" عن التراخي وحمله على معنى "مع"، فإن بتقدير أن تكون "الواو" للجمع المطلق لم تكن "ثم" محمولا عليه على زعم الخصم وإلا لكان المقصود حاصلا لما سبق أن الدال على القدر المشترك يجوز حمله على ما صدق عليه الاسم، بل يكون محمولا على أحد نوعيه وهو الجمع بطريق المعية وحينئذ يلزم أن يكون ما ذكرنا من المجاز أولى، لأن إطلاق ما يدل على الوجوب وإرادة الجواز منه من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء وإطلاق "ثم" وإرادة معنى "مع" من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء وإطلاق "ثم" وإرادة معنى "مع" من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء وإطلاق "ثم وإرادة معنى مع من قبيل إطلاق / (٢٩٩/ب) اسم أحد الضدين على " الآخر وقد ثبت في اللغات أن الأول أولى.
وثانيها: قوله تعالى:﴾ آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ﴿وتفصيل
стр. 1745
الآيات إنما هو تبيين معانيها، فيكون تبيين معاني الآيات متأخرا عنها وهو المطلوب، واعلم أن الاستدلال بهذه الآية إنما يتم بعد إثبات أمور ثلاثة:
أحدها: أن تفصيل الآيات إنما هو تبيين معانيها وهو ممنوع ولم لا يجوز أن يكون المراد منه تبيين ما به تصير الآية آية، وهذا هو الظاهر، لأن الآية اسم للألفاظ المتلوة لا للمعاني، فتفصيل الآيات بأن يميز كل واحدة منها عن الأخرى، تبيين مواقفها ومقاطعها، ولو أطلقت الآية عى المعاني حيث أطلقت فإنما هو بطريق التجوز من قبيل إطلاق اسم الدليل وإرادة المدلول، وإذا احتمل أن يكون المدلول الحقيقي مرادا لم يجز المصير إلى المجاز إلا عند قيام دلالة على إرادة المجاز، لكن الأصل عدمه.
وثانيها: أنا وإن سلمنا أن المدلول الحقيقي غير مراد، لكن لا نسلم أن ما ذكروه من المجاز مراد، ولم لا يجوز أن يراد من تفصيل الآيات تفصيلها في الإنزال؟
ويكون المعنى على هذا والله أعلم: أحكمت آياته في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في الإنزال، وهذا وإن كان إضمارا، وهو خلاف الأصل، لكن ما ذكروه أيضا كذلك فلم كان ذلك أولى.
وثالثها: أنا وإن سلمنا أن ما ذكروه من المجاز أولى، لكن لا نسلم أنه يحصل منه المطلوب، وهذا لأن مقتضى الآية على هذا أن يكون تبيين معاني الآيات متأخرا عن أحكامها، وليس في ذلك ما يدل على أن تبيين معانيها متأخر عن نزولها فلعل الأحكام قبل الإنزال والتبيين والإنزال معا فحينئذ لا
стр. 1746
يحصل المطلوب، ويمكن أن يقال في تقرير إثبات الأول أن قوله﴾ أحكمت آياته ﴿يدل على أنها آية عند الإحكام، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة، فالتفصيل متراخ عنه فلا يجوز أن يحمل قوله:﴾ ثم فصلت ﴿على ما به تصير الآية آية، لئلا يلزم التناقض.
وفي الثاني: إن "قيل" المجاز خير من الإضمار، فالأمر ظاهر وإن لم يقل به، فالحمل على ما ذكرناه من المجاز أيضا أولى، لأنه أكثر فائدة، بخلاف الحمل على الإضمار، فإن مقتضاه معلوم بالضرورة بقرينة الحال.
وأما في تقرير الثالث: فلم يحضرنا ما يعول عليه.
وثالثها: أن من المعلوم بالضرورة / (٣٠٠/أ) بعد الاستقراء أن ما ورد من النصوص الدالة على الأحكام والأخبار على وجه الإجمال والعموم، لم يبين للرسول، ولا بينه الرسول ﵇ لنا دفعة واحدة عند نزوله، بل على التدريج على حسب الحاجة، قال الله تعالى:﴾ أقيموا الصلاة ﴿، وقد بينه جبريل صلوات الله عليه للرسول بفعله في يومين في أوقاتها، وبينه الرسول ﷺ لنا بفعله، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقال تعالى:﴾ وآتوا الزكاة ﴿، ثم بينه الرسول بعد ذلك ببيان أصناف ما يجب فيه الزكاة نحو
стр. 1747
الأنعام السائمة والذهب والفضة، وأصناف ما لم يجب فيه نحو الخيل والحمير والرقيق، والحلى، على ما هو مذكور في كتاب الصدقات وغيره، ومقدار الذي يجب فيه نحو قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، وقدر الواجب نحو قوله: "فيما سقت السماء العشر" الحديث و "هاتوا ربع عشور أموالكم" وعلى من تجب وفي أي وقت تجب
стр. 1748
وغير ذلك من أحكامها، كنقلها من بلد إلى بلد فإنه ما بينه إلا حين بعث معاذا إلى اليمن، قال: "خذ من أغنيائهم ورد إلى فقرائهم" إذ لو بينه لاشتهر، وبالجملة يعلم المصنف من نفسه بعد الاستقراء أن الرسول
стр. 1749
عليه السلام ما بين كل ذلك عند نزول قوله تعالى:﴾ وآتوا الزكاة ﴿، وكذا أحكام الحج من القرآن والتمتع، والإفراد، وغيرها ما بينها إلا بفعله وقوله بحسب الحاجة، لا عند نزوله قوله:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴿.
وكذا أحكام البيع مما ثبت "فيه" من خيار المجلس والشرط وغيرهما من الأحكام، فإنه ما بينه حتى شكى إليه في قضية حبان بن منقذ إذ لو لم يوجد في الأحاديث ما يدل عليه سوى حديث حبان بن منقذ.
стр. 1750
وكذا أحكام النكاح، وما يحل وما لا يحل وشرائط صحته كل ذلك ما بين عند نزوله قوله تعالى:﴾ وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴿.
وكذا أحكام الربا فإنه ما بين حكم العرايا إلا حين شكى محاويج الأنصار.
стр. 1751
وما بين حكم بيع الرطب بالتمر حتى سئل عنه لا عند نزول قوله:﴾ وحرم الربا ﴿.
وكذا أجكام الإرث، والسرقة، والزنا، والقصاص، فإنه ما بين قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" وقوله: "لا توارث بين ملتين مختلفتين" وقوله: "القاتل لا يرث" و "الرقيق لا يرث ولا يورث"، عند نزول قوله:﴾ يوصيكم الله في أولادكم ﴿الآية.
وكذا ما بين حكم إقرار / (٣٠٠/ب) الزنا وغيره من الأحكام عند نزول آية الزنا.
стр. 1752
وكذا لم يبين قوله: "لا قطع فيما دون ربع دينار" وقوله: "لا قطع من أقل من ثمن المجن"، وموضع القطع وأنه يكرر عليه القطع عند تكرر السرقة وغيرها من الأحكام، نحو بيان الحرز وعدم الشبهة في المال المسروق عند نزول قوله تعالى:﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴿.
وكذا لم يبين قوله: "لا يقتل والد بولده" و"لا يقتل مؤمن كافر" عند نزول قوله:﴾ ولكم في القصاص حياة ﴿، وقوله:﴾ الحر بالحر ﴿الآية.
وكذا ما بين للرسول حكم خصوص قوله:﴾ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴿، عند نزوله حتى حاججه في ذلك ابن الزبعري على ما يذكر ذلك، وكذا غير ما ذكرنا من العمومات، والمجملات التي يطول ذكرها لم يقترن بيانها، ولا يجد المصنف من نفسه بعد الاستقراء إنكار تراخي البيان عن جميع هذه الصور، وإن كان يمكنه ذلك في بعض الصور، وكيف يمكن أن يقال: إن جميع هذه البيانات كانت مقرنة بتلك العمومات، والمجملات، ولم ينقل أحد من الرواة في واحد منها أنه ﵇ ذكره عند نزول الآية الفلانية، مع أن من عادتهم نقل مثل ذلك فيما لا يتعلق به غرض، فكيف فيما يتعلق به غرض، ويثبت به الأصل عظيم مرجوع إليه في الأحكام، وهذا مسلك شريف يصلح أن يكون معمولا عليه في إثبات هذا الأصل.
وإن كان كثير منهم لم يذكره فضلا على أن يكون معمولا عليه لهم
стр. 1753
وقد احتج في المسألة بوجوه آخر عامة من المعقول: وهي ضعيفة نذكرها، ونذكر وجه ضعفها:
أحدها: أنه يكون لو امتنع تأخير البيان لكان امتناعه، إما لذاته، أو لإفضائه إلى محال، وكل واحد منهما، إما أن يعرف بضرورة، أو بنظر.
ودعوى الضرورة مدفوعة ومعارضها لمثلها، ودعوى النظر أيضا مدفوعة إذ ليس في أدلة الخصم ما يوجب امتناعه لما نجيب عنها والأصل عدم دليل آخر، وإذا انتفى المسلكان ثبت الجواز وهذا دليل استعمله القاضي أبو بكر رحمه الله تعالى في مسائل وعول عليه.
واعترض عليه: أنه لا يلزم من عدم وجدان الدليل عدم الدليل، والتمسك بالأصل ضعيف إذ المسألة علمية، غير آيلة فائدتها إلى العمل إذ لا عمل قبل حضور وقت العمل.
سلمنا: أنه يدل على عدمه، لكن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول / (٣٠١/أ) فلا يلزم من عدم دليل الإحالة عدم الإحالة حتى يلزم منه ثبوت الجواز.
وثانيها: أنه لو لم يجز تأخير البيان فإنما لم يجز، لأنه لا يمكن بدونه الامتثال، وهذا المعنى بعينه حاصل في القدرة والآلة، فإنه لا يمكن
стр. 1754
الامتثال بدونهما فوجب أن لا يجوز تراخي تحصيلهما عن وقت الخطاب واللازم باطل وفاقا فالملزوم مثله.
وهو أيضا ضعيف لأنا لا نسلم أنه لا يجوز لما ذكروه، بل الظاهر أنه لا يجوز أن يكون لذلك، لأن الامتثال غير مطلوب وقت الخطاب، ولذلك لم يعتبر حصول القدرة وتيسير الآلة فيه فلا يكون إمكانه فيه معتبرا فلا يشترط حصول ما يتوقف عليه بإمكانه، بل إنهما لك يجزا إما لإفضائه إلى التجهيل، أو لكونه تكلما بما لا فائدة فيه ومع وجود الفارق المناسب لا يضاف الحكم إلى المشترك.
وثالثها: أنه لو امتنع تأخير البيان إلى وقت الحاجة لامتنع البيان لكلام طويل وفعل طويل، وامتنع تأخيره بزمان قصير، وإن تبين "حمله" بعد أن يعطف عليها "جملا أخر" لأن كل ما يذكرونه من تجهيل، والتكلم بما لا فائدة فيه حاصل فيه لكن اللوازم ممتنعة وفاقا فالملزوم مثله.
وهو أيضا ضعيف، لأن الخصم إنما يجوز البيان بكلام طويل
стр. 1755
وبفعل طويل إذ لم يكن البيان إلا بهما، أو كانت فيه مصلحة ظاهرة، لا تحصل في الكلام القصير والفعل والقصير.
"قلنا". إذا لم يكن كذلك فلا نسلم جوازه وحينئذ لم يكن البيان متأخرا وإن كان متأخرا بزمان يسير "لكن" فيه مصلحة ظاهرة تربو على مفسدة التأخير اليسير، فلا يلزم من امتناع تأخير البيان امتناع البيان بالكلام الطويل والفعل الطويل، وأما تأخيره بزمان قصير بحيث لا يعد انقطاعا عن الكلام الأول فإنما تجوز، لأن ما هو علة المنع في التأخير بالزمان الطويل، وهو التجهيل والتكلم بما لا فائدة فيه غير حاصل في التأخير بالزمان القصير على ما ذكرنا من التفسير، لان السامع لا ينبغي له أن يعتقد ظاهر الكلام قبل تمامه فلا ينبغي له أن يعتقد ظاهر الكلام في ذلك الزمان القصير، لجوزا أن يأتي المتكلم باستثناء، أو شرط، أو يعقبه بصفة تصرفه عن ظاهره، فإن اعتقد ذلك كان "ذلك" تقصيرا منه، وحينئذ لم يكن ذلك القدر من التأخير منشأ للجهل ولا كان التكلم بالمجمل لغوا، لجواز / (٣٠١/ب) أن يأتي ببيانه فيه فيكون مع الأول كالكلام الواحد فيخرج عن أن يكون لغوا لخلاف الفصل بالزمان الطويل، لأن ما يأتي بعده ليس معدودا من الكلام الأول، فيكون الأول تجهيلا ولغوا وبه أيضا خرج الجواب عن الأخير، لأن الجمل المعطوف بعضها على بعض تصير كالجملة الواحدة فلم يكن البيان
следующие страницы →