← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وما بين حكم بيع الرطب بالتمر حتى سئل عنه لا عند نزول قوله:﴾ وحرم الربا ﴿. وكذا أجكام الإرث، والسرقة، والزنا، والقصاص، فإنه ما بين قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" وقوله: "لا توارث بين ملتين مختلفتين" وقوله: "القاتل لا يرث" و "الرقيق لا يرث ولا يورث"، عند نزول قوله:﴾ يوصيكم الله في أولادكم ﴿الآية. وكذا ما بين حكم إقرار / (٣٠٠/ب) الزنا وغيره من الأحكام عند نزول آية الزنا.

стр. 1752

وكذا لم يبين قوله: "لا قطع فيما دون ربع دينار" وقوله: "لا قطع من أقل من ثمن المجن"، وموضع القطع وأنه يكرر عليه القطع عند تكرر السرقة وغيرها من الأحكام، نحو بيان الحرز وعدم الشبهة في المال المسروق عند نزول قوله تعالى:﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴿. وكذا لم يبين قوله: "لا يقتل والد بولده" و"لا يقتل مؤمن كافر" عند نزول قوله:﴾ ولكم في القصاص حياة ﴿، وقوله:﴾ الحر بالحر ﴿الآية. وكذا ما بين للرسول حكم خصوص قوله:﴾ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴿، عند نزوله حتى حاججه في ذلك ابن الزبعري على ما يذكر ذلك، وكذا غير ما ذكرنا من العمومات، والمجملات التي يطول ذكرها لم يقترن بيانها، ولا يجد المصنف من نفسه بعد الاستقراء إنكار تراخي البيان عن جميع هذه الصور، وإن كان يمكنه ذلك في بعض الصور، وكيف يمكن أن يقال: إن جميع هذه البيانات كانت مقرنة بتلك العمومات، والمجملات، ولم ينقل أحد من الرواة في واحد منها أنه ﵇ ذكره عند نزول الآية الفلانية، مع أن من عادتهم نقل مثل ذلك فيما لا يتعلق به غرض، فكيف فيما يتعلق به غرض، ويثبت به الأصل عظيم مرجوع إليه في الأحكام، وهذا مسلك شريف يصلح أن يكون معمولا عليه في إثبات هذا الأصل. وإن كان كثير منهم لم يذكره فضلا على أن يكون معمولا عليه لهم

стр. 1753

وقد احتج في المسألة بوجوه آخر عامة من المعقول: وهي ضعيفة نذكرها، ونذكر وجه ضعفها: أحدها: أنه يكون لو امتنع تأخير البيان لكان امتناعه، إما لذاته، أو لإفضائه إلى محال، وكل واحد منهما، إما أن يعرف بضرورة، أو بنظر. ودعوى الضرورة مدفوعة ومعارضها لمثلها، ودعوى النظر أيضا مدفوعة إذ ليس في أدلة الخصم ما يوجب امتناعه لما نجيب عنها والأصل عدم دليل آخر، وإذا انتفى المسلكان ثبت الجواز وهذا دليل استعمله القاضي أبو بكر رحمه الله تعالى في مسائل وعول عليه. واعترض عليه: أنه لا يلزم من عدم وجدان الدليل عدم الدليل، والتمسك بالأصل ضعيف إذ المسألة علمية، غير آيلة فائدتها إلى العمل إذ لا عمل قبل حضور وقت العمل. سلمنا: أنه يدل على عدمه، لكن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول / (٣٠١/أ) فلا يلزم من عدم دليل الإحالة عدم الإحالة حتى يلزم منه ثبوت الجواز. وثانيها: أنه لو لم يجز تأخير البيان فإنما لم يجز، لأنه لا يمكن بدونه الامتثال، وهذا المعنى بعينه حاصل في القدرة والآلة، فإنه لا يمكن

стр. 1754

الامتثال بدونهما فوجب أن لا يجوز تراخي تحصيلهما عن وقت الخطاب واللازم باطل وفاقا فالملزوم مثله. وهو أيضا ضعيف لأنا لا نسلم أنه لا يجوز لما ذكروه، بل الظاهر أنه لا يجوز أن يكون لذلك، لأن الامتثال غير مطلوب وقت الخطاب، ولذلك لم يعتبر حصول القدرة وتيسير الآلة فيه فلا يكون إمكانه فيه معتبرا فلا يشترط حصول ما يتوقف عليه بإمكانه، بل إنهما لك يجزا إما لإفضائه إلى التجهيل، أو لكونه تكلما بما لا فائدة فيه ومع وجود الفارق المناسب لا يضاف الحكم إلى المشترك. وثالثها: أنه لو امتنع تأخير البيان إلى وقت الحاجة لامتنع البيان لكلام طويل وفعل طويل، وامتنع تأخيره بزمان قصير، وإن تبين "حمله" بعد أن يعطف عليها "جملا أخر" لأن كل ما يذكرونه من تجهيل، والتكلم بما لا فائدة فيه حاصل فيه لكن اللوازم ممتنعة وفاقا فالملزوم مثله. وهو أيضا ضعيف، لأن الخصم إنما يجوز البيان بكلام طويل

стр. 1755

وبفعل طويل إذ لم يكن البيان إلا بهما، أو كانت فيه مصلحة ظاهرة، لا تحصل في الكلام القصير والفعل والقصير. "قلنا". إذا لم يكن كذلك فلا نسلم جوازه وحينئذ لم يكن البيان متأخرا وإن كان متأخرا بزمان يسير "لكن" فيه مصلحة ظاهرة تربو على مفسدة التأخير اليسير، فلا يلزم من امتناع تأخير البيان امتناع البيان بالكلام الطويل والفعل الطويل، وأما تأخيره بزمان قصير بحيث لا يعد انقطاعا عن الكلام الأول فإنما تجوز، لأن ما هو علة المنع في التأخير بالزمان الطويل، وهو التجهيل والتكلم بما لا فائدة فيه غير حاصل في التأخير بالزمان القصير على ما ذكرنا من التفسير، لان السامع لا ينبغي له أن يعتقد ظاهر الكلام قبل تمامه فلا ينبغي له أن يعتقد ظاهر الكلام في ذلك الزمان القصير، لجوزا أن يأتي المتكلم باستثناء، أو شرط، أو يعقبه بصفة تصرفه عن ظاهره، فإن اعتقد ذلك كان "ذلك" تقصيرا منه، وحينئذ لم يكن ذلك القدر من التأخير منشأ للجهل ولا كان التكلم بالمجمل لغوا، لجواز / (٣٠١/ب) أن يأتي ببيانه فيه فيكون مع الأول كالكلام الواحد فيخرج عن أن يكون لغوا لخلاف الفصل بالزمان الطويل، لأن ما يأتي بعده ليس معدودا من الكلام الأول، فيكون الأول تجهيلا ولغوا وبه أيضا خرج الجواب عن الأخير، لأن الجمل المعطوف بعضها على بعض تصير كالجملة الواحدة فلم يكن البيان

стр. 1756

متأخرا في الحقيقة عن الجملة التي هو بيانها وهذا على رأي من يجعل الاستثناء المذكور عقيب الجمل راجعا إليها بأسرها ظاهرا جدا. ورابعها: أنه لو لم يجز تأخير البيان فإنما كان ذلك لعدم تبين المكلف المراد من الخطاب، وذلك يقتضي قبح الخطاب الذي لا يتبين المكلف المراد منه إذا تبين له إذ لا فرق في حصول مفسدة عدم التبين بين أن يكون بسبب المخاطب، وبين أن يكون بسبب المخاطب ولهذا يسقط التكليف عن الإنسان سواء قتله غيره أو قتل نفسه، لكنه باطل وفاقا، فكذا ما يقتضيه، لأن ما يقتضي الباطل باطل. وهو أيضا ضعيف لأن عدم التبين بسبب تأخير البيان منسوب إلى تقصير المخاطب فيناسب أن يؤثر في تقبيح خطابه الذي هو فعله، وأما عدم التبين مع وجود البيان فمنسوب إلى تقصير المخاطب فلا يناسب أن يؤثر في تقبيح الخطاب الذي هو فعل الغير، وأما سقوط التكليف عن الإنسان بسبب القتل فإنما كان ذلك لفقد شرط التكليف، وهو التمكن من الامتثال، ولا يفترق الحال فيه بين أن يكون بفعله أو بفعل غيره. وأما الدليل الخاص بكل واحدة من تلك الصور، فالذي يدل على جواز تأخير "بيان المخصص وجوه":

стр. 1757

أحدها: لما نزل قوله تعالى:﴾ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴿. قال عبد الله بن الزبعري لأخصمن محمدا ﵇ ثم أتاه وقال: أليس أن الملائكة قد عبدت، والمسيح قد عبد أفتراهم حصب جهنم؟ والنبي ﵇ لم ينكر عليه ذلك وسكت حتى أنزل الله تعالى] بعد [ما شاء الله في بيان ذلك قوله:﴾ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴿ولو لم يجز تأخير بيان التخصيص لما جاز تأخيره عن وقت الخطاب بالأول. فإن قلت: لا نسلم أن الآية متناولة للملائكة والمسيح حتى يلزم من تأخير قوله تعالى:﴾ إن الذين سبقت لهم منا ﴿الحسنى (٣٠٢/أ) الآية عنها تأخير بيان التخصيص، وهذا لأن كلمة "ما" لمن لا يعقل لوجهين: أحدهما: ما روى أنه ﵇ قال: لابن الزبعري حين أورد عليه ما أورد "ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن "ما" لما لا يعقل و"من" لما يعقل".

стр. 1758

وثانيهما: النقل عن أئمة اللغة أنهم قالوا إن "ما" لما لا يعقل ثم الذي يؤكد أن قوله تعالى:﴾ إنكما وما تعبدون من دون الله ﴿غير متناولهم هو أنه خطاب مع العرب، وهم ما كانوا يعبدون المسيح والملائكة ﵈، يل كانوا يعبدون الأوثان. سلمنا: التناول لكن المخصص كان حاصلا معها، وهذا لأن التخصيص بدليل العقل جائز، على ما تقدم تقريره، وقد دل العقل هنا على أنه لا يجوز أن تكون الملائكة والمسيح مرادين من الآية، لأن تعذيب أحد بذنب صادر عن غيره لا يجوز وإنما سكت الرسول عنه لو صح أنه سكت، لتأكيد الدليل العقلي بالنقلى، لا يقال: ما ذكرتم من المخصص في حقهما فهو بعينه قائم في حق كل معبود سوى الله تعالى، إذ الذنب صادر من العابدين دونهم فلم يجز تعذيبهم، وهو ترك مقتضى النص بالكلية وتعطيل له فكان

стр. 1759

باطلا، لأنا نقول: لا نسلم أنه قائم في حق كل معبود سوى الله تعالى، بل إنما هو قائم في حق معبود يتألم بالتعذيب ولم يكن داعيا لهم إلى عبادة نفسه ولا راضيا بها، فاما من يكن كذلك كالأصنام التي لا تتألم بالإلقاء في النار، وإنما يلقى فيها لتعذيب عابديها لا لتعذيبها، والمعبودين الذين دعوا الناس دعوا الناس إلى عبادة أنفسهم ورضوا بذلك، فليس هو بعينه قائما في حقهم إذ العقل لا يأبى إلقاء الأصنام في النار، لتعذيب المشرك ولا تعذيب من دعا إلى الشرك أو رضي به، وحينئذ لم يلزم الترك بمقتضى الآية بالكلية، بل إنما يلزم تخصيصها لا غير. سلمنا: عدم المخصص العقلي، لكن المخصص الشرعي كان حاصلا معها وتقريره من وجهين: أحدهما: أنه ورد في القرآن في مواضع﴾ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴿ومن البعيد أن يقال: إن الكل كان متأخرا عن هذه القضية. وثانيهما: أنه قد علم بالضرورة من دينه ﵇ تعظيم الملائكة والمسيح وأنهم من العباد المكرمين، وذلك ينفي أن يكونوا حصب جهنم. سلمنا: عدمه أيضا: لكن ما ذكرتم خبر واحد، والمسألة علمية، فلا يجوز إثباتها به.

стр. 1760

قلت: الدليل على أن الآية متناولة لهم، هو أن المذكور / (٣٠٢/ب) في الآية كلمة "ما" وهي متناولة للعقلاء وغيرهم، ويدل على وجوه: أحدها: الاستعمال قال الله تعالى:﴾ وما خلق الذكر والأنثى ﴿،﴾ والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ﴿﴾ لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴿وهو دليل الحقيقة، فيكون حقيقة فيه وإلا لزم التخلف وهو خلاف الأصل. وثانيها: اتفاق أهل العربية على ورود "ما" بمعنى "الذي" وهو متناول للعقلاء وغيرهم وفاقا فكذا "ما". وثالثها: أن ابن الزبعري كان من الفصحاء والبلغاء وهو فهم دخولهم تحته، فلو لم تكن كلمة "ما" متناولة لهم لما فهم ذلك. ورابعها: أنه ﵇ قرره عليه وما رده عليه، ولو لم تكن متناولة لهم لما قرره عليه. وخامسها: "أنها" لو لم تكن متناولة لمن يعلم لم يكن لقوله:﴾ من دون الله ﴿فائدة، لأنه إنما يحتاج إلى الإخراج حيث يتحقق التناول فأما حيث لم يتحقق ذلك لم يحتج، "إليه" لا يقال: لا نسلم أنه لم يكن له فائدة، بل فائدته التأكيد. لأنا نقول: التأكيد هو تقوية للمفهوم الأول، وهو غير مقوي للمفهوم

стр. 1761

الأول بل يناقضه، لان اللازم من مفهوم قوله:﴾ إنكم وما تعبدون ﴿من حيث إنما لا يتناول من يعلم أن لا يدخل معبود يعلم تحته بناء على أنه بقى على الحكم الأصلي، واللازم من مفهوم قوله:﴾ من دون الله ﴿دخوله غيره تعالى من المعبودين تحته، سواء كان من يعلم أو لا يعلم، لأنه جاري مجرى الاستثناء فيفيد ما ذكرنا، وما يخالف الشيء ويناقضه لا يكون مقويا له، نعم: هو يقوي بعض ما فهم من الأول، لكن على وجه يخالف مقتضاه في الباقي، وذلك لا يسمى تأكيدا. سلمنا: أنه يصلح أن يكون تأكيدا له حينئذ، لكنه خلاف الأصل، إذ الأصل الحمل على الفائدة التأسيسية. وسادسها: أنه لو قال: "مالي صدقة" دخل فيه الرقيق وغيره، وكذا لو قال: ما في بطن جاريتي "فهو" حر، صح وعتق عليه ما فيه من الذكر والأنثى، والأصل عدم استفادته من القرينة. ] وأما [قوله في الوجه الأول: روى أنه ﵇ قال لابن الزبعري: "ما أجهلك بلغة قومك".

стр. 1762

"قلنا"/ لم يثبت ذلك وهو الظاهر، إذ لو ثبت ذلك لزم مخالفة الأصل فيما ذكرنا من الاستعمالات، وفي قوله:﴾ من دون الله ﴿، وفي قوله:﴾ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴿من وجهين / (٣٠٣/أ) إذ تأكيد التأكيد خلاف الأصل من وجهين. هذا لو سلم أنهما تأكيدان فإن الأغلب في الكلام تأكيد ما هو المقصود من اللفظ بالدلالة الوضعية، لا تأكيد ما لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا بإثبات، وهو باق على حكم الأصل وتكذيب ما أطبق عليه جماهير المفسرين: من أنه ﵇ ما أمكر عليه، وسكت حتى أنزل الله تعالى قوله:﴾ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴿الآية، والإثبات إنما يقدم على النفي لو لم يكن مضبوطا ومستفادا من صدق ثبوتي، أما إذا كان أحدهما فلا، وتخطيئه فهم ابن الزبعري مع أنه كان من الفصحاء والبلغاء. وقوله: في الوجه الثاني: نقل عن أئمة "العربية" أنهم قالوا: "ما" لما لا يعقل.

стр. 1763

قلنا: عن كلهم، أو "عن" بعضهم. والأول: ممنوع فإن الأكثر منهم على أنها عامة ممن يعقل وغيره. والثاني: مسلم لكن لا حجة فيه. قوله: إن العرب ما كانوا يعبدون الملائكة والمسيح. قلنا: لا نسلم ذلك، وهذا فإن الرواية مشهورة، بأنه كان فيهم من كان يعبد الملائكة والمسيح. قوله: المخصص العقلي قائم. قلنا: التخصيص بالعقل وإن كان جائزا، لكن لا نسلم أن المخصص العقلي قائم، وهذا لأن حكمه في هذا المقام غير معتبر عندنا، لأنه لا يحسن ولا يقبح. سلمنا: اعتباره لكنه متى يحكم بذلك إذا لم يكن ذلك الغير داعيا إلى ذلك لذنب وراضيا به أو مطلقا. والأول: مسلم. والثاني: ممنوع، فيجوز أن يتوهم متوهم رضاهم في ذلك فيصح السؤال.

стр. 1764

وما قيل: عليه بأن أحدا من] العقلاء [لم يخطر بباله ذلك. فضعيف جدا، إذا امتناعه ليس ضروريا بحيث لم يخطر ببال أحد. وكيف يقال ذلك وقد قال تعالى:﴾ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴿لو كان ذلك مما لم يخطر بالبال لم يكن لهذا القول فائدة. وأيضا: فإن طائفة من العقلاء يجوزون الكبائر على الأنبياء، ثم منهم من يرى التكفير بذلك. ومنهم من لم ير ذلك والرضاء بالكفر لا يزيد على الكفر، فكيف

стр. 1765

يقال: إنه لم يخطر ببال أحد من العقلاء ذلك؟ وبه خرج الجواب عن المخصص الشرعي أيضا، فإن على تقدير الرضاء بذلك هو معذب بوزر نفسه لا بوزر غيره، وكونهم مكرمين ومعظمين معلوم بالضرورة من دين محمد ﵇ لا ينفي أن يتوهم] متوهم [ذلك فيهم من ليس على الدين أو من هو عليه، لكنه / (٣٠٣/ب) يعتقده بسبب جريمة صادرة "عنهم" والتكريم إنما هو عند عدمها. قوله: إنه خبر واحد. قلنا: لا نسلم، فإن المفسرين اتفقوا عليه وذكروه في سبب نزول هذه الآية وذلك يدل على أنه مقطوع بصحته. سلمنا: أنه خبر واحد، لكن سبق جوابه فيما سبق من الكلام في الأوامر. وثانيها: التمسك بقصة نوح ﵇ فإنه تعالى وعده بأن ينجيه وأهله، وهو كان يظن أن ولده من أهله، وأنه داخل تحت قوله:﴾ وأهلك ﴿ولم يتبين له أنه ليس من أهله حتى قال:﴾ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ﴿.

стр. 1766

ومن المعلوم أنه ما كان سؤاله ﵇ متصلا بقوله:﴾ وأهلك ﴿حتى يقال: إن الفصل كان بزمان قصير، وهو] جائز [وفاقا، كما هو في قصة لوط ﵇ إذ الملائكة صلوات الله عليهم لما قالوا لإبراهيم ﵇:﴾ إنا مهلكوا أهل هذه القرية ﴿ولم يبينوا إخراج لوط ﵇ ومن معه من المؤمنين. قال: لهم إبراهيم ﵇ عقيبه:﴾ إن فيها لوطا ﴿فبعد ذلك﴾ قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ﴿فبذلك سقط الاستدلال بتلك القصة لا بأن البيان كلن مقترنا معه بقولهم:﴾ إن أهلها كانوا ظالمين ﴿. من حيث إنه لا يدخل تحته إلا من كان ظالما لوجهين: أحدهما: أنه يلزم] أنه [﵇ ما كان تبين ذلك البيان، أو وإن تبينه لكنه أراد التصريح بذلك للتأكيد، وهو بعيد جدا. ثانيهما: أنه لم يصلح بيانا لنجاته ﵇ ومن معه من المؤمنين، لأن جزاء عقوبة الظالمين قد تكون بحيث تعمهم وغيرهم قال الله تعالى:

стр. 1767

﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴿، وإذا كان كذلك يصلح بيانا لنجاتهم. لا يقال: إن ما ذكرتم من قصة نوح ﵇ ليس من قبيل تخصيص العام، لأنه إذا لم يكن ولده من أهله لقوله تعالى:﴾ إنه ليس من أهلك ﴿، "لم يكن قوله وأهلك متناولا له فلم يمكن خروجه عن مقتضاه تخصيصا له، لأنا نقول: ليس معنى قوله:﴾ إنه ليس من أهلك ﴿أنه ليس مما يصدق عليه الاسم من حيث الوضع كما قال: البليد ليس من الحمار بالمعنى المذكور، بل معناه إن شاء الله تعالى أنه ليس من أهلك" في الحقيقة، وإن كان هو في الظاهر معدودا من أهلك، وهذا كما يقال: لمن يشاققك ويخالفك من أولادك: أنه ليس من أولادك، لأن ما هو المطلوب من الشيء إذا لم يكن فيه كان وجوده كعدمه، أو أنه ليس من أهلك الموعودين بالنجاة. إذ النجاة كانت موعودة للمؤمنين لا غير، وهذا على قراءة من قرأ: (إنه

стр. 1768

عمل غير / (٣٠٤/أ) صالح ظاهر جدا، لأنه يرى أنه كان من أولاده، وإنما هلاكه وعدم نجاته لأجل الكفر، فيكون الاسم صادقا عليه باعتبار ما هو الأمر في نفسه، وباعتبار ما هو في الاعتقاد. وأما على قراءة من قرأ:﴾ إنه عمل غير صالح ﴿على المصدر، فهو وإن كان يزعم أنه ما كان من أولاده فلا يكون الاسم صادقا عليه بطريق الحقيقة في نفس الأمر، لكنه يعترف أنه صادق عليه باعتبار ما في الاعتقاد وقد ذكرنا أن دلالة الألفاظ على المعاني فإنما هو باعتبار ما هي في الاعتقاد، لا باعتبار ما هي في نفس الأمر، سواء كان ذلك بالنسبة إلى المتكلم، أو بالنسبة إلى السامع، لأن السامع لا يحمل اللفظ إلا على ما يعتقد أنه حقيقة فيه لا على ما هو حقيقة فيه في نفس الأمر، فتحقق عمومه بالنسبة إلى فهمه ﵇، فتأخير بيانه تأخير بيان التخصيص. ولو سلم أنه ليس بعام حينئذ، لكن ما لأجله امتنع تأخير بيان التخصيص، هو كونه منشأ للجهل قائم هنا فإنه إذا اعتقد أنه من أهله وقد وعده بنجاة

стр. 1769

أهله، ولم يبين له أنه ليس من أهله كان ذلك منشأ للجهل. واعلم أن بعض من اشتهى أن يكون أصوليا: فهم وجه التمسك بقصة نوح ﵇ على نمط آخر، وهو أن قول الله تعالى:﴾ إنه ليس من أهلك ﴿سلب للأهلية، وقوله:﴾ إنه عمل غير صالح ﴿: بيان له، وقد أخره عنه ولهذا اعترض عليه وقال: إنه فاسد إذ لم يثبت أن قوله تعالى:﴾ إنه عمل غير صالح ﴿، قد انفصل عن قوله تعالى:﴾ إنه ليس من أهلك ﴿إلى وقت الحاجة وتجويز الاقتران لا تقوم حجة. ولا يخفى عليك سخافة ما فهمه وضعف ما تحيله. وثالثها: أنه تأخر بيان تخصيص قوله تعالى:﴾ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴿إلى حين شكاية الضعفاء، لأن قوله﴾ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ﴿الآية، نزل بعدها، وليس كل ضعيف ومريض يمتنع منه

стр. 1770

الجهاد، حتى يقال باستحالة تكليفهم بذلك، لاستحالة تكليف ما لا يطاق. حتى يلزم أن يكون البيان مقارنا، لأن بعض من يصدق عليه الاسم يتأتى منه الجهاد، ويحصل به تكثير السواد ومعاونة للمقاتلين والخروج لهذا الغرض جهاد أيضا، ولهذا يستحق السهم من شهد الوقعة ولم يقاتل. ورابعها: التمسك بقوله تعالى:﴾ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ﴿الآية. ووجه الاستدلال من وجهين: أحدهما: أنه/ (٣٠٤/ب) يقتضي أن خمس جميع الغنيمة مصروف إلى الله والرسول والمذكورين بعد، لكن المراد منه ما وراء السلب، وقد بينه الرسول ﵇ بعده، وإلا لما كان تقدم إخراج السلب للقاتل على الخمس. وثانيهما: أنه يقتضى أن حصة ذوي القربى من الخمس مصروف.

стр. 1771

لجميعهم ثم بين الرسول بعده أن المراد منه "بنو هاشم" وبنو المطلب، دون بني أمية وبني نوفل بما أنه لم يعطهم من الخمس شيئا وسئل في ذلك فقال: "أنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام ولم نزل هكذا وشبك بين أصابعه".

стр. 1772

وخامسها: وهو أنه لو لم يجز تأخير بيان التخصيص "لما جاز تأخير بيان النسخ لأن عدم جواز تأخير بيان التخصيص" إنما كان لأجل أنه منشأ للجهل، إذ المقتضى للعموم إذا كان قائما فلم يرد مقتضاه ولم يبين المكلف ذلك كان ذلك سببا لأن يعتقد المكلف العموم الذي هو غير مراد، وهو جهل، وهذا المعنى بعينه قائم في النسخ، فوجب أن لا يجوز لكن

стр. 1773

اللازم باطل بالاتفاق فالملزوم مثله. فإن قلت: الفرق بينهما من وجوه: أحدها: أن النسخ عبارة عن الرفع، وارتفاع حكم الخطاب الذي أريد نسخه معلوم لعلمنا بانقطاع التكليف، وليس كذلك العام المخصوص. وثانيها: أن احتمال النسخ في المستقبل لا يمنع المكلف من العمل في الحال، وأما احتمال التخصيص في الحال فيمنعه من العمل "به"، لأنه لا يدري أنه هل هو مراد من الخطاب أم لا؟ وثالثها: أن تأخير بيان التخصيص مما يوجب الشك في أن كل واحد من أفراد العام، هل هو مراد من الخطاب أم لا؟ بخلاف تأخير بيان النسخ فإنه لا يوجب ذلك، إذ النسخ قبل حضور وقت العمل غير جائز عندنا. قلت الجواب عن الأول: أنا لا نسلم أن العام المخصوص ليس كذلك وهذا لأن انقطاع حكمه عن المكلف بموته أيضا معلوم كما في

стр. 1774

المنسوخ، وكما أن هذا لا يسمى تخصيصا، فكذا ما ذكروه من الارتفاع أيضا لا يسمى نسخا، لأن ارتفاع الحكم بسبب انتفاء الشرط ليس بنسخ، وكما أن ذلك الانقطاع ليس على وجه يوافق التخصيص، إذ الحكم في صورة التخصيص غير ثابت أصلا و] لارتفاع [الانقطاع بسبب الموت إنما هو بعد ثبوته فكذا ارتفاع حكم الخطاب المنسوخ بسبب الموت "ليس" على وجه يوافق النسخ، لأن نسخ الحكم قبل حضور وقت العمل به لا يجوز عند الخصم وموت المكلف قبل حضور وقته جائز وفاقا، فلا فرق بينهما من جهة / (٣٠٥/أ) ارتفاع الحكم بسبب الموت. سلمنا: حصول ما ذكروه من الفرق كنه غير قادح، لأن الموجب لعدم جواز تأخير بيان التخصيص وهو أن تأخيره سبب للجهل، لما سبق تقريره: وهذا المعنى بعينه قائم في النسخ، فإن الخطاب المنسوخ يفيد دوام شرعية الحكم في كل الأزمنة، إذ الكلام مفروض فيما إذا كان الخطاب كذلك فإذا خرج عنه ما بعد الموت لاستحالة تكليف الميت بقى ما عداه مندرجا تحته لئلا يلزم الترك بمقتضى الدليل بلا معارض، فلو كان شيء من ذلك الزمان غير مراد من الخطاب مع أنه مقتضى له ولم يبين ذلك لزم الجهل، فلزوم الجهل الذي هو المحذور مع العلم بارتفاع حكم الخطاب عن بعض الأزمنة في المنسوخ،

стр. 1775

كما هو مع عدم العلم به عن بعض الأعيان في المخصوص فلا يكون لعدم العلم به مدخل في تقبيح تأخير البيان فلا يكون العلم به سببا لزوال ذلك الاستقباح. وعن الثاني: أنه إن عنى أن احتمال التخصيص في الحال يمنع المكلف من العمل في الحال فمسلم لكنه ليس وقت العمل حتى يحتاج إلى معرفته، وإن عنى أنه يمنعه منه في وقته فممنوع، وظاهر أنه لا يمنعه فإنه وإن جهله في الحال لكنه يعرفه "في" ثاني الحال، والعجب من القاضي عبد الجبار كيف عول على هذا الفرق ويتبجح به، مع ضعفه جدا. وعن الثالث: أنا لا نسلم أنه يوجب الشك، وهذا لأن الغالب احتمال الإرادة نظرا إلى المقتضى، والتخصيص إنما هو محتمل احتمالا مرجوحا. وإن قال: هب أنه لا يوجب الشك، وأنه يوجب الاحتمال المرجوح، كما ذكرتم لكن "تأخير" بيان النسخ لا يوجب ذلك. قلنا: مسلم وأي شيء يلزم منه ومن أين يناسب هذا قبح تأخير بيان التخصيص دون النسخ. وإن قال: إن تطرق احتمال الجهل في التخصيص حينئذ يكون أكثر.

стр. 1776

قلنا لا نسلم ذلك، بل هما يتساويان في ذلك أو إن احتمال تطرق الجهل في صورة النسخ أكثر، وهذا لأنه أن جوز التخصيص إلى الواحد لزم الأول، لأنه حينئذ يقطع بإرادة واحد من أفراد العام منه كما يقطع بإرادة أول الوقت في المنسوخ غير أن الأولية كما كانت معقولة متميزة في صورة النسخ، ضرورة أنه لا وجود لأجزاء الزمان معا تعين الأول للإرادة، بخلاف صورة التخصيص فإنه لا يتعين فيه فرد من أفراده لعدم الأولوية، والأولية وإن لم تجوز ذلك بل لا بد من إبقاء عدد كثير أو أقل الجمع لزم الأمر الثاني، فإنه لا يجب في صورة النسخ إلا إبقاء الوقت الأول وفي صورة التخصيص يجب إبقاء / (٣٠٥/ب) العدد الكثير أو أقل الجمع فيكون احتمال تطرق الجهل في صورة النسخ أكثر، هذا إن أراد بقوله: إن تأخير بيان التخصيص يوجب التردد في إرادة كل واحد من أفراد العام بإيجاب التردد على سبيل البدلية وهو الظاهر. أما إذا أراد إيجابه على المعية منعنا المقدمة وإفسادها حينئذ بين إذ التخصيص إلى حد لا يبقى واحد مندرجا تحت العام غير جائز وفاقا. واعلم أن هذا الدليل إنما هو حجة على من سلم من المخالفين جواز تأخير بيان النسخ نحو أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد] الجبار [والجماهير منهم. فأما على رأي أبي الحسين البصري ومن وافقه على أنه لا يجوز تأخير بيان

стр. 1777

النسخ أيضاً فلا. واعلم أيضا: أنه يمكن إيراد هذا الدليل على وجه يتناول كل الصور على ما لا يخفى عليك تقريره، لكن إنما أوردناه في هذه الصورة الخاصة لما بين التخصيص والنسخ من زيادة المناسبة. وسادسها: أجمعنا على أنه يجوز أن يأمر الله تعالى المكلفين بالأفعال باللفظ العام وبموت كل واحد منهم قبل حضور أوقاتها، وحينئذ يكون غير مراد من الخطاب لا سيما على أصل الخصم، وفي ذلك شكنا فيمن أريد بالخطاب وهو تخصيص لم يتقدمه بيان. وهذا كما هو دليل في المسألة فهو نقض "أيضا" لما ذكروه من الفرق الثالث. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن هذه تخصيص، وهذا لأنه يجوز أن يموت كلهم جميعا قبل حضور وقت العمل وفاقا، فلو كان ذلك تخصيصا لما جاز ذلك كما لا يجوز إخراج جميعهم عنه "وفاقا".

стр. 1778

وأما الذي "يدل" على جواز تأخير بيان النكرة إذا أريد بها شيء معين فقصة بني إسرائيل فإن الله تعالى أمرهم بذبح بقرة معينة، ولم يبينها لهم حتى سألوا تعيينها سؤالا بعد سؤال. وإنما قلنا: إنهم أمروا بذبح بقرة معينة لوجوه: أحدها: أن الضمائر الستة التي في السؤال والجواب وهي:﴾ ما هي ﴿﴾ ما لونها ﴿﴾ ما هي إن البقر تشابه علينا ﴿﴾ إنها بقرة لا فارض ﴿﴾ إنها بقرة صفراء ﴿﴾ إنها بقرة لا ذلول ﴿. ضمائر ما أمروا بذبحه أولا: لأنها لم لو تكن ضمائره لكانت إما ضمائر القصة والشأن أو غيرها وهما باطلان. أما الثلاثة التي في السؤال فظاهر أنها ليست ضمائر القصة والشأن، لأنها مع ما صريحه في الطلب، وضمير القصة والشأن ليس فيه معنى الطلب، وأيضا: فإن القصة والشأن غير مذكور بعدها، وما يكون ضمير القصة والشأن فإن القصة والشأن مذكور بعده. قال الله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾

стр. 1779

﴿فإنها لا تعمى / (٣٠٦/أ) الأبصار ﴿﴾ إنه لا يفلح الظالمون ﴿وأمثالها كثيرة، وكذا ليست هي ضمائر غير القصة، لأنه غير مذكور فعودها إليه خلاف الظاهر. وبهذا أيضا يعرف أنها غير عائدة إلى القصة والشأن، إذ القصة والشأن غير مذكور. وأما الثلاثة التي في الجواب أيضا: لا يجوز أن تكون كذلك، أما ما يخص أنها لا يجوز أن تكون ضمائر القصة والشأن، فلأنها لو كانت كذلك لزم أن يكون ما بقي بعدها غير مفيد إلا بإضمار إذ لا يتم الكلام بالموصوف والصفة، والإضمار خلاف الأصل، فما يستلزمه أيضا خلاف الأصل. وأما ما يعمها فلأنه إذا ثبت أن الضمائر التي في السؤال عائدة إلى ما أمروا به أو لا، لزم أن تكون التي في الجواب عائدة إليه لوجوب مطابقة الجواب للسؤال، ولأن القصة والشأن وغيرها غير مذكور، فعودها إليه خلاف الظاهر. وثانيها: أن الصفات المذكورة في الجواب بعد السؤال الأول، إما أن يقال أنها صفات البقرة التي وجبت أولا، أو صفات بقرة أخرى وجبت بعد ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجبا أولا، لاحتمال أن يقال: أنه يغير مصلحة التكليف بسبب السؤال.

стр. 1780

فإن كان الأول: فقد لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا يتأتى فيه السؤال المذكور. وإن كان الثاني: فهو وإن كان خلاف الظاهر لا يستلزمه النسخ لكن المقصود أيضا حاصل على هذا التقدير، وذلك لأن الترديد المذكور بعينه آت فيه، بأن يقال: الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني، إما أن تكون صفات البقرة المذكورة في الجواب عن السؤال الأول: التي بها انتسخت البقرة المذكورة ابتداء، أو صفات بقرة أخرى وجبت بعد السؤال الثاني: لما سبق. فإن كان الأول: فالصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثالث، إما أن يكون صفات تلك البقرة، أو صفات بقرة أخرى وجبت بعد ذلك السؤال، وانتسخ ما أوجب في الجواب عن السؤال الثاني. فإن كان الأول: لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب. وإن كان الثاني: لزم أن لا يعتبر جميع الصفات المذكورة في الأجوبة الثلاثة في البقرة المأمور بها، وهو خلاف الإجماع. وإن كان الثاني: فسواء كانت الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثالث، صفات تلك البقرة أو لم تكن، فإنه يلزم أن لا يعتبر جميع الصفات المذكورة في الأجوبة بأسرها في البقرة المأمور بها، وهو خلاف الإجماع. وما قيل / (٣٠٦/ب): بأنه يحتمل أن تكون البقرة المطلقة نسخت بالبقرة المتصفة بالصفات المذكورة أولا: ثم أوجب بعد ذلك اعتبار الصفات المذكورة ثانيا.

стр. 1781

فضعيف: لأنه إن ساغ هذا الاحتمال في بقية الصفات فليسغ في الصفات المذكورة أولا، من غير إلزام نسخ فإنه ليس في اعتبارها إلا إزالة حكم للإطلاق، وهو بعينه حاصل في اعتبار الصفات المذكورة ثانيا وثالثا، فإن البقرة الموصوفة بالصفات المذكور أو "لا" كالمطلقة بالنسبة إلى المذكورة باعتبار الصفات المذكورة ثانيا وثالثا، ولأن ظاهر قولهم:﴾ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ﴿و﴾ ما لونها ﴿و﴾ ما هي إن البقر تشابه علينا ﴿وقوله تعالى:﴾ إنها بقرة لا فارض ﴿،﴾ إنها بقرة صفراء ﴿﴾ إنها بقرة لا ذلول ﴿ينفي هذا الاحتمال. وبهذا يعرف أيضا ضعف هذا الاحتمال بالنسبة إلى كل الصفات كما ذكره الإمام عن الخصم على وجه الاحتمال. وثالثها: لو كانت البقرة منكرة لما سألوا تعيينها سؤالا بعد سؤال، لأن اللفظ بظاهره يدل على التنكير، والأصل عدم وجوب ما عدا ما دل عليه اللفظ، كيف والتنكير على هذا التقدير عليهم أسهل، إذ كان يجزيهم

стр. 1782

على هذا التقدير ذبح أية بقرة كانت، والظاهر من حال الإنسان محبة سهولة التكليف عليه لا سيما في مثل هذا التكليف، فاستقصاؤهم في طلب صفاتها لا يكون عن هوى القلب، بل لكونها كانت معينة وهو المطلوب. ولقائل أن يقول عليه: إنما ذكرتم يدل على أنهم أشعروا بالتعيين قبل طلب البيان، وإلا لما طلبوا التعيين لكونه خلاف الظاهر كما ذكرتم، وهو إنما يطلب عنه قيام الدليل عليه، فذلك الإشعار إن كان على وجه حصل فيه البيان التام لكنهم إنما لم يتبينوا لبلادتهم فطلبوا زيادة الاستكشاف فقد سقط الاستدلال به بالكلية، وإن كان على وجه لم يحصل فيه ذلك، بل ليس فيه إلا الإشعار بأن المراد منه المعين، فذلك يكون بيانا إجماليا، وحينئذ يسقط الاستدلال به أيضا. على من يقول: بجواز تأخير البيان التفصيلي دون الإجمالي كأبي الحسين البصري وغيره. ولا يجاب عنه بما أجاب الإمام به: وهو أنه لو كان البيان مقارنا لذكر الله تعالى إزالة التهمة. لأنه إنما يجب ذلك لو لم يكن عليه دليل، أما إذا كان فلا. وما ذكرناه دليل عليه، وإذا كان طلب الإشعار بالتعيين متقدما على البيان

стр. 1783

لم يمكن الاستدلال بطلب البيان على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لجواز أن يكون مقارنا. وأما أنه تعالى لم يبينها لهم حتى سألوا سؤالا بعد سؤال، فذلك / (٣٠٧/أ) ظاهر معلوم من صريح ذكر القصة. فإن قلت: الآية متروكة الظاهر، لأنها تقتضي جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن الوقت الذي أمروا فيه بذبح البقرة كانوا محتاجين فيه إلى الذبح، فتأخيره عنه تأخير عن وقت الحاجة، وذلك خلاف الإجماع، وإذا كانت متروكة الظاهر لم يمكن الاستدلال بظاهرها. سلمنا: أنها ليست متروكة الظاهر، لكن ما ذكرتم معارض بوجوه آخر: أحدها: أن ظاهر قوله تعالى:﴾ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴿يدل على أنها كانت منكرة غير معينة، والقول بالتعيين مخالفة لظاهر الآية فكان باطلا. وثانيها: أنه لو كان المراد منها بقرة معينة، لما استحقوا التعنيف على طلب البيان، بل كانوا استحقوا المدح عليه إذ هو سعي في الامتثال، فلما عنفهم الله تعالى بقوله:﴾ وما كادوا يفعلون ﴿، دل ذلك على أن ما أتوا به ليس سعيا في الامتثال، بل هو تأخر فيه، وذلك إنما يكون لو كانت البقرة منكرة. وثالثها: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لو ذبحوا

стр. 1784

أية بقرة أرادوا لأجزت عنهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم". قلت: الجواب عن الأول من وجهين:

стр. 1785

أحدهما: أنا لا نسلم أنها تقتضي ما ذكرتم، قوله: إنهم كانوا محتاجين إلى الذبح وقت الأمر. قلنا: احتياجهم إليه لاقتضاء الأمر الذبح في ذلك الوقت أو لغيره نحو اشتهائهم وإرادتهم الفعل في ذلك الوقت. والأول: ممنوع. وهذا لأن مطلق الأمر ليس للفور عندنا: حتى يكون الذبح في وقت الأمر مقتضاه. والثاني: لو سلم فإنه لا يضرنا إذ لا يعتبر في تعيين وقت المأمور به إرادة المأمور. فإن قلت: هب أن الأمر ليس مقتضاه الفور، لكن لا خلاف في أنه يفيد جواز الفعل عقيبه، فتأخير بيانه عنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة. قلت: إنما يفيد جوازه فيه أن لو كان مبينا وأما إذا كان غير مبين ففعله غير

стр. 1786

متصور فيه، فكيف يفيد جوازه فيه؟ سلمنا: ذلك لكن الوقت الذي لا يجوز تأخير البيان عنه هو الوقت الذي "لو" أخر الفعل عنه لفات سواء كان واجبا أو لم يكن وسواء أمكن قضاؤه أو لم يمكن، فأما الوقت الذي يجوز الفعل فيه ولا يفوت بفواته فلا نسلم أنه لا يجوز تأخير البيان عنه. وثانيهما: أنا لو سلمنا: أن ذلك مقتضاه، لكن نقول: إن ما دل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة دل على جواز تأخيره عن وقت الخطاب قطعا، فإذا ترك مقتضاه بالنسبة إلى جواز التأخير عن وقت الحاجة لدليل / (٣٠٧/ب) الإجماع، وجب أن يبقى معمولا به بالنسبة إلى جواز التأخير عن وقت الخطاب تعليلا لمخالفة الدليل. وعن الثاني: أن القول بالتعيين، وإن لزم منه مخالفة ظاهر التنكير لكن القول بالتنكير يلزم منه مخالفة الضمائر الستة، وعدم تصحيح سؤالهم، وعدم صحة قولهم:﴾ إن البقر تشابه علينا ﴿فإن المنكر لا تشابه فيه، مع أنه تعالى ما رد ذلك عليهم، بل قررهم عليه. وأجاب بقوله:﴾ إنها بقرة لا ذلول ﴿إلى آخر" ومعلوم أن مخالفة ظاهر واحد أولى من مخالفة ظواهر كثيرة. وعن الثالث: منع أنه تعالى: عنفهم على طلب البيان

стр. 1787

أما قوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ فليس فيه دلالة على أنهم عنفوا بسبب طلب البيان، بل ليس فيه دلالة إلا على أنهم ما كادوا أن يفعلوا ما أمروا به، فأما أن ذلك في أول الأمر أو بعد استكمال البيان فليس فيه دلالة عليه فيحتمل أن يكون ذلك بعد استكمال البيان. وعن الرابع: أنا لا نسلم أنه يدل على أن البقرة المأمور بها غير معينة في نفس الأمر، بل ليس فيه دلالة إلا على أنه كان يجزيهم ذبح أي بقرة كانت، ولا يلزم من ذلك أن يكون المأمور به في نفس الأمر ذبح بقرة منكرة، لاحتمال أن تكون معينة في نفس الأمر مع أنه يجزى غيرها، فإن إجزاء الشيء لا يدل على أنه مأمور به في نفس الأمر كصلاة من ظن أنه متطهر، فلا بد من نفي هذا الاحتمال. سلمنا: دلالته عليه لكنه "خبر واحد" لا يعارض نص الكتاب. وأما الذي يدل على تأخير بيان الأسماء الشرعية، هو أنه لما أوجب الصلاة لم يرد منها الدعاء إجماعا، ولم يبين ما هو المراد منها في ذلك

стр. 1788

الوقت، بل تأخر بيانها إلى أن بين جبريل ﵇ بفعله، وذلك أن صلى معه ﵇ في يومين، وكذلك لما نزل قوله تعالى:﴾ وآتوا الزكاة ﴿، فإنه لم يرد منها المسمى اللغوي بالاتفاق، ولم يبين الرسول ﵇ ما هو المراد منها في جميع أصناف الأموال في ذلك الوقت، وذلك معلوم بالضرورة لا يشككنا في ذلك مشكك "وهذا في" البيان التفصيلي ظاهر. وأما في البيان الإجمالي فلا يمكن ادعاء العلم الضروري فيه، لكن الأظهر عدمه أيضا بالأصل. وأما الذي يدل على جواز تأخير "بيان" النسخ وجهان: أحدهما: الإجماع فإن الأمة متفقة على جوزاه قبل ظهور أبي الحسين البصري ومن وافقه. فالقول بعدم جواز تأخير بيانه خلاف الإجماع. وثانيهما: أن كثيرا من أحكام الكتاب والسنة نسخ من غير / (٣٠٨/أ) أن يقارنه بيان ينسخه بدليل أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه احتج في "نسخ" شيء من الأحكام المتنازع في نسخه بما كان معه من الدليل الدال من الكتاب أو السنة على أنه سينسخ، ولو كان معه ما يدل على أنه سينسخ لامتنع ذهول الكل عنه، فإن تقدير وجود ما يدل على النسخ ولا

стр. 1789

يعلمه أحد منهم ممتنع عادة، فغن المعترف بنسخه لو علمه لأظهره، واحتج به على منكره والمنكر لو علمه لما أنكر نسخه فلم يعلمه أحد منهم. وإذا ثبت جواز تأخير بيان هذا النوع من الخطاب، وهو ما له ظاهر واستعمل في خلافه عن وقت "الخطاب" ثبت جواز تأخير بيان المجمل، لأن القول بجواز التأخير في النوع الأول مع عدم جوازه هنا قول لم يقل به أحد من الأمة، ولأن المحذور في النوع الأول أكثر، ولهذا بعض من قال بعدم جواز التأخير في النوع الأول، قال بجوازه هنا::فإذا جاز التأخير فيه مع كثرة المحذور، فلأن يجوز فيما ليس فيه ذلك المحذور" بطريق الأولى، ولأنه لم ينقل أن ما في القرآن والسنة من المجملات، نحو قوله تعالى:﴾ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴿وقوله:﴾ والليل إذا عسعس ﴿، وقوله:﴾ وآتوا حقه يوم حصاده ﴿، وقوله:﴾ إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ﴿بيانات "به" به مقترنة معه، ولو كان ذلك لنقل لا سيما في الواحد وفي الاثنين، بل الذي علم التراخي في البعض كما سبق تقريره. واحتج المخالف بوجوه:

стр. 1790

أحدها: أن الشارع إذا خاطبنا بالخطاب الذي له ظاهر، وهو يريد "غير" ظاهرة فأما منا الإفهام في حالة الخطاب أو لا يريد: فإن كان الأول: فإما أن يريد إفهام ظاهره، او غير ظاهره. فإن أراد الأول: فقد أراد منا الجهل. وإن أراد الثاني: فقد أراد منا من لا سبيل لنا إليه، وكلاهما قبيحان غير جائزين عليه. وإن كان الثاني: فهو باطل. أما أولا: فلأنه حينئذ يلزم أن يغرينا على الجهل، لأن كونه مخاطبا لنا يقتضي ظاهرا أن يعتقد أنه أراد به إفهامنا. وأما ثانيا: فلأنه حينئذ يلزم أن لا يكون مخاطبا لنا، لأن المعقول من كونه مخاطبا لنا أنه قد وجه نحونا الخطاب ولا معنى لذلك إلا أنه قصد إفهامنا. وأما ثالثا: فلأنه حينئذ يكون عبثا إذ الفائدة في الخطاب إنما هو الإفهام. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقول: ما المانع من أن يقال: إنه أراد منا أن نفهم ظاهره ونعتقده، لكن لا بمعنى أنا نجزم بإرادته أو نظن / (٣٠٨/ب) أنه إرادة مع تجويز النقيض، كما أجاب به الإمام وغيره عن هذا السؤال.
следующие страницы →