← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

متصور فيه، فكيف يفيد جوازه فيه؟ سلمنا: ذلك لكن الوقت الذي لا يجوز تأخير البيان عنه هو الوقت الذي "لو" أخر الفعل عنه لفات سواء كان واجبا أو لم يكن وسواء أمكن قضاؤه أو لم يمكن، فأما الوقت الذي يجوز الفعل فيه ولا يفوت بفواته فلا نسلم أنه لا يجوز تأخير البيان عنه. وثانيهما: أنا لو سلمنا: أن ذلك مقتضاه، لكن نقول: إن ما دل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة دل على جواز تأخيره عن وقت الخطاب قطعا، فإذا ترك مقتضاه بالنسبة إلى جواز التأخير عن وقت الحاجة لدليل / (٣٠٧/ب) الإجماع، وجب أن يبقى معمولا به بالنسبة إلى جواز التأخير عن وقت الخطاب تعليلا لمخالفة الدليل. وعن الثاني: أن القول بالتعيين، وإن لزم منه مخالفة ظاهر التنكير لكن القول بالتنكير يلزم منه مخالفة الضمائر الستة، وعدم تصحيح سؤالهم، وعدم صحة قولهم:﴾ إن البقر تشابه علينا ﴿فإن المنكر لا تشابه فيه، مع أنه تعالى ما رد ذلك عليهم، بل قررهم عليه. وأجاب بقوله:﴾ إنها بقرة لا ذلول ﴿إلى آخر" ومعلوم أن مخالفة ظاهر واحد أولى من مخالفة ظواهر كثيرة. وعن الثالث: منع أنه تعالى: عنفهم على طلب البيان

стр. 1787

أما قوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ فليس فيه دلالة على أنهم عنفوا بسبب طلب البيان، بل ليس فيه دلالة إلا على أنهم ما كادوا أن يفعلوا ما أمروا به، فأما أن ذلك في أول الأمر أو بعد استكمال البيان فليس فيه دلالة عليه فيحتمل أن يكون ذلك بعد استكمال البيان. وعن الرابع: أنا لا نسلم أنه يدل على أن البقرة المأمور بها غير معينة في نفس الأمر، بل ليس فيه دلالة إلا على أنه كان يجزيهم ذبح أي بقرة كانت، ولا يلزم من ذلك أن يكون المأمور به في نفس الأمر ذبح بقرة منكرة، لاحتمال أن تكون معينة في نفس الأمر مع أنه يجزى غيرها، فإن إجزاء الشيء لا يدل على أنه مأمور به في نفس الأمر كصلاة من ظن أنه متطهر، فلا بد من نفي هذا الاحتمال. سلمنا: دلالته عليه لكنه "خبر واحد" لا يعارض نص الكتاب. وأما الذي يدل على تأخير بيان الأسماء الشرعية، هو أنه لما أوجب الصلاة لم يرد منها الدعاء إجماعا، ولم يبين ما هو المراد منها في ذلك

стр. 1788

الوقت، بل تأخر بيانها إلى أن بين جبريل ﵇ بفعله، وذلك أن صلى معه ﵇ في يومين، وكذلك لما نزل قوله تعالى:﴾ وآتوا الزكاة ﴿، فإنه لم يرد منها المسمى اللغوي بالاتفاق، ولم يبين الرسول ﵇ ما هو المراد منها في جميع أصناف الأموال في ذلك الوقت، وذلك معلوم بالضرورة لا يشككنا في ذلك مشكك "وهذا في" البيان التفصيلي ظاهر. وأما في البيان الإجمالي فلا يمكن ادعاء العلم الضروري فيه، لكن الأظهر عدمه أيضا بالأصل. وأما الذي يدل على جواز تأخير "بيان" النسخ وجهان: أحدهما: الإجماع فإن الأمة متفقة على جوزاه قبل ظهور أبي الحسين البصري ومن وافقه. فالقول بعدم جواز تأخير بيانه خلاف الإجماع. وثانيهما: أن كثيرا من أحكام الكتاب والسنة نسخ من غير / (٣٠٨/أ) أن يقارنه بيان ينسخه بدليل أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه احتج في "نسخ" شيء من الأحكام المتنازع في نسخه بما كان معه من الدليل الدال من الكتاب أو السنة على أنه سينسخ، ولو كان معه ما يدل على أنه سينسخ لامتنع ذهول الكل عنه، فإن تقدير وجود ما يدل على النسخ ولا

стр. 1789

يعلمه أحد منهم ممتنع عادة، فغن المعترف بنسخه لو علمه لأظهره، واحتج به على منكره والمنكر لو علمه لما أنكر نسخه فلم يعلمه أحد منهم. وإذا ثبت جواز تأخير بيان هذا النوع من الخطاب، وهو ما له ظاهر واستعمل في خلافه عن وقت "الخطاب" ثبت جواز تأخير بيان المجمل، لأن القول بجواز التأخير في النوع الأول مع عدم جوازه هنا قول لم يقل به أحد من الأمة، ولأن المحذور في النوع الأول أكثر، ولهذا بعض من قال بعدم جواز التأخير في النوع الأول، قال بجوازه هنا::فإذا جاز التأخير فيه مع كثرة المحذور، فلأن يجوز فيما ليس فيه ذلك المحذور" بطريق الأولى، ولأنه لم ينقل أن ما في القرآن والسنة من المجملات، نحو قوله تعالى:﴾ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴿وقوله:﴾ والليل إذا عسعس ﴿، وقوله:﴾ وآتوا حقه يوم حصاده ﴿، وقوله:﴾ إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ﴿بيانات "به" به مقترنة معه، ولو كان ذلك لنقل لا سيما في الواحد وفي الاثنين، بل الذي علم التراخي في البعض كما سبق تقريره. واحتج المخالف بوجوه:

стр. 1790

أحدها: أن الشارع إذا خاطبنا بالخطاب الذي له ظاهر، وهو يريد "غير" ظاهرة فأما منا الإفهام في حالة الخطاب أو لا يريد: فإن كان الأول: فإما أن يريد إفهام ظاهره، او غير ظاهره. فإن أراد الأول: فقد أراد منا الجهل. وإن أراد الثاني: فقد أراد منا من لا سبيل لنا إليه، وكلاهما قبيحان غير جائزين عليه. وإن كان الثاني: فهو باطل. أما أولا: فلأنه حينئذ يلزم أن يغرينا على الجهل، لأن كونه مخاطبا لنا يقتضي ظاهرا أن يعتقد أنه أراد به إفهامنا. وأما ثانيا: فلأنه حينئذ يلزم أن لا يكون مخاطبا لنا، لأن المعقول من كونه مخاطبا لنا أنه قد وجه نحونا الخطاب ولا معنى لذلك إلا أنه قصد إفهامنا. وأما ثالثا: فلأنه حينئذ يكون عبثا إذ الفائدة في الخطاب إنما هو الإفهام. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقول: ما المانع من أن يقال: إنه أراد منا أن نفهم ظاهره ونعتقده، لكن لا بمعنى أنا نجزم بإرادته أو نظن / (٣٠٨/ب) أنه إرادة مع تجويز النقيض، كما أجاب به الإمام وغيره عن هذا السؤال.

стр. 1791

فإن على هذا التقدير يلزم أن يريد "منا" الظن الكاذب كما أنه يلزم على التقدير الأول، أن يريد منا الجهل بل بمعنى أنه يريد أن يفهم ظاهره، ويعتقد أنه مراده لكن بشرط أن لم يرد المخصص بعده إلى وقت الحاجة، وعلى هذا لا يلزم الجهل ولا الظن الكاذب، فإن الحكم بالشيء مع الشرط ليس حكما به، قبل الشرط لا قطعا ولا ظنا حتى يلزم أحد ما ذكرنا من الأمرين، وهو الجهل، أو الظن الكاذب، بل إنما يكون حكما بأحدهما عند وجود الشرط، فأما قبله فلا ولو غلب على ظنه الحكم به قبل الشرط فإنما يكون ذلك بناء على غلبة الظن بوجود الشرط فيكون آيلا إلى الأول. وثانيهما: أنا لو سلمنا صحة مقدمات دليلكم، لكنه منقوض بما أنه لا يجوز اعتقاد العموم عند سماع العام قبل التفتيش عن الأدلة المخصصة وفاقا، مع أن جميع ما ذكروه آت، وهذا إنما يكون حجة على من سلم من المخالفين لهذا الحكم نحو أبي الحسين وغيره من المعتزلة، وعلى من يجوز منهم سماع المكلف العام بدون الخاص، فأما من لم يسلم ذلك كأبي الهذيل

стр. 1792

والجبائي والصيرفي على ما عرفت مذهبة من قبل فلا. فأن قلت: الفرق بينهما هو غنما يعلمه المكلف من كثرة السنن والأدلة، كالإشعار بالتخصيص، لأنه يجوز أن يكون فيما معه من الأدلة ما يخص ذلك العام. قلت: فعلمه بكثرة تخصيصات العمومات كالإشعار به، فإذا كان ذلك التجويز والإشعار مانعين من اعتقاد العموم، كان هذا التجويز والإشعار مانعين من اعتقاد العموم، ومنقوض أيضا بما أنه يجوز تأخير بيان النسخ إجمالا وتفصيلا، وجميع ما ذكروه آت فيه، والفرق المذكور قد مر تزييفه، وهذا إنما يكون حجة على غير أبي الحسين وموافقيه، فأما عليهم فلا. وأيضا: فإنه منقوض بما أنه يجوز بموت كل واحد من المكلفين قبل حضور وقت العمل به بالمأمور به، وحينئذ لم يكن مرادا من الخطاب وفي ذلك شككنا فيمن أريد بالخطاب وجميع ما ذكروه آت في هذه الصور أيضا. وثانيها: انه لو جاز أن نخاطب بخطاب ونعني به غير ظاهره ولا يبينه لنا حالة الخطاب لتعذر علينا معرفة وقت العمل المتوقف عليه إيجاب البيان، لأنه

стр. 1793

ما من لفظ يصرح به عنه نحو الآن، أو هذه الساعة، أو أول الظهر، إلا ويحمل بأن يكون مراده منه غير ظاهره على وجه التجوز أو على وجه الإضمار، وحينئذ يتعذر علينا معرفة مراده من كلامه/ (٣٠٩/أ) مطلقا. أما قبل وقت العمل، فلأنه لا يجب عليه البيان فلا يبينه ولو تبرع وبين، فمحتمل أن يريد به غير ظاهره ولا يبينه النافي تلك الحالة إذ لا يجب عليه البيان إذ ذاك، وكذلك القول في بيان البيان لو تبرع ببيانه. وأما عند وقت العمل به، فلأنه وإن كان لا يجوز أن نعني بالبيان غير ظاهره، فلا يبينه في الحال وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وانه جائز، ولكن ذلك إنما يكون أن لو علمنا وقت العمل وقد بينا أنه متعذر والمتوقف على المتعذر متعذر فمعرفة المراد متعذرة، وهو باطل بالإجماع. وإن شئت تقريره بوجه آخر، فقل: لو جاز أن يخاطبنا بما له ظاهر وهو يعني غير ظاهره لتعذر علينا معرفة وقت العمل لما سبق. وفي ذلك تعطيل النص، لأن إعماله بامتثاله، وامتثاله متوقف على معرفة الوقت ضرورة أنه لا يجوز امتثال ما أمر به قبل وقته، فإذا كان معرفة الوقت متعذرة، كان الامتثال متعذرا ضرورة أن المتوقف على المتعذر متعذر، وهو

стр. 1794

باطل إجماعاً. وجوابه: أنا لا نسلم أنه يتعذر معرفة وقت العمل حينئذ، قوله: ما من لفظ يصرح به عنه إلا ويحتمل أن يعني به غير ظاهره. قلنا: لا نسلم ذلك، وهذا لأنه يحتمل أن يبينه بما لا يحتمل التأويل نحو أن يقول: الآن، أو هذه الساعة. وينفي عنه كل ما عدا المدلول الحقيقي من الاحتمالات قريبا كان أو بعيدا، وهذا وإن كان مشقا لكنه ممكن في الجملة. سلمنا: ذلك لكن لا نسلم أنه حينئذ يتعذر معرفة كلامه مطلقا، وهذا لأن من الظاهر أنه لا يلزم منه تعذر معرفة المراد من كلامه فيما لا يتعلق بالعمل، بل لو لزم ذلك فإنما يلزم فيما يتعلق بالعمل لا غير. سلمنا: لزومه مطلقا لكن يتعذر ذلك من حيث اللفظ أو مطلقا. والأول: مسلم ولا يضرنا ولو سلم انعقاد الإجماع على بطلانه. والثاني: ممنوع. وهذا لأنه يجوز أن يعلم المراد لقرائن تحتف باللفظ، وهذا الاحتمال جاري في تعيين وقت العمل وإن لم نذكره ثمة. سلمنا: دليلكم لكنه منقوض بالنسخ، ولا يخفى عليك ما يحذف من هذا في جواب تقرير الوجه الثاني.

стр. 1795

وثالثها: أنه لو جاز أن يخاطب بما له ظاهر وهو يغني عن ظاهره، أو بالمجمل ولا يبينه لنا في الحال، لجاز أن يخاطب العربي بالزنجية ويبينه "له" بعد مدة، ولجاز أن يخاطب النائم والمغشى عليه ويبينه لهما بعد مدة، وان يقصد الإنسان إعلام غيره شيئا بالتصويت والتصفيق ويبينه له/ (٣٠٩/ب) بعد مدة، لأن الجهل بالمراد حاصل في الكل في الحال، والعلم به حاصل في الكل بعد مدة، بل مخاطبة العربي بالزنجية أولى من مخاطبته بما له ظاهر "وهو يعني غير ظاهر" لأنه ليس للزنجية ظاهر عند العربي يدعوه إلى اعتقاده بخلاف ما له ظاهر وهو يريد منه غير ظاهره، فإن ظاهره يدعو المخاطب إلى اعتقاده وهو جهل. ولا يفرق بين خطاب العربي بالزنجية، وبين خطابه بالمجمل من غير بيان في الحال: بأنه يعلم في صورة الخطاب بالمجمل أن المراد أحد المعنييين، وأن ما عداهما غير مراد، وهذا القدر مما يراد تعريفه لما سبق في اللغات. بخلاف الخطاب بالزنجية، فإنه لا يفهم منه شيء، لأن المعتبر في حسن لخطاب إن كان هو الوقوف على المراد بكماله وجب أن لا يحسن الخطاب بالمجمل من غير بيان، وإن كان المعتبر في حسنه الوقوف عليه ولو من بعض الوجوه، وجب أن يحسن مخاطبة العربي بالزنجية، لأن العربي أيضا يعلم أنه يريد به إما الأمر أو النهي أو غيرهما من أنواع الكلام.

стр. 1796

وجوابه: منع الملازمة، وهذا لأن الفرق بين مخاطبة العربي بالزنجية، "وبين الصورتين المتنازعتين حاصل، أما بين مخاطبة "العربي" بالزنجية" وبين مخاطبته بما له ظاهر ويعني به غير ظاهره، فلأن الظاهر يشترط عدم ورود التخصيص مفهوم منه من جهة اللفظ، وهو ليس بجهل ولا ظن كاذب، بل هو مطابق لما هو الواقع في نفس الأمر بخلاف مخاطبة العربي بالزنجية، فإنه لا يفهم منه شيء من جهة اللفظ. وبهذا تعرف أيضا اندفاع ما ذكروه من الأولوية، وأما بينه وبين الخطاب بالمجمل فالفرق المذكور، قوله عليه إنه اعتبر في جنس الخطاب معرفة المراد ولو من بعض الوجوه وجب أن يحسن مخاطبة العربي بالزنجية إذ العربي أيضا يعرف أنه يريد به أحد أنواع الكلام. قلنا: لا نسلم أنه يعرف ذلك فإن العربي إذا لم يعرف حكمه الزنجي، بل يجوز أن يكون ممن يهدي ويغيث فإنه لا يعرف إذ ذاك أنه يريد بما أتى به من الألفاظ أحد أنواع الكلام، بل لو عرف ذلك فإنما يعرف من حكمته لا من جهة دلالة اللفظ عليه، والمعتبر في حسن الخطاب إنما هو أن يفيد شيئا بالنسبة إلى فهم المخاطب من جهة الوضع أو بواسطته، وهذا حاصل في الخطاب بالمجمل من غير بيان المراد منه عينا، وغير حاصل في الخطاب بالزنجية فلا يلزم من حسنه حسنه / (٣١٠/أ).

стр. 1797

المسألة الخامسة [في جواز التدرج في البيان] القائلون بجواز تاخير البيان إلى وقت الحاجة، اختلفوا في جواز التدريج في البيان. فذهب المعظم منهم إلى جوازه، لأن الأدلة التي تدل على جواز تأخير كل بيان إلى وقت الحاجة، تدل على جواز تأخير بعضه إليه قطعا، فعدم الجواز لو ثبت فإنما ثبت لدليل آخر يدل على انتفائه، وذلك قول بالتعارض وإنه خلاف الأصل، فالقول بعدم جواز تأخير البعض المستلزم لذلك أيضا خلاف الأصل، ولأنه إذا جاز تأخير كل البيان مع أن الجهالة فيه أكثر، فلأن "يجوز" تأخير بعضه مع أن الجهالة فيه أقل بطريق الأولى، وما يذكرونه من المانع سنجيب عنه، والأصل عدم مانع آخر، ولأنه وقع ذلك وهو دليل الجواز وزيادة، روى أنه لما نزل قوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴿سئل النبي ﷺ عن الاستطاعة فقال: "الزاد والراحلة"، ولم يتعرض في هذا الحديث لأمن الطريق والسلامة عن طلب

стр. 1798

......................................................................................

стр. 1799

الخفارة، بل علم اعتبارهما بدليل آخر. وكذلك بيان أكثر العمومات، إنما وقع على التدريج بحسب وقوع الوقائع على ما تشهد روايات الأحاديث الدالة على الأحكام، نحو قوله ﵇: "خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه] أو ريحه [" فإنه ورد لما سئل عن ماء بئر بضاعة.

стр. 1800

وقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" ورد وقتا آخر، وكل واحد منهما يصلح أن يكون بيانا لقوله تعالى:﴾ وأنزلنا من السماء ماء طهورا ﴿وقوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" وقوله: "القاتل لا يرث" وقوله: "لا توارث بين ملتين مختلفتين" وقوله: "الرقيق لا يرث" ما ورد كل هذا معا، بل على التدريج مع أن الكل بيان في وجوب قطع السرقة، ما ورد معا. وكذلك ما يدل على خروج أهل الذمة والصبيان والنسوان من عموم قوله تعالى:﴾ وقاتلوا المشركين ﴿ما ورد معا، بل كل ذلك على التدريج. وفي الجملة العلم بجواز التدريج في البيان كالعلم بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب بعد الاستقراء، فإنكاره مع الاعتراف بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب غير سائغ. وذهب الأقلون منهم: إلى أنه لا يجوز.

стр. 1801

محتجين بأن التنصيص على خروج البعض على مقتضى العموم يوهم اقتصار التخصيص فيه واستعمال العام في الباقي فلو كان شيء آخر مخصوصا عنه لزم التجهيل / (٣١٠/ب) والإلباس وهو غير جائز على الشارع. وجوابه: أن ترك بيان التخصيص حالة الخطاب بالعام، مع كونه ظاهرا في التعميم يوهم التعميم أيضا: لا بل يغلب الظن بذلك، فإذا لم يكن ذلك مانعا من التخصيص مع أن دلالته لفظية، فلأن لا يكون ذكر بعض المخصوص مانعا من التخصيص شيئا آخر مع أن دلالته على إثبات الحكم في غيره بجهة مفهوم الاسم بطريق الأولى. المسألة السادسة [في جواز تأخير تبليغ الوحي للرسول] القائلون: بعدم جواز تأخير البيان من وقت الخطاب. اختلفوا في أنه هل يجوز للرسول ﵇ تأخير تبليغ ما أوحى إليه من الأحكام إلى وقت الحاجة أم لا؟ فذهب الجماهير منهم إلى تجويزه. ومنع الباقون منه

стр. 1802

احتج المجوزون: بأن معرفة الأحكام إنما تجب بوجوب العمل بها، ولهذا لم يجب معرفة الأحكام التي لا يجب العمل بها، ولا عمل قبل الوقت فلا يجب معرفتها قبله، فلا يجب على النبي ﵇ تبليغها إذ ذاك، غذ الأصل عدم علة أخرى لأجلها يجب، ولأنه يحتمل أن يعلم الله تعالى في التقديم مفسدة وفي التأخير مصلحة، وحينئذ يكون الواجب هو التأخير] ويحتمل أن يعلم أن في التقديم مصلحة وفي التأخير مفسدة، وحينئذ يكون الواجب هو التقديم [، ويحتمل أن يعلم أن الأمرين على السوية، وحينئذ لا يكون التقديم واجبا أيضا: إذ الوجوب لا لمصلحة عبث غير جائز، وبتقدير أن يكون جائزا لكنه خلاف الأصل، فعدم وجوب التقديم يتحقق على احتمالين ووجوبه يتحقق على احتمال واحد، ولا شك أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد بعينه فعدم وجوب التقديم أغلب على الظن، ولا نعني بكون التقديم غير واجب سوى هذا، وأما مصلحة التوطين والتهيئ والعزم فبتقدير خلوها عن المعارض فمن لا يقتضي الوجوب، وإلا لجاز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، وهو غير جائز باتفاق بيننا.

стр. 1803

واحتج الباقون: بقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ﴿وظاهر الأمر للوجوب على الفور. وجوابه: منع أن ظاهره لهما، وإن سلم ذلك لكن لا نسلم أنه يتناول صورة النزاع، وهذا لأن المتبادر إلى الفهم من لفظ المنزل ومن قوله:﴾ ما أنزل إليك ﴿إنما هو القرآن فيجب تنزيله عليه دفعا للتجوز والاشتراك. المسألة السابعة اختلف القائلون بعدم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب: في جواز إسماع الله المكلف العام من غير إسماعه ما يخصصه . فذهب الأكثرون منهم: كالفقهاء، والنظام، وأبي هاشم، وأبي الحسين

стр. 1804

البصري إلى تجويزه. وذهب / (٣١١/أ) الأقلون منهم، كأبي الهذيل، والجبائي إلى المنع منه، هذا في المخصص السمعي. فأما في المخصص العقلي فاتفق الكل على جواز أن يسمع الله تعالى المكلف العام من غير أن يعلمه أن في العقل ما يخصصه. احتج الجمهور بوجوه: أحدها: أنه وقع ذلك فإن فاطمة وكثيرا من الصحابة ﵃ سمعوا قوله تعالى:﴾ يوصيكم الله في أولادكم ﴿الآية مع أنهم ما سمعوا قوله ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" إلا بعد وفاته.

стр. 1805

وكذلك سمع الأكثر منهم قوله تعالى:﴾ وقاتلوا المشركين كافة ﴿ولم يسمع قوله ﵇ في حق المجوسي: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" إلى زمان عمر ﵁، وفي الجملة لا حاجة إلى تعداد الصور، فإن العلم بوقوع ذلك يكاد أن يكون ضروريا، والمنصف من نفسه يعلم ذلك من حيث إنه كثير ما يسمع العام ولم يسمع جميع مخصصاته في تلك الساعة، ولو سئل أكثر علماء كل عصر عن ذلك لأخبر به فإنكار جوازه مكابرة للضروريات. وثانيها: أنه يجوز أن يسمع المكلف المنسوخ من غير أن يسمع الناسخ بدليل الوقوع فإن كثيرا من الصحابة ﵃ سمعوا قوله ﵇: "إنما الماء من الماء"، ولم يسمعوا قوله ﵇: "إذا التقى الختانان وجب الغسل"، وكذا سمعوا، أو علموا ما يدل على جواز المخابرة ولم

стр. 1806

يسمعوا نهيه ﵇ عنها حتى قال عبد الله بن عمر ﵄: (كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج ﵁ نهيه ﵇ عنها) وإذا جاز ذلك في الناسخ والمنسوخ، فلأن يجوز في العام وتخصصه بطريق الأولى، إذ المحذور فيه أقل. وثالثها: القياس على المخصص العقلي، فإنه يجوز بالاتفاق أن يسمع المكلف العام ولم يعلم مخصصه العقلي، فكذا يجوز أن يسمعه ولم يسمع مخصصه السمعي والجامع بينهما هو أنه متمكن من معرفة المراد بعد الطلب. واحتج الأقلون بوجوه: أحدها: أنه لو جاز أن يسمع المكلف العام ولم يسمع مخصصه، لوجب أن لا يجوز التمسك بالعام واعتقاد عمومه إلا بعد الطواف في الدنيا وسؤال علماء المشرق والمغرب أنه هل وجد له مخصص أم لا؟ وذلك يفضي إلى تعطيل العمومات بأسرها. وجوابه: منع الملازمة، وهذا لأنه مهما طلب بحيث يغلب على ظنه

стр. 1807

عدم المخصص بعده كفاه ذلك في وجوب التمسك به واعتقاد عمومه على سبيل الظن الغالب لا على الجزم والقطع، لأن العمل بالظن الغالب واجب، وهذا على رأي من يشترط / (٣١١/ب) طلب المخصص والتفتيش عنه في جواز التمسك به (واعتقاد عمومه فأما من لم يشترط ذلك بل يجوز التمسك به) ابتداء من غير طلب وتفتيش. فتقول: إن كون اللفظ ظاهرا في العموم محتملا للتخصيص يفيد ظن الاستغراق، والظن حجة في العمليات. وثانيها: أن سماع العام دون إسماع الخاص إغراء بالجهل، وجوابه ما سبق. وثالثها: أن العام المخصوص لا ينبئ عن المراد بدون المخصص فاسماعه وحده كاستعماله بدون القرينة المخصصة، وهو غير جائز بالاتفاق فكذا ما نحن فيه. وجوابه: أن التمكن من معرفة المراد غير حاصل فيما إذا لم يذكر المخصص، بخلاف ما إذا ذكروه ولم يسمعه المكلف، فإن التمكن من معرفة المراد حاصل بالطلب والتفتيش، فلا يلزم من عدم جواز ذلك عدم جواز

стр. 1808

هذا. تنبيه: اعلم أنا إذا قلنا: يجب اسماع الخاص لمن سمع العام، أو يجب بيان المجمل، أو بيان ما له ظاهر وأريد منه خلاف ظاهره فإنا لا نعني به أنه يجب ذلك لكل واحد من المكلفين، بل لبعضهم وهو من أراد الله تعالى منه أن يفهم حطابه وهم ضربان. أحدهما: الذين أراد منهم فهم الخطاب مع العمل بمقتضاه إن كان مقتضاه عملا، وهم العلماء بالنسبة إلى الخطاب المتضمن للأفعال كأفعال الصلاة والحج. وثانيهما: الذين أراد منهم الفهم دون العمل بمقتضاه وإن كان مقتضاه العمل، وهم العلماء من الرجال بالنسبة إلى الخطاب المتضمن لأحكام الحيض وأما البعض الآخر وهم الذين ما أراد الله منهم فهم خطابه وهم أيضا ضربان: أحدهما: الذين ما أراد منهم الفهم ولا العمل بمقتضاه، وهم أمتنا بالنسبة إلى الكتب السابقة، فإنه تعالى ما أراد منهم الفهم ولا العمل بمقتضاه. وثانيهما: الذين أراد منهم العمل بمقتضى الخطاب دون الفهم، وهم العوام بالنسبة إلى خطاب الصلاة والزكاة والحج، لأن فرضهم الاستعبا] د [دون الاجتهاد حتى يراد منهم فهم الخطاب.

стр. 1809

"النوع الثامن" الكلام في النص والظاهر والتأويل وهو مرتب على مقدمة ومسائل:

стр. 1810

النوع الثامن الكلام في النص والظاهر والتأويل وهو مرتب على مقدمة ومسائل: أما المقدمة: ففي تفسير هذه الألفاظ الثلاثة . واعلم أنا وإن كنا قد ذكرنا معاني هذه الألفاظ الثلاثة في اللغات فإنما نذكرها هاهنا مرة أخرى لمزيد فوائد لم نذكرها ثمة، ولما جرت عادة الأصوليين بذكرها في هذا المقام. أما النص فهو في اللغة: عبارة عن الظهور، يقال: نصت الظبية رأسها إذا رفعت. وأما في الاصطلاح / (٣١٢/أ) فيطلق على معان ثلاثة: أحدها: أنه يطلق على ما لا يحتمل من الألفاظ غير معنى واحد. وهذا هو الأشهر وهو الذي ذكرناه في اللغات. وحده على هذا قيل: إنه اللفظ الذي يفيد معنى ولا يحتمل غيره أصلا ولو على بعد كألفاظ العدد.

стр. 1811

"فاللفظ" وقع احترازا عن الفعل، ودليل العقل، فإن كان كل واحد منهما لا يسمى نصا، ولو فرض القطع بدلالتهما بحيث لا يحتمل غير ما دل عليه. فإن قلت: إنه غير جامع، لأن مفهوم الموافقة نص فيما يفيده وليس هو بلفظ. قلت: إن من يقول: إنما سميتموه بمفهوم الموافقة فإن دلالته لفظية فقط سقط عنه هذا السؤال. ومن لم يقل بذلك بل يقول: إن دلالته بحسب المفهوم من الفحوى فيحتمل أن يمنع منه، ويحتمل أن يسلم. وهو الذي دل عليه كلام إمام الحرمين، لكنه يقول: إنه وإن كان ليس بلفظ، لكنه مستفاد من فحوى اللفظ، فهو إذا آيل إلى اللفظ. وهذا بخلاف الفعل، فإنه وإن كان لا يدل على ما يدل عليه بواسطة اللفظ، لكنه غير مستفاد من اللفظ ولا من مدلوله بطريق الالتزام، بل هو مستقل في نفسه لا تعلق له باللفظ، وإنما يحتاج إلى اللفظ ليدل على كونه حجة، لا أنه في وجوده محتاج إليه كالمفهوم، فلا يلزم من كون الفحوى نصا، أن يكون الفعل نصاً أيضاً.

стр. 1812

واعلم أن في هذا الجواب شيئا لا يخفى عليك: فالأولى أن "يغير العبارة" على تقدير أن يكون مفهوم الموافقة نصا. ونذكر عبارة تتناول اللفظ والفحوى نحو أن يقال: كل خطاب واحد- وما يستفاد منه- يفيد معنى لا يحتمل غيره أصلا لا على قرب ولا على بعد. وقد خرج بقيد "الواحد" المجمل مع المبين فإنهما وإن أفادا معنى ولا يحتملا غيره، لكنهما ليسا بخطاب واحد، فلهذا لا يسمى نصا. وثانيها: أنه يطلق على ما يفيد من الألفاظ معنى، مع أنه يحتمل غيره احتمالا مرجوحا. وحده على هذا حد الظاهر، وسنذكره وكثيرا ما يطلق الشافعي ﵁ النص ويريد به هذا المعنى. وثالثها: أنه يطلق على ما يفيد من الألفاظ معنى، مع أنه لا يحتمل غيره احتمالا يعضده دليل، وذلك، إما بأن لا يحتمل غيره أصلا، أو وإن احتمل لكنه ليس يعضده دليل. وحده على هذا لا يخفى عليك.

стр. 1813

والمعنى الثاني أعم "من" المعنى الثالث" من وجه وهو أعم من الأول وبين الثاني وبين الأول مباينة. وأما الظاهر: في اللغة فهو عبارة عن الواضح المنكشف، يقال: ظهر الأمر إذا اتضح وانكشف / (٣١٢/ب). وأما في الاصطلاح: فيطلق على معنيين: أحدهما: أنه يطلق على ما يفيد من الألفاظ معنى مع أنه يحتمل غيره احتمالا مرجوحا. وهذا "هو" الذي ذكرناه في اللغات وهو المشهور. وحده على هذا: أنه اللفظ الذي يفيد معنى مع أنه يفيد غير إفادة مرجوحة. فقولنا" يفيد معنى، كالجنس يتناول الحقائق الثلاثة منفردة كانت أو مشتركة، والمجاز راجحا كان أو مرجوحا. وقولنا: إفادة مرجوحة، يخرج عنه الحقائق المشتركة والمجازات الغير الراجحة، وتبقى الحقائق المنفردة والمجازات الراجحة مندرجة تحت التعريف

стр. 1814

إذ اللفظ ظاهر بالنسبة إلى المجاز الراجح دون الحقيقة المرجوحة. وبهذا يعرف أن ما قيل في تعريفه: وهو أن اللفظ الظاهر: ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي مع أنه يحتمل غيره احتمالا مرجوحا. غير جامع، لأنه يخرج عنه المجاز الراجح، لأنه لا يدل على ما يدل عليه بأحد الوضعين المذكورين. وكذلك تخرج عنه الحقيقة الشرعية فإن الظاهر من قوله: أو العرفي إنما هو العرف العام أو الخاص دون عرف الشرع حتى يقال: أنه مندرج تحت قوله: أو العرفي. وثانيهما: أنه يطلق على ما يفيد من الألفاظ معنى سواء أفاد معه غيره إفادة مرجوحة أو لم يفده. فهذا أعم من كل ما تقدم من معنى النص والظاهر. وحده على هذا: أنه اللفظ الذي يفيد معنى سواء أفاد معه معنى آخر إفادة مرجوحة أو لم يفده.

стр. 1815

وأما التأويل: فهو في اللغة: عبارة عن الترجيع يقال: فلام يؤول الرؤيا أي يرده إلى ما ترجع إليه، ويقال: آل إليه الأمر أي رجع، وسيؤول إليك الأمر "أي" سيرجع ومنه قوله تعالى:﴾ ابتغاء تأويله ﴿أي] ما [يؤول إليه. وأما في الاصطلاح: فقد قال الشيخ الغزالي: وذكره الإمام أيضا: أنه عبارة عن احتمال يعضده دليل، يصير به أغلب على الظن، من المعنى الذي دل عليه الظاهر. وهذا لو صح: فإنه جعله عبارة عن نفس احتمال يعضده دليل وليس كذلك، فإنما هو تعريف للتأويل الصحيح الظني دون مطلق التأويل المتناول للصحيح والفاسد والظني والقطعي، لأنه اعتبر فيه الاعتضاد بدليل يصير به أغلب على الظن، والتأويل الفاسد ليس فيه الاعتضاد بدليل، والقطعي ليس فيه غلبة الظن بل القطع والجزم "به"، فالأولى أن يذكر على وجه يتناول

стр. 1816

الكل ويندفع عنه التجوز الذي فيه. فتقول: التأويل: عبارة عن صرف اللفظ عما دل عليه / (٣١٣/أ) بظاهره إلى ما يحتمله. فقولنا: صرف اللفظ، خير من قوله: إنه عبارة عن احتمال، إذ التأويل ليس نفس الاحتمال، بل هو لازمه. وخير أيضا من قول من قال: إنه عبارة عن حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع] احتماله له. لأن الحمل على غير مدلوله الظاهر [مع احتمال اللفظ له قد يكون ولا تأويل، وذلك عندما يحمل عليهما، ثم لا يظن أن هذا القدح إنما ينقدح أن لو جوز استعمال اللفظ في معنيين مختلفين، أما إذا لم يجوز فلا، لأن القدح على

стр. 1817

التقديرين منقدح، وهذا لأن التأويل لو كان عبارة عن حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر، فحيث يكون الحمل صحيحا كان التأويل صحيحا، وحيث يكون فاسدا يكون التأويل فاسدا، فجواز ذلك إنما "لو" يؤثر في صحة التأويل لا في تحقق ماهيته، فكان ينبغي أن يكون التأويل فاسدا إذ ذاك "إذ" الحد لمطلق التأويل المتناول للصحيح والفاسد باعتراف قائله. وقولنا: بظاهره، وقع احترازا عن المشترك فإنه وإن صرف عن أحد مدلوليه إلى الآخر، فإنه لا يسمى تأويلا لما أنه ليس بظاهر فيه. وقولنا: إلى ما يحتمله احترازا عما إذا صرف إلى ما لا يحتمله، نحو أن يصرف النص إلى غير مدلوله، أو الظاهر إلى ما لا يحتمله، فإن صرفه إليه لا يسمى تأويلا لما أنه غير محتمل. فإن أردت حد التأويل الصحيح فزده في أخره. وقولنا: لدليل يعضده. ومما سبق يعرف أن المجمل والنص لا يتطرق إليهما التأويل، ثم اعلم أنه ليس كل احتمال يعضده دليل فهو تأويل صحيح مقبول، بل ذلك يختلف باختلاف ظهور المؤول، فإن كان دلالة المؤول على المؤول إليه مع الدليل الخارجي تزيد على دلالته على ما هو ظاهر فيه قبل وإلا فلا. وقد جرت عادة الأصوليين تذكر ضروبا من التأويلات في هذا المقام ليتميز

стр. 1818

الصحيح عن الفاسد حتى يقاس عليها غيرها ويتدرب فيه المبتدئ ويتمرن الناظر فيه ويتثقف فلنذكر نحن] فيه [أيضا ضروبا منها اقتداء بهم وكيلا يخلو كتابنا عن هذه الفائدة هذا تمام الكلام في المقدمة. وأما المسائل ففي ذكر التأويلات. المسألة الأولى ذهب الشافعي ﵁ إلى أن الكافر إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، فإن له أن يختار أربعا منهن سواء عقد عليهن معا، او على التفريق سواء اختار الأوائل منهن أو الأواخر ، وكذلك لو أسلم على أختين فإن له أن يختار إحداهما، كيف كان العقد، أولاهما "كانت" أو أخراهما. وقال أبو حنيفة- ﵁: إن وقع العقد على التفريق واختار الأوائل منهن صح وإلا فلا. احتج الشافعي رضي / (٣١٣/ب) الله عنه في ذلك، بما روى عنه ﵇ أنه قال لابن غيلان وقد أسلم على عشر نسوة: "أمسك أربعاً وفارق

стр. 1819

سائرهن" وبما روي عنه ﵇ أنه قال: لفيروز الديلمي وقد أسلم على أختين "أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى" ووجه الاحتجاج به من وجهين: أحدهما: وهو ما ذكرناه من أن ترك الاستفصال في حكاية الحال ينزل منزلة العموم من المقال. وثانيهما: أن ظاهر قوله: أمسك أربعا، يقتضي جواز أمسك أي أربع:

стр. 1820

كان فتخصيص جواز إمساك الأربع الأول دون غيرهم خلاف الظاهر. وأما الحديث الثاني: فتزيد دلالته من حيث إنه فوض الإمساك إلى مشيئة الزوج وهو صريح في إثبات التخيير وهو مناقض للتعيين. وأما الخصم فقد أوله بتأويلات ثلاثة: أحدها: أن المراد بالإمساك النكاح فمعنى قوله: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" أي انكح أربعا منهن ولا تنكح سائرهن. وثانيها: لعل النكاح وقع على التفريق فأمر بإمساك الأولى منهن. وثالثها: أنه وإن كان وقع العقد عليهن معا، لكن لعله قبل حصر عدد النساء وقبل تحريك الجمع بين الأختين، وحينئذ يكون العقد على وفق الشرع لا على خلافه. واعلم أن هذه التأويلات ضعيفة. أما الأول: فهو أن إطلاق الإمساك وإرادة ابتداء النكاح منه، وإن كان خلاف الظاهر إذ الظاهر منه استدامة النكاح لا التجديد لكنه ليس ببدع من الإطلاق والاستعمال أيضا، لو قيل بأن المجاز لم يتوقف على السماع البينة، لأنه من باب إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب وهو مجاز مشهور لكنه

стр. 1821

قد حصل من القرائن ما يضعف إرادته منه. ويعضد إرادة ظاهر الإمساك منه، وهي من وجوه: أحدها: أنه فوض الإمساك والفراق إلى الزوج، ولو كان المراد منهما الإنكاح وعدمه لما كان كذلك، إذ الإنكاح متوقف على رضا الزوجة والفراق بحاصل بنفس الإسلام عندهم. وثانيها: أنا نعلم أن السائل والحاضرين من الصحابة لم يفهموا منه إلا ظاهره، وهو الاستدامة] و [لو كان المراد منه الابتداء لما أخلاه عن القرينة إذ هو وقت الحاجة والإحالة إلى القياس غير جائز إذ السائل ليس أهلا لذلك، لحداثة عهده بالإسلام. وثالثها: أنه لو كان المراد منه ابتداء النكاح لذكر له شرائط النكاح وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والاعتماد على معرفته بالبيان السابق غير جائز لما سبق. ورابعها: أن الظاهر من حال السائل امتثال / (٣١٤/أ) أمر النبي ﷺ بالإمساك. ولم ينقل أحد من الرواة أنه جدد النكاح، ولو كان ذلك لنقل، ولا يعارض بأنه لم ينقل استدامة النكاح ولا الفراق، ولو كان ذلك لنقل، لأن ذلك على وفق الاستصحاب وليس على خلافه، بخلاف تجديد النكاح فإنه خلاف الاستصحاب وخلاف ظاهر الإمساك المأمور به، فكانت الدواعي

стр. 1822

تتوفر على نقله. وخامسها: انه إنما سأل عن الإمساك والفراق بمعنى استدامة النكاح وانقطاعه، لا بمعنى تجديد النكاح وعدمه، فلو حمل الإمساك في الجواب على ما ذكروه لزم أن يكون الجواب غير مطابق للسؤال وهو خلاف الأصل. وسادسها: أن قوله: "أمسك" و"فارق" أمر هو يقتضي الوجوب أو الندب، أو القدر المشترك بينهما ظاهرا، والتزوج من العشر، أو من الأختين ليس بواجب ولا ندب والمفارقة بمعنى عدم الإنكاح ليس بفعل حتى يكون مأمورا بها فلا يكون كل واحد منهما مأمورا به. ولقائل أن يقول: هذا معارض بمثله فإن الإمساك بمعنى الاستدامة والاستصحاب ليس بواجب ولا ندب أيضا. ولا يدفع هذا بمنع عدم وجوبه وندبيته بناء على أن أصل النكاح قد يكون واجبا وقد يكون نديا، فاستدامته في تلك الحال بعينها أوجب وأندب لما فيه من استجلاب القلوب وتأليفها للإسلام وعدم التنفير عنه وكف الإيذاء، لأنه لا يلزم من وجوب أصل النكاح أو ندبيته في حالة وجوب الاستدامة أو ندبيتها في تلك الحالة، لاحتمال أن يسرحها ويتزوج بأخرى، والواجب ليس إلا للامتناع عن الوقوع في الزنا وهو يحصل بأخرى، ولأن وجوب الاستدامة أو ندبيتها يقتضي وجوب استدامة نكاح امرأة بعينها وهي غير واجبة بحال. وسابعها: أن الزوج ربما أراد أن لا ينكحهن بسبب ما نحو ميله عنهن، فكيف خص فيهن التزويج، بل كان ينبغي أن يقول ﵇ أنكح أربعاً

стр. 1823

ممن شئت من نساء العالم. وأما التأويل الثاني: فهو أيضا ضعيف. أما أولا: فلأن قوله لزوج الأختين: "امسك أيتهما شئت وفارق الأخرى" ينفي ذلك بصراحته. واما ثانيا: فلما روى أنه قال لواحد وقد أسلم على خمس نسوة: "اختر أربعا منهن وفارق واحدة منهن" قال الزوج: (فعمدت إلى أقدمهن عندي ففارقتها) لو كان المراد منه الأول لما فعل الزوج ما فعل ولما قدم عليه، إذ الظاهر بلوغ هذا الخبر إلى الرسول والصحابة. وأما الثالث: فهو أيضا ضعيف، لأن الظاهر "أن" حصر / (٣١٤/ب) عدد النساء وتحريم الجمع بين الأختين كان ثابتا أيضا في ابتداء الإسلام، وإلا

стр. 1824

لما أطبق الجميع على عدم الزيادة على الأربع، وعلى عدم الجمع بين الأختين عادة لا سيما أنهم هم الناكحون، ويدل على الإطباق أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه فعل ذلك، وبتقدير أن لم ينقل ذلك لوجب أن ينقل مفارقته عند نزول الحصر، كما نقل التحول إلى الكعبة في الصلاة عند نزوله آية التوجه إليها، وكما نقل كسر جرار الخمر عند تحريمها،

стр. 1825

وغيرهما من الأحكام، فإن الظاهر استمرار النكاح إلى وقت نزول آية الحصر. وقوله تعالى:﴾ وأن تجعلوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴿لا يدل على جوازه في ابتداء الإسلام، لاحتمال أن يكون المراد منه قبل الإسلام زمان الجاهلية، ثم هذا الاحتمال مؤكد بما روى عن أئمة التفسير أنهم قالوا: أن المراد من قوله تعالى:﴾ إلا ما قد سلف ﴿زمان الجاهلية قبل بعثه ﵇. فإن قلت: فقوله تعالى في آخر الآية:﴾ إن الله كان غفورا رحيما ﴿يدل على أنه كان في صدر الإسلام جائز وإلا فذكر المغفرة عقيب فعل
следующие страницы →